فوضى الأسواق تمهد لنظام عالمي ينهي حقبة منظمة التجارة «المعادية»

تكتيكا «الصدمة» و«الرعب» أقوى أسلحة ترمب في حربه الجمركية

ترمب وقائمة التعرفة الجمركية المفروضة على دول العالم (غيتي)
ترمب وقائمة التعرفة الجمركية المفروضة على دول العالم (غيتي)
TT

فوضى الأسواق تمهد لنظام عالمي ينهي حقبة منظمة التجارة «المعادية»

ترمب وقائمة التعرفة الجمركية المفروضة على دول العالم (غيتي)
ترمب وقائمة التعرفة الجمركية المفروضة على دول العالم (غيتي)

لا يمكن رد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب «المفاجئ» تأجيل فرض الرسوم الجمركية على غالبية الدول لمدة 90 يوماً، إلى نجاح مناشداتها فقط. ثم إنه لا يمكن اعتبار «المخاوف» من تأثيراتها على الداخل الأميركي سبباً كافياً لإقناعه بتأجيلها، خاصةً أنها لم تؤد بعد إلى التحوّل مصدر قلق جدياً على قاعدته وحزبه. لكن ما لا شك فيه أن ترمب أراد إيصال رسالة أبعد إلى «من يهمه الأمر»... أي الصين، التي رفع نسبة رسومه عليها إلى 125 في المائة، في تصعيد كبير لـ«الحرب التجارية» معها. وهو ما يشير أن التوصل إلى تفاهمات وصفقات جوهرية معها ومع غيرها من الدول، لا يزال بعيد المنال في ظل تصريحاته التي بدت متناقضة. ترمب يأمل بأن يعزّز تكتيكا «الصدمة» و«الرعب» في فرض الرسوم الجمركية، نفوذه ومكانته وقوة أميركا ومكانتها، ويعتقد أن الوصول إلى السوق الأميركية هو أقوى سلاح في هذه الحرب، لكن بيل أكمان، مدير صندوق التحوّط، وصف هذه «الحرب»، في معرض انتقاده للرسوم الجمركية، بأنها بمثابة إطلاق «حرب نووية اقتصادية».

يدرك دونالد ترمب أن التجارة مع الولايات المتحدة مسألة حيوية لازدهار، وحتى استقرار، عشرات الدول، وأن الضمانات الأميركية تضمن أمن معظم دول العالم. ومع حالة الارتباك التي ضربت أسواق العالم، بدا أن الرئيس الأميركي يهدف إلى إحداث أكبر قدر ممكن من «الفوضى» التجارية، التي قد تجبر في نهاية المطاف الجميع على الإذعان لشروط واشنطن، وخلق نمط تجاري جديد ينهي حقبة «منظمة التجارة العالمية» وقوانينها، التي يرى أنها تعمل منذ وقت طويل ضد مصالح أميركا. وهو ما دعا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى القول أمام برلمان بلاده، الثلاثاء، إن ما يجري «ليس مرحلة عابرة، بل هو نظام عالمي يتغير».

وبينما يسعى أكثر من 70 دولة، للتوصل إلى اتفاق، تقول إدارة ترمب إن الصين فعلت العكس. وبدلاً من تسريع المباحثات الرفيعة المستوى، وعدت بمواصلة الرد بكل الوسائل المتاحة في محاولة لحماية اقتصادها. وبدا أن أكبر اقتصادين في العالم يخوضان الآن «حرباً تجارية» متصاعدة بسرعة قد تدفع تنافسهما إلى مستوى جديد من المواجهة، وقد تتسبّب في ركود عالمي.

الصين تحت الضغط

حتى الآن، تُظهر بكين الثقة، مراهنةً على اضطرابات السوق والانقسامات في دعم رسوم ترمب الجمركية، ومقتنعةً بأن لها اليد العليا، وهي فقط تحتاج لفترة انتظار أطول بقليل حتى تتراكم ردود الفعل، فتغدو في وضع أفضل قبل أي تفاوض.

ومع استبعاد خضوع الصين الآن للضغط - علناً على الأقل - فإنها تعمل بهمّة على توسيع أدواتها الانتقامية للتعويض عن فائضها التجاري الكبير مع الولايات المتحدة. وتشمل هذه الإجراءات فرض عقوبات على الشركات الأميركية العاملة في الصين، وتقييد وصول الولايات المتحدة إلى المواد الأساسية اللازمة لتصنيع منتجات عالية التقنية؛ من المعدات الطبية إلى المفاعلات النووية. كذلك تستطيع بكين فرض قيود إضافية على أنواع من المعادن النادرة أو المعادن الأساسية التي تُهيمن الصين على إنتاجها، وحتى تعليق تعاونها للحد من تدفّق الفنتانيل إلى الولايات المتحدة.

ولكن، مع حسم إدارة ترمب بأن معركتها التجارية الرئيسة هي مع الصين، تواجه بكين تحدّيات كبيرة. ورغم إطلاقها المزيد من الإجراءات لتحفيز اقتصادها، فالإنفاق من احتياطاتها المالية والنقدية - المستمر منذ أزماتها الأخيرة - وإفراطها الآن في تقديم القروض لشراء الأسهم، يهددان بتجفيفها، ما قد يعرضها لتكرار ما تعرضت له اليابان في ثمانينات القرن الماضي إبّان الحرب التجارية التي خاضها الرئيس الأسبق رونالد ريغان معها.

اقتصاد الصين حتى قبل رسوم ترمب الجمركية، ما كان بحالة جيدة، بل بدأ للتو في تجاوز ركود سوق العقارات، وضعف الإنفاق، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب. ثم إن الصين تصدّر إلى الولايات المتحدة أكثر بكثير مما تستورده منها، ما يعني أنها لا تستطيع مُجاراة الرسوم بدولار مقابل دولار، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى تأثر الشركات الصينية والوظائف، بل الاقتصاد العالمي برمّته، الذي يعتمد على الكثير مما تنتجه الصين.

الدول تريد التفاوض

يكرّر ترمب وكبار مسؤوليه القول إنهم «يتفاوضون» مع شركائهم التجاريين لخفض الرسوم الجمركية العالية، لكن العديد من الحكومات التي أبدت استعدادها للتفاوض، ذكرت أنها لم تحصل في السابق على أي رد. غير أنه بعد تأجيله فرضها لمدة 90 يوماً، قد يتغير الوضع خلال الفترة المقبلة، رغم الصعوبات التي قد تواجه فرق التفاوض الأميركية بسبب نقص أعداد العاملين إثر خفض العمالة في عدد من الوزارات، منها الخزانة والتجارة، ما قد يطيل أمد التوصل لتفاهمات مقبولة للطرفين.

وفق تقارير عدة، لا تزال العديد من الدول تنتظر ردوداً على طلبها عقد اجتماعات، بينما لم يوضح مسؤولو إدارة ترمب طبيعة التنازلات التي يسعون إليها، ويرون أنها تمهد الطريق لحل تفاوضي.

هذا قد يشير إلى أنه على الرغم من انتعاش الأسواق المالية التي سعى ترمب إلى طمأنتها وقادة الشركات والجمهوريين، عبر تأجيله فرض الرسوم الجمركية، وأن هدفه النهائي خفض العجز التجاري مع الدول الأجنبية، فإنه لا يزال بعيداً عن التوصل إلى أي صفقات جوهرية مع الشركاء الأجانب الأساسيين. وكل هذا، مع أنه يريد من تلك الدول «المعاملة بالمثل» لمعالجة الظروف غير التبادلية الكامنة وراء «حالة الطوارئ الوطنية» التي أعلنها في «يوم التحرير»، الأسبوع الماضي.

من جهة ثانية، بينما يشيد البيت الأبيض بعدد القادة الأجانب الذين يتواصلون للتفاوض، يقول البعض إن تنظيم تلك الاتصالات سيتحدد بناء على الأولويات، وإن التأخير سيؤدي إلى خطوات انتقامية. ومع أن ترمب قال إنه تكلّم مع العديد من قادة الدول، فهو لم يقل الكثير عمّا إذا كانت مباحثاته حركت الكرة إلى الأمام، أو ما إذا كان سيفكر في خفض الرسوم الجمركية المتضخمة على بلدانهم.

أيضاً لم يتجاوب ترمب مع عرض البعض؛ كإسرائيل واليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام، الالتزام بتقليص العجز التجاري مع الولايات المتحدة، وتخفيف الحواجز التجارية الأخرى.

مع أن ترمب قال إنه تكلّم مع عدد من قادة الدول فهو لم يقل ما إذا كانت مباحثاته غيرت شيئاً

تنازلات «غير كافية»

وأحد الأمور التي أوضحها الرئيس وكبار مسؤوليه التجاريين هو أن التنازلات التي قدمتها بعض الدول حتى هذه اللحظة «غير كافية». إذ عرضت كمبوديا، التي تواجه تعريفة جمركية بنسبة 49 في المائة، خفض الرسوم الجمركية التي تفرضها على 19 فئة من السلع الأميركية، في حين تخطط تايلاند لزيادة وارداتها من النفط والغاز الأميركيين لمعالجة فائضها التجاري مع الولايات المتحدة.

ومن جهته، عرض الاتحاد الأوروبي خفض تعريفاته الجمركية على السلع الصناعية إلى الصفر، مقابل إلغاء أميركي مماثل. ولكن عندما سُئل ترمب بعد ظهر يوم الاثنين عما إذا كان ذلك كافياً لإلغاء زيادة التعريفات الجمركية البالغة 20 في المائة على الاتحاد الأوروبي، ردّ بالنفي.

غنيٌّ عن القول إن معدلات التعريفات الجمركية التي يرغب ترمب بفرضها على 100 دولة - من دون الصين - من بينها 60 شريكاً تجارياً، تتراوح بين 10 و50 في المائة، تضاف إلى الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارته على واردات الصلب والألمنيوم، وواردات السيارات وقطع غيارها، وعلى كندا والمكسيك والصين لدورها «في تهريب مخدّر الفنتانيل إلى الولايات المتحدة».

هذا دفع البعض إلى التحذير من أن الارتباك الحاصل قد يضاعف من اضطراب الأسواق، ويؤجج المخاوف من أن تكون أميركا نفسها تتجه نحو الركود. وحقاً، قال أحد الاقتصاديين: «ما نشهده هو انتعاشٌ استثنائيٌّ على أمل أن يتحوّل هذا التوقّف إلى إلغاء دائم للرسوم الجمركية العقابية العشوائية التي فُرضت على شركاء أميركا التجاريين العالميين»، لكنه أضاف: «هذا لا يُزيل خطر الركود من المشهد».

الوجه الآخر لسياسات ترمب

محلياً، يعتقد ترمب أن القوة السياسية التي يكتسبها من تأكيد سيطرته الكاملة على سياسة التعريفات الجمركية، سيخيف الشركات ويدفعها إلى دعمه، كما يؤمن بأن علاقاته بمؤيديه ستصمد في وجه فترة اقتصادية صعبة. في حين يرى محللون أن سياسات ترمب الجمركية والتوترات مع الحلفاء «هي الوجه الآخر لسياساته الداخلية المستمرة منذ تسلمه منصبه»، بعدما خفّض موظفي الحكومة وأنهى الكثير من برامج الدعم والمساعدات لخفض الإنفاق، وقمع الهجرة.

مع هذا، صدرت تحذيرات، سواءً من عمالقة الشركات والمؤثّرين الذين كانوا من أكبر الداعمين له، ومن بعض المشرّعين الجمهوريين، ومن إيلون ماسك - أحد أقرب حلفاء ترمب - والتي أشارت كلها إلى أن استراتيجية الرسوم الجمركية تنطوي على أخطار جسيمة، قد تكلّفه وحزبه خسارة تأييد القاعدة الانتخابية.

سلع صينية بانتظار التصدير ... الضحية الأول لـ"حرب" واشنطن التجارية ضد بكين (آ ب)

تراجع القلق مؤقتاً؟

بيد أن تأجيل فرض الرسوم الجمركية - باستثناء الصين - خفّف من الانتقادات التي واجهها ترمب من مقدّمي البرامج والمؤثرين اليمينيين على مواقع التواصل الاجتماعي و«البودكاست» الذين لعبوا دوراً كبيراً في تعزيز شعبيته لدى ملايين المتابعين، بعدما قالوا إن رؤيته للتجارة الدولية «للأسف، خاطئة».

أيضاً، تراجع القلق في صفوف بعض أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب الجمهوريين، بمن فيهم حلفاء ترمب، بشأن تعريفاته الجمركية، علماً بأن البيت الأبيض وقادة الحزب تمكنوا من إضعاف محاولات إقرار مشاريع قوانين لتقييدها، وسط ضعف غير مسبوق للديمقراطيين، يصل إلى حد التواطؤ مع «الأهداف البعيدة» المتوخّاة منها.

وبعدما قدّم النائب الجمهوري دون بيكون، الاثنين، تشريعاً لتقييد رسوم ترمب الجمركية، حثّ رئيس مجلس النواب مايك جونسون المشرّعين الجمهوريين على دعم الرئيس، قائلاً إن ترمب يستحق «حرية التصرف» في هذه القضية. وكان سبعة أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ قد انضموا إلى رعاية مشروع قانون مماثل في مجلس الشيوخ يطلب من البيت الأبيض الحصول على موافقة الكونغرس لفرض الرسوم.

وأعلن زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ جون ثون أن أي مشروع قانون يهدف إلى إعاقتها ليس له «مستقبل» في الكونغرس، ليعلن الجمهوريون، مساء الاثنين، عن مواصلة دعمهم لسياسات ترمب الجمركية. وقال السيناتور كيفن كريمر، الذي حذر من أن يصاب الناس بالذعر، إن «المخاوف بشأن الرسوم الجمركية لم تدفع بعد مؤيدي ترمب إلى النفور منه، لكن حتى أقوى مؤيديه قد يتراجعون عن موقفهم إذا بدأت تؤذي الأفراد، لكنني لا أعتقد أننا وصلنا إلى هذه المرحلة بعد».

حقائق

جمهوريو «وول ستريت» ينتقدون سياسات ترمب

بعد أشهر من تجنّب رؤساء الشركات الأميركية انتقاد سياسات الرئيس دونالد ترمب، أدت عمليات البيع المكثفة في السوق وتحذيرات عمالقة «وول ستريت» مثل بيل أكمان وجيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان تشيس»، إلى إعراب المزيد من قادة الأعمال عن قلقهم علناً.

الملياردير كين غريفين، كبير المانحين الجمهوريين الذي يدير شركة صناديق التحوط «سيتادل»، وصف الرسوم الجمركية بأنها «خطأ سياسي فادح». وقال إنه من الخطأ أن تقول لعائلة من الطبقة المتوسطة أو ذات الدخل المحدود «سيكلفك ذلك 20 أو 30 أو 40 في المائة زيادةً في ثمن البقالة أو محمصة الخبز أو مكنسة كهربائية جديدة أو سيارة جديدة». وأضاف: «حتى لو تحقق حلم عودة الوظائف إلى أميركا، فهذا حلم يمتد لعشرين سنة، وليس 20 أسبوعاً. إنه ليس سنتن. إنه عقود».

أيضاً انتقد إيلون ماسك، أحد أكثر مستشاري ترمب نفوذاً، «أجندة» البيت الأبيض التجارية، «فاتحاً» سجالاً قاسياً مع مستشار ترمب التجاري، بيتر نافارو. ويوم الاثنين، نشر مقطع فيديو شهيراً للمرجع الاقتصادي ميلتون فريدمان وهو يروّج للتجارة الحرة، موضحاً كيف تتطلب مكوّنات قلم الرصاص سلاسل توريد معقدة.

وتوالت انتقادات كبار الرؤساء التنفيذيين الداعمين للجمهوريين، ولترمب خصوصاً، من أمثال بهرام أكرادي، الرئيس التنفيذي لسلسلة متاجر «لايف تايم»، وبريت شولمان الرئيس التنفيذي لسلسلة «كافا». وحتى كتب رايان كوهين، الرئيس التنفيذي لشركة «جيم ستوب»، على منصة «إكس» الأسبوع الماضي أن الرسوم الجمركية «تحوّلني ديمقراطياً».

حذَّر هؤلاء من أن خطة ترمب ستؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشركات وانخفاض إيراداتها؛ ما سيخلق عوائق كبيرة أمام عمليات الإنتاج في جميع أنحاء العالم. لكن بعضهم توقع أن يكون التباطؤ الاقتصادي الخيار الأرجح من حرب تجارية شاملة، في حين يتحدث خبراء عن أن ما يجري قد يكون خطة لإعادة تمويل 7 تريليونات دولار من ديون أميركا، عبر خفض عوائد السندات الأميركية. وبحلول نهاية 2026، ستستحق تلك السندات التي سبق إصدار معظمها بين عامي 2020 و2022، بفائدة قريبة من الصفر، في حين أنها ‏اليوم تجاوزت 4.5 في المائة. وبما أن كل ارتفاع بمقدار 1 في المائة في العائد يعني 90 مليار دولار إضافية في مدفوعات الفائدة سنوياً، هذا يعني أن تكلفة إعادة التمويل قد تكون باهظة ما لم تنخفض العوائد بسرعة.

بناءً عليه؛ يقول خبراء إن التعريفات الجمركية لا تهدف إلى حماية الصناعة الأميركية، بل إلى إبطاء النمو؛ ما سيخفّض الطلب على السلع ويؤدي إلى تراجع التضخم، وانخفاض العوائد طويلة الأجل. كل هذا سيتيح إعادة تمويلها بسعر منخفض، بعد بيعها، وهو ما حصل في الأيام الأخيرة، مع عمليات البيع غير المسبوقة التي شهدتها السندات الأميركية.



مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.