«غوغل» تُحيي الكلاسيكيات السينمائية بالذكاء الاصطناعي على أكبر شاشة عرض في لاس فيغاس

فيلم أُنتج عام 1939... يعود بتجربة ترفيهية غامرة

عرضُ الفيلم في قاعة «Sphere» في لاس فيغاس يتطلّب أكثر من ترميم رقمي بل إعادة بناء المشاهد والشخصيات بتقنيات متطورة (الشرق الأوسط)
عرضُ الفيلم في قاعة «Sphere» في لاس فيغاس يتطلّب أكثر من ترميم رقمي بل إعادة بناء المشاهد والشخصيات بتقنيات متطورة (الشرق الأوسط)
TT

«غوغل» تُحيي الكلاسيكيات السينمائية بالذكاء الاصطناعي على أكبر شاشة عرض في لاس فيغاس

عرضُ الفيلم في قاعة «Sphere» في لاس فيغاس يتطلّب أكثر من ترميم رقمي بل إعادة بناء المشاهد والشخصيات بتقنيات متطورة (الشرق الأوسط)
عرضُ الفيلم في قاعة «Sphere» في لاس فيغاس يتطلّب أكثر من ترميم رقمي بل إعادة بناء المشاهد والشخصيات بتقنيات متطورة (الشرق الأوسط)

لم تكن الأمسية التي نظّمتها «غوغل كلاود» عشية انطلاق مؤتمرها السنوي العالمي «كلاود نكست» في لاس فيغاس مجرد فعالية تقنية تقليدية جمعت فيها نخبة مختارة من الإعلاميين والضيوف، بل كانت بمثابة لحظة فارقة تشي ببزوغ عصر جديد في صناعة الترفيه يُعيد تعريف تجربة مشاهدة الأفلام كما نعرفها.

في صميم هذا المشهد تقف شراكة طموحة تجمع بين «غوغل كلاود» و«ديب مايند» و«سْفير إنترتاينمنت» (Sphere Entertainment)، في أول مشروع من نوعه لإعادة إحياء وتوسيع فيلم كلاسيكي صدر عام 1939 باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة. الهدف هو تقديم نسخة متجددة من الفيلم الأسطوري «ذا وِزرد أوف أوز» ( The Wizard of Oz)، بتقنيات معاصرة، تُعرض على شاشة قاعة «سْفير» (Sphere) العملاقة في لاس فيغاس، التي تُعد واحدة من كبرى شاشات العرض في العالم بمساحة تبلغ 160.000 قدم مربع.

إحياء لكلاسيكية خالدة

عُرض فيلم «ذا وِزرد أوف أوز» (The Wizard of Oz) لأول مرة عام 1939، ويُعد من أكثر الأعمال السينمائية تأثيراً وريادة من الناحية التقنية. فقد كان من أوائل الأفلام التي استخدمت تقنية «تكني كالور» (Technicolor)، وأسهم في إعادة صياغة اللغة البصرية لسرد القصص، ليترسّخ مع مرور الزمن كإرث ثقافي خالد. واليوم، بعد ما يقارب 9 عقود، يعود هذا الفيلم إلى واجهة الابتكار من جديد، لكن هذه المرة من خلال الذكاء الاصطناعي التوليدي.

الفيلم الأصلي الصادر عام 1939 يُعتبر من روّاد الابتكار السينمائي ويعود اليوم لواجهة التقنية عبر الذكاء الاصطناعي التوليدي (الشرق الأوسط)

ولادة بصرية جديدة

ولأن عرض الفيلم في قاعة «Sphere» الغامرة يتطلب تجربة بصرية غير مسبوقة، لم يكن من الممكن الاكتفاء بنسخة رقمية تقليدية. فالمادة الأصلية المصوّرة على شريط 35 ملم ستبدو ضئيلة وضعيفة الجودة أمام الشاشة العملاقة، ما لم تُعد معالجتها وإنتاجها بالكامل. وقد واجه الفريق تحديات تقنية جوهرية تمثّلت في تحسين الدقة البصرية وتوسيع البيئة المحيطة بالمشاهد وتوليد أداء تمثيلي متكامل لشخصيات لم تُلتقط في الإطار الأصلي. ولمواجهة هذه التحديات، لجأت «غوغل» إلى حزمة من أقوى نماذجها التوليدية، فاستُخدم النموذج «Veo 2» لتوليد الفيديو بدقة فائقة، و«Imagen 3» لإعادة بناء التفاصيل الصورية، فيما تولّى نموذج «جيمناي» (Gemini) تنسيق المهام الذكية وضمان ترابط المشاهد وأصالة الأداء.

شراكة ثلاثية بين «غوغل كلاود» و«ديب مايند» و«سفير إنترتاينمنت» تهدف إلى إعادة إحياء فيلم كلاسيكي باستخدام الذكاء الاصطناعي (الشرق الأوسط)

دقة فائقة وتوليد أداء مبهر

من أبرز الإنجازات التقنية في هذا المشروع كان الاعتماد على تقنية الدقة الفائقة (Super Resolution). فعبر تدريب نموذج «Veo» باستخدام مصادر مرجعية عالية الجودة، نجح الفريق في رفع دقة الفيلم إلى مستوى «16K»، ما أتاح إظهار تفاصيل دقيقة للغاية مثل نسيج الجلد وتعابير الوجه، بطريقة تتجاوز بكثير إمكانات التصوير المتاحة في ثلاثينات القرن الماضي. غير أن المسألة لم تقتصر على «تكبير الصورة»، بل كانت بمثابة عملية فنية لإعادة البناء، تحافظ على الجوهر والرؤية الإبداعية الأصلية للمخرج.

أمّا تقنية الرسم الخارجي (Outpainting) — أي توسيع المشهد إلى ما يتجاوز حدود الكادر الأصلي — فقد مثّلت تحدياً إبداعياً آخر، حيث طُلب من النماذج التوليدية إنشاء بيئات وأداءات لم يتم تصويرها أصلاً. مثال على ذلك، في أحد المشاهد التي تتحدث فيها «دوروثي» (وهي الشخصية الرئيسية في الفيلم) مع عمّتها «إيم» والسيدة «غولتس»، لم يظهر «العم هنري» في الإطار، لكن الذكاء الاصطناعي كان عليه أن «يتخيّل» ماذا كان يفعل خارج المشهد، ويجسده بشكل واقعي ومتماسك. هذه المهمة أُطلق عليها اسم « توليد الأداء» (Performance Generation)، لأن النموذج لم يُنتج صورة ثابتة فقط، بل أعاد تجسيد شخصية حيّة بتفاصيلها وسلوكياتها الفريدة.

توماس كوريان الرئيس التنفيذي لـ«غوغل كلاود» (الشرق الأوسط)

القوة الصامتة وراء الإنجاز

وراء هذا الإنجاز الإبداعي غير المسبوق، يبرز عنصر أساسي لا يقل أهمية عن النماذج الذكية نفسها، وهو البنية التحتية المتقدمة من «غوغل كلاود». فقد تطلّب تنفيذ المشروع معالجة ما يزيد عى 1.2 بيتابايت من البيانات، وهو حجم هائل يستحيل التعامل معه عبر أنظمة تقليدية، مما استدعى اللجوء إلى قدرات حوسبية فائقة. ولتحقيق ذلك، تم الاعتماد على أحدث «وحدات المعالجة التخصصية» (TPUs) من «غوغل»، إلى جانب منصة «Google Kubernetes Engine - GKE» التي أتاحت تنسيق موارد الحوسبة بسلاسة، بالإضافة إلى حلول تخزين ضخمة مصممة خصيصاً للتعامل مع أعباء العمل المرتبطة بتوليد الفيديو والرسوم.

يقول توماس كوريان، الرئيس التنفيذي لـ«غوغل كلاود» إنه لا يمكن إنجاز هذا النوع من المشاريع على الحواسيب العادية بل نحتاج إلى بنية تحتية صناعية لإنجاز سحر بهذا المستوى».

جيمس دولان الرئيس التنفيذي لـ«Sphere» (الشرق الأوسط)

إعادة تعريف لعملية الإبداع

ما كان لافتاً إلى حد الدهشة هو ذلك الانسجام العميق بين الفن والتكنولوجيا. وصف جيمس دولان، الرئيس التنفيذي لـ«Sphere» التجربة قائلاً: «كان الأمر أشبه بأن الذكاء الاصطناعي يستحق مقعداً ثالثاً على طاولة العمل». فقد نشأ حوار حي ومتواصل بين الفنانين والمهندسين والنماذج الذكية في عملية إبداعية فريدة من نوعها. وأكد دولان أن الذكاء الاصطناعي لم يأتِ ليحلّ محل صنّاع الفيلم، بل جاء ليعزّز رؤيتهم ويمنحهم أدوات غير مسبوقة لتحقيق ما كان في السابق أقرب إلى المستحيل.

وسيط جديد بالكامل

بيئة «سفير» (Sphere) لا تُعد مجرد شاشة عرض عملاقة، بل تمثل منصة سرد قصصي متكاملة الأبعاد. فهي تدمج بين الصورة فائقة الدقة، والصوت المحيطي الغامر، والمؤثرات البيئية مثل الرياح والاهتزازات والضوء، لتحوّل المشاهدة من تجربة بصرية تقليدية إلى تجربة حسية شاملة تنغمس فيها الحواس جميعاً.

هذا النموذج لا يقدم تطوراً في طريقة العرض فحسب، بل يُعتبر ولادة لوسيط فني جديد، يقع عند تقاطع السينما، وألعاب الفيديو، والفن التركيبي، ويفتح آفاقاً واسعة لإعادة تصور مستقبل الترفيه، خاصة في زمنٍ بات فيه الجمهور يبحث عن تجارب أكثر تفاعلية واندماجاً تتجاوز حدود الشاشة إلى عالم الشعور والمشاركة.

يعيد المشروع تشكيل العلاقة بين الفن والتكنولوجيا ويمنح الخيال مساحات جديدة لم يكن من الممكن تصورها سابقاً (الشرق الأوسط)

التأثير على صناعة الإعلام والترفيه

ماذا يعني أن نشاهد «The Wizard of Oz» لا كفيلم تقليدي، بل كعالم يمكننا أن نعيش تفاصيله وننغمس في أجوائه؟ إن ذلك يُمثّل تحولاً جذرياً في تجربة المشاهدة، ويفتح الباب أمام مستقبل تُعاد فيه أرشيفات السينما الكلاسيكية إلى الحياة باستخدام الذكاء الاصطناعي، ليس فقط من خلال الترميم، بل عبر التفاعل والتخصيص وإعادة التخيل.

هذا النموذج يتيح إمكانات غير محدودة، خصوصاً للدول والمناطق التي تسعى إلى تطوير اقتصادات إبداعية رقمية، كما هي الحال في منطقة الشرق الأوسط. فالتقنيات المستخدمة في هذا المشروع يمكن توظيفها في إحياء التراث الثقافي، وتعزيز التجارب السياحية، ودعم التعليم الغامر، إلى جانب إنتاج محتوى محلي أصيل بمساعدة الذكاء الاصطناعي. إنها فرصة لإعادة تقديم قصصنا وهوياتنا بأساليب مبتكرة، تضع الفن والتقنية في خدمة الذاكرة والخيال.

تمثل هذه التجربة ميلاد وسيط فني جديد يمزج بين السينما وألعاب الفيديو والفن التركيبي (الشرق الأوسط)

ما القادم؟

رغم هذا الإنجاز غير المسبوق، يقر كل من توماس كوريان وجيمس دولان بأن هذه ليست نهاية الرحلة، بل بدايتها فقط. يرى كوريان أن ما نشهده اليوم يمثل انطلاقة لصناعة جديدة بالكامل، مؤكداً أن دور «غوغل كلاود» لا يقتصر على الابتكار التقني، بل يمتد ليشمل مسؤولية أخلاقية في ضمان استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل أصيل ومسؤول يخدم الإبداع دون المساس بجوهره.

وفي الـ28 من أغسطس (آب) المقبل، لن يكون عرض فيلم «The Wizard of Oz at Sphere» مجرد حدث سينمائي آخر، بل لحظة مفصلية في تاريخ الذكاء الاصطناعي كسردي وفني ونقلة نوعية تعيد تعريف الطريقة التي نعيش بها القصص.

عندما غادرت «الشرق الأوسط» قاعة «Sphere» في تلك الليلة وقد كانت الوسيلة الإعلامية الوحيدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي دُعيت للحدث، أدركت أنها لم تشهد عرضاً ترفيهياً فقط، بل خاضت تجربة تمثل ملامح مستقبل الترفيه. لم يكن ذلك مستقبلاً افتراضياً أو بعيد المنال، بل كان واقعاً جديداً ينبض بالبيانات، والابتكار، والأصالة. واقعٌ يُعيد تشكيل علاقتنا مع الفن، ويمنح الخيال أبعاداً لم تكن ممكنة من قبل.


مقالات ذات صلة

تكنولوجيا «سناب» تطلق اشتراكات مدفوعة لتمكين دخل مباشر للمبدعين (رويترز)

«سناب» تطلق اشتراكات صناع المحتوى لتعزيز الدخل المباشر

«سناب» تطلق اشتراكات مدفوعة للمبدعين لتنويع الإيرادات، وتقليل الاعتماد على الإعلانات، وتعزيز الدخل المتكرر واستقلالية صناع المحتوى.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
علوم أنبوب ألمنيوم طافٍ لـ«حصد» التموجات البحرية

أنابيب طافية لاستخلاص الطاقة من المحيطات

يمكن استخدامها لبناء سفن ومنصات عائمة وعوامات للتطبيقات البحرية

كينيث تشانغ (نيويورك)
الاقتصاد من حفل توقيع مذكرة التفاهم التي تهدف لتسريع تطوير المهارات الرقمية والتقنية في السعودية (أرامكو)

تفاهم بين «أرامكو» و«مايكروسوفت» لتطوير الذكاء الاصطناعي في القطاع الصناعي

وقّعت «أرامكو السعودية» مذكرة تفاهم غير ملزمة مع «مايكروسوفت»؛ لمساعدة الأولى على استكشاف مبادرات رقمية مصممة لتسريع تبنّي الذكاء الاصطناعي في القطاع الصناعي.

«الشرق الأوسط» (الظهران)
خاص التحول الرقمي الحقيقي لا يتحقق بالاستثمار في البنية التحتية وحدها، بل ببناء القدرات البشرية والمهارات الرقمية (بيكسلز)

خاص التعليم الرقمي كبنية تحتية… هل هو الرهان الحاسم لعقد الذكاء الاصطناعي؟

التحول الرقمي يبدأ ببناء المهارات والتعليم لا بالبنية التحتية وحدها والفجوة الرقمية تهدد الابتكار والتنافسية والتنويع الاقتصادي.

نسيم رمضان (لندن)

لماذا أثار تطبيق صيني للذكاء الاصطناعي ذعراً في هوليوود؟

شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)
شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)
TT

لماذا أثار تطبيق صيني للذكاء الاصطناعي ذعراً في هوليوود؟

شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)
شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)

أحدث نموذج جديد للذكاء الاصطناعي، طوّرته «بايت دانس» الشركة الصينية المطورة لتطبيق «تيك توك»، ضجةً في هوليوود هذا الأسبوع، ليس فقط بسبب قدراته، بل لما قد يُحدثه من تغيير في الصناعات الإبداعية.

ووفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، يستطيع تطبيق «سيدانس» إنتاج فيديوهات بجودة سينمائية، مع مؤثرات صوتية وحوارات، بمجرد إدخال بعض النصوص.

وكانت انتشرت على نطاق واسع مقاطع فيديو يُزعم أنها صُنعت باستخدام «سيدانس»، وتضم شخصيات شهيرة مثل «سبايدرمان» و«ديبول».

وسارعت استوديوهات كبرى مثل «ديزني» و«باراماونت» إلى اتهام «بايت دانس» بانتهاك حقوق الملكية الفكرية، لكن المخاوف بشأن هذه التقنية تتجاوز المسائل القانونية.

شعار شركة «بايت دانس» الصينية للتكنولوجيا (رويترز)

ما هو «سيدانس»؟ ولماذا كل هذه الضجة؟

أُطلق «سيدانس» في يونيو (حزيران) 2025 دون ضجة كبيرة، لكن النسخة الثانية التي صدرت بعد ثمانية أشهر هي التي أثارت ضجة كبيرة.

يقول يان ويليم بلوم، من استوديو «فيديو ستيت» الإبداعي: ​​«للمرة الأولى، لا أظن أن هذا يبدو جيداً للذكاء الاصطناعي، بل أظن أنه من عملية إنتاج حقيقية».

ويضيف أن نماذج الفيديو الغربية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي قد أحرزت تقدماً في معالجة تعليمات المستخدم لإنتاج صور مذهلة، لكن يبدو أن «سيدانس» قد جمع كل شيء معاً.

ومثل أدوات الذكاء الاصطناعي الأخرى يستطيع «سيدانس» إنشاء مقاطع فيديو من نصوص قصيرة، وفي بعض الحالات يبدو أن مجرد إدخال نص واحد ينتج مقاطع فيديو عالية الجودة.

وتقول مارغريت ميتشل، الباحثة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، إن الأمر مثير للإعجاب بشكل خاص؛ لأنه يجمع بين النص والصورة والصوت في نظام واحد.

ويُقاس تأثير «سيدانس» بمعيار غير متوقع: مدى جودة إنتاجه لمقطع فيديو لويل سميث وهو يأكل معكرونة، حيث لا يقتصر دور «سيدانس» على ابتكار نسخة واقعية بشكل مذهل للنجم وهو يتناول طبقاً من المعكرونة، بل أنتج أيضاً مقاطع فيديو انتشرت كالنار في الهشيم لسميث وهو يقاتل وحشاً من المعكرونة، ويبدو كل ذلك وكأنه فيلم ضخم الإنتاج.

ويعتقد العديد من خبراء الصناعة وصنّاع الأفلام أن «سيدانس» يمثل فصلاً جديداً في تطوير تقنية توليد الفيديو.

ويقول ديفيد كوك، مدير استوديو للرسوم المتحركة في سنغافورة، إن مشاهد الحركة المعقدة التي ينتجها تبدو أكثر واقعية من منافسيه، ويضيف: «يكاد المرء يشعر وكأنه يستعين بمدير تصوير أو مصور سينمائي متخصص في أفلام الحركة».

الوعد والتحدي

واجه «سيدانس» مشاكل تتعلق بحقوق النشر، وهو تحدٍّ متزايد في عصر الذكاء الاصطناعي، ويحذر الخبراء من أن شركات الذكاء الاصطناعي تُعطي الأولوية للتكنولوجيا على حساب البشر؛ إذ تُطوّر أدوات أكثر قوة وتستخدم البيانات دون مقابل.

واشتكت كبرى شركات هوليوود من استخدام شركة «سيدانس» شخصيات محمية بحقوق الطبع والنشر مثل «سبايدرمان» و«دارث فيدر».

وأصدرت «ديزني» و«باراماونت» خطابات إنذار تطالب «سيدانس» بالتوقف عن استخدام محتواهما، كما تُجري اليابان تحقيقاً مع «بايت دانس» بتهمة انتهاكات حقوق الطبع والنشر، بعد انتشار مقاطع فيديو بتقنية الذكاء الاصطناعي لشخصيات «أنمي» شهيرة.

وقالت «بايت دانس» إنها تتخذ خطوات لـ«تعزيز الضمانات الحالية».

ولفتت «بي بي سي» إلى أن هذا ليس حكراً على الشركة الصينية. ففي عام 2023، رفعت صحيفة «نيويورك تايمز» دعوى قضائية ضد شركتَي «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت»، مدعيةً أنهما استخدمتا مقالاتها دون إذن لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بهما. كما رفعت «ريديت» دعوى قضائية ضد شركة «بيربلكسيتي» العام الماضي، مدعيةً أن شركة الذكاء الاصطناعي قامت بجمع منشورات المستخدمين بشكل غير قانوني. وأثارت «ديزني» مخاوف مماثلة مع «غوغل».

وتقول ميتشل إنّ وضع علامات واضحة على المحتوى لمنع التضليل وبناء ثقة الجمهور في الذكاء الاصطناعي أهم بكثير من مقاطع الفيديو «الأكثر جاذبية».

وتضيف أنّه لهذا السبب يجب على المطورين بناء أنظمة لإدارة التراخيص والمدفوعات، وتوفير آليات واضحة للأفراد للاعتراض على إساءة الاستخدام. فعلى سبيل المثال، وقّعت «ديزني» صفقة بقيمة مليار دولار (730 مليون جنيه إسترليني) مع برنامج «سورا» من «أوبن إيه آي» ليتمكن من استخدام شخصيات من أفلامها.

ويقول شانان كوهني، الباحث في مجال الحوسبة بجامعة ملبورن، إنّ مطوري «سيدانس» كانوا على الأرجح على دراية بمشاكل حقوق النشر المحتملة المتعلقة باستخدام الملكية الفكرية الغربية، ومع ذلك خاطروا.

ويضيف: «هناك مجال واسع لتجاوز القواعد استراتيجياً، وتجاهلها لفترة من الوقت، واكتساب نفوذ تسويقي».

وفي الوقت نفسه، بالنسبة للشركات الصغيرة، يُعدّ «سيدانس» أداة بالغة الأهمية لا يمكن تجاهلها.

«بايت دانس»... الشركة الأم لـ«تيك توك» (أ.ف.ب)

ويقول كوك إن الذكاء الاصطناعي بهذه الجودة سيمكّن شركات مثل شركته من إنتاج أفلام كانت تكلفتها تفوق بكثير إمكاناتها الحالية.

وأعطى مثالاً بازدهار مقاطع الفيديو القصيرة والمسلسلات الدرامية القصيرة في آسيا، والتي تُنتج عادةً بميزانيات متواضعة - نحو 140 ألف دولار أميركي لما يصل إلى 80 حلقة، لا تتجاوز مدة كل منها دقيقتين.

وقد اقتصرت هذه الإنتاجات على الأعمال الرومانسية أو الدراما العائلية لخفض التكاليف؛ نظراً لقلة حاجتها إلى المؤثرات البصرية، لكن الذكاء الاصطناعي الآن قادر على «الارتقاء بالإنتاجات منخفضة الميزانية إلى أنواع أكثر طموحاً مثل الخيال العلمي، والدراما التاريخية، والآن الحركة».


البيت الأبيض: أميركا ترفض «بشكل قاطع» حوكمة الذكاء الاصطناعي

مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض مايكل كراتسيوس يحضر جلسة خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض مايكل كراتسيوس يحضر جلسة خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

البيت الأبيض: أميركا ترفض «بشكل قاطع» حوكمة الذكاء الاصطناعي

مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض مايكل كراتسيوس يحضر جلسة خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض مايكل كراتسيوس يحضر جلسة خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

صرَّح مستشار البيت الأبيض لشؤون التكنولوجيا مايكل كراتسيوس، الجمعة، بأن الولايات المتحدة ترفض «رفضاً قاطعاً» الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.

وجاءت تصريحات كراتسيوس، رئيس وفد بلاده إلى «مؤتمر الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي، قبل بيان مرتقب للقادة يحدِّد رؤيةً مشتركةً لكيفية التعامل مع هذه التقنية المثيرة للجدل.

وقال في القمة التي تختتم أعمالها الجمعة: «كما صرَّحت إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترمب مراراً: نرفض رفضاً قاطعاً الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي».

وأضاف: «لا يمكن لاعتماد الذكاء الاصطناعي أن يُفضي إلى مستقبل أفضل إذا كان خاضعاً للبيروقراطية والسيطرة المركزية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد صرَّح، صباح الجمعة، بأن لجنة خبراء جديدة شكَّلتها المنظمة الدولية تسعى إلى «جعل التحكم البشري واقعاً تقنياً».

وأعلن غوتيريش تشكيل المجموعة الاستشارية في أغسطس (آب)، والتي تسعى إلى أن تكون على غرار الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ في مجال الاحتباس الحراري، وقد تمّ تأكيد أعضائها الأربعين.

و«مؤتمر الذكاء الاصطناعي» رابع تجمع دولي سنوي يُركّز على المخاطر والفرص التي تُتيحها قوة الحوسبة المتقدمة.

سوندار بيتشاي الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل» يتحدث خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (أ.ب)

وفي النسخة التي عُقدت العام الماضي في باريس، حذَّر نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، من «الإفراط في التنظيم» الذي «قد يقضي على قطاع قادر على إحداث تحوّل».

وفي نيودلهي، قال كراتسيوس: «إن النقاش الدولي حول الذكاء الاصطناعي قد تطوّر، كما تؤكده هذه القمة نفسها»، مُشيراً إلى تغيير اسم الاجتماع من «أمان الذكاء الاصطناعي» (AI Safety) إلى «تأثير الذكاء الاصطناعي» (AI Impact).

وأضاف: «هذا تطور إيجابي دون شك... لكن كثيراً من المنتديات الدولية، مثل الحوار العالمي للأمم المتحدة حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، لا تزال تتسم بأجواء من الخوف».

وأضاف كراتسيوس: «علينا أن نستبدل الأمل بهذا الخوف»، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي قادر على «الارتقاء بمستوى معيشة البشرية وتحقيق ازدهار غير مسبوق».

ورأى أن «الهوس الآيديولوجي وتركيز الاهتمام على المخاطر، مثل قضايا المناخ أو العدالة، يتحوَّل إلى مُبرِّر للبيروقراطية وزيادة المركزية».

وتابع: «باسم الأمن، تزيد هذه الهواجس من خطر استخدام هذه الأدوات لأغراض استبدادية».

وقال كراتسيوس: «إن تركيز سياسة الذكاء الاصطناعي على الأمن والمخاطر التخمينية... يُعيق بيئة تنافسية، ويُرسخ هيمنة الشركات القائمة، ويعزل الدول النامية عن المشارَكة الكاملة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي».


غوتيريش: لجنة أممية تسعى لضمان «تحكم بشري» في الذكاء الاصطناعي

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاباً خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بالهند يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاباً خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بالهند يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

غوتيريش: لجنة أممية تسعى لضمان «تحكم بشري» في الذكاء الاصطناعي

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاباً خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بالهند يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاباً خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بالهند يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الجمعة، إلى «تقليل التهويل والخوف» بشأن الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى تشكيل لجنة خبراء دولية جديدة تسعى إلى «جعل التحكم البشري واقعاً تقنياً».

وأوضح غوتيريش أن الجمعية العامة للأمم المتحدة صادقت على تعيين 40 عضواً في هذه المجموعة، التي أُطلق عليها «الفريق العلمي الدولي المستقل المعني بالذكاء الاصطناعي».

وقال خلال القمة حول الذكاء الاصطناعي في نيودلهي إن «الحوكمة القائمة على العلم لا تُعوق التقدم»، بل يمكن أن تجعله «أكثر أماناً وعدلاً وانتشاراً».

وأضاف: «الرسالة واضحة: تقليل التهويل والخوف، وزيادة الحقائق والأدلة»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

أُنشئت هذه الهيئة الاستشارية في أغسطس (آب) الماضي، وهي تسعى لأن تكون مرجعاً في مجال الذكاء الاصطناعي، على غرار الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في مجال الاحتباس الحراري.

ومن المتوقع أن تنشر تقريرها الأول بالتزامن مع انعقاد الحوار العالمي للأمم المتحدة حول حوكمة الذكاء الاصطناعي في يوليو (تموز).

وتهدف الهيئة إلى مساعدة الحكومات في وضع قواعد للذكاء الاصطناعي، في ظل ما تُثيره هذه التقنية السريعة التطور من مخاوف عالمية بشأن فقدان وظائف والمعلومات المضللة والإساءة عبر الإنترنت، وغيرها من المشكلات.

وقال غوتيريش إن «ابتكارات الذكاء الاصطناعي تتطور بسرعة فائقة، تتجاوز قدرتنا الجماعية على فهمها بشكل كامل، فضلاً عن إدارتها». وأضاف: «إننا نندفع نحو المجهول». وتابع: «عندما نفهم ما تستطيع الأنظمة فعله وما لا تستطيع، سنتمكن من الانتقال من التدابير التقريبية إلى ضوابط أكثر ذكاءً قائمة على تقييم المخاطر».

وقدّم غوتيريش هذا الشهر قائمة بأسماء خبراء اقترحهم للانضمام إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بالذكاء الاصطناعي، ومن بينهم الصحافية الحائزة جائزة «نوبل للسلام» ماريا ريسا من الفلبين، والرائد في مجال الذكاء الاصطناعي الكندي يوشوا بنغيو.

وقال: «هدفنا جعل التحكم البشري حقيقة تقنية، لا مجرد شعار». وأكد أن ذلك «يتطلب مساءلة واضحة، بحيث لا يُعهد بالمسؤولية أبداً إلى خوارزمية».

ومن المتوقع أن يُصدر العشرات من قادة العالم والوزراء في وقت لاحق الجمعة بياناً يحدد ملامح التعامل العالمي مع الذكاء الاصطناعي، وذلك في ختام قمة استمرت خمسة أيام، وتركزت أعمالها على هذه التكنولوجيا.