هل يصمد سد مروي في السودان أمام ضربات المسيرات؟

خبراء يحذرون من تأثيرات مستقبلية ترتبط بجيولوجيا المنطقة

سد مروي في شمال السودان الذي استهدفته مسيّرات ليل الثلاثاء - الأربعاء (وكالة السودان للأنباء/ سونا)
سد مروي في شمال السودان الذي استهدفته مسيّرات ليل الثلاثاء - الأربعاء (وكالة السودان للأنباء/ سونا)
TT

هل يصمد سد مروي في السودان أمام ضربات المسيرات؟

سد مروي في شمال السودان الذي استهدفته مسيّرات ليل الثلاثاء - الأربعاء (وكالة السودان للأنباء/ سونا)
سد مروي في شمال السودان الذي استهدفته مسيّرات ليل الثلاثاء - الأربعاء (وكالة السودان للأنباء/ سونا)

يواجه سد مروي أحد أكبر المشاريع الكهرومائية في السودان، أخطاراً جمة، بسبب هجمات مسيرات «قوات الدعم السريع» على بنيته التحتية، خاصة بنية الكهرباء والبوابات. وعلى الرغم من استبعاد انهيار السد بفعل تلك الضربات، فإن خبراء حذروا من احتمالات حدوث تصدعات في الجسم الخرساني، بجانب شكوك قديمة تتحدث عن «هشاشة» طوبوغرافيا المنطقة.

ويقع سد مروي في ولاية نهر النيل قرب مدينة مروي على بُعد نحو 350 كيلومتراً شمال الخرطوم، ويبلغ طوله 9 كيلومترات، وارتفاعه 67 متراً، ويخزّن خلفه كمّاً هائلاً من المياه تبلغ 12.5 مليار متر مكعب، ومهمته الأساسية توليد 1250 ميغاواط من الكهرباء تغطي حاجة نحو 10 ملايين شخص من السكان للطاقة.

وفي تصعيد وتطور خطير بالحرب السودانية، استهدفت «قوات الدعم السريع» السد بهجمات متكررة بالطائرات المسيرة، ألحقت أضراراً لا يُستهان بها ببنيته التحتية الملحقة، لا سيما محولات الكهرباء التي تغذي شمال البلاد بالطاقة، ونتيجة لذلك انقطع التيار الكهربائي من أجزاء واسعة من البلاد، ولا يزال مقطوعاً في بعض المناطق.

فوة تابعة لـ"قوات الدعم السريع" في الخرطوم (أرشيفية - أ. ف. ب)

استخدمت «الدعم السريع» أنواعاً عديدة من المسيرات، انتحارية واستطلاعية، ومعظمها تستخدم قذائف «الهاون» و«آر بي جي». لكن في الهجمات الأخيرة على السد، تردد أنها تمت بمسيرات حديثة، يُرجح أنها المسيرة الصينية CH - 95 القادرة على الاستطلاع وعلى شن الهجمات الدقيقة.

وقال مستشار الطاقة والمساحة بدولة قطر، المهندس عبد الكريم الأمين، لـ«الشرق الأوسط»، إن السد ليس الجسم الخرساني على النهر وحده، بل يشمل كل بنيته التحتية التي تجعله مفيداً للدولة، مثل وحدات التوليد، وضربات المسيرات حتماً تؤثر عليها.

ولم يستبعد الأمين حدوث تصدعات وتشققات في الجسم الخرساني بمرور الزمن قد تنذر بانهياره، بيد أنه نفى قدرة قذائف المسيرات على تدميره بضربة أو ضربتين، وقال: «سمك السد الخرساني 1.2 متر، ومغطّى بما يُعرف هندسياً بجسم خرساني مرن، لامتصاص الضربات الشبيهة بضربات المسيرات... متانة السد وكمية الخرسانة التي بني بها وقوتها مقابل صغر حجم قذائف المسيرات تجعل من انهيار السد احتمالاً ضعيفاً، لكن قد تحدث تصدعات تتسبب في مشكلات مستقبلية».

وكشف الأمين عن «مخاوف قديمة» تم تداولها أثناء إنشاء السد، تتحدث عن احتمالات ظهور تصدعات في فترة مبكرة من عمره، وقال: «هناك جهات هندسية ترى أن بناء جسم خرساني مرن في السدود يتم عند حدوث تصدعات عند الإنشاء، لذلك ربما تكون قد ظهرت في فترة مبكرة من عمر (سد مروي)».

وأشار الأمين إلى دراسات عن الجسم الخرساني للسد أثناء الإنشاء، ونقاشات عن هشاشة جيولوجيا المنطقة، واحتمالات حدوث متغيرات طبيعية ناتجة حمولة الماء وضغطها على التربة. وقال: «تواجه السدود بشكل عام خطر حدوث تصدعات داخل الطبقة التكتونية للأرض، أو بفعل الإنسان، مثل الحروب، لذلك يخشى من حدوث تصدع وتشققات في الجسم الخرساني».

صورة من فيديو يرجع لـ19 أبريل 2023 تظهر دخاناً ناجماً من القصف فوق العاصمة السودانية الخرطوم (أ.ف.ب)

وحذَّر المهندس الأمين من أن يؤدي استهداف «البوابات» إلى فيضانات خلف السد تؤدي لغمر الجسم الخرساني، وقال: «إذا غمرت المياه جسماً خرسانياً بارتفاع يتراوح بين 10 و15 متراً، ينهار الجزء المغمور بسبب وزن الماء وضغطه».

ودعا الأمين إلى إجراء تقييم هندسي لحالة الجسر الترابي للسد ومدى استقامته، والإزاحة التي حدثت به، بانتهاء الحرب أو أثناء أي هدنة قد تحدث، مؤكداً أن «من المفروض إجراء هذا التقييم لكل جسور الخرطوم والمنشآت المائية الكبيرة».

وحث على الاستعانة باستشاريين عالميين لتقييم حلول للدمار الذي حدث، استناداً على وجود «شكوك» بشأن جيولوجيا «سد مروي»، وبإضافة ضربات المسيرات، تكون هذه التقييمات حتمية، وقال: «أيضاً الزلازل في إثيوبيا والدمازين والسوكي، وتأثيرات سد النهضة، تؤثر على السدود السودانية عامة، لذلك يجب إخضاعها لدراسات كبيرة باهتمام وإرادة».

ولا يرى الأمين خطراً كبيراً في ضربات المسيرات على المحلقات التي يمكن استبدالها، لكنه يحذر بشدة من «حالة جيولوجيا المنطقة»، مشيراً إلى «الدراسات الهشة التي أُجريت وتشكيك خبراء (بعضهم روس) فيها تشير إلى هشاشة المنطقة الجيولوجية».

ونقلت «المصري اليوم» عن أستاذ الجيولوجيا بجامعة القاهرة، عباس شراقي، وصفه لهجمات المسيرات على سد مروي، بـ«التطور الخطير»، وبـ«المهم بالنسبة لمصر باعتباره أقرب السدود السودانية للسد العالي، والقاهرة تتابع الأحداث السودانية من كثب تحسباً لتطورات قد تؤدي لتأثيرات سلبية على الدولة المصرية».

بينما نسبت «وكالة الأنباء الرسمية السودانية (سونا)» إلى خبير السدود المهندس المقيم السابق في سد مروي، أحمد عبد الله دفع الله، تطمينات بمتانة السد، وأنه بُني على آخر ما توصل إليه تصميم السدود من تقنيات.

بدورهم، ذكر خبراءعلى منصات إليكترونية، إن انهيار السد غير وارد،: «ولا يوجد خطر وشيك يمكن أن يؤدي لانهيار سد مروي كلياً، لكن هناك مخاوف فنية واستراتيجية أُثيرت نتيجة لهجمات الطائرات المسيّرة الأخيرة».

سودانيون يحتفلون في مروي بعد إعلان الجيش دخول عاصمة ولاية الجزيرة الرئيسية ود مدني (أرشيفية - أ.ف.ب)

وذكروا أيضاً أن الهيكل الأساسي للسد بُني «على أسس هندسية قوية»، تحد من قدرة المسيرات القتالية أو القصف الجوي الخفيف على تدميره، وقالوا إن انهيار السد أو تدميره يتطلب أسلحة ذات قدرة تدميرية كبيرة تُوجَّه للجسم الخرساني أو بوابات تصريف المياه، لا تملكها «قوات الدعم السريع» حالياً.

ولم يستبعد الخبراء أن يؤدي تكرار الهجمات إلى رفع معدلات التهديد المستقبلي للسد، وإلى إحداث أضرار هيكلية قد تتسبب في انهيار جزئي أو كلي في السد مستقبلاً، وأن يفقد السيطرة على مخزون المياه. وتوقعوا حدوث «كارثة كبيرة» حال انهيار السد، تنتج حتماً عن تدفق كتلة مياه حجمها 12.5 مليار متر مكعب دفعة واحدة، تتسبب في غرق مناطق واسعة في شمال البلاد واقعة على ضفاف نهر النيل، وقد تصل إلى الحدود الجنوبية لمصر، عند مدينة حلفا القديمة التي كانت قد أغرقتها مياه السد العالي.

ونحدث خبراء لـ«الشرق الأوسط» عن الأمان النسبي لسد مروي، لكنهم حذروا من تدهور مكونات السد الميكانيكية والكهربائية، بسبب استمرار استهدافه بواسطة المسيرات، وعدم إخضاعه لصيانة وتدخلات هندسية فورية.

سودانيون يمشون بمحافظة مروي الشمالية وسط مياه الأمطار المتراكمة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وكانت وزارة الري والموارد المائية السودانية قد نفت ما تناولته وسائط التواصل الاجتماعي ببيان رسمي، في مايو (أيار) من العام الماضي، عن مشكلات فنية لحقت بالسد، وأبدت أسفها على ما سمته تناول قضايا فنية مرتبطة بأمن البلاد المائي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأكدت سلامة الجسم الصلب والجسور الركامية والترابية للسد، وقالت: «كل ما تم تداوله في مواقع التواصل الاجتماعي غير صحيح، وأن سد مروي في أحسن حالاته»، وهددت بمقاضاة ملاحقة المشككين في سلامة السد.


مقالات ذات صلة

«الجنائية الدولية»: «الدعم» حفرت مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب» في السودان

شمال افريقيا مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)

«الجنائية الدولية»: «الدعم» حفرت مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب» في السودان

اتهمت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهت شميم خان، الاثنين، «قوات الدعم السريع» بحفر مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية».

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
شمال افريقيا إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)

الحياة تعود إلى سوق الخرطوم المركزية ولكن «لا شيء كما كان»

في سوق الخرطوم المركزيّة، عاد الباعة إلى عرض الفاكهة والخضراوات أمام المارّة في أكوام صغيرة افترش الجزء الأكبر منها الأرض، «ولكن لا شيء كما كان قبل الحرب».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا انتشار المجاعة في شمال دارفور وجنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)

الأمم المتحدة: أكثر من 8 ملايين سوداني يحتاجون للغذاء في 2026

حذرت الأمم المتحدة وشركاؤها من «فجوات حرجة» في خدمات التغذية بالسودان، تتسع باطراد نتيجة استمرار الحرب والنزوح.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا مكتبة «دار العلوم الحديثة» في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

الخرطوم ترمِّم جراحها بالقراءة والعودة للكتب

بدأ السودانيون يعودون إلى القراءة، تحدياً للإنهاك الذي أصاب العقول والنفوس بسبب الحرب، فأصرت العاصمة الخرطوم على استعادة سيرتها الأولى كمدينة قارئة.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه.

وجدان طلحة (بورتسودان)

المغرب يقبل دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

الملك محمد السادس (رويترز)
الملك محمد السادس (رويترز)
TT

المغرب يقبل دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

الملك محمد السادس (رويترز)
الملك محمد السادس (رويترز)

قالت وزارة الخارجية ​المغربية في بيان اليوم (الاثنين) إن الملك محمد السادس عاهل البلاد، قبِل دعوة ‌من الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ⁠ترمب ​للانضمام بصفته ‌عضواً مؤسساً إلى «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة.

وذكرت الوزارة في بيان أن ⁠العاهل المغربي رد ‌بالإيجاب على الدعوة، ‍مضيفة أن المملكة المغربية «ستعمل على المصادقة على الميثاق التأسيسي لهذا المجلس».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن يوم 14 يناير 2026 (رويترز)

وتابعت: «تشيد المملكة ​المغربية بالإعلان عن إطلاق المرحلة الثانية من ⁠مخطط السلام الشامل للرئيس ترمب، وكذا الإحداث الرسمي للجنة الوطنية لإدارة غزة كهيئة انتقالية مؤقتة».


«الجنائية الدولية»: «الدعم» حفرت مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب» في السودان

مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
TT

«الجنائية الدولية»: «الدعم» حفرت مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب» في السودان

مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)

اتهمت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهت شميم خان، الاثنين، «قوات الدعم السريع» بحفر مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية» ارتكبتها في إقليم دارفور بغرب السودان.

ووفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، قالت خان في إحاطة لمجلس الأمن الدولي إن مكتب المدعي العام خلص إلى أن «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قد ارتُكبت في الفاشر، ولا سيما في أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، مع وصول حصار المدينة من قبل (قوات الدعم السريع) إلى ذروته».

وأوضحت في الإحاطة التي قدمتها عبر الفيديو لعدم حصولها على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة، أن المكتب استند إلى مواد صوتية ومرئية ولقطات بالأقمار الصناعية «تشير إلى وقوع قتل جماعي وإلى محاولات إخفاء الجرائم عن طريق حفر مقابر جماعية».

وأطبقت «قوات الدعم السريع» حصارها على الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في مايو (أيار) 2024، إلى أن سيطرت عليها بالكامل في أكتوبر 2025.

وأظهرت صور بالأقمار الصناعية حللتها وكالة الصحافة الفرنسية في ديسمبر (كانون الأول)، آثاراً لما يبدو أنّها قبور، على مساحة 3600 متر مربع.

كما حدد تحليل مماثل لمختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل الأميركية في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) «أكواماً من الأشياء التي تتوافق مع جثث بشرية» تمّ نقلها أو دفنها أو حرقها.

وأفادت شهادات ناجين من معركة الفاشر، بتعرّض المدنيين للاستهداف أثناء فرارهم من المدينة، بما يشمل إعدامات ميدانية وعنفاً جنسياً.

وحذرت خان من أن سكان دارفور يتعرضون لـ«تعذيب جماعي»، مضيفة أن «سقوط الفاشر صاحبه حملة منظمة ومحسوبة لتعريض المجتمعات غير العربية لأعمق أشكال المعاناة».

أضافت: «استناداً إلى تحقيقاتنا فإن العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب، يُستخدم كأداة حرب في دارفور»، وأن «الصورة التي تتضح تدريجياً هي صورة مروّعة لجريمة منظمة واسعة النطاق، تشمل عمليات إعدام جماعية وفظائع».

وأكدت أن هذه الجرائم تشمل كل الإقليم الشاسع ولا تقتصر على الفاشر.

وتحدثت عن أدلة على أن «الفظائع التي ارتُكبت في الجنينة عام 2023 تكررت في الفاشر عام 2025، وهذه الجرائم تتكرر في مدينة تلو الأخرى بدارفور»، محذّرة من أنها ستستمر «إلى أن يتم وضع حد لهذا النزاع وللإفلات من العقاب».

ويقدّر خبراء الأمم المتحدة أن «قوات الدعم السريع» قتلت ما بين 10 و15 ألف شخص في مدينة الجنينة بغرب دارفور معظمهم من قبيلة المساليت.

وجددت خان دعوة السلطات السودانية لتسليم الأفراد الذين أصدرت الجنائية الدولية بحقهم مذكرات توقيف، وأبرزهم الرئيس السابق عمر البشير ورئيس الحزب الحاكم في عهده أحمد هارون.

ورأت أن تسليم الأخير يمثّل أولوية؛ إذ يواجه عشرات الاتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب تتضمن القتل والاغتصاب والتعذيب، إبان قمع السلطات لتمرد في دارفور في مطلع الألفية وفي جنوب كردفان عام 2011.

وينفي هارون هذه التهم.


«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
TT

«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)

بدأت الحكومة المصرية خطوات إنشاء مشروع «مدينة العاصمة الطبية للمستشفيات والمعاهد التعليمية للبحوث والتدريب»، وسط تطلعات بأن تُحدث نقلة نوعية في المنظومة الصحية.

وخلال اجتماع مع عدد من أعضاء حكومته، الاثنين، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن المشروع «هو بمثابة حلم نضيفه لمصر في الفترة المقبلة... من شأنه أن يُحدث نقلة نوعية في الخدمات الصحية».

وأوضح في إفادة رسمية أن «هناك توجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي بالبدء في تنفيذ هذه المدينة، وقد قطعنا بالفعل شوطاً طويلاً في إعداد الدراسات الخاصة بهذا المشروع، وكذلك التصميمات المختلفة»، مشيراً إلى أن مصر تضع على أجندة أولوياتها في هذه المرحلة تحسين الخدمات الصحية والتعليمية.

ويقام المشروع على مساحة تصل إلى 221 فداناً، ويشتمل على 18 معهداً بسعة إجمالية تصل إلى أكثر من 4 آلاف سرير، وتقدم مستشفياته خدمات متنوعة تشمل العناية المركزة، والعناية المتوسطة، ورعاية الأطفال المبتسرين، وكذا خدمات الاستقبال والطوارئ، والعيادات، فضلاً عن إجراء العمليات الجراحية، وفق نائب رئيس الوزراء للتنمية البشرية ووزير الصحة خالد عبد الغفار.

وأورد بيان صادر عن الحكومة، الاثنين، أن المشروع «يتضمن إنشاء الجامعة الأهلية لعلوم الطب والتكنولوجيا الطبية، والتي تضم خمس كليات هي: كلية الطب البشري، وكلية طب الأسنان، وكلية التمريض، وكلية الصيدلة، والكلية التكنولوجية للعلوم الطبية التطبيقية، بالإضافة إلى مركز للأبحاث».

وأضاف البيان أن الطاقة الاستيعابية للجامعة تقدر بنحو 4 آلاف طالب، وتركز على دعم البحث العلمي والتدريب.

وتقام «المدينة الطبية» في العاصمة الجديدة، التي أصبحت مقراً للحكومة والبرلمان والوزارات، والتي من المنتظر أن تستوعب نحو 7 ملايين مواطن، وكان الغرض من إنشائها بالدرجة الأولى تخفيف الضغط على القاهرة التي يسكنها 18 مليون نسمة، إضافة إلى استقبالها ملايين الزوار يومياً.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع لبدء إجراءات إنشاء المدينة الطبية (مجلس الوزراء)

ويرى محمود فؤاد، المدير التنفيذي لـ«جمعية الحق في الدواء»، وهي جمعية أهلية، أن إنشاء مدينة طبية متكاملة سيشكل طفرة كبيرة في منظومة الرعاية الصحية بمصر، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «المدينة الطبية مشروع طموح سيغير مفهوم الرعاية الصحية بالبلاد، خاصة في مجال البحث العلمي، الذي يمكنه أن يساهم في رسم سياسات صحية مستقبلية بمعايير علمية، بما سيؤدي إلى تحسين الخدمات الصحية المقدمة للمواطن».

وتطرق فؤاد إلى تأثير فكرة المدينة الطبية المتكاملة على التعليم الطبي، قائلاً: «الكثير من كليات الطب ليست لديها مستشفيات، وهو ما يجعل طلابها يبحثون عن مستشفيات أخرى في أماكن بعيدة جغرافياً للتدرّب فيها، كما أن بعض المستشفيات لديها مراكز أبحاث، لكنها تكون في أماكن أخرى بعيدة جغرافياً؛ لذلك ستوفر المدينة الطبية كل عناصر تطوير المنظومة الصحية في مكان واحد، بما في ذلك توفير التدريب لطلاب كليات الطب».

وبحسب إفادة وزير الصحة المصري، تبحث الحكومة عدة مقترحات تتعلق بطريقة إنشاء مدينة العاصمة الطبية، منها أن تتم بشراكة أجنبية بنظام «نموذج الإدارة المشتركة»، عن طريق قيام الجانب المصري بالتشغيل الطبي، الذي يتمثل في الإدارة الطبية الكاملة، من توفير الأطباء والتمريض والسياسات العلاجية ورعاية المرضى، على أن يختص الجانب الأجنبي بإدارة المرافق والخدمات المساعدة، من خلال عقد تشغيل لعدة سنوات، مؤكداً أنه يوجد «عدد من العروض تتعلق بذلك سيتم بحثها مع الجهات المتقدمة».

مساعٍ حكومية في مصر لتطوير المنظومة الصحية (وزارة الصحة)

وتؤكد عضوة لجنة الصحة بمجلس النواب، إيرين سعيد، أن فكرة إنشاء مدينة طبية متكاملة ستشكل «صرحاً طبياً مهماً، ونقلة نوعية في المنظومة الصحية بالبلاد».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «حتى يتحول مشروع المدينة الطبية إلى إنجاز حقيقي، يجب دراسة مشكلات المنظومة الصحية في مصر وعلاجها جذرياً، حيث تقوم المنظومة على 3 عناصر تتمثل في المستشفيات وتجهيزاتها وبنيتها التحتية وأجهزتها الطبية، ثم العنصر البشري من أطباء وتمريض وطواقم طبية، يليه ملف الأدوية».

وأكدت أن الحكومة «تبذل جهداً كبيراً في تطوير العنصر الأول، وهو المستشفيات، في حين يظل العنصر الثاني يعاني من مشكلات كبيرة، منها تدني أجر الطبيب والطواقم الطبية، كما أن ملف الأدوية يحتاج إلى حلول جذرية لضمان توافرها بالأسواق بشكل مستدام».