الريف اللبناني ينتعش بسواعد الجيل الشاب... ومنطقة الباروك تقدِّم النموذج

يمتدُّ مشروع «Farmville» على مساحة 10 آلاف متر مربَّع ويظلِّله أرز الباروك المعمِّر (الشرق الأوسط)
يمتدُّ مشروع «Farmville» على مساحة 10 آلاف متر مربَّع ويظلِّله أرز الباروك المعمِّر (الشرق الأوسط)
TT

الريف اللبناني ينتعش بسواعد الجيل الشاب... ومنطقة الباروك تقدِّم النموذج

يمتدُّ مشروع «Farmville» على مساحة 10 آلاف متر مربَّع ويظلِّله أرز الباروك المعمِّر (الشرق الأوسط)
يمتدُّ مشروع «Farmville» على مساحة 10 آلاف متر مربَّع ويظلِّله أرز الباروك المعمِّر (الشرق الأوسط)

الريف اللبناني ثروة لا يُدرِك قيمتها سوى قاطنيه، ولا سيما كبار السنِّ منهم. الريف أو «الضيعة»، كما يسمِّيه اللبنانيون، ليس طبيعة خلَّابة فحسب، وفصولاً تتحوَّل إلى لوحاتٍ ربيعيَّة وشتويَّة، وعاداتٍ وتقاليد يتناقلها الأهالي أباً عن جدٍّ. القرية اللبنانية أكثرُ من ذلك، فهي خزَّانٌ بيئي وزراعي وسياحي ينتظر فقط مَن يعرف كيف ينهل منه.

رغم ذلك، فإنَّ مفهوم التنمية الريفيَّة ما زال غريباً على البلد وأهله، وسط غيابٍ شبه تامٍّ للمبادرات الرسمية في هذا الإطار. تبقى بالتالي المبادرات الفرديَّة التي قد تولد من فكرة في رأسِ شاب، وهو يسمع الموسيقى أو يمارس التأمُّل في أرض العائلة الجرداء، محاطاً ببعض أشجار الصنوبر.

هكذا بدأت حكاية سيزار محمود الذي حوَّل أرضاً توارثَها أهله عن أجداده في الباروك، من عقارٍ مهجور إلى مشروعٍ يُدرُّ المال والآمال على البلدة وجوارها، في منطقة الشوف بجبل لبنان.

وضع سيزار محمود التنمية الريفية والسياحة المستدامة في صدارة اهتماماته (الشرق الأوسط)

عام 2017، وبعد أن نال شهادته الجامعية في علوم التسويق، قرر محمود تحويل منزل العائلة بمحاذاة الأرض، إلى بيت ضيافة يستقبل السيَّاح والزوَّار. لم يكن قد بلغ الـ25 من عمره حينها، فإن أفكاره فاقت عدد سنواته. خاطر بالرصيد المصرفي، وبعلاقته مع أفراد العائلة، عندما قرر استقدام منازل خشبية صغيرة إلى العقار. راهنَ على حلمه بالاكتفاء الذاتي، وبنشر ثقافة السياحة المستدامة والتنمية الريفية، واستوحى الاسم من لعبة إلكترونية كانت رائجة في تلك الآونة، «Farmville Barouk» مع أن لا شيء افتراضياً أو رقمياً في المكان.

البيوت الخشبية التي تستضيف زوَّار «Farmville» (الشرق الأوسط)

اتَّسعت الـ10 آلاف متر مربَّع لبيت الضيافة، وللمنازل الخشبية، ولمساحاتٍ خضراء تستقبل الزوَّار في إقامة غير تقليديَّة. لن يصحوا هنا على منبِّه الغرفة، إنما على صياح الديك، ثم سيجمعون بأنفسهم مكوِّنات الفطور، قاطفين الخضراوات العضويَّة الطازجة، وجامعين البيض البلدي من قنِّ الدجاج.

وفي مطبخ «Farmville» تُعدُّ سيِّدات من البلدة الطعام، من مناقيش، وبيض بالقاورما، وفول، وغيرها من الأطباق التقليدية.

باستطاعة الزوَّار أن يجمعوا بأنفسهم مكوِّنات الفطور الطازج (الشرق الأوسط)

ثم تنطلق الرحلة إلى أعالي الباروك؛ حيث محميَّة أرز الشوف التي تظلِّل برهبتِها المشروع السياحي وسائر المنطقة. «نحن جزء من المحيط الحيوي للمحميَّة التي تحاكي السياحة البيئية، منذ تأسيسها عام 1996»، هذا ما قاله محمود لـ«الشرق الأوسط».

ويضيف الشاب الذي بدأ مشواره موظفاً في المحميَّة، فنبتت أحلامه بين جذوع أرزِها المعمِّر: «زوَّار هذا المكان لا يأتون من أجل (ستوري) على (إنستغرام) أو جلسة في مطعم؛ بل يقصدون الطبيعة الشوفيَّة لاختبارها، وللتعرُّف إلى المجتمع المحلي». هي سياحة تجمع بين الترفيه والأهداف البيئية والصحية.

أما محبُّو المغامرة، فبإمكانهم اكتشاف غابة أرز الشوف عبر الطيران الشراعي، ومن على ارتفاع 1900 متر.

الطيران الشراعي على ارتفاع 1900 متر فوق غابة أرز الباروك (الشرق الأوسط)

ولأنَّ الطبيعة مُلهِمة وولَّادة أفكار، لا تتوقَّف التجربة عند الإقامة في «Farmville» وزيارة المحميَّة؛ بل تنسحب على أنشطة متنوِّعة. منها ما هو داخل المكان، ومنها ما يحصل خارجه، بما أنَّ شبكة من المشاريع السياحية الريفيَّة الهادفة قد انبثقت عن المشروع الأساسي. فسحة إبداعيَّة يقدِّمها «استوديو الفنون»؛ حيث بإمكان الزوَّار أن يتعلَّموا صناعة الفخَّار، وممارسة هواية الرسم، والمشاركة في أنشطة ثقافية عدة.

كما يفتح المشروع أبواب متجره الصغير أمام الحرفيين من ذوي الاحتياجات الخاصة، لبيع منتجاتهم من صابون، وخزَف، وحليٍّ، وسواها من إكسسوارات.

في الاستوديو التابع للمشروع بإمكان الزوَّار تعلُّم صناعة الفخَّار والرسم (الشرق الأوسط)

لا تعود الفائدة في «Farmville» على الزوَّار فحسب؛ بل على أهالي المنطقة كذلك. فبالتعاون مع جهاتٍ غربية مانحة، أسس محمود «المطبخ المجتمعي» الذي يستقبل السكَّان المحليين إن أرادوا أن يصنعوا فيه مؤونتهم بواسطة المعدَّات الحديثة التي يضعها في خدمتهم. هذه التعاونية الزراعية هي بمنزلة ملتقى للأهالي الذين يقصدونها لطحن الكشك، أو عصر منتوجهم من الطماطم، وسواها من المحاصيل الزراعية والغذائية.

ليست التنمية المستدامة أنانية، فهي تقوم على مبدأ الشراكة. «إذا كان جارُك بخير فأنت بخير»، مقولة يردِّدها أهل الريف في لبنان، ويستلهمها سيزار محمود. لذلك، فقد حوَّل مشروعه الحلم إلى شبكة من المشاريع، حقَّق عبرها أحلام أشخاصٍ آخرين من أهالي المنطقة.

الفطور والغداء والعشاء من صناعة سيِّدات البلدة (الشرق الأوسط)

انبثقت عن «Farmville» مبادراتٌ ريفيَّة قوامُها السياحة المستدامة. دعمَ محمود لميا، السيِّدة التي حوَّلت بيتها الصغير إلى دار ضيافة تُعلِّم فيه الزوَّار أصول الطبخ اللبناني. فبعد أن طوَت لميا سنواتٍ في قطاع التدريس، ها هي تخوض تجربة من نوعٍ جديد جعلتها تحقِّق ذاتها معيشياً، وحوَّلتها إلى قدوة في قريتها. «وبذلك نكون، ومن قلب قرية بريح الصغيرة، قد نفَّذنا شعار تمكين المرأة»، كما قال محمود.

صارت لميا قدوة في قريتها بعد أن حوَّلت منزلها إلى دار للضيافة وتعليم الطبخ (إنستغرام)

أما ليلى وسجيع، اللذان تقاعدا من الوظيفة في الجامعة اللبنانية، وكادا يغرقان في إحباط التقاعد، فعادا إلى الفرح والإيجابية والتطوُّر. في بلدتهما عين وزين، حوَّلا بيتهما إلى طاولة ضيافة تعجُّ بمحبِّي الطعام العضوي التقليدي، والطبيعة اللبنانية الساحرة.

جلسة قرويَّة لبنانية بامتياز في بيت ليلى وسجيع الذي تحوَّل هو أيضاً إلى دار للضيافة (إنستغرام)

ومن بين المشاريع الرديفة والهادفة للتنمية الريفية: «مزرعة الحمير» (Donkey Farm)؛ حيث يحظى الزوَّار بفرصة الاقتراب من أحد ألطف المخلوقات والاعتناء به. ولا يقتصر الأمر على الحمار؛ بل يتعرَّف الزوَّار، كباراً وصغاراً، إلى سائر حيوانات المزرعة، كالدواجن والمواشي، كما يعتنون بالخضراوات الموسمية، ويقطفون العسل، ويقطِّرون الأعشاب؛ كل ذلك في إطار التوعية البيئية.

في «مزرعة الحمير» تتنوَّع الأنشطة ما بين التعرُّف على حيوانات المزرعة وقطف العسل (الشرق الأوسط)

ولمَن ظنُّوا أنَّ الحياة نسيَتهم، يفتح المشروع أبواب الأمل. «خالتي رهيجة» خير مثال. فالثمانينيَّة التي تصنع منذ الصغر الكانون التقليدي (أو الموقد) من مادَّة الطين، وجدت مَن يُنعش شغفها ويمنحه هوية وانتشاراً. يزورها روَّاد منطقة الباروك من ضمن جولتهم، يستمعون منها إلى حكايات القرية، ويتذوَّقون حلواها التقليدية، كما يتعلَّمون صناعة الكانون. «كانون رهيجة سافر معنا إلى إسبانيا وتونس، وعرضناه في جامعات إيطاليا، بالتعاون مع منظمات غير حكومية وهيئات تربوية»، كما أخبر محمود.

«خالتي رهيجة» المتخصصة في صناعة كانون الطين (الشرق الأوسط)

لم تنعش تلك المشاريع السياحة في المنطقة فحسب؛ بل جذَّرت مجموعة كبيرة من الأهالي في أرضهم. حتى اليوم، أمَّن مشروع سيزار محمود الإنمائي، بما انبثق عنه من مبادرات، أكثر من 70 فرصة عمل، مستقبلاً نحو 25 ألف سائح وزائر. كل ذلك إيماناً بأنَّ ثروة لبنان الريفيَّة لا تستحق المشاهَدة والتصوير فحسب، إنما يجب أن تُحصَّن بالاستدامة.


مقالات ذات صلة

«المنتدى السعودي للأبنية الخضراء» يوسّع شراكاته الأممية لدعم المدن المستدامة

الاقتصاد جانب من مشاركة منتدى الأبنية الخضراء في إحدى المناسبات الدولية (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للأبنية الخضراء» يوسّع شراكاته الأممية لدعم المدن المستدامة

كشف المنتدى السعودي للأبنية الخضراء عن مساعٍ لتطوير مسارات المدن المستدامة، والعمل مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية في دعم الوظائف الخضراء.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الاقتصاد وزير البلديات والإسكان السعودي يفتتح معرض «سيتي سكيب 2025»... (إكس)

صفقات عقارية مرتقبة تتجاوز 43 مليار دولار في «سيتي سكيب» بالسعودية

كشف وزير البلديات والإسكان السعودي، ماجد الحقيل، عن أن معرض «سيتي سكيب 2025» سيشهد توقيع اتفاقيات وصفقات عقارية بأكثر من 161 مليار ريال (43 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رئيس اللجنة التنفيذية والرئيس التنفيذي بالإنابة لمعهد «مبادرة مستقبل الاستثمار»... (الموقع الرسمي)

السعودية تختتم مؤتمر «مستقبل الاستثمار» بإضاءة مستقبل الاقتصاد العالمي

استعرضت الجلسات الختامية للنسخة التاسعة من مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» ملامح النمو المتسارع في قطاعات الاستثمار السعودية.

عبير حمدي (الرياض) زينب علي (الرياض)
الاقتصاد خلال تنفيذ المرحلة الأولى من أكبر مشروع تراثي وثقافي في العالم لتطوير «الدرعية التاريخية» (واس)

«الدرعية» ترسي عقداً بـ56 مليون دولار على «بارسونز» لأعمال التصميم والإشراف

فازت شركة «بارسونز»، المدرجة في بورصة نيويورك، بعقد جديد بالمرحلة الثانية من مشروع الدرعية، التابع لـ«صندوق الاستثمارات العامة» السعودي، بقيمة 210 ملايين ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الرئيس التنفيذي لشركة «إكسبو 2030 الرياض» خلال إحدى جلسات النسخة الـ9 من مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»... (الشرق الأوسط)

السعودية: البنية التحتية لـ«إكسبو 2030» تبدأ قبل نهاية العام

قال الرئيس التنفيذي لشركة «إكسبو 2030 الرياض»، طلال المري، إن العمل على البنية التحتية للمعرض سيبدأ قبل نهاية العام الحالي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

السعودية تُعيد تعريف رعاية الموهوبين

40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
TT

السعودية تُعيد تعريف رعاية الموهوبين

40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

لم يكن الحديث عن الموهبة في «المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع» نقاشاً تقنياً حول أدوات تعليمية بقدر ما كان عرضاً لتجربة وطنية متكاملة، نضجت عبر عقود، وانتقلت من مبادرات تعليمية مبكرة إلى منظومة مؤسسية باتت اليوم محل اهتمام دولي، وتُعرض من جدة بوصفها نموذجاً قابلاً للنقاش والتطوير.

وفي قلب هذا المشهد، برزت تجربة «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع»، بوصفها نموذجاً وطنياً ينظر إلى الموهبة لا بكونها استثناءً، بل طاقة كامنة تستدعي الاكتشاف والرعاية والاستدامة.

«الموهبة»... من المفهوم إلى المنظومة

مستشار أمين عام «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع»، الأمير الدكتور فيصل بن مشاري آل سعود، قدّم خلال كلمته في المؤتمر قراءة معمّقة لمسار رعاية الموهوبين في المملكة، وأكد أن «الموهبة» ليست مجرد اسم لمؤسسة، بل كلمة عربية تعني الهبة والقدرة الفطرية، وتُشكل جوهر الفلسفة التي قامت عليها التجربة السعودية.

واستعاد الأمير فيصل البدايات المبكرة للتعليم النظامي في المملكة، متوقفاً عند تأسيس مدرسة «دار التوحيد» في الطائف عام 1945، بوصفها تجربة انتقائية هدفت إلى جمع الطلاب المتميزين من مختلف المناطق وتوفير بيئة تعليمية متكاملة لهم، في وقت كانت فيه المدارس محدودة.

وأوضح الأمير فيصل أن مرحلة التحول الأبرز جاءت في نهاية التسعينات، مع تنفيذ مشروع وطني بحثي لدراسة الموهبة ورعايتها، مهّد لتأسيس «موهبة» عام 1999 بوصفها جهة غير ربحية تُعنى باكتشاف الموهوبين وتمكينهم. ومع إنشاء الوقف الداعم للمؤسسة في عام 2011، انتقلت التجربة من منطق المبادرات إلى منطق الاستدامة، ضمن رؤية طويلة المدى لرعاية الموهبة بوصفها استثماراً وطنياً.

رحلة تمتد من المدرسة إلى سوق العمل

ما يُميّز النموذج السعودي، كما عُرض في المؤتمر، أنه لا يتوقف عند الاكتشاف المبكر. تبدأ الرحلة من التعليم العام، عبر أدوات علمية مقننة للتعرف على الموهوبين من الصف الثالث حتى المرحلة الثانوية، لكنها تمتد لاحقاً إلى برامج إثراء وبحث علمي، ومسارات جامعية، وربط مبكر بالصناعة وريادة الأعمال.

وشدد الأمير فيصل على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اكتشاف الموهبة فقط، بل في استدامة رعايتها وبناء بيئة تعليمية ومجتمعية تسمح لها بالنمو وتحقيق الأثر عبر مراحل الحياة المختلفة، مؤكداً أن نجاح هذه المنظومة يتطلب تكامل أدوار المؤسسات التعليمية والجامعات والقطاع الخاص.

طلاب وطالبات «موهبة» على المسرح أثناء افتتاح أعمال «المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع» (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

وشهد حفل الافتتاح لحظة رمزية لافتة مع صعود 19 طالباً وطالبة من «موهبة» إلى المسرح، ضمن فقرة حملت عنوان «ثمرة التمكين»، عكست بصورة مباشرة نتائج الاستثمار الوطني في اكتشاف الموهبة ورعايتها.

وفي هذا السياق، جاء انعقاد «المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع» في جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة بوصفه امتداداً طبيعياً لتجربة وصلت إلى مرحلة العرض والمساءلة الدولية.

المؤتمر، الذي انطلق برعاية وزير التعليم، وبمشاركة أكثر من 40 دولة، وبحضور أكثر من 1000 شخصية من الخبراء وصنّاع القرار، أصبح منصة لتبادل النماذج والخبرات، ومناقشة مستقبل تعليم الموهوبين في عالم سريع التحول.

دكتور عبد الله صادق دحلان رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

وأكد رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا، الدكتور عبد الله دحلان، في كلمته أن الاستثمار في الموهبة يُمثل الاستثمار الأسمى في مستقبل الأوطان، مشدداً على أن قوة الدول باتت تُقاس بما تستثمره في عقول أبنائها وبناتها، لا بما تمتلكه من موارد فقط.

من جانبها، أشارت رئيسة الاتحاد الآسيوي للموهبة، الدكتورة كيونجبين بارك، إلى أن التحولات المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتعلم الرقمي تفرض إعادة التفكير في تعليم الموهوبين، ليس من حيث التسريع الأكاديمي فحسب، بل من حيث بناء الحكمة والمسؤولية والقدرة على التعامل مع التحديات العالمية المعقدة.

من الرعاية إلى القياس

وجاء الإعلان خلال المؤتمر عن إطلاق أول مؤشر عالمي لتقييم رعاية الموهوبين ليُشكّل محطة مفصلية في هذا المسار، ناقلاً النقاش من «كيف نرعى الموهبة؟» إلى «كيف نقيس أثر هذه الرعاية؟»، ومؤكداً انتقال التجربة السعودية من التطبيق المحلي إلى الإسهام في صياغة أدوات تقييم عالمية.

وبين تجربة وطنية تبلورت عبر الزمن، ومؤتمر دولي جمع الخبرات والتجارب في جدة، تتضح ملامح قصة واحدة: قصة بلد اختار أن يجعل من الموهبة ركيزة للتنمية، لا عبر مبادرة عابرة، بل عبر منظومة تُبنى، وتُراجع، وتُقدَّم للعالم اليوم بوصفها نموذجاً مفتوحاً على المستقبل.

Your Premium trial has ended


معرض مصري يُعيد تشكيل النمط الاستهلاكي فنياً

أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
TT

معرض مصري يُعيد تشكيل النمط الاستهلاكي فنياً

أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)

في معرضه «استهلاكي»، يطرح الفنان التشكيلي المصري ياسر جعيصة رؤية بصرية تسعى إلى تفكيك مفهوم الاستهلاك، لا بوصفه فعلاً اقتصادياً وحسب، بل نظام يومي متأصل في ثقافة الحياة المعاصرة، وسلوك مكرّس يُعيد تشكيل علاقتنا بالأشياء وبأنفسنا، وذلك ضمن المعرض الذي يستضيفه غاليري «ياسين» بالقاهرة حتى 19 فبراير (شباط) الحالي.

يعتمد جعيصة في أعماله على الأثر بوصفه مدخلاً جمالياً لطرح مفهومه الفني، معتمداً على ما يخلّفه الإنسان وراءه من بقايا، ما يجعلها تتحوّل داخل اللوحات إلى ما يُشبه مروّية بصرية تشهد على تراكمية استهلاكية متنامية، فالإنسان لا يظهر هنا باعتباره فاعلاً مرئياً، بل من خلال نتاج سلوكه، وما يخلّفه من مفردات استهلاكية تتكدّس وتفرض حضورها.

تزاحم عناصر الطعام داخل اللوحة (الشرق الأوسط)

ويُكثّف الفنان من هذا الأثر عبر الاشتغال على الحشد والتكرار، أو ما يصفه هو نفسه بـ«الزخم المقصود بوصفه أداة تعبيرية تنقل حالة الاستهلاك داخل المساحة التصويرية، كما في استهلاك مواد مثل الكاميرات والأحذية والصحف وغيرها من المفردات»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

لا يعمل الزخم داخل اللوحات بوصفه ازدحاماً شكلياً فحسب، بل حالة بصرية ضاغطة تعكس منطق الاستهلاك ذاته، فالتداخل الكثيف للعناصر المادية ينتج عنه ثقل بصري ودلالي، ويجعل العين في مواجهة مباشرة مع فائض لا يُتيح مسافة للراحة أو التأمل، ويتجلّى ذلك بوضوح في اللوحات التي ترصد تكدّس الكراتين، في إحالة مباشرة إلى تصاعد معدلات الشراء عبر الإنترنت وشركات الشحن، في حين تتخذ أعمال أخرى منحى أكثر إدهاشاً، بفعل الكم الفانتازي لاستهلاك الطعام والحلوى، وأكواب القهوة، والمشروبات الغازية؛ حيث تتحول الوفرة إلى مشهد إشكالي، لا إلى علامة رخاء.

الاعتماد على الزخم والتكدس في تناول موضوع المعرض (الشرق الأوسط)

وعبر 28 لوحة، تتحوَّل السلعة المستهلكة إلى بطل للمشهد، فلا يحضر الإنسان بجسده بقدر ما يحضر بسلوكه، ويبدو اختيار الفنان لأحجام لوحات كبيرة مقصوداً، ليصبح المنتج المستهلك هو صاحب السطوة والسيطرة في مقابل الإنسان، وكأن اللوحة تعكس انقلاب الأدوار بين الفاعل والمنتَج، فلا يعمل التكديس عنصراً شكلياً، بل استراتيجية فنية تكشف تحوّل الاستهلاك من فعل مؤقت إلى نظام ضاغط، يحوّل الكثرة إلى عبء بصري ودلالي.

ورغم هذا الغياب شبه الكامل للجسد البشري في اللوحات، فإن العنصر الإنساني يتصدّر عدداً محدوداً من الأعمال، كما في لوحة «استهلاكي من الأصدقاء»، ويُشير جعيصة إلى هذه اللوحة بوصفها تعبيراً عن «حالة من الاستهلاك العكسي، عن أصدقاء يدخلون حياتنا ثم لا يلبثون أن يختفوا»، وهو ما يوسّع أفق قراءة الاستهلاك، بحيث لا يعود محصوراً في بُعده المادي، بل يمتد إلى علاقاتنا الإنسانية نفسها، وإلى منطق الاستبدال والتخلّي الذي يحكمها أحياناً.

ظهور العنصر البشري في لوحة «استهلاكي من الأصدقاء» (الشرق الأوسط)

ويلعب اللون دوراً أساسياً في تعميق هذا المعنى، فاختيارات الفنان اللونية عبر خامتي الزيت والأكريليك تعزّز من الإحساس بالزخم، وتتدرّج اللوحات بين ألوان داكنة ومحايدة تحيط بمفردات مثل الأحذية والقهوة، وألوان زاهية ومشبعة تطغى على لوحات استهلاك الأغذية والألعاب، في تدرّج بصري يعكس تفاوت أنماط الاستهلاك وحدّتها، وما تحمله من إغواء بصري متعمّد.

أما مفردات مثل «البيوت» و«السيارات»، فتفتح مسارات دلالية إضافية داخل المعرض؛ تحيل البيوت إلى فكرة البدايات والحميمية التي تتآكل مع كثافة التنقل والاستهلاك، في حين تشير السيارات إلى الاقتناء بوصفه نمطاً اجتماعياً وربما وجاهة رمزية، ولا تسعى الأعمال إلى تقديم إجابات مغلقة بقدر ما تترك للمتلقي مساحة للتفاعل مع قصته الشخصية مع الاستهلاك، بوصفه «كائناً استهلاكياً» قد يشترك مع غيره أو يختلف في طبيعة هذا النمط ومستواه.

جانب من معرض «استهلاكي» (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، تتحول لوحات المعرض إلى مساحة مساءلة بصرية، تضع المتلقي أمام مفارقة أساسية: «أصبح الشخص الواحد يستهلك اليوم ما كانت تستهلكه أسرة كاملة في السابق؛ فهل صار الاقتناء رغبة أم غريزة أم شرهاً؟»، وهو السؤال الذي يطرحه جعيصة لا بوصفه إدانة، بل دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في علاقتنا بالأشياء، وبما نكدسه أو نتخلص منه، وبما يكشفه ذلك عنا.


امرأة تشعر بملعقة طولها 17 سنتيمتراً «تتحرك داخلها»

ريمي أميلينكس تحتفظ بالملعقة التي ابتلعتها (فيسبوك)
ريمي أميلينكس تحتفظ بالملعقة التي ابتلعتها (فيسبوك)
TT

امرأة تشعر بملعقة طولها 17 سنتيمتراً «تتحرك داخلها»

ريمي أميلينكس تحتفظ بالملعقة التي ابتلعتها (فيسبوك)
ريمي أميلينكس تحتفظ بالملعقة التي ابتلعتها (فيسبوك)

ابتلعت امرأة ملعقة طعام بطول 17 سنتيمتراً عن طريق الخطأ، بعدما قفز كلبها على حجرها خلال تناولها الزبادي. وقالت ريمي أميلينكس إنها وجدت نفسها مضطرة للاختيار بين «الاختناق أو ابتلاع الملعقة»، ولكنها شعرت بها «تنزلق بسلاسة إلى معدتها»، حسب صحيفة «مترو» اللندنية.

وأوضحت الشابة البالغة من العمر 28 عاماً أنها كانت تجلس على الأريكة تتناول الزبادي، عندما قفز عليها فجأة كلبها النشيط من فصيلة «الفيزلا» المجرية، ويدعى «مارلي».

وقالت ريمي، من مدينة رومست في بلجيكا: «وضعت الملعقة في فمي لأتمكن من استخدام يدي للرد على رسالة، وفي تلك اللحظة، قرر مارلي القفز عليَّ. ارتبكت بشدة وأرجعت رأسي إلى الخلف، وقبل أن أدرك ما حدث كانت الملعقة قد علقت في حلقي، فنهضت وبدأت أشعر بالذعر».

وأضافت ريمي التي تعمل مندوبة مبيعات للأدوية، أنها حاولت إخراج الملعقة بيدها، وتابعت: «لكن كل شيء حدث بسرعة كبيرة، وكان الخيار إما أن أبتلعها أو أختنق».

وعندما عاد زوجها إلى المنزل من العمل، شعرت ريمي بحرج شديد من إخباره بما حدث، ولذا «تظاهرت بأن كل شيء على ما يرام». وقالت: «لم أشعر بأي ألم على الإطلاق في البداية، لذلك لم أذكر الأمر فوراً. ولكن بعد العشاء أدركت خطورة الوضع».

وأخبرها الأطباء أن الملعقة كبيرة جداً ولا يمكن أن تمر عبر الجهاز الهضمي بشكل طبيعي، مما اضطرها إلى العودة إلى المنزل، والانتظار حتى يتم تحديد موعد لإجراء تنظير المعدة.

وأضافت: «كانت تلك الليلة صعبة. شعرت بالملعقة تتحرك، وأحيانا حتى بين ضلوعي... كان الأمر مرعباً حقاً. شعرت بالانتفاخ والغثيان، ولم أستطع تناول الطعام دون إحساس غريب، كما كان النوم صعباً؛ لأن كل وضعية كانت تذكرني بوجود الملعقة في معدتي».

وبعد يومين، تمت إزالة المعلقة من معدة ريمي تحت تخدير موضعي، واضطر الأطباء إلى تدويرها داخل المعدة، مما أدى إلى حدوث نزيف معدي بسيط.

وتابعت قائلة: «لم يكن الأمر مريحاً، ولكنني شعرت براحة كبيرة عندما خرجت».

ومضت تقول: «أصبت بالتهاب في الحلق نتيجة تضرر المريء، وعانيت من نزيف معدي طفيف، إضافة إلى حساسية في المعدة لفترة، ولكن لم يحدث أي ضرر دائم». ومع ذلك، تقول ريمي إنها اكتسبت سُمعة سترافقها مدى الحياة بوصفها: «تلك الفتاة التي ابتلعت الملعقة».

ورغم التجربة القاسية، قررت ريمي الاحتفاظ بالملعقة كتذكار. وقالت: «يريد زوجي تحويلها إلى عمل فني. لا يعرف بعد ما الذي سيفعله بها تحديداً، ولكنها ستكون قطعة فريدة بلا شك».

وشاركت ريمي بعض النصائح لعشاق الكلاب والزبادي، أو لأولئك الذين يفكرون في استخدام أدوات المائدة دون أيديهم من أجل إرسال الرسائل النصية.