الأرجنتين: بين معطيات التاريخ... ومصالح الحاضر والمستقبل

انتعاش فكرة «باتاغونيا اليهودية»... في عهد «صهيونية» خافيير ميلي

النيران تلتهم غابات معمّرة في باتاغونيا (آ ب)
النيران تلتهم غابات معمّرة في باتاغونيا (آ ب)
TT

الأرجنتين: بين معطيات التاريخ... ومصالح الحاضر والمستقبل

النيران تلتهم غابات معمّرة في باتاغونيا (آ ب)
النيران تلتهم غابات معمّرة في باتاغونيا (آ ب)

في صباح اليوم التاسع من الشهر الماضي، وبينما كانت منطقة الشرق الأوسط تشهد أخطر الأعمال الحربية التي عرفتها منذ عقود، وقف الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أمام جمهور غصّت به قاعة المحاضرات الكبرى في جامعة يشيفا اليهودية بمدينة نيويورك، وقال: «أفتخر بكوني الرئيس الأكثر صهيونية في العالم». وبذا ضرب عرض الحائط بمبدأ الحياد التاريخي الذي التزمت به الدبلوماسية الأرجنتينية منذ الاستقلال إزاء النزاعات الدولية الكبرى، وفاخر صراحةً بانحيازه التام إلى المحور الأميركي - الإسرائيلي، مع توعّده بالنصر على «محور الشر الاشتراكي». قبل هذا الحدث، كانت الأرجنتين لا تزال تعيش حالة متوترة من الجدل المتجدّد حول الحرائق الهائلة التي التهمت مساحات شاسعة من محافظات منطقة باتاغونيا بأقصى جنوب البلاد، التي يتاخم غربها جمهورية تشيلي. واللافت أنه كلما اشتعلت الحرائق بنفس الشدة التي تميزت بها هذا العام، عندما التهمت ما يزيد على 230 ألف هكتار من الغابات والمناطق الزراعية، يعود الكلام عن مخطط لإقامة مستوطنات يهودية فيها.

في عام 1896، وضع الصحافي والناشط السياسي المجري تيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية السياسية الحديثة، مؤلفه الشهير «الدولة اليهودية» الذي ذكر فيه لأول مرة اسم الأرجنتين، إلى جانب فلسطين، بوصفها موئلاً لإقامة «وطن قومي» لليهود.

وفي العام التالي، عقدت «الحركة الصهيونية العالمية» مؤتمرها الأول في مدينة بازل السويسرية، الذي وصفه هرتزل فيما بعد بأنه اللحظة التأسيسية للدولة اليهودية. وخلال ذلك المؤتمر نوقشت بضعة مقترحات لاختيار موقع جغرافي تقوم عليه تلك الدولة، وكان من بين المقترحات منطقة باتاغونيا الأرجنتينية وبعض أجزائها الممتدة إلى تشيلي المجاورة.

مقترح يهود الأرجنتين

ويستفاد من محفوظات المؤتمر الأول لـ«الحركة الصهيونية العالمية»، أن الوفد اليهودي الأرجنتيني هو الذي تقدّم يومذاك بمقترح لإقامة «الوطن اليهودي» في باتاغونيا، وفقاً لمشروع يحمل اسم «خطة إندينيا» على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الخصبة التي تتوافر فيها كميات كبيرة من المياه العذبة. وكانت تلك الخطة تستند أيضاً إلى وجود بعض المستوطنات الزراعية التي أسسها مهاجرون من اليهود الأشكناز الذين وصلوا الأرجنتين من بروسيا (معظم ألمانيا وبولندا) وروسيا بعد حملات الاضطهاد التي تعرّضوا لها في شرق أوروبا ووسطها.

في تلك الفترة، كانت الأرجنتين قد رسّخت استقلالها عن التاج الإسباني في أواخر العقد الثاني من القرن الميلادي التاسع عشر، وأرست في دستورها مبدأ تشجيع هجرة الأوروبيين إليها «وكل الراغبين في فلاحة الأرض وزراعتها، وتحسين الصناعة، ونشر العلوم والفنون»، كما جاء في ديباجة النص الدستوري الأول الذي ما زال قائماً إلى اليوم.

ومن جهته، كان هرتزل قد أورد في كتابه المذكور «أن الأرجنتين، التي هي من أغنى بلدان العالم من حيث طبيعتها، ونظراً لمساحتها الشاسعة، وقلة عدد سكانها ومناخها المعتدل، تشكّل خياراً جذّاباً، إلا أننا نفضّل عليها خيار فلسطين، موطننا التاريخي الذي لا يُنسى، والذي بمجرّد لفظ اسمها تجيش مشاعر شعبنا بقوة».

ميلاي مكرماً داخل الكنيست الإسرائيلي بحضورنتنياهو والرئيس ينساق هرتسوغ ورئيس الكنيست عمير اوهانا (آ ب)

المؤتمر الصهيوني الثاني زكّى خيار فلسطين

بعدها، في المؤتمر الثاني الذي عقدته «الحركة الصهيونية العالمية» أواخر أغسطس (آب) 1898 أيضاً في بازل، سقط نهائياً خيار باتاغونيا بوصفها موقعاً لإقامة وطن قومي لليهود عندما تقرر إنشاء «مصرف الاستيطان اليهودي» لتمويل شراء الأراضي في فلسطين، وتثبيت أركان الحركة الصهيونية السياسية، والسعي للحصول على اعتراف دبلوماسي دولي بـ«الوطن القومي اليهودي» الجديد.

يومذاك، كانت المشاعر المناهضة لليهود في أوروبا الغربية والشرقية تزداد حدة بعد اتهام الجالية اليهودية بتدبير اغتيال قيصر روسيا إسكندر الثاني في عام 1881، وبعد الأزمة الاقتصادية والمالية الكبرى التي تعرّض لها النظام الرأسمالي في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر.

الأوضاع الأوروبية أعادت إنعاش الفكرة

وهكذا، شكّلت الأجواء المعادية لليهود، خاصةً في أوروبا الشرقية، وباعتراف هرتزل ذاته، «أرضاً خصبة» لانطلاق الحركة الصهيونية السياسية، وكانت حقاً نقطة تحوّل تاريخية بالنسبة لليهود في عموم العالم؛ إذ أكّدت توصيات المؤتمر الثاني للحركة الصهيونية أن «فكرة اندماج اليهود في الدول التي يعيشون فيها محكومة بالفشل، وأنهم من غير وطن قومي لهم لن يتمكنوا من العيش بسلام».

وبالتالي، فإن فكرة إقامة الوطن اليهودي في باتاغونيا، التي كانت قد طويت صفحتها نهائياً بعد المؤتمر الثاني لـ«الحركة الصهيونية العالمية»، بقيت حاضرة في المشهد السياسي الأرجنتيني؛ إذ كانت تلجأ إليها الأحزاب اليسارية واليمينية على حد سواء، وفقاً لمقتضيات المرحلة السياسية، ولا سيما، كلّما استعرت نيران الحرائق الكبيرة في تلك المنطقة وتبيّن أنها كانت مفتعلة.

ثم إنه من دون أدنى شك، كان وجود المستوطنات الزراعية التي أقامها المهاجرون اليهود في الجنوب الأرجنتيني، وتردّد العديد من الإسرائيليين عليها حتى اليوم، من أبرز العوامل التي تسهم في استعادة الحديث عن تلك الخطة واستحضارها في الجدل السياسي المحلي.

وجود اللاجئين النازيين

ويضاف إلى ما سبق، أن لجوء العديد من القيادات النازية إلى الأرجنتين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وفي طليعتهم أدولف آيخمان «الذراع اليمنى» لأدولف هتلر، والدكتور جوزيف منغيلي «ملاك الموت» الذي كان مشرفاً على معسكرات «الهولوكوست» (المحرقة النازية)، لعب دوراً أساسياً في إثارة هذا الملف وطرحه للتداول والتجاذب في النقاش السياسي والاجتماعي الأرجنتيني.

هنا، تجدر الإشارة إلى أنه بعد الحرب العالمية الثانية لجأ آلاف الألمان الذين كانوا يتولون مناصب مسؤولية في النظام النازي إلى كل من الأرجنتين وتشيلي، حيث استقر معظمهم تحت أسماء مستعارة. وللعلم، الرئيس الجديد لتشيلي، اليميني المتطرف خوسيه أنطونيو كاست، هو نجل أحد الضباط النازيين الذين هاجروا إلى تشيلي بعد الحرب. وتشاء المفارقة السياسية أن كاست هو اليوم الحليف الإقليمي الأوثق للرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرف خافيير ميلي، الذي يفاخر بصهيونيته وتحالفه الاستراتيجي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وكان نتنياهو قد استُقبل أخيراً بحفاوة بالغة في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، وأعلن ميلي معه قيام «تحالف الأحرار»، متوعّداً بـ«طرد الاشتراكيين من أميركا اللاتينية».

أكثر من هذا، كان ضمن القرارات الأولى التي اتخذها ميلي بعد وصوله إلى الحكم، القرار برفع السريّة بشكل كامل عن جميع الوثائق الرسمية التي تتناول الإجراءات الرسمية التي سهّلت لجوء النازيين إلى الأرجنتين واستقرارهم فيها، ومصادر تمويل تلك العملية التي تعرف باسم «طريق الجرذان».

ميلي استقبل أخيراً نتنياهو بحفاوة بالغة في العاصمة الأرجنتينية وأعلن معه قيام «تحالف الأحرار»...

متوعّداً بـ«طرد الاشتراكيين من أميركا اللاتينية»

«حلف اليمين» أعاد طرح فكرة باتاغونيا

ومما لا شك فيه أن العامل الأبرز الذي يساهم اليوم في إعادة طرح موضوع الاستيطان اليهودي في منطقة باتاغونيا، هو السياسة اليمينية المتطرفة التي ينهجها الرئيس ميلي، والعلاقات الوثيقة التي تربطه بحليفيه نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترمب، وأيضاً بالجاليتين اليهوديتين في الأرجنتين والولايات المتحدة التي زارها 15 مرة منذ وصوله إلى السلطة مطلع عام 2024.

ويضاف إلى ذلك أن التدابير الليبرالية المتطرفة التي ينهجها ميلي لمعالجة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها الأرجنتين، تقتضي فتح الأبواب للاستثمارات الخارجية على مصاريعها، وتسهيل دخولها إلى القطاعات المجزية، مثل الزراعة والسياحة والمناجم واستخراج النفط... وهذه قطاعات تتوافر لها أرضية مناسبة جداً في مقاطعات باتاغونيا.

ولكن، في المقابل، تخشى أوساط المعارضة الأرجنتينية أن يكون القرض «السخي» بمليارات الدولارات الذي قدمته إدارة ترمب - ضد نصيحة الخزانة الأميركية - إلى الأرجنتين عشية الانتخابات التي أوصلت ميلي إلى السلطة، والمقايضة النقدية التي أُلغي القرض بموجبها مطلع العام الحالي، قد اخضعا الرئيس الأرجنتيني لشروط غير معلنة هي التي توجّه تحركاته على الجبهتين السياسية والاقتصادية.

من جانب آخر، بعد اشتعال الموجة الأخيرة من الحرائق الكبيرة التي خرج معظمها عن السيطرة لفترة طويلة، وبعدما تبيّن أنها كانت في جلّها مفتعلة، وجّهت أوساط إعلامية قريبة من الحكومة اليمينية في بوينس آيرس أصابع الاتهام إلى مجموعات السكان الأصليين من قبائل «المابوتشيه». وهؤلاء يعارضون المشاريع الاستثمارية الكبرى التي تروّج لها الحكومة لاستخراج النفط والمعادن وتشييد المنتجعات السياحية، تحت غطاء استصلاح الأراضي للزراعة وإنتاج الأغذية، لا سيما أن نحو 20 في المائة من سكان الأرجنتين يعيشون على المعونة الغذائية منذ سنوات.

بين ذريعتي السياسة... والتغيّر المناخي!

ولكن التحقيقات كشفت أخيراً عن أن إحدى الحرائق الكبرى تسبّب بها سائح إسرائيلي. وهذا الأمر أثار الكلام مجدّداً عن إحياء المخطط القديم لإقامة مستوطنات يهودية في المنطقة التي يملك فيها مساحات واسعة عدد من كبار المتموّلين اليهود الأرجنتينيين الذين لعبوا دوراً بارزاً في إيصال ميلي إلى السلطة. بل، والمعروف محلياً، أنه منذ سنوات يقوم آلاف الإسرائيليين الشباب، بعد نهاية خدمتهم العسكرية الإجبارية، بما يعرف في طقوس الجماعات اليهودية المتطرفة باسم «الرحلة الكبرى»، وفيها يمضون عدة أشهر في مناطق باتاغونيا الواقعة بين الأرجنتين وتشيلي، وأحياناً في بعض المناطق البرازيلية كذلك.

الأحزاب والقوى المعارضة لحكومة ميلي تعتبر أن الحرائق في معظمها نتيجة أزمة التغيّر المناخي وفترات الجفاف الطويلة التي منذ سنوات تضرب المنطقة، لكنها أيضاً تتهم الحكومة بالتقاعس في اتخاذ التدابير اللازمة لحماية البيئة، وبالاصطفاف في معسكر الإدارة الأميركية التي تنكر وجود أزمة مناخية عالمية وترفض التوصيات الأممية لمعالجتها والحد من تفاقمها.

وحقاً، لم تنفق حكومة ميلي خلال العام الماضي سوى 22 في المائة من الميزانية المخصّصة لمكافحة الحرائق، مع الإشارة إلى أن سنة 2025 كانت من السنوات التي سجّلت رقماً قياسياً في عدد الحرائق الكبيرة التي قضت على مساحات زراعية وحرجية واسعة في الأرجنتين. أيضاً، تذهب بعض الأطراف، خاصة في أوساط السكان الأصليين، إلى حد اتهام الحكومة بالتحضير لبيع الأراضي المحروقة إلى اليهود بأسعار بخسة، وذلك لبناء مستوطنات فيها يلجأ إليها أولئك الذين يرفضون الذهاب إلى إسرائيل، أو الذين يرغبون في مغادرتها بعد الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط. وبالفعل تتكلّم هذه الأوساط عن معلومات تفيد بالعثور في أمكنة الحرائق على بقايا متفجرات مصنوعة في إسرائيل. ثم إنها تذكّر منظمات السكان الأصليين بأعمال الإبادة الجماعية التي تعرّض لها أسلافهم في القرن التاسع عشر على يد الجيش الأرجنتيني بعد سنوات من نيل الاستقلال.

حكومة ميلي اليميني ترد على هذه الاتهامات، مصوبةً: أولاً على المنظمات البيئية التي قطعت عنها كل المساعدات التي كانت تحصل عليها من الدولة، وفرضت قيوداً تعجيزية تحول دون حصولها على مساعدات. وثانياً على منظمات السكان الأصليين الذين بدأت تلاحقهم قانونياً لعرقلتهم تنفيذ بعض المشاريع السياحية في باتاغونيا.

بل إنها، من ناحية ثالثة، تضع الانتقادات في إطار حملة مناهضة للسامية تزعم أن الأحزاب والقوى اليسارية تقف وراءها.

بوادر نفور من «الحلفاء» السابقين

أخيراً، ما يلفت المراقبين في هذا السياق، أن بعض القوى والشخصيات التي اليمينية المعتدلة نسبياً التي ساعدت ميلي في الوصول إلى السلطة، ودعمته في البرلمان خلال الأشهر الأولى من حكمه لإقرار عدد من المشاريع التي تضمنها برنامجه الانتخابي، بدأت تحذّره من الانجراف في تحالفه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومن مغبّة الوقوع في مخططاته التي قد تضره بالمصالح الوطنية في الأمد الطويل.ومن بين هؤلاء الرئيس الأسبق ماوريسيو ماكري، زعيم الحزب الجمهوري المحافظ، وهو متزوج من سيدة الأعمال جوليانا إبراهيم عواضة، المتحدرة من أصول عربية. وكان ماكري، الذي تولى الرئاسة بين 2015 و2019، قد دعا ميلي إلى الامتناع عن دفع الأرجنتين نحو تحالفات من شـأنها ضرب التوازن الإقليمي الذي قامت عليه دائماً المصالح الوطنية الأرجنتينية.


مقالات ذات صلة

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

حصاد الأسبوع مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني

حصاد الأسبوع في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم.

محمد الريس (القاهرة)
حصاد الأسبوع غرب العراق... في صميم أخبار الحرب الإقليمية الحالية (آ ف ب)

هل تكون صحراء العراق الغربية قنبلة مؤجلة بين إيران وإسرائيل؟

على الرغم من الإجراءات التي بدأتها الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي لجهة «حصر السلاح بيد الدولة»، يظل باب المفاجآت مفتوحاً. للعلم بند «حصر السلاح»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع اللواء مقداد ميري (واع)

قصة «القواعد الإسرائيلية» تقابل بنفي وارتباك عراقيين

نفت كل من وزارتي الداخلية والدفاع العراقيتين التقارير الصحافية الأميركية عن وجود قواعد إسرائيلية داخل الأراضي العراقية، لكن الأمر يبقى لغزاً من الألغاز.


واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.