الريف اللبناني ينتعش بسواعد الجيل الشاب... ومنطقة الباروك تقدِّم النموذج

يمتدُّ مشروع «Farmville» على مساحة 10 آلاف متر مربَّع ويظلِّله أرز الباروك المعمِّر (الشرق الأوسط)
يمتدُّ مشروع «Farmville» على مساحة 10 آلاف متر مربَّع ويظلِّله أرز الباروك المعمِّر (الشرق الأوسط)
TT

الريف اللبناني ينتعش بسواعد الجيل الشاب... ومنطقة الباروك تقدِّم النموذج

يمتدُّ مشروع «Farmville» على مساحة 10 آلاف متر مربَّع ويظلِّله أرز الباروك المعمِّر (الشرق الأوسط)
يمتدُّ مشروع «Farmville» على مساحة 10 آلاف متر مربَّع ويظلِّله أرز الباروك المعمِّر (الشرق الأوسط)

الريف اللبناني ثروة لا يُدرِك قيمتها سوى قاطنيه، ولا سيما كبار السنِّ منهم. الريف أو «الضيعة»، كما يسمِّيه اللبنانيون، ليس طبيعة خلَّابة فحسب، وفصولاً تتحوَّل إلى لوحاتٍ ربيعيَّة وشتويَّة، وعاداتٍ وتقاليد يتناقلها الأهالي أباً عن جدٍّ. القرية اللبنانية أكثرُ من ذلك، فهي خزَّانٌ بيئي وزراعي وسياحي ينتظر فقط مَن يعرف كيف ينهل منه.

رغم ذلك، فإنَّ مفهوم التنمية الريفيَّة ما زال غريباً على البلد وأهله، وسط غيابٍ شبه تامٍّ للمبادرات الرسمية في هذا الإطار. تبقى بالتالي المبادرات الفرديَّة التي قد تولد من فكرة في رأسِ شاب، وهو يسمع الموسيقى أو يمارس التأمُّل في أرض العائلة الجرداء، محاطاً ببعض أشجار الصنوبر.

هكذا بدأت حكاية سيزار محمود الذي حوَّل أرضاً توارثَها أهله عن أجداده في الباروك، من عقارٍ مهجور إلى مشروعٍ يُدرُّ المال والآمال على البلدة وجوارها، في منطقة الشوف بجبل لبنان.

وضع سيزار محمود التنمية الريفية والسياحة المستدامة في صدارة اهتماماته (الشرق الأوسط)

عام 2017، وبعد أن نال شهادته الجامعية في علوم التسويق، قرر محمود تحويل منزل العائلة بمحاذاة الأرض، إلى بيت ضيافة يستقبل السيَّاح والزوَّار. لم يكن قد بلغ الـ25 من عمره حينها، فإن أفكاره فاقت عدد سنواته. خاطر بالرصيد المصرفي، وبعلاقته مع أفراد العائلة، عندما قرر استقدام منازل خشبية صغيرة إلى العقار. راهنَ على حلمه بالاكتفاء الذاتي، وبنشر ثقافة السياحة المستدامة والتنمية الريفية، واستوحى الاسم من لعبة إلكترونية كانت رائجة في تلك الآونة، «Farmville Barouk» مع أن لا شيء افتراضياً أو رقمياً في المكان.

البيوت الخشبية التي تستضيف زوَّار «Farmville» (الشرق الأوسط)

اتَّسعت الـ10 آلاف متر مربَّع لبيت الضيافة، وللمنازل الخشبية، ولمساحاتٍ خضراء تستقبل الزوَّار في إقامة غير تقليديَّة. لن يصحوا هنا على منبِّه الغرفة، إنما على صياح الديك، ثم سيجمعون بأنفسهم مكوِّنات الفطور، قاطفين الخضراوات العضويَّة الطازجة، وجامعين البيض البلدي من قنِّ الدجاج.

وفي مطبخ «Farmville» تُعدُّ سيِّدات من البلدة الطعام، من مناقيش، وبيض بالقاورما، وفول، وغيرها من الأطباق التقليدية.

باستطاعة الزوَّار أن يجمعوا بأنفسهم مكوِّنات الفطور الطازج (الشرق الأوسط)

ثم تنطلق الرحلة إلى أعالي الباروك؛ حيث محميَّة أرز الشوف التي تظلِّل برهبتِها المشروع السياحي وسائر المنطقة. «نحن جزء من المحيط الحيوي للمحميَّة التي تحاكي السياحة البيئية، منذ تأسيسها عام 1996»، هذا ما قاله محمود لـ«الشرق الأوسط».

ويضيف الشاب الذي بدأ مشواره موظفاً في المحميَّة، فنبتت أحلامه بين جذوع أرزِها المعمِّر: «زوَّار هذا المكان لا يأتون من أجل (ستوري) على (إنستغرام) أو جلسة في مطعم؛ بل يقصدون الطبيعة الشوفيَّة لاختبارها، وللتعرُّف إلى المجتمع المحلي». هي سياحة تجمع بين الترفيه والأهداف البيئية والصحية.

أما محبُّو المغامرة، فبإمكانهم اكتشاف غابة أرز الشوف عبر الطيران الشراعي، ومن على ارتفاع 1900 متر.

الطيران الشراعي على ارتفاع 1900 متر فوق غابة أرز الباروك (الشرق الأوسط)

ولأنَّ الطبيعة مُلهِمة وولَّادة أفكار، لا تتوقَّف التجربة عند الإقامة في «Farmville» وزيارة المحميَّة؛ بل تنسحب على أنشطة متنوِّعة. منها ما هو داخل المكان، ومنها ما يحصل خارجه، بما أنَّ شبكة من المشاريع السياحية الريفيَّة الهادفة قد انبثقت عن المشروع الأساسي. فسحة إبداعيَّة يقدِّمها «استوديو الفنون»؛ حيث بإمكان الزوَّار أن يتعلَّموا صناعة الفخَّار، وممارسة هواية الرسم، والمشاركة في أنشطة ثقافية عدة.

كما يفتح المشروع أبواب متجره الصغير أمام الحرفيين من ذوي الاحتياجات الخاصة، لبيع منتجاتهم من صابون، وخزَف، وحليٍّ، وسواها من إكسسوارات.

في الاستوديو التابع للمشروع بإمكان الزوَّار تعلُّم صناعة الفخَّار والرسم (الشرق الأوسط)

لا تعود الفائدة في «Farmville» على الزوَّار فحسب؛ بل على أهالي المنطقة كذلك. فبالتعاون مع جهاتٍ غربية مانحة، أسس محمود «المطبخ المجتمعي» الذي يستقبل السكَّان المحليين إن أرادوا أن يصنعوا فيه مؤونتهم بواسطة المعدَّات الحديثة التي يضعها في خدمتهم. هذه التعاونية الزراعية هي بمنزلة ملتقى للأهالي الذين يقصدونها لطحن الكشك، أو عصر منتوجهم من الطماطم، وسواها من المحاصيل الزراعية والغذائية.

ليست التنمية المستدامة أنانية، فهي تقوم على مبدأ الشراكة. «إذا كان جارُك بخير فأنت بخير»، مقولة يردِّدها أهل الريف في لبنان، ويستلهمها سيزار محمود. لذلك، فقد حوَّل مشروعه الحلم إلى شبكة من المشاريع، حقَّق عبرها أحلام أشخاصٍ آخرين من أهالي المنطقة.

الفطور والغداء والعشاء من صناعة سيِّدات البلدة (الشرق الأوسط)

انبثقت عن «Farmville» مبادراتٌ ريفيَّة قوامُها السياحة المستدامة. دعمَ محمود لميا، السيِّدة التي حوَّلت بيتها الصغير إلى دار ضيافة تُعلِّم فيه الزوَّار أصول الطبخ اللبناني. فبعد أن طوَت لميا سنواتٍ في قطاع التدريس، ها هي تخوض تجربة من نوعٍ جديد جعلتها تحقِّق ذاتها معيشياً، وحوَّلتها إلى قدوة في قريتها. «وبذلك نكون، ومن قلب قرية بريح الصغيرة، قد نفَّذنا شعار تمكين المرأة»، كما قال محمود.

صارت لميا قدوة في قريتها بعد أن حوَّلت منزلها إلى دار للضيافة وتعليم الطبخ (إنستغرام)

أما ليلى وسجيع، اللذان تقاعدا من الوظيفة في الجامعة اللبنانية، وكادا يغرقان في إحباط التقاعد، فعادا إلى الفرح والإيجابية والتطوُّر. في بلدتهما عين وزين، حوَّلا بيتهما إلى طاولة ضيافة تعجُّ بمحبِّي الطعام العضوي التقليدي، والطبيعة اللبنانية الساحرة.

جلسة قرويَّة لبنانية بامتياز في بيت ليلى وسجيع الذي تحوَّل هو أيضاً إلى دار للضيافة (إنستغرام)

ومن بين المشاريع الرديفة والهادفة للتنمية الريفية: «مزرعة الحمير» (Donkey Farm)؛ حيث يحظى الزوَّار بفرصة الاقتراب من أحد ألطف المخلوقات والاعتناء به. ولا يقتصر الأمر على الحمار؛ بل يتعرَّف الزوَّار، كباراً وصغاراً، إلى سائر حيوانات المزرعة، كالدواجن والمواشي، كما يعتنون بالخضراوات الموسمية، ويقطفون العسل، ويقطِّرون الأعشاب؛ كل ذلك في إطار التوعية البيئية.

في «مزرعة الحمير» تتنوَّع الأنشطة ما بين التعرُّف على حيوانات المزرعة وقطف العسل (الشرق الأوسط)

ولمَن ظنُّوا أنَّ الحياة نسيَتهم، يفتح المشروع أبواب الأمل. «خالتي رهيجة» خير مثال. فالثمانينيَّة التي تصنع منذ الصغر الكانون التقليدي (أو الموقد) من مادَّة الطين، وجدت مَن يُنعش شغفها ويمنحه هوية وانتشاراً. يزورها روَّاد منطقة الباروك من ضمن جولتهم، يستمعون منها إلى حكايات القرية، ويتذوَّقون حلواها التقليدية، كما يتعلَّمون صناعة الكانون. «كانون رهيجة سافر معنا إلى إسبانيا وتونس، وعرضناه في جامعات إيطاليا، بالتعاون مع منظمات غير حكومية وهيئات تربوية»، كما أخبر محمود.

«خالتي رهيجة» المتخصصة في صناعة كانون الطين (الشرق الأوسط)

لم تنعش تلك المشاريع السياحة في المنطقة فحسب؛ بل جذَّرت مجموعة كبيرة من الأهالي في أرضهم. حتى اليوم، أمَّن مشروع سيزار محمود الإنمائي، بما انبثق عنه من مبادرات، أكثر من 70 فرصة عمل، مستقبلاً نحو 25 ألف سائح وزائر. كل ذلك إيماناً بأنَّ ثروة لبنان الريفيَّة لا تستحق المشاهَدة والتصوير فحسب، إنما يجب أن تُحصَّن بالاستدامة.


مقالات ذات صلة

«المنتدى السعودي للأبنية الخضراء» يوسّع شراكاته الأممية لدعم المدن المستدامة

الاقتصاد جانب من مشاركة منتدى الأبنية الخضراء في إحدى المناسبات الدولية (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للأبنية الخضراء» يوسّع شراكاته الأممية لدعم المدن المستدامة

كشف المنتدى السعودي للأبنية الخضراء عن مساعٍ لتطوير مسارات المدن المستدامة، والعمل مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية في دعم الوظائف الخضراء.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الاقتصاد وزير البلديات والإسكان السعودي يفتتح معرض «سيتي سكيب 2025»... (إكس)

صفقات عقارية مرتقبة تتجاوز 43 مليار دولار في «سيتي سكيب» بالسعودية

كشف وزير البلديات والإسكان السعودي، ماجد الحقيل، عن أن معرض «سيتي سكيب 2025» سيشهد توقيع اتفاقيات وصفقات عقارية بأكثر من 161 مليار ريال (43 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رئيس اللجنة التنفيذية والرئيس التنفيذي بالإنابة لمعهد «مبادرة مستقبل الاستثمار»... (الموقع الرسمي)

السعودية تختتم مؤتمر «مستقبل الاستثمار» بإضاءة مستقبل الاقتصاد العالمي

استعرضت الجلسات الختامية للنسخة التاسعة من مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» ملامح النمو المتسارع في قطاعات الاستثمار السعودية.

عبير حمدي (الرياض) زينب علي (الرياض)
الاقتصاد خلال تنفيذ المرحلة الأولى من أكبر مشروع تراثي وثقافي في العالم لتطوير «الدرعية التاريخية» (واس)

«الدرعية» ترسي عقداً بـ56 مليون دولار على «بارسونز» لأعمال التصميم والإشراف

فازت شركة «بارسونز»، المدرجة في بورصة نيويورك، بعقد جديد بالمرحلة الثانية من مشروع الدرعية، التابع لـ«صندوق الاستثمارات العامة» السعودي، بقيمة 210 ملايين ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الرئيس التنفيذي لشركة «إكسبو 2030 الرياض» خلال إحدى جلسات النسخة الـ9 من مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»... (الشرق الأوسط)

السعودية: البنية التحتية لـ«إكسبو 2030» تبدأ قبل نهاية العام

قال الرئيس التنفيذي لشركة «إكسبو 2030 الرياض»، طلال المري، إن العمل على البنية التحتية للمعرض سيبدأ قبل نهاية العام الحالي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».