فوضى الأسواق تمهد لنظام عالمي ينهي حقبة منظمة التجارة «المعادية»

تكتيكا «الصدمة» و«الرعب» أقوى أسلحة ترمب في حربه الجمركية

ترمب وقائمة التعرفة الجمركية المفروضة على دول العالم (غيتي)
ترمب وقائمة التعرفة الجمركية المفروضة على دول العالم (غيتي)
TT

فوضى الأسواق تمهد لنظام عالمي ينهي حقبة منظمة التجارة «المعادية»

ترمب وقائمة التعرفة الجمركية المفروضة على دول العالم (غيتي)
ترمب وقائمة التعرفة الجمركية المفروضة على دول العالم (غيتي)

لا يمكن رد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب «المفاجئ» تأجيل فرض الرسوم الجمركية على غالبية الدول لمدة 90 يوماً، إلى نجاح مناشداتها فقط. ثم إنه لا يمكن اعتبار «المخاوف» من تأثيراتها على الداخل الأميركي سبباً كافياً لإقناعه بتأجيلها، خاصةً أنها لم تؤد بعد إلى التحوّل مصدر قلق جدياً على قاعدته وحزبه. لكن ما لا شك فيه أن ترمب أراد إيصال رسالة أبعد إلى «من يهمه الأمر»... أي الصين، التي رفع نسبة رسومه عليها إلى 125 في المائة، في تصعيد كبير لـ«الحرب التجارية» معها. وهو ما يشير أن التوصل إلى تفاهمات وصفقات جوهرية معها ومع غيرها من الدول، لا يزال بعيد المنال في ظل تصريحاته التي بدت متناقضة. ترمب يأمل بأن يعزّز تكتيكا «الصدمة» و«الرعب» في فرض الرسوم الجمركية، نفوذه ومكانته وقوة أميركا ومكانتها، ويعتقد أن الوصول إلى السوق الأميركية هو أقوى سلاح في هذه الحرب، لكن بيل أكمان، مدير صندوق التحوّط، وصف هذه «الحرب»، في معرض انتقاده للرسوم الجمركية، بأنها بمثابة إطلاق «حرب نووية اقتصادية».

يدرك دونالد ترمب أن التجارة مع الولايات المتحدة مسألة حيوية لازدهار، وحتى استقرار، عشرات الدول، وأن الضمانات الأميركية تضمن أمن معظم دول العالم. ومع حالة الارتباك التي ضربت أسواق العالم، بدا أن الرئيس الأميركي يهدف إلى إحداث أكبر قدر ممكن من «الفوضى» التجارية، التي قد تجبر في نهاية المطاف الجميع على الإذعان لشروط واشنطن، وخلق نمط تجاري جديد ينهي حقبة «منظمة التجارة العالمية» وقوانينها، التي يرى أنها تعمل منذ وقت طويل ضد مصالح أميركا. وهو ما دعا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى القول أمام برلمان بلاده، الثلاثاء، إن ما يجري «ليس مرحلة عابرة، بل هو نظام عالمي يتغير».

وبينما يسعى أكثر من 70 دولة، للتوصل إلى اتفاق، تقول إدارة ترمب إن الصين فعلت العكس. وبدلاً من تسريع المباحثات الرفيعة المستوى، وعدت بمواصلة الرد بكل الوسائل المتاحة في محاولة لحماية اقتصادها. وبدا أن أكبر اقتصادين في العالم يخوضان الآن «حرباً تجارية» متصاعدة بسرعة قد تدفع تنافسهما إلى مستوى جديد من المواجهة، وقد تتسبّب في ركود عالمي.

الصين تحت الضغط

حتى الآن، تُظهر بكين الثقة، مراهنةً على اضطرابات السوق والانقسامات في دعم رسوم ترمب الجمركية، ومقتنعةً بأن لها اليد العليا، وهي فقط تحتاج لفترة انتظار أطول بقليل حتى تتراكم ردود الفعل، فتغدو في وضع أفضل قبل أي تفاوض.

ومع استبعاد خضوع الصين الآن للضغط - علناً على الأقل - فإنها تعمل بهمّة على توسيع أدواتها الانتقامية للتعويض عن فائضها التجاري الكبير مع الولايات المتحدة. وتشمل هذه الإجراءات فرض عقوبات على الشركات الأميركية العاملة في الصين، وتقييد وصول الولايات المتحدة إلى المواد الأساسية اللازمة لتصنيع منتجات عالية التقنية؛ من المعدات الطبية إلى المفاعلات النووية. كذلك تستطيع بكين فرض قيود إضافية على أنواع من المعادن النادرة أو المعادن الأساسية التي تُهيمن الصين على إنتاجها، وحتى تعليق تعاونها للحد من تدفّق الفنتانيل إلى الولايات المتحدة.

ولكن، مع حسم إدارة ترمب بأن معركتها التجارية الرئيسة هي مع الصين، تواجه بكين تحدّيات كبيرة. ورغم إطلاقها المزيد من الإجراءات لتحفيز اقتصادها، فالإنفاق من احتياطاتها المالية والنقدية - المستمر منذ أزماتها الأخيرة - وإفراطها الآن في تقديم القروض لشراء الأسهم، يهددان بتجفيفها، ما قد يعرضها لتكرار ما تعرضت له اليابان في ثمانينات القرن الماضي إبّان الحرب التجارية التي خاضها الرئيس الأسبق رونالد ريغان معها.

اقتصاد الصين حتى قبل رسوم ترمب الجمركية، ما كان بحالة جيدة، بل بدأ للتو في تجاوز ركود سوق العقارات، وضعف الإنفاق، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب. ثم إن الصين تصدّر إلى الولايات المتحدة أكثر بكثير مما تستورده منها، ما يعني أنها لا تستطيع مُجاراة الرسوم بدولار مقابل دولار، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى تأثر الشركات الصينية والوظائف، بل الاقتصاد العالمي برمّته، الذي يعتمد على الكثير مما تنتجه الصين.

الدول تريد التفاوض

يكرّر ترمب وكبار مسؤوليه القول إنهم «يتفاوضون» مع شركائهم التجاريين لخفض الرسوم الجمركية العالية، لكن العديد من الحكومات التي أبدت استعدادها للتفاوض، ذكرت أنها لم تحصل في السابق على أي رد. غير أنه بعد تأجيله فرضها لمدة 90 يوماً، قد يتغير الوضع خلال الفترة المقبلة، رغم الصعوبات التي قد تواجه فرق التفاوض الأميركية بسبب نقص أعداد العاملين إثر خفض العمالة في عدد من الوزارات، منها الخزانة والتجارة، ما قد يطيل أمد التوصل لتفاهمات مقبولة للطرفين.

وفق تقارير عدة، لا تزال العديد من الدول تنتظر ردوداً على طلبها عقد اجتماعات، بينما لم يوضح مسؤولو إدارة ترمب طبيعة التنازلات التي يسعون إليها، ويرون أنها تمهد الطريق لحل تفاوضي.

هذا قد يشير إلى أنه على الرغم من انتعاش الأسواق المالية التي سعى ترمب إلى طمأنتها وقادة الشركات والجمهوريين، عبر تأجيله فرض الرسوم الجمركية، وأن هدفه النهائي خفض العجز التجاري مع الدول الأجنبية، فإنه لا يزال بعيداً عن التوصل إلى أي صفقات جوهرية مع الشركاء الأجانب الأساسيين. وكل هذا، مع أنه يريد من تلك الدول «المعاملة بالمثل» لمعالجة الظروف غير التبادلية الكامنة وراء «حالة الطوارئ الوطنية» التي أعلنها في «يوم التحرير»، الأسبوع الماضي.

من جهة ثانية، بينما يشيد البيت الأبيض بعدد القادة الأجانب الذين يتواصلون للتفاوض، يقول البعض إن تنظيم تلك الاتصالات سيتحدد بناء على الأولويات، وإن التأخير سيؤدي إلى خطوات انتقامية. ومع أن ترمب قال إنه تكلّم مع العديد من قادة الدول، فهو لم يقل الكثير عمّا إذا كانت مباحثاته حركت الكرة إلى الأمام، أو ما إذا كان سيفكر في خفض الرسوم الجمركية المتضخمة على بلدانهم.

أيضاً لم يتجاوب ترمب مع عرض البعض؛ كإسرائيل واليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام، الالتزام بتقليص العجز التجاري مع الولايات المتحدة، وتخفيف الحواجز التجارية الأخرى.

مع أن ترمب قال إنه تكلّم مع عدد من قادة الدول فهو لم يقل ما إذا كانت مباحثاته غيرت شيئاً

تنازلات «غير كافية»

وأحد الأمور التي أوضحها الرئيس وكبار مسؤوليه التجاريين هو أن التنازلات التي قدمتها بعض الدول حتى هذه اللحظة «غير كافية». إذ عرضت كمبوديا، التي تواجه تعريفة جمركية بنسبة 49 في المائة، خفض الرسوم الجمركية التي تفرضها على 19 فئة من السلع الأميركية، في حين تخطط تايلاند لزيادة وارداتها من النفط والغاز الأميركيين لمعالجة فائضها التجاري مع الولايات المتحدة.

ومن جهته، عرض الاتحاد الأوروبي خفض تعريفاته الجمركية على السلع الصناعية إلى الصفر، مقابل إلغاء أميركي مماثل. ولكن عندما سُئل ترمب بعد ظهر يوم الاثنين عما إذا كان ذلك كافياً لإلغاء زيادة التعريفات الجمركية البالغة 20 في المائة على الاتحاد الأوروبي، ردّ بالنفي.

غنيٌّ عن القول إن معدلات التعريفات الجمركية التي يرغب ترمب بفرضها على 100 دولة - من دون الصين - من بينها 60 شريكاً تجارياً، تتراوح بين 10 و50 في المائة، تضاف إلى الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارته على واردات الصلب والألمنيوم، وواردات السيارات وقطع غيارها، وعلى كندا والمكسيك والصين لدورها «في تهريب مخدّر الفنتانيل إلى الولايات المتحدة».

هذا دفع البعض إلى التحذير من أن الارتباك الحاصل قد يضاعف من اضطراب الأسواق، ويؤجج المخاوف من أن تكون أميركا نفسها تتجه نحو الركود. وحقاً، قال أحد الاقتصاديين: «ما نشهده هو انتعاشٌ استثنائيٌّ على أمل أن يتحوّل هذا التوقّف إلى إلغاء دائم للرسوم الجمركية العقابية العشوائية التي فُرضت على شركاء أميركا التجاريين العالميين»، لكنه أضاف: «هذا لا يُزيل خطر الركود من المشهد».

الوجه الآخر لسياسات ترمب

محلياً، يعتقد ترمب أن القوة السياسية التي يكتسبها من تأكيد سيطرته الكاملة على سياسة التعريفات الجمركية، سيخيف الشركات ويدفعها إلى دعمه، كما يؤمن بأن علاقاته بمؤيديه ستصمد في وجه فترة اقتصادية صعبة. في حين يرى محللون أن سياسات ترمب الجمركية والتوترات مع الحلفاء «هي الوجه الآخر لسياساته الداخلية المستمرة منذ تسلمه منصبه»، بعدما خفّض موظفي الحكومة وأنهى الكثير من برامج الدعم والمساعدات لخفض الإنفاق، وقمع الهجرة.

مع هذا، صدرت تحذيرات، سواءً من عمالقة الشركات والمؤثّرين الذين كانوا من أكبر الداعمين له، ومن بعض المشرّعين الجمهوريين، ومن إيلون ماسك - أحد أقرب حلفاء ترمب - والتي أشارت كلها إلى أن استراتيجية الرسوم الجمركية تنطوي على أخطار جسيمة، قد تكلّفه وحزبه خسارة تأييد القاعدة الانتخابية.

سلع صينية بانتظار التصدير ... الضحية الأول لـ"حرب" واشنطن التجارية ضد بكين (آ ب)

تراجع القلق مؤقتاً؟

بيد أن تأجيل فرض الرسوم الجمركية - باستثناء الصين - خفّف من الانتقادات التي واجهها ترمب من مقدّمي البرامج والمؤثرين اليمينيين على مواقع التواصل الاجتماعي و«البودكاست» الذين لعبوا دوراً كبيراً في تعزيز شعبيته لدى ملايين المتابعين، بعدما قالوا إن رؤيته للتجارة الدولية «للأسف، خاطئة».

أيضاً، تراجع القلق في صفوف بعض أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب الجمهوريين، بمن فيهم حلفاء ترمب، بشأن تعريفاته الجمركية، علماً بأن البيت الأبيض وقادة الحزب تمكنوا من إضعاف محاولات إقرار مشاريع قوانين لتقييدها، وسط ضعف غير مسبوق للديمقراطيين، يصل إلى حد التواطؤ مع «الأهداف البعيدة» المتوخّاة منها.

وبعدما قدّم النائب الجمهوري دون بيكون، الاثنين، تشريعاً لتقييد رسوم ترمب الجمركية، حثّ رئيس مجلس النواب مايك جونسون المشرّعين الجمهوريين على دعم الرئيس، قائلاً إن ترمب يستحق «حرية التصرف» في هذه القضية. وكان سبعة أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ قد انضموا إلى رعاية مشروع قانون مماثل في مجلس الشيوخ يطلب من البيت الأبيض الحصول على موافقة الكونغرس لفرض الرسوم.

وأعلن زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ جون ثون أن أي مشروع قانون يهدف إلى إعاقتها ليس له «مستقبل» في الكونغرس، ليعلن الجمهوريون، مساء الاثنين، عن مواصلة دعمهم لسياسات ترمب الجمركية. وقال السيناتور كيفن كريمر، الذي حذر من أن يصاب الناس بالذعر، إن «المخاوف بشأن الرسوم الجمركية لم تدفع بعد مؤيدي ترمب إلى النفور منه، لكن حتى أقوى مؤيديه قد يتراجعون عن موقفهم إذا بدأت تؤذي الأفراد، لكنني لا أعتقد أننا وصلنا إلى هذه المرحلة بعد».

حقائق

جمهوريو «وول ستريت» ينتقدون سياسات ترمب

بعد أشهر من تجنّب رؤساء الشركات الأميركية انتقاد سياسات الرئيس دونالد ترمب، أدت عمليات البيع المكثفة في السوق وتحذيرات عمالقة «وول ستريت» مثل بيل أكمان وجيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان تشيس»، إلى إعراب المزيد من قادة الأعمال عن قلقهم علناً.

الملياردير كين غريفين، كبير المانحين الجمهوريين الذي يدير شركة صناديق التحوط «سيتادل»، وصف الرسوم الجمركية بأنها «خطأ سياسي فادح». وقال إنه من الخطأ أن تقول لعائلة من الطبقة المتوسطة أو ذات الدخل المحدود «سيكلفك ذلك 20 أو 30 أو 40 في المائة زيادةً في ثمن البقالة أو محمصة الخبز أو مكنسة كهربائية جديدة أو سيارة جديدة». وأضاف: «حتى لو تحقق حلم عودة الوظائف إلى أميركا، فهذا حلم يمتد لعشرين سنة، وليس 20 أسبوعاً. إنه ليس سنتن. إنه عقود».

أيضاً انتقد إيلون ماسك، أحد أكثر مستشاري ترمب نفوذاً، «أجندة» البيت الأبيض التجارية، «فاتحاً» سجالاً قاسياً مع مستشار ترمب التجاري، بيتر نافارو. ويوم الاثنين، نشر مقطع فيديو شهيراً للمرجع الاقتصادي ميلتون فريدمان وهو يروّج للتجارة الحرة، موضحاً كيف تتطلب مكوّنات قلم الرصاص سلاسل توريد معقدة.

وتوالت انتقادات كبار الرؤساء التنفيذيين الداعمين للجمهوريين، ولترمب خصوصاً، من أمثال بهرام أكرادي، الرئيس التنفيذي لسلسلة متاجر «لايف تايم»، وبريت شولمان الرئيس التنفيذي لسلسلة «كافا». وحتى كتب رايان كوهين، الرئيس التنفيذي لشركة «جيم ستوب»، على منصة «إكس» الأسبوع الماضي أن الرسوم الجمركية «تحوّلني ديمقراطياً».

حذَّر هؤلاء من أن خطة ترمب ستؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشركات وانخفاض إيراداتها؛ ما سيخلق عوائق كبيرة أمام عمليات الإنتاج في جميع أنحاء العالم. لكن بعضهم توقع أن يكون التباطؤ الاقتصادي الخيار الأرجح من حرب تجارية شاملة، في حين يتحدث خبراء عن أن ما يجري قد يكون خطة لإعادة تمويل 7 تريليونات دولار من ديون أميركا، عبر خفض عوائد السندات الأميركية. وبحلول نهاية 2026، ستستحق تلك السندات التي سبق إصدار معظمها بين عامي 2020 و2022، بفائدة قريبة من الصفر، في حين أنها ‏اليوم تجاوزت 4.5 في المائة. وبما أن كل ارتفاع بمقدار 1 في المائة في العائد يعني 90 مليار دولار إضافية في مدفوعات الفائدة سنوياً، هذا يعني أن تكلفة إعادة التمويل قد تكون باهظة ما لم تنخفض العوائد بسرعة.

بناءً عليه؛ يقول خبراء إن التعريفات الجمركية لا تهدف إلى حماية الصناعة الأميركية، بل إلى إبطاء النمو؛ ما سيخفّض الطلب على السلع ويؤدي إلى تراجع التضخم، وانخفاض العوائد طويلة الأجل. كل هذا سيتيح إعادة تمويلها بسعر منخفض، بعد بيعها، وهو ما حصل في الأيام الأخيرة، مع عمليات البيع غير المسبوقة التي شهدتها السندات الأميركية.



مقالات ذات صلة

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

حصاد الأسبوع مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع ابراهيم محلب (رويترز)

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع الناشط الأيود الراخل خلال لقائه بالمغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1964 (آ ب)

ترمب يحاول «تبييض» صفحات أميركا

ودّعت الولايات المتحدة أخيراً القس جيسي جاكسون، أحد أهم الشخصيات السوداء في تاريخ البلاد، والقيادي الجماهيري الذي لعب دوراً محورياً في تجييش الناخب الأسود

علي بردى (واشنطن)
حصاد الأسبوع ترمب مع مغنية "الراب" الترينيدادية نيكي ميناج (آ ب)

ترمب... و«أصدقاؤه السود»

> في موازاة السياسات التي تعيد الاعتبار لزعماء كانوا مسؤولين عن بعض أسوأ مراحل الرق، يرفض الرئيس دونالد ترمب الاتهامات التي توجه إليه بأنه «عنصري»، مكرّراً


بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.