حرب السودان في عامها الثالث... «البندقية» تلاحق المدنيين

الأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم... مقتل عشرات الآلاف وتهجير الملايين وتدمير البنية التحتية وتخريب الاقتصاد... ولا حلول في الأفق

TT

حرب السودان في عامها الثالث... «البندقية» تلاحق المدنيين

عناصر في الجيش السوداني يحتفلون بعد استعادتهم القصر الجمهوري في الخرطوم 21 مارس (أ.ب)
عناصر في الجيش السوداني يحتفلون بعد استعادتهم القصر الجمهوري في الخرطوم 21 مارس (أ.ب)

تزداد الحرب السودانية، وهي تدخل اليوم عامها الثالث، بشاعة كل يوم بل كل ساعة؛ إذ ترتفع وتائر القتل الميداني، وتنتشر بكثافة مقاطع تصور المآسي والإعدامات الميدانية، وإطلاق الرصاص على الهوية والعِرق والجهة. الكل يقتل المواطن الذي لا يستطيع فتح عينيه ليرى، أو فمه ليقول، فهناك رصاصة في مكان ما، أو سكين ما تنتظره لتقتله.

الأرقام تشير إلى حقيقة ثابتة، وهي أن الحرب بين الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه من جانب، و«قوات الدعم السريع» من جانب آخر، والتي بدأت كمواجهة بين طرفين عسكريين، تحولت بسرعة إلى حرب يعاني من ويلاتها الشعب السوداني بأكمله على امتداد الوطن، شماله وجنوبه، شرقه وغربه. من يموت فيها في كلتا الحالتين هو المواطن... وتدمر مستشفياته ودور العلم والجسور وبنية الوطن التحتية.

«البندقية» لم تكن موجهة نحو الجنود فحسب، بل كانت موجهة أيضاً نحو المدنيين الأبرياء. فالجيشان لا يتواجهان في ساحة معركة تقليدية، فهي حرب مدن. كل منهما متحصن في معسكره، بينما يتم توجيه المدافع والبراميل المتفجرة الطائشة، إلى قلب المواطن المسكين... هي حرب على المواطن بجدارة، كما تقول الامم المتحدة ومنظماتها.

حصاد الدمار

قدرت تقارير أممية وإعلامية خسائر الحرب الاقتصادية الكلية بنحو 200 مليار دولار أميركي، والبشرية بمئات الآلاف من القتلى والجرحى، مع دمار لنحو 60 في المائة من البنية التحتية للدولة، وتشريد نحو ثلث السكان بين نازح ولاجئ (يقدر عدد السكان بنحو 42 مليون نسمة). أزمة إنسانية وصفها الإتحاد الأوروبي بأنها الأسوأ في القرن الواحد والعشرين.

تدخل حرب السودان عامها الثالث من دون حلول تلوح في الأفق القريب، على الرغم من «التقدم اللافت» الأخير للجيش. وألحقت الحرب دماراً غير مسبوق على المستويات كافة، فإضافة إلى إزهاق أرواح 60 ألفاً وعدد غير محصى من الجنود في الطرفين، وإصابة وإعاقة مئات الآلاف، وتشريد نحو ثلث سكان البلاد.دمرت الحرب أيضاً البنى الاقتصادية والتحتية للدولة، وأصبح نحو نصف السكان تحت خط الفقر، بينما يهدد الجوع نحو 20 مليون شخص، وفقاً للأمم المتحدة، ونزوح ولجوء نحو 14 مليون مواطن داخلياً وإلى دول الجوار.

قتل المتعاونين من الجانبين

في بلدة «طيبة الحسناب»، جنوب الخرطوم، أودت رصاصات غاشمة بحياة شيخين في التسعين من عمرهما؛ لأنهما أفصحا عن انتمائهما الإثني، فتم «ذبحهما» بدم بارد من قبل «متطرفين» بتهمة «التعاون» مع «الآخر». ترجع أصول هذين الشيخين «عثمان محمد» وشهرته «شورى» ورفيق موته، حسب الله أبو طاقية، إلى غرب السودان، ويقيمان في بلدة طيبة الحسناب في منطقة جبل الأولياء (جنوب الخرطوم)، التي يقع جوارها أحد أهم معسكرات «قوات الدعم السريع»، وهو «معسكر طيبة»، الذي يعود تاريخ إنشائه إلى ما قبل الحرب وقبل سقوط نظام الإسلامويين عام 2018.

الرجلان ورفاقهما لا يدرون أن مجرد الانتماء لجهة وإثنية سودانية، جريمة كافية للقتل والتصفية.

المتطرفون من الجانبين يعدّون كل من لم ينزح، أو من ينتمي عرقياً لواحد من المكونات المتهمة بتأييد «الآخر» «حواضن اجتماعية»، فيسارعون إلى سؤاله: «ما قبيلتك؟»، أو قد يكتفون بملامحه لإعدامه.

«المتطرفون» استباحوا الخرطوم، عوضاً عن «طمأنة» المواطنين الذين ذاقوا الأمرّين إبان سيطرة «الدعم السريع» على مناطقهم، شنت حرباً انتقامية عليهم. لا تشفع للمتهم بالتعاون مع الغير، لحيته البيضاء، أو صراخ أطفال للحيلولة دون تصفيته. لا شيء يوقف الرصاصات التي تتجه إلى الرؤوس والقلوب لتقتل «المتعاونين» من دون رحمة.

جنود يصلون إلى منطقة استعادها الجيش السوداني جنوب الخرطوم 27 مارس (أ.ب)

«الدعم السريع» قتل وانتهك الآلاف

أيام سيطرة «قوات الدعم السريع» على الخرطوم، أو المدن الأخرى في ولاية الجزيرة، لم تكن «الأفضل»، فكل من يؤيد الجيش هو «فلول» تتم تصفيته أيضاً، أو في الحد الأدنى يتم إلقاؤه في سجن «عشوائي»، يموت داخله جراء التعذيب والجوع والعطش. فـ«قوات الدعم السريع» هي الأخرى قتلت الآلاف بدءاً من غرب دارفور، واغتالت بدم بارد حاكم الولاية، وواصلت القتل في كل مكان سيطرت عليه، وأبشعها كانت «حملاتها الانتقامية» ضد سكان شرق الجزيرة، إثر انشقاق القائد، أبو عاقلة كيكل، عنها وانضمامه للجيش.

بعد استرداد الجيش للخرطوم، انتشرت مقاطع فيديو في غاية «البشاعة» تناقلتها وسائط التواصل الاجتماعي، لناجين من سجون «الدعم السريع» التصقت جلودهم بعظامهم من شدة الجوع وسوء التغذية والتعذيب. قال الجيش إنه «حررهم» من الأسر. كانوا في غاية الهزال، بل مات بعضهم بمجرد إطعامهم بصدمة التغذية. أحدهم ويبدو عليه الهزال الشديد، قال: «حشروني و25 سجيناً في غرفة ضيقة، وبالداخل إناء لقضاء الحاجة... حين يمتلئ نسبح في فضلاتنا؛ لأننا مضطرون للنوم عليها، ومع ذلك لا يتركوننا لبؤسنا، بل نخضع لتعذيب بدني ونفسي قاسٍ، يومياً... كان يموت أحدنا جراء التعذيب أو الجوع والمرض، وانعدام الأدوية».

أوضح الجيش أن من أسماهم «شراذم الدعم السريع»، كانوا يطعمونهم لقيمات من «عصيدة الذرة دون إدام» مرتين في اليوم، مع عدة جرعات من الماء للشرب والنظافة، وبالتأكيد هي لا تكفي للشرب ناهيك عن النظافة، ما أدى لانتشار القمل والحشرات في أجساد المساجين، المكومين فوق بعضهم البعض، مع الحرمان من النوم بسبب ضيق المكان أو رداءة البيئة، أو الإزعاج المنظم.

وتضج الميديا الشعبية السودانية أيضاً، بمقاطع فيديو وصور بالغة البشاعة، لعمليات تصفية جماعية وسط تهليل وتكبير، على مرأى ومسمع من الأطفال والنساء، حتى إن الموت بالدانات والصواريخ والمسيرات العشوائية والبراميل المتفجرة يبدو أكثر رحمة.

بهذا المحمول «البشع» تدخل حرب السودان «العبثية» - بحسب وصف قائد الجيش لها - عامها الثالث، وفي الواقع هي لم تعد حرباً بين جيشين، كما يزعم «الدعم السريع»، أو بين جيش وقوات متمردة عليه و«عميلة» كما يزعم الجيش، فقد تحولت لحرب استهداف للمواطن المسكين، جعلت منه هدفها وضحيتها، وحق للأمين العام لمنظمة «أطباء بلا حدود»، كريستوفر لوكيير، وصفها بأنها «حرب على الناس».

انهيار شبه كامل للقطاع الصناعي

المستشار الاقتصادي السوداني، عبد العظيم الأموي، قال في إفادة لـ«الشرق الأوسط»، إن استمرار الحرب أحدث دماراً هائلاً على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ما أدى لفقدان السودان نحو 25 المائة من رصيده الرأسمالي، بجانب التخريب الذي طال البنية التحتية الاقتصادية من طرق، ومطارات، وجسور، ومصانع، ومشروعات. وأوضح الأموي، وهو رئيس قسم أبحاث السوق في شركة «أسواق المال» الخليجية، أن مؤشرات الاقتصاد الكلي تدهورت، وبلغ الانكماش 37.5، بينما ارتفع العجز المالي إلى مستويات قياسية بلغت 9.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفع معدل التضخم إلى 245 في المائة في العام الأول بعد الحرب.

وقال المستشار الاقتصادي إن تركيبة الاقتصاد السوداني تعتمد على قطاع الخدمات بنسبة 46.3 في المائة، وعلى القطاع الزراعي 32.7 في المائة، والقطاع الصناعي بنسبة 21 في المائة من حجم الاقتصاد، وأضاف: «عند التدقيق في تركيبة هذه القطاعات، فإن القطاع الصناعي تستحوذ عليه ولاية الخرطوم بنسبة 85 في المائة، وقد تم تدمير كامل للمصانع في الخرطوم، وبذلك يكون القطاع الصناعي قد انهار بشكل شبه كامل في البلاد».

وفي مجال الطاقة، قال الأموي إن السودان كان يستورد 70 في المائة من احتياجاته من المواد البترولية، بينما يغطي الإنتاج المحلي، 30 في المائة المتبقية، لكن بعد الحرب وتدمير مصفاة الجيلي التي كانت تنتج يومياً 3.8 ألف طن من الجازولين و2.7 ألف طن من البنزين و0.8 ألف طن من غاز الطبخ، فقد توقفت عن العمل جراء تدميرها عن طريق القصف المتكرر، والآن أصبح السودان يستورد كل احتياجاته من البترول، ما شكل ضغطاً إضافياً على موارد النقد الأجنبي. وأشار إلى التراجع السلبي في القطاع الزراعي، الذي أدى لتراجع إنتاج الحبوب بنسبة 46 في المائة مقارنة بالإنتاج قبل الحرب، وإلى تدهور بنسبة 41 في المائة مقارنة بمتوسط الأعوام الخمسة الماضية. وتابع: «بتفصيل أكثر للأرقام تراجع إنتاج الذرة في عام 2023/2024 بنسبة 42 في المائة، وتراجع إنتاج الدخن بنسبة 64 في المائة، ما أدى لتفاقم أزمة الأمن الغذائي». ويقول الأموي إن آخر الأرقام تشير إلى أن 14 مليوناً نزحوا بسبب الحرب، وغادر نحو 1.7 مليون شخص البلاد، وبذلك أصبحت أزمة النزوح بسبب الحرب، هي الأكبر عالمياً.

تدهور العملة المحلية

وتوقف الأموي عند سعر صرف الجنيه السوداني، مشيراً إلى أنه تدهور بنسبة 74 في المائة في العام الأول من الحرب، «واستمر في التدهور ليصل إلى 81 في المائة في 2024». وقال إن سعر صرف الدولار الواحد يساوي 2107 جنيهات سودانية في السوق الموازية عام 2025، وتابع: «خلاصة القول، إن استمرار الحرب أدى لتدهور اقتصادي أفقد السلطة 85 في المائة من إجمالي الإيرادات، وتحول الاقتصاد إلى اقتصاد حرب بامتياز، وتمدد اقتصاد الظل غير المنظم في عدد كبير من ولايات السودان».

وأوضح أن الحرب تسببت في تجريف موارد السودان بالتهريب إلى دول الجوار، من ذهب أو ثروة حيوانية وموارد زراعية، وخرجت البلاد من الاقتصاد المنظم إلى دوائر اقتصاد السوق السوداء الخارجية.

تراجع الإنتاج الزراعي

رأى الخبير الاقتصادي، عمر سيد أحمد، في مقال على موقع «الراكوبة»، على الإنترنت، أن «القطاع الزراعي الذي يعد عموداً فقرياً لاقتصاد البلاد، ويعمل به نحو 80 في المائة من القوى العاملة، يسهم بنحو 32.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، تدمر بنسبة تقدر بنحو 65 في المائة، ونزح المزارعون وتعطلت سلاسل الإمداد، وتراجعت مدخلاته من الوقود، والبذور، والأسمدة، وفقدت البلاد موسمين زراعيين، بينما يواجه الموسم المقبل تحديات كبيرة».

وعلى الرغم من أن سيد أحمد قدر الخسائر حتى نهاية عام 2024 بنحو 100 مليار دولار، فإن تقارير إعلامية تتحدث عن خسائر تجاوزت 200 مليار دولار.

وقال سيد أحمد: «في ظل استمرار الحرب وتواصل تدمير البني التحتية، فإن تقدير الخسائر مهمة بالغة الصعوبة؛ لأن الأضرار ليست ثابتة أو منتهية، بل متزايدة باضطراد».

الأزمة الصحية

تسببت الحرب في أزمة «صحية» كبيرة وغير مسبوقة، خرجت بسببها المستشفيات العامة والخاصة ومراكز الخدمات الصحية، عن الخدمة.

وزير الصحة الاتحادي المكلف، د. هيثم محمد إبراهيم، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن 70 في المائة من المستشفيات والمراكز الصحية في الخرطوم ودارفور وكردفان والجزيرة وسنار وبعض أجزاء النيلين». وأوضح أن «الميليشيا» - «قوات الدعم السريع» - قصفت المستشفيات مرات عديدة، خاصة مستشفيات النو والبلك والدايات في الخرطوم، وأن مستشفيات مدينة الفاشر تعرضت للقصف أكثر من 15 مرة، بينما تم تدمير المختبر الرئيسي للصحة العامة (استاك) واستخدامه «ثكنة عسكرية» منذ الأيام الأولى للحرب، إضافة إلى تدمير المراكز الطبية المتخصصة. وقدر الوزير خسائر القطاع الطبي وحده بأكثر من 11 مليار دولار أميركي.

ووفقاً لوزير الصحة، قتلت «الميليشيا» أكثر من 60 طبيباً وكادراً طبياً، بينهم 7 من أطباء وكوادر غسيل الكلى في أثناء قيامهم بمداواة المرضى، وأشار إلى عجز كبير في الكادر الطبي بسبب اللجوء خارج البلاد، بيد أن الوزير أشار إلى منح وزراء الصحة العرب منح جائزة الطبيب العربي للطبيب السوداني، تقديراً لتضحياته في أثناء الحرب. وتسبب الدمار الذي تعرض له القطاع الصحي وخراب البيئة، وفقاً للوزير، في تفشي الأمراض والأوبئة مثل «الملاريا، وحمى الضنك، والكوليرا» التي فتكت بعشرات الآلاف.

المدارس تحولت لثكنات أو مقابر

المتحدث باسم لجنة المعلمين (نقابة طوعية) الأستاذ سامي الباقر، وصف الحرب بـ«الكارثة العظمى التي ضربت بنية التعليم في البلاد»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لا توجد إحصائيات بحجم الخسائر والدمار الذي أصاب التعليم... ولكن التقديرات تشير إلى أن 20 ألف مدرسة تأثرت بالحرب كلياً أو جزئياً، وإن 6 - 7 ملايين تلميذ من أصل 12 مليوناً قبل الحرب، أصبحوا خارج المدارس طوال عامي الحرب، وأن من استطاعوا مواصلة التعليم لا يزيد عددهم على 3 - 4 ملايين». وأضاف الباقر: «ومن المحزن أن بعض المدارس ومؤسسات التعليم تم تحويلها لثكنات عسكرية، أو استهدفت بالقصف، أو تحولت لدور إيواء، بل إن بعضها استخدم مقابر لدفن القتلى، وهو دمار يفوق قدرة السودان، ولن يستطيع استعادته في المستقبل القريب».

وحذر الخبير التربوي من تقسيم البلاد إلى مناطق تستمر فيها الدارسة، وأخرى بلا مدارس، وقال: «أخشى من تجزئة الوجدان السوداني»، إشارة إلى عقد «امتحانات الشهادة السودانية» في مناطق سيطرة الجيش فقط، وتابع: «المؤكد أن مستقبل من لم يجلسوا لامتحان الشهادة قد ضاع، سيما وأن عدد الممتحنين للشهادة السودانية في حدود 570 ألف تلميذ، لم يجلس مهم للامتحان سوى نحو 200 ألف».

معظم مدارس السودان أصابها الدمار... وفي الصورة طالبات في الطريق إلى المدرسة لإجراء الامتحانات في بورتسودان 28 ديسمبر (أ.ف.ب)

وأشار الباقر إلى الأوضاع المزرية التي يعيشها قطاع المعلمين في السودان، وقال إن جميع المعلمين على مستوى السودان «حرموا حتى من رواتبهم على ضعفها»، (الحد الأعلى لراتب المعلم 70 دولاراً، بينما الحد الأدنى في حدود 5 دولارات للمهن العمالية في التعليم). ونوه إلى ارتفاع معدلات التسرب من المدارس، وما قد تترتب عليه من مخاطر، «كأن ينخرط بعض التلاميذ في الجريمة»، وأضاف: «تراكم الدفعات للقبول في المدارس يفوق السعة الاستيعابية للمدارس»، واستطرد: «كان نحو 1.2 مليون تلميذ يتم قبولهم سنوياً، والآن مع توقف المدارس عن العمل للعامين سيتضاعف الرقم، وهذا يفوق قدرة المدارس الاستيعابية». وتوقع الباقر أن يعود التلاميذ في الصفوف الأولى من المدارس الابتدائية إلى أميين مجدداً؛ إذ «عملياً سيكون تلاميذ الصفوف من الأول حتى الثالث الابتدائي، قد عادوا أميين من جديد، بسبب غيابهم لفترة طويلة عن مقعد الدراسة».

أدت الحرب لتشريد أكثر من 15 مليوناً؛ بين نازح داخلياً ولاجئ لدول الجوار، بحسب منظمة الهجرة الدولية، ووصفتها الأمم المتحدة بأنها «أكبر كارثة نزوح في العالم»، ووفقاً لتقارير إعلامية أدت عمليات النزوح الواسعة إلى فقدان مصادر دخول الشرائح المنتجة، وأدت لتدمير الصحة النفسية والجسدية لأغلب السكان.

وذكرت مصفوفة تتبّع النزوح، التابعة لمنظمة الهجرة الدولية، في آخر تحديث، أن 11.3 مليون، نازح داخلي، وقرابة 4 ملايين شخص عبروا الحدود ولجأوا إلى دول الجوار (مصر، جنوب السودان، تشاد، إثيوبيا، أوغندا، كينيا)، وأن أكثر من نصفهم «أطفال» 27 في المائة منهم دون الخامسة، و28 في المائة منهم فتيات تحت الثامنة عشرة، وهم يعيشون أوضاعاً متردية، لا تتوفر لهم فيها الخدمات الأساسية. وأوضحت المنظمة الدولية أن الحرب جعلت أكثر من 30.4 مليون شخص، أي نحو 3 أرباع عدد سكان البلاد المقدر بنحو 42 مليوناً، بحاجة لمساعدات إنسانية، بينهم 16 مليون طفل، بينما يواجه 20 مليوناً خطر المجاعة. بيد أن الهجرة الدولية ذكرت في آخر تقارير أن نحو 400 ألف شخص عادوا إلى منازل منهوبة ومحترقة، بعد أكثر من عام من النزوح، بعد استعادة الجيش للمدن التي كانت تحت سيطرة «الدعم السريع».

نهب المنازل والممتلكات

في عامها الثالث، فإن البنادق والمدافع والطائرات والدبابات والمدرعات، والبراميل المتفجرة، و«التاتشرات» (تسمية محلية لسيارات تايوتا لاندكروز بيك آب رباعية الدفع)، قتلت نحو 60 - 100 ألف مدني، بينما لم يمت من جنود الطرفين سوى أعداد تقدر بنحو 15 ألف قتيل.

ولم تقف الاعتداءات على المواطنين عند حد قتلهم وتشريدهم وطردهم، بل امتدت إلى ممتلكاتهم، فالمنازل دُمرت وسُرقت ونُهبت، واللافت أن كلا الطرفين حين يسيطر على منطقة، فإن عناصر من المنتشين يقتلون المدنيين نكاية بما يطلقون عليه «التعاون مع الطرف الآخر»، ثم ينهبون ممتلكاتهم الثمينة، ويدمرون بيوتهم، والحصيلة «أسوأ أزمة إنسانية في العالم»، بحسب الأمم المتحدة، والاسوا في القرن الحالي حسب الاتحاد الأوروبي.

ففي أيام سيطرتها، نهب أفراد محسوبون على «قوات الدعم السريع» يرتدون أزياءها، السيارات والمقتنيات في المنازل، وقضى اللصوص المحليون، يطلق عليهم شعبياً «الشفشافة»، على ما تبقى من ممتلكات الناس.

مشهد للدمار الذي لحق محتويات متحف السودان القومي نتيجة النهب والسرقات (الهيئة الوطنية السودانية للآثار)

وبعد «تحرير» الخرطوم والجزيرة، تعرض ما تبقى من ممتلكات المواطنين للنهب من لصوص جدد.

بدأت الحرب صراعاً على السلطة بين الجنرالين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ونائبه السابق قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان «حميدتي». قائد الجيش وصفها منذ البداية بأنها «حرب عبثية»، لكن حين طالت تحولت سريعاً إلى حرب ضد الشعب، وفي هذه المرحلة وصفها الأمين العام لمنظمة «أطباء بلا حدود»، كريستوفر لوكيير، في آخر تقاريره، بأنها «حرب على الناس»، وقال إن «أطرافها لا يفشلون فقط في حماية المدنيين، بل يفاقمون معاناتهم».

تنجو الأفيال وتدفع الحشائش الثمن

باستمرارها، أصبحت حرباً جوية وتكنولوجية، لا يتقاتل أطرافها مباشرة، فالطرفان يعتمدان على الطيران الحربي والمسيرات والمدفعية، وتسقط قذائفه وبراميله المتفجرة على المدنيين، وحين يرد «الآخر» بمسيراته «العمياء» أو مدفعيتها تسقط حمولاتها على صدور ورؤوس المواطنين «الدروع البشرية» التي يتقاتلان تحت حمايتها. فتنجو الأفيال وتدفع «الحشائش» الثمن.

العنف الجنسي وتقنيات القتال

القصف العشوائي، تحت ذريعة استهداف قوات الطرف الآخر يقتل المدني قبل العسكري، بجانب انتهاكات أخرى استخدمت لا تقل بشاعة، من القصف العشوائي، مثل استخدام «العنف الجنسي»؛ كأداة لإذلال السكان وإخضاعهم. وبحسب التقديرات، فإن نحو 12.1 مليون امرأة وفتاة، وعدداً من الرجال والفتيان يتهددهم خطر العنف الجنسي، وتوجهت أصابع الاتهام بها إلى «قوات الدعم السريع».

واعتمد في هذه الحرب أسلوب «الحصار والحرمان من الغذاء والدواء»، على المدن والبلدات، ما أدى لحرمان الناس من الغذاء والدواء والخدمات، إضافة إلى اعتماد تدمير البنية المدنية التحتية الحيوية، مثل المرافق الطبية والمدارس والمنشآت العامة، فمنذ أبريل (نيسان) 2023، تخضع مدينة الفاشر لحصار مطبق نتجت عنه أزمة إنسانية طاحنة، بينما كانت القوات الحكومية تمنع وصول المساعدات الإنسانية لمناطق سيطرة «الدعم السريع».

الحرب شردت الملايين من منازلهم ومناطقهم ... وفي الصورة امرأة سودانية في مخيم زمزم بشمال دارفور (رويترز)

من جهته، وصف الناشط الحقوقي عبد الرحمن خضر، ما يعانيه الناس بالكارثة الإنسانية، وقال: «القصف المدفعي والجوي يطال المدنيين الأبرياء، والمجتمع الدولي يتفرج»، ويتابع: «نحن بحاجة إلى تدخل عاجل لوقف هذه المأساة، قبل أن تفقد الأجيال القادمة أي أمل في المستقبل».

وأيدته الناشطة النسوية فاطمة محمود بالقول، إن النساء والأطفال هم الأكثر تضرراً من الحرب، وتابعت: «العنف الجنسي والاغتصاب تحوّلا لأسلحة في الحرب»، وأضافت: «نحن بحاجة إلى وقف فوري لإطلاق النار وحماية للمدنيين».

متلازمة الجوع والأوبئة

يهدد خطر المجاعة أكثر من نصف سكان البلاد، بينما تنتشر الأمراض والأوبئة بشكل مخيف، نتيجة لدمار المنشآت الصحية، وتوقف توريد سلسلة الأدوية واللقاحات، وتتفاقم بسبب الحاجة للغذاء وتدهور البيئة الناتج عن القتال، ويزداد الأمر خطورة بدخول موسم الأمطار.

وفي السياق، ذكر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، في بيان الأسبوع الماضي، أن ما سماها «العراقيل المتعمدة» من الأطراف السودانية واقتراب موسم الأمطار ينذران بتعذر الوصول براً إلى مناطق واسعة في البلاد.

وحذر البيان من أن المكاسب الإنسانية «الهشة» في السودان معرضة للخطر ما لم يتم اتخاذ إجراءات سريعة بشأن المساعدات الغذائية. وأشار إلى أنه تم تأكيد حدوث مجاعة في عشرة مواقع بالسودان، من بينها ثمانية في ولاية شمال دارفور ومنها مخيم زمزم، بينما تواجه 18 منطقة أخرى في البلاد خطر المجاعة. وقال برنامج الأغذية العالمي إنه يحتاج بشكل عاجل إلى 650 مليون دولار لمواصلة عملياته بالسودان في الأشهر الستة المقبلة، لافتاً إلى أنه يسعى لتوسيع نطاق مساعداته الغذائية لتقديمها إلى سبعة ملايين شخص شهرياً بحلول منتصف العام، بدلاً من نحو ثلاثة ملايين حالياً.

وتعدّ فئة الأطفال الأكثر تضرراً من الحرب؛ إذ يعاني نحو 1.3 مليون طفل المجاعة، ويتعرضون لمخاطر سوء التغذية الحاد، بينما خرج نحو 16.5 مليون طفل من صفوف الدراسة، وهو أمر يهدد أجيالاً بكاملها، ما لم تضع الحرب أوزارها أو يصحى ضمير المجتمع الدولي ويتذكر الحرب المنسية في السودان.


مقالات ذات صلة

غوتيريش يدين تصاعد هجمات المسيرات في السودان

شمال افريقيا سوق على الحدود بين السودان وجنوب السودان تعرّض لهجوم بطائرات مسيّرة (رويترز)

غوتيريش يدين تصاعد هجمات المسيرات في السودان

أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشدة تصاعد الهجمات بالطائرات المسيرة في السودان والخسائر الكارثية التي تلحقها هذه الهجمات بالمدنيين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا من اللقاء في «الخارجية» السودانية مع سفراء دول عربية وأفريقية في الخرطوم (وكالة السودان للأنباء)

الحكومة السودانية: نمارس «ضبط النفس» في الرد على الاعتداءات الإثيوبية

قال وكيل وزارة الخارجية السودانية، معاوية عثمان خالد، إن بلاده تمارس أقصى درجات «ضبط النفس» في الرد على الهجمات بالطائرات المسيّرة التي تنطلق من إثيوبيا.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا صورة متداولة لمحولات بمحطة «شندي» للكهرباء التي أصابها الضرر بسبب الهجوم بالمسيرات

«حرب المسيّرات» تضرب شندي السودانية وتغرقها في الظلام

تواصلت حرب المسيّرات على منشآت الطاقة في السودان لليوم الخامس على التوالي، إذ تعرضت مدينة شندي بولاية نهر النيل، لهجوم أدى إلى تدمير محطتها التحويلية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرحباً برئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان في موسكو الجمعة (أ.ب)

بوتين يعرض مساعدة البرهان لإنهاء حرب السودان

أعلن الرئيس الروسي استعداده لمساعدة السودان لوقف الحرب، وسلم رئيس مجلس السيادة خريطة طريق للتعاون الثنائي، فيما دعا البرهان إلى علاقة استراتيجية مع موسكو.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الرئيسان السيسي وترمب بشرم الشيخ خلال «مؤتمر السلام» حول غزة في أكتوبر الماضي 2025 (رويترز)

مصر تشدد على أهمية الدور الأميركي في تسوية قضايا المنطقة

بدر عبد العاطي يجدد «التأكيد على موقف مصر الثابت الداعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

السيسي يوجه بخطة زمنية لتفعيل مخرجات «منتدى مصر»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يوجه بخطة زمنية لتفعيل مخرجات «منتدى مصر»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)

في خطوة تستهدف الانتقال من الحوار إلى التنفيذ، وجّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكومة بوضع خطة زمنية محددة لتنفيذ مخرجات «منتدى مصر 2026»، مع تحديد مؤشرات واضحة لقياس الأداء، وإتاحة متابعة النتائج للمواطنين. ويأتي التوجيه في وقت تزداد فيه الضغوط المعيشية والاقتصادية، وسط ارتفاع سعر صرف الدولار إلى مستويات غير مسبوقة، بلغت نحو 56 جنيهاً.

وانعقد «منتدى مصر 2026» في العاصمة الجديدة (شرق القاهرة)، خلال المدة من 19 إلى 24 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تحت شعار «نظرة لليوم... رؤية للغد»، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي ومشاركة واسعة من ممثلي المؤسسات ومختلف التوجهات والخبراء.

وجاء المنتدى بعد نحو 3 سنوات من إطلاق «الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري في أبريل (نيسان) 2022، بوصفه أول حوار وطني من نوعه، قبل أن تنطلق جلساته في مايو (أيار) 2023.

وقال السيسي في بيان، الأحد، إنه «في إطار متابعتي لمخرجات منتدى 2026، فقد اعتمدت المخطط السنوي المقترح من مجلس الوزراء لمتابعة مختلف القطاعات والقضايا التي تشغل الرأي العام، وتمس حياة المواطنين، بما يضمن استمرار الحوار والتواصل البيني معهم».

وأضاف: «كما وجهت الحكومة بنشر التوجيهات الصادرة بشأن توصيات المنتدى على الموقع الإلكتروني الخاص به، مصحوبة بخطة زمنية محددة للتنفيذ ومؤشرات واضحة لقياس الأداء، حتى يمكن متابعة تنفيذها من المواطنين ومؤسسات الدولة على حد سواء».

وشدد الرئيس المصري على أن «المواطن سيظل محور اهتمامنا، والغاية الأساسية من إقامة هذا المنتدى بشكل دوري كل عام، وهدفنا تحويل مخرجات المنتدى إلى خطوات عملية ونتائج ملموسة يشعر بها المواطن».

ويعتقد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد حجازي، أن «توجيه الرئيس السيسي بوضع خطة زمنية محددة لتنفيذ مخرجات منتدى مصر 2026، وإعلان هذه الخطة ومؤشرات قياس الأداء على الموقع الإلكتروني للمنتدى، يحمل دلالات سياسية واقتصادية مهمة، ويعكس انتقالاً من مرحلة طرح الأفكار ومناقشة التحديات إلى مرحلة الالتزام المؤسسي بالتنفيذ والمساءلة المجتمعية».

ويؤكد حجازي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «الأهمية الأساسية لهذا التوجيه تتمثل في أنه يضع الحكومة أمام مسؤولية واضحة، حتى لا يكون المنتدى مجرد مناسبة سنوية للحوار وتبادل الرؤى، وإنما منصة مستمرة لصناعة السياسات العامة، وربط الحوار المجتمعي بأولويات الدولة وخططها الاقتصادية والتنموية».

ويوضح أن «إتاحة متابعة التنفيذ للمواطنين ومؤسسات الدولة تعزز مبدأ الشفافية، وتفتح المجال أمام تقييم الأداء على أساس النتائج وليس النوايا أو الوعود».

السيسي يوجه بخطة زمنية لتفعيل مخرجات «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)

وفي هذا السياق، يحدد حجازي 3 رسائل سياسية للتوجيه الرئاسي؛ تتمثل الأولى في أن المواطن هو نقطة الانطلاق والغاية النهائية للسياسات العامة، والثانية في سعي الدولة إلى توسيع المشاركة المجتمعية، خصوصاً بين الشباب والأجيال الجديدة، أما الثالثة فتتمثل في أن الحوار لا تكتمل قيمته إلا بترجمته إلى قرارات وبرامج قابلة للتنفيذ، تتحدد لها المسؤوليات والمواعيد ومؤشرات الأداء.

توصيات في قطاعات متعددة

وتأتي توجيهات الرئيس المصري بعد نحو أسبوع من اختتام المنتدى وإعلان توصياته. وكان رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي قد أعلن، في حينه، استهداف رفع الحد الأدنى لأجور العاملين في القطاع الرسمي من 8 آلاف جنيه إلى 15 ألف جنيه بحلول العام المالي 2029-2030، إلى جانب تحسين الأوضاع المالية للعاملين في قطاعات التعليم والصحة والتعليم العالي، والعمل على وصول الحد الأدنى لدخل المعلمين إلى 15 ألف جنيه.

وشملت التوصيات أيضاً إطلاق برنامج قومي لرفع كفاءة الطرق المحلية في المحافظات، بتكلفة تقديرية تصل إلى 42 مليار جنيه، إلى جانب التجريم الصريح للممارسات العشوائية وغير المقننة لقطع الأشجار.

كما تضمنت، وفق بيان حكومي صدر آنذاك، التوسع في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، للوصول بالقدرات المركبة إلى ما يقارب 30 غيغاواط بحلول نهاية عام 2028، وإطلاق البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي للمدة من 2027 إلى 2030، الذي يستهدف البناء على ما تحقق من إصلاحات اقتصادية ومالية وهيكلية خلال السنوات الماضية.

وتُعد هذه التوصيات أبرز ما تضمنه المنتدى من نحو 66 توصية تغطي 22 قطاعاً، إلى جانب برنامج مقترح للتحول الاقتصادي خلال المدة 2027 - 2030، يتضمن 185 إجراءً، بحسب حجازي.

ويرى مساعد وزير الخارجية الأسبق أن الانتقال من مرحلة التوصيات إلى التنفيذ يتطلب العمل عبر مسارات عدة، في مقدمتها «تحويل كل توصية إلى برنامج تنفيذي محدد، بحيث تكون هناك جهة حكومية مسؤولة عن التنفيذ، وجدول زمني، ومخصصات مالية، ومؤشرات أداء، مع تحديد النتائج المتوقعة في نهاية كل مرحلة، وعدم الاكتفاء بإعلان أن التوصية قد تم تنفيذها إدارياً».

ويضيف أن ذلك يتطلب أيضاً تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، إلى جانب دعم اللامركزية، وتوسيع دور المحافظات في تنفيذ البرامج والمشروعات.


صفقة السلاح الإثيوبية-الروسية... كيف تتغير حسابات القوة بـ«القرن الأفريقي»؟

رئيس الوزراء الإثيوبي أثناء تسلّم طائرات مقاتلة من طراز «سو-35» من الجيل الرابع (صفحته على «إكس»)
رئيس الوزراء الإثيوبي أثناء تسلّم طائرات مقاتلة من طراز «سو-35» من الجيل الرابع (صفحته على «إكس»)
TT

صفقة السلاح الإثيوبية-الروسية... كيف تتغير حسابات القوة بـ«القرن الأفريقي»؟

رئيس الوزراء الإثيوبي أثناء تسلّم طائرات مقاتلة من طراز «سو-35» من الجيل الرابع (صفحته على «إكس»)
رئيس الوزراء الإثيوبي أثناء تسلّم طائرات مقاتلة من طراز «سو-35» من الجيل الرابع (صفحته على «إكس»)

صفقة تسليح متطورة حصلت عليها إثيوبيا من روسيا، وذلك في أعقاب وقوف منطقة القرن الأفريقي على حافة حرب وشيكة بين أديس أبابا وأسمرة، تصاعدت بشكل لافت منذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عقب قطع العلاقات الدبلوماسية، بخلاف تمسك إثيوبي بالوصول لمنفذ بحري رغم رفض مصر وخلافات بينهما في ملف مياه النيل.

وجاء حديث رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ليزيد التكهنات في ظل هذه التوترات؛ إذ قال نهاية أكتوبر الماضي عقب تسلّم الصفقة التي تضم مبدئياً 12 مقاتلة من طراز «سوخوي-35» من الجيل الرابع المطور «4++»، إنها تعزز «قدرة إثيوبيا على الردع الاستراتيجي»، في مسار يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه يغير حسابات القوة بالمنطقة، ويزيد من سباق التسليح، دون استبعاد الصدام.

و«سو-35 إس» مقاتلة فائقة المناورة من الجيل «4++»، وصُنعت باستخدام بعض تقنيات الجيل الخامس. وتصل سرعة الطائرة إلى 2500 كيلومتر في الساعة على ارتفاع يصل إلى 20 كيلومتراً، وهي قادرة على حمل 8 أطنان من صواريخ «جو-جو» و«جو-أرض» والقنابل الحرة والموجهة، بحسب معلومات حديثة نشرتها شبكة «روسيا اليوم» أخيراً.

إثيوبيا تسلّمت الدفعة الأولى

وفي 28 أكتوبر قال آبي أحمد خلال زيارة لموسكو لحضور قمة روسية-أفريقية إن بلاده تسلّمت الدفعة الأولى، المكونة من 12 مقاتلة من طراز «سوخوي-35» من الجيل الرابع المطور «4++»، ومن المقرر أن تتسلم أربع بطاريات من منظومات الدفاع الجوي «إس-400»، وفق ما نقلته وكالة «الأنباء الإثيوبية» الرسمية وقتها.

وأشار إلى أن «تسريع تسليم هذه المعدات الحيوية، قبل الموعد المحدد، يمثل إنجازاً مهماً في تطوير منظومة الدفاع الإثيوبي»، مؤكداً أن «تنامي الجاهزية لدى القوات الدفاعية الإثيوبية يعزز قدرة البلاد على ردع أي عدوان محتمل».

تلك الرؤية ليست بعيدة عن الجيش ذاته؛ ففي أغسطس (آب) الماضي قال نائب قائد القوات الجوية الإثيوبية مسرت غيتاتشو، إن «تنامي القدرات العملياتية والدفاعية للقوات الجوية الإثيوبية يعزز قدرة البلاد على الردع، ويدفع الجهات التي قد تسعى إلى التحرك ضد المصالح الوطنية إلى إعادة النظر في خطواتها»، بحسب ما نقلته «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي السوداني، المختص في إدارة الأزمات والتفاوض اللواء أمين إسماعيل مجذوب، أن «الجيش الإثيوبي يشهد تحولاً استراتيجياً نوعياً في خطط التطوير العسكرية عبر التوجه شرقاً نحو روسيا للحصول على منظومات تسليح متقدمة».

ويوضح أن «إتمام هذه الصفقات يمثل نقلة عسكرية كبرى تخل بالتوازن الاستراتيجي الذي استمر بالمنطقة في آخر عقدين من الزمن، مما ينذر بسباق تسليح بالمنطقة واضطرابات، فضلاً عن تداعياتها المتعلقة بملف سد النهضة، ومساعي أديس أبابا للوصول إلى البحر الأحمر ولو بالقوة»، وفق رأيه.

رئيس الوزراء الإثيوبي خلال تسلّم طائرات مقاتلة (صفحته على «إكس»)

تعزيز القدرات العسكرية

كما يشير الخبير العسكري المصري العميد سمير راغب إلى أن «هذه الصفقة يراها نظام آبي أحمد تعزز من قدراته العسكرية في القرن الأفريقي، مقارنة بمن حوله من دول هي أقل قوة وعتاداً»، بخلاف أنه يسعى أيضاً إلى «ترسيخ وجوده داخل إثيوبيا أولاً، وكذلك أطماعه في إريتريا وليس في ميناء ومنفذ بحري».

ويسعى النظام في أديس أبابا أيضاً، بحسب راغب، إلى «تحديث قدراته العسكرية لدعم (قوات الدعم السريع) في السودان واستهداف البنية التحتية والمعسكرات هناك، مما يشكّل تهديداً غير مباشر لحدود مصر الجنوبية، دون صراع مباشر معها».

ويرى مراقبون أن «تلك الصفقة تعزز من تفوق إثيوبيا عسكرياً في منطقة القرن الأفريقي، على جيرانها المباشرين؛ الصومال وإريتريا وجيبوتي، من حيث القوة البشرية والعتاد الجوي والبري. غير أنها دولة حبيسة تفتقر إلى سلاح بحري عقب انفصال إريتريا عنها في عام 1993»، وسط مطالب إثيوبية متكررة منذ وصول آبي أحمد للسلطة عام 2018 بالوصول إلى منفذ بحري رغم رفض مصري-إريتري صريح ومتكرر.

وفي أحدث تصنيف لموقع «غلوبال فيربور» تأتي إثيوبيا في المرتبة 47 على مستوى العالم في القدرات العسكرية، مقابل المرتبة 119 لإريتريا، من أصل 145 دولة، وقد جمعتهما حرب طاحنة بين عامَي 1998 و2000. ومنذ مطلع أكتوبر اتهمت إثيوبيا جارتها إريتريا بدعم متمردين في شمال البلاد، لكن إريتريا نفت هذا الاتهام واعتبرته «إعلان حرب».

آبي أحمد في موسكو خلال تسلّم طائرات مقاتلة من طراز «سو-35» من الجيل الرابع (صفحته على «إكس»)

سيناريوهات المستقبل

وعن سيناريوهات المستقبل القريب في القرن الأفريقي في ضوء هذا التسليح الإثيوبي الجديد، يضع مجذوب 3 سيناريوهات: «أولها سيناريو الردع عبر تأمين الحدود ومنشآتها الاستراتيجية كسد النهضة، وثانيها لجوء أديس أبابا لاستخدام ترسانتها الجديدة لخوض نزاعات بحرية أو عسكرية للسيطرة على منفذ بحري، وثالثها توازن القوى الإقليمي مع سعي دول المنطقة أيضاً لامتلاك تقنيات عسكرية ومقاتلات حديثة مضادة لتحقيق حالة من الردع المتبادل».

وحذر من إمكانية أن «تشهد منطقة القرن الأفريقي في المدى القريب موجات اضطراب واسعة واحتكاكات قد تفضي إلى حرب إقليمية، لا سيما بين إثيوبيا وإريتريا»، بخلاف حرب مياه على المدى البعيد حال «لم تلتزم إثيوبيا بالاتفاقات الملزمة مع مصر والسودان».

وبينما يحذر راغب من تداعيات طموحات أديس أبابا للوصول إلى البحر الأحمر بالقوة عبر إريتريا أو إقليم «أرض الصومال» الانفصالي، يؤكد أن «إيجاد منفذ بحري لإثيوبيا سيفسح المجال لوجود قوى دولية وإقليمية مثل إسرائيل وروسيا في البحر الأحمر، مما يهدد أمن الملاحة والاستقرار الإقليمي بمنطقة القرن الأفريقي».

كما يعتقد أن «الموقف الروسي في صفقات السلاح يرتكز على المنطق التجاري المباشر القائم على العرض والطلب، دون مراعاة لحسابات التوازنات السياسية مع الدول الشريكة كمصر».

ولذا يستبعد الخبير في شؤون العلاقات الدولية والروسية ديمتري بريجع، أن «تؤثر تلك الصفقة على علاقات روسيا ومصر»، في ضوء ما يراه «حرص القيادة الروسية على بناء شراكات متوازنة تحفظ مصالحها المعقدة والمتشابكة في المنطقة العربية وأفريقيا».

ويؤكد أن «التعاون العسكري بين موسكو وأديس أبابا يأتي ضمن مسار طبيعي في ضوء تحولات تشهدها المنطقة، ورغبة روسيا في دعم دورها الأفريقي وترسيخ موطئ قدم استراتيجي لها في القارة رغم التعقيدات الحالية».

ويعتقد بريجع أن «صفقة التسليح الروسي ليست لتغيير وإعادة تشكيل موازين القوى، لكن ضمن تفاهمات واتفاقيات في ظل تعزيز روسيا دورها مع منافسة قوية من الغرب، بخلاف اعتبار تلك الخطوة فرصة لاختبار كفاءة الأسلحة وتحسين أدائها الميداني».


السودان: مئات المدنيين قُتلوا بهجمات بمسيّرات انطلقت من إثيوبيا

 عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
TT

السودان: مئات المدنيين قُتلوا بهجمات بمسيّرات انطلقت من إثيوبيا

 عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

قال مجلس السيادة السوداني، اليوم الأحد، إن أكثر من 180 طائرة مسيرة هاجمت السودان خلال العام الجاري، انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية، فيما يتصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الحرب بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع".

ويتهم الجيش السوداني أديس أبابا بالوقوف إلى جانب "الدعم السريع"، التي يقاتلها منذ عام 2023، وقد انقسمت السودان إلى مناطق نفوذ بينهما.

من جانبها تتهم أديس أبابا الخرطوم بدعم متمردي إقليم تيغراي.

وأكد مجلس السيادة الانتقالي الذي يرأسه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان رصد "70 هجوما" بين فبراير (شباط) وأكتوبر (تشرين الأول) 2026 من "مناطق إطلاق إثيوبية" تتضمن "187 طائرة مسيرة".

وأوقعت تلك الهجمات، بحسب التقرير، 484 مدنيا بين قتيل ومصاب، وأسفرت عن مقتل 176 مجندا بالجيش، في النيل الأزرق والخرطوم وغيرها، مستهدفة مستشفيات ومناطق سكنية ومرافق للوقود والكهرباء.

ويعتمد طرفا الحرب في السودان بشكل كبير على الطائرات المسيرة، حيث تراجعت حدة المواجهات المباشرة وارتفعت وتيرة الهجمات الجوية في الغرب والجنوب.

وحذرت الأمم المتحدة من ارتفاع وتيرة هجمات الطائرات المسيرة التي تسببت في مقتل أكثر من 1,100 شخصا منذ بداية العام، بينهم أكثر من 300 خلال الشهر الماضي فقط.

وحملت الخرطوم في التقرير "إثيوبيا المسؤولية الدولية عن العمليات العابرة للحدود"، مطالبة "بالوقف الفوري للهجمات التي تُشنّ ضد أراضيها، وإغلاق المنشآت الإثيوبية التي تُستخدم من قِبل قوات الدعم السريع".

وأكد التقرير أن السودان يسعى إلى "المساءلة والحصول على تعويضات عن الأضرار والدمار الناجم عن تلك الأعمال".

وذكر التقرير هجوما استهدف عائلات نازحة في ود الماحي بولاية النيل الأزرق الشهر الماضي، مسفرا عن مقتل 30 مدنيا، بينهم 26 امرأة وأربعة أطفال.

واعتمد التقرير الذي أعدته وزارة الخارجية السودانية مع الاستخبارات العسكرية والعامة على أدلة من حطام المسيرات وبيانات الرحلات الجوية والسجلات العسكرية.

ومن بين الأدلة حاسوب تحكم خاص بأحدى المسيرات التي سقطت في الدمازين في النيل الأزرق في سبتمبر (أيلول)، ضم بيانات مسار الطائرة التي تشير إلى انطلاقها من نقطة على عمق 1,7 كيلومترا داخل الأراضي الإثيوبية.

وأسفرت الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام عن مقتل عشرات الآلاف في السودان وتشريد الملايين داخل البلاد وخارجه، إضافة إلى انتشار المجاعة في عدة مناطق.

وتسببت هجمات في الآونة الأخيرة على محطات الكهرباء في مناطق سيطرة الجيش عن انقطاع واسع للتيار في ولايات الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض والقضارف.