أول «طفلة معجزة» تُولد من زراعة رحم في بريطانيا

تجربة «مذهلة وسريالية»... وسُمّيت آمي تيمّناً باسم المُتبرِّعة

لولا فسحة الأمل... (زراعة الرحم في المملكة المتحدة)
لولا فسحة الأمل... (زراعة الرحم في المملكة المتحدة)
TT

أول «طفلة معجزة» تُولد من زراعة رحم في بريطانيا

لولا فسحة الأمل... (زراعة الرحم في المملكة المتحدة)
لولا فسحة الأمل... (زراعة الرحم في المملكة المتحدة)

استقبلت المملكة المتحدة «طفلة معجزة» تُعدُّ الأولى التي تولد من رحم جرى التبرُّع بها.

ووفق «بي بي سي»، وُلدت أمُّ الطفلة، غريس ديفيدسون، 36 عاماً، بمشكلات في الرحم، وعام 2023، حصلت على رحم أختها، فيما شكَّل آنذاك عملية زرع الرحم الناجحة الوحيدة على مستوى بريطانيا.

وبعد عامين من تلك العملية الرائدة، أنجبت غريس طفلتها الأولى في فبراير (شباط) الماضي، وأطلقت مع وزوجها، أنغوس، 37 عاماً، على ابنتهما اسم آمي، تيمّناً بشقيقة غريس التي تبرَّعت برحمها.

وقالت الأم الجديدة إنّ حملها لطفلتها آمي التي كان وزنها يزيد قليلاً على كيلوغرامين، تجربة «مذهلة وسريالية».

وتأمل غريس وأنغوس اللذان يعيشان في شمال لندن، وهما من أصل اسكوتلندي، في إنجاب طفل ثانٍ باستخدام الرحم المزروعة.

في البداية، لم يرغب الزوجان في الكشف عن هويتهما، لكن بعد ولادة الطفلة بسلام، تحدّثا عن «معجزتهما الصغيرة».

وأوضح الفريق الجراحي المسؤول عن عملية الولادة أنه أجرى 3 عمليات زرع رحم أخرى باستخدام متبرّعات متوفّيات منذ عملية زرع غريس. كما يهدف إلى إجراء 15 عملية زرع رحم إجمالاً، في إطار من تجربة سريرية.

يُذكر أنّ غريس وُلدت بحالة طبّية نادرة، تدعى متلازمة «ماير روكيتانسكي كوستر هاوزر»، وتكون الرحم عندها مفقودةً أو غير مُكتملة النمو، لكن مع وجود مبايض عاملة. وكانت قد أعربت عن أملها في أن تتبرّع والدتها لها برحمها لتتمكّن من الإنجاب، لكن اتّضح أنّ ذلك غير مناسب لها.

البسمة زيَّنتها الطفلة المولودة (زراعة الرحم في المملكة المتحدة)

وعام 2019، التقت «بي بي سي» غريس وزوجها أنغوس، عندما كانت إحدى شقيقتَي غريس، آمي بيردي، تخضع للتقييم لمعرفة ما إذا كان بإمكانها التبرّع برحمها لغريس. كانت آمي وزوجها قد أنجبا طفلين، ولم يرغبا في أكثر.

قبل الجراحة، خضعت الشقيقتان لجلسات استشارية. كما خضعت غريس وأنغوس لعلاج الخصوبة، ولا تزال لديهما أجنَّة مخزَّنة. عن ذلك، قالت غريس إنه توافر أمامها خيار الأمومة البديلة أو التبنّي، لكن حمل طفلها كان «أمراً شديد الأهمية». وأضافت: «لطالما كانت لديّ غريزة الأمومة، لكنني عمدتُ إلى كبتها، لأنّ الأمر كان مؤلماً».

وُلدت الطفلة آمي عبر عملية قيصرية في مستشفى الملكة شارلوت غرب لندن، يوم 27 فبراير (شباط). وأعربت غريس وأنغوس عن أملهما في إنجاب طفل ثانٍ، حالما يرى الفريق الطبي الوقت مناسباً.

ومن المقرّر إزالة الرحم المُتبرَّع بها بعد ولادة الطفل الثاني. وسيتيح هذا لغريس التوقّف عن تناول مثبطات المناعة اليومية، التي تتناولها حالياً لضمان عدم رفض جسدها لرحم أختها.

يُذكر أنّ تناوُل هذه الأدوية قد يزيد من مخاطر الإصابة ببعض أنواع السرطان، خصوصاً إذا جرى تناولها على مدى سنوات، لكن الجرَّاحة إيزابيل كيروغا أوضحت أنّ هذه المخاطر ينبغي أن تعود إلى المعدل الطبيعي بمجرّد إزالة الرحم.


مقالات ذات صلة

تناول المشروبات المحلاة في الصغر يزيد من خطر ارتفاع ضغط الدم لاحقاً

صحتك تناول المشروبات المحلاة بالسكر في مرحلة الطفولة قد يزيد من خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم في مرحلة البلوغ (بيكسلز)

تناول المشروبات المحلاة في الصغر يزيد من خطر ارتفاع ضغط الدم لاحقاً

كشفت دراسة حديثة أن تناول عصائر الفاكهة والمشروبات الغازية وغيرها من المشروبات المحلاة بالسكر في مرحلة الطفولة قد يزيد من خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم لاحقا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا صدمة في مصر عقب وفاة 18 شخصاً في حادث تصادم بينهم أطفال في أثناء ذهابهم للعمل (وزارة التضامن الاجتماعي)

«حادث الإسماعيلية» يُلقي الضوء على عمالة الأطفال في مصر

خلّف حادث تصادم شاحنتين كانتا تقلّان عمالاً زراعيين في محافظة الإسماعيلية، في شمال مصر، الثلاثاء، نقاشاً واسعاً حول عمالة الأطفال.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة مع مجموعة من الأطفال خلال افتتاح حديقة الحيوان بطرابلس في مارس الماضي (مكتب الدبيبة)

نصفهم يعاني «فقراً غذائياً»... أطفال ليبيا يدفعون فاتورة الانقسام

لا تبدو أزمة الغذاء في ليبيا مجرد مشكلة مرتبطة بارتفاع الأسعار أو تراجع القدرة الشرائية؛ إذ شرعت آثارها تظهر في صحة الأطفال ونمط حياتهم اليومية.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا آثار الدمار والحريق داخل دار الأطفال فاقدي الرعاية (الشرق الأوسط)

السودان: الأسر البديلة... حلّ فرضته الحرب لأزمة الأطفال فاقدي السند

أدت الحرب لعجز في مؤسسات إيواء الأطفال فاقدي السند، ونتج عن ذلك ارتفاع معدلات الوفيات بين الصغار، واضطرت السلطات للجوء إلى الأسر البديلة.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
يوميات الشرق ما ضاع في العلية زمناً عاد ليحفظ حكاية عمر (متحف فال ريبلي)

في الـ101... لا تزال تلعب ببيت الدمى

قد تكون فال ريبلي بلغت 101 عام، لكنها لا تزال تستمتع باللعب ببيوت الدمى...

«الشرق الأوسط» (لندن)

ميل غيبسون يحلم بالجزء الخامس من «سلاح مميت»... لكن هل فات الأوان؟

ميل غيبسون وداني غلوفر في «سلاح مميت 2» (آي إم دي بي)
ميل غيبسون وداني غلوفر في «سلاح مميت 2» (آي إم دي بي)
TT

ميل غيبسون يحلم بالجزء الخامس من «سلاح مميت»... لكن هل فات الأوان؟

ميل غيبسون وداني غلوفر في «سلاح مميت 2» (آي إم دي بي)
ميل غيبسون وداني غلوفر في «سلاح مميت 2» (آي إم دي بي)

يعترف ميل غيبسون هذه الأيام بأن مشروعه المؤجل منذ سنوات ما زال في مرحلة التطوير، وأنه لا يوجد موعد محدد بعد لبدء تصويره أو انتقاله من صفحات السيناريو إلى الشاشة الكبيرة. الفيلم المقصود هو «سلاح مميت 5» (Lethal Weapon 5)، الذي لا يزال ضمن قائمة المشاريع المحتملة من دون أن يحصل حتى الآن على الضوء الأخضر، سواء من شركة «وورنر براذرز»، التي أنتجت الأجزاء الأربعة السابقة، أو من أي جهة إنتاجية أخرى.

ميل غيبسون في «سلاح مميت 1» (وورنر)

سؤال مهم

هناك أسباب لذلك قد يكون من بينها أن غيبسون (70 سنة) وداني غلوفر (80 سنة) هما الآن أكبر سنّاً من أن يقوما بمغامراتهما المجنونة التي قاما بها في الأجزاء السابقة. غيبسون يعترف بذلك ويقول لموقع Colider: «لقد كبرا سنّاً الآن. أحدهما متقاعد والآخر أصبح موظفاً وراء مكتب في دائرة البوليس في المدينة. هما مختلفان الآن عما كانا عليه لكنهما سيعاودان اللقاء في مهمّة جديدة».

هذا ما لا يعجب المموّلين المحتملين: ما الذي تستطيع شخصيتان تجاوزتا مرحلة أفلام الأكشن القيام به في فيلم جديد؟ وهل هناك جمهور ينتظر عودتهما فعلاً؟

في هذا الوقت، وبينما ما زال الجزء الخامس يعيش في البال فقط، غيبسون مشغول بتنفيذ أربعة مشاريع كلها انتقلت لمرحلة ما بعد التصوير هما جزآن متلاحقان من The Resurrection of the Christ انطلق غيبسون لإخراجهما في العام الماضي، وفيلم تشويقي بعنوان Coyote يقوم ببطولته وآخر من النوع نفسه يكتفي أيضاً بتمثيله.

يجمعهما قيد

في عام 1987، عندما تم إطلاق الجزء الأول من «سلاح مميت» كان كل شيء جاهزاً لنجاح كبير. شرطيان للتحري أحدهما أبيض متهوّر والآخر أسود حذر ينطلقان لإنجاز مهام خطرة. كان غيبسون ثبّت قدميه كممثل ناجح (منذ «ماد ماكس»، 1979) ما ضمن تحقيق الفيلم إيرادات كبيرة حينها بلغت 120 مليون دولار (ما يوازي 352 مليون دولار حالياً) دفعت «وورنر» سريعاً لتبني الأجزاء اللاحقة تحت إدارة المخرج الراحل ريتشارد دونر.

لكن ما حققه «سلاح مميت» الأول كذلك هو تقديم بطلين واحد أبيض البشرة والثاني أسودها كثنائي.

لم تكن هي المرّة الأولى في تاريخ هوليوود لكن ما سبقها لم يكن أكثر من حفنة أفلام توزّعت على مدار عقود.

مواجهة بين سيدني بواتييه وتوني كيرتس في «المتحديان» (يونايتد آرتستس)

في سنة 1958 روى «المتحديان» (The Defiant Ones) حكاية سجينين هاربين من إخراج ستانلي كرامر. واحد أفرو-أميركي (سيدني بواتييه) والآخر أبيض (توني كيرتس). ما يحتم بقاءهما معاً هو ذلك القيد الذي يجمعهما. الأبيض يريد المضي في اتجاه والأسود يجبره على اتجاه آخر. بيت القصيد في الفيلم هو إدراك كل منهما أن الحاجة التي تجمعهما هي أبعد من ذلك القيد.

مضت 24 سنة منذ «المتحديان» قبل أن نشاهد فيلماً هوليوودياً رئيسياً يتولّى بطولته ممثلان كل منهما ببشرة مختلفة وما يتبعها من مفاهيم ومواقف. الفيلم هو «48 ساعة» مع نك نولتي وإيدي مورفي. نولتي تحري عنيف ومورفي سجين، يتدخل الأول لإخراجه لأنه يحتاج إليه في بحثه عن جناة قاموا بسرقة كبيرة.

أخرج الفيلم وولتر هِل كأكشن كوميدي وسجل به نجاحاً كبيراً دفع نحو تحقيق جزء ثان سنة 1990 بالتوجه نفسه حيث لكلٍّ دوره في مساندة الآخر ومعارضته في آن واحد.

خلال الفترة ما بين هذين الجزأين قام بيتر هايامز بإخراج فيلم أكشن آخر ببطولة مزدوجة على الغرار نفسه (أسود/ أبيض) هو «الهروب خوفاً» (Running Scared) من بطولة غريغوري هاينز وبيلي كريستال. هذا قبل عام واحد من «سلاح مميت» في 1987.

تومي لي جونز وويل سميث في «رجال بملابس سوداء» (آي إم دي بي)

«رجال بملابس سوداء» (Men in Black) خرج كذلك قبل عام واحد من الجزء الرابع من «سلاح مميت» مع تومي لي جونز وويل سميث. آنذاك، كان استقبال مثل هذه البطولات العرقية المجتمعة، في التسعينات، بات عادياً عبر هذه الأفلام المذكورة وسواها. الغاية كانت كسب المشاهدين من العرقين مع تسريب بعض المواجهات التي تكشف عن تضارب مفاهيم كل منهما صوب الآخر. لكن لا واحد من هذه الأفلام حاول أن يعمد إلى طرح الموضوع عنصرياً بشكل جاد.

الفيلم الوحيد في هذا الاتجاه (منذ «المتحديان») كان «عبر 110 ستريت» (Across 110 Street) لباري شير (1972) وبطولة أنطوني كوين ويافت كوتو. كلاهما يعملان في التحريات لكن كوتو هو الرئيس الذي يواجه عنصرية التحري الأبيض كوين وعنفه تجاه الأفرو-أميركيين. بذلك هو فيلم مختلف عن الأعمال الأخرى لأن بطليه لا يعملان معاً وليسا في اتجاه واحد كما أن الفيلم ذاته جاد في حين أن الأفلام الأخرى عكس ذلك.

منوال واحد

ما أنجزته هذه الموجة ويغيب عن بال مؤرخين أنها أدّت إلى أفلام تجمع، على قدر متساوٍ، بين بطل أبيض وآخر من عرق مختلف أو بين بطلين من لون واحد كما حال مسلسل «فتيان سيئون» (Bad Boys) الذي قام بأدائه ويل سميث ومارتن لورنس في 1995.

في «ساعة الزحام» (Rush Hour) هناك كريس تاكر (أسود) مع جاكي تشان (صيني) ثم نجد في «شنغاي نون» (Shanghai Noon) سنة 2000. جاكي تشان (صيني) مع أوين ويلسون (أبيض)

بذلك حافظت السينما على منوال واحد من التقديم هو الخفة والحركة والكوميديا بصرف النظر عما إذا نجح الفيلم الواحد في احتوائها على نحو جيد أم لا.

تعدد الأعراق يدخل في صلب الرغبة في جعل المشاهدين، من أي عنصر انتموا، سعيدين بأن الأقلية لها مكان أول على الشاشة. الكل مبتسم وسيعد في الفيلم وفي الصالة معاً.

براد بت ومورغان فريمان في «سفن» (آي إم دي بي)

«سبعة» (Seven) لديفيد فينشر (1995) هو فيلم مختلف عما سبقه. صحيح أنه يجمع بين مورغان فريمان وبراد بت (أسود وأبيض) إلا أن الفيلم يبتعد عن الخفّة. ما زال فيلماً بوليسياً في ذاته، لكنه يطرح الحكاية من زاوية اجتماعية حول هذين التحريين في مواجهة موجة من جرائم القتل العنيفة التي يقوم بها كڤن سبيسي (أبيض).


الحرّ يُرهق الدماغ... هكذا تتراجع قدرتنا على التفكير

تحت شمس قاسية... يبحث الذهن أيضاً عن الظلّ (بكسلز)
تحت شمس قاسية... يبحث الذهن أيضاً عن الظلّ (بكسلز)
TT

الحرّ يُرهق الدماغ... هكذا تتراجع قدرتنا على التفكير

تحت شمس قاسية... يبحث الذهن أيضاً عن الظلّ (بكسلز)
تحت شمس قاسية... يبحث الذهن أيضاً عن الظلّ (بكسلز)

ما الذي يحدث فعلياً داخل أدمغتنا عندما يكون الجوّ حارّاً؟ ولماذا يرتبط ارتفاع درجات الحرارة بتباطؤ قدرتنا على التفكير والشعور بالخمول، ممّا يجعل حتى المَهمّات اليومية البسيطة تبدو شاقة؟

كتب المحاضر الأول في كلية علم النفس وعلم الأعصاب بجامعة بريستول في إنجلترا، دان بومغاردت، أنّ الدماغ والجسم يتواصلان باستمرار. فعندما تتغيّر درجات الحرارة الخارجية، ترسل مستقبلات الحرارة الموجودة بالقرب من سطح الجلد إشارات إلى منطقة ما تحت المهاد، وهي مركز تنظيم درجة الحرارة في الدماغ.

وأضاف، في مقال نُشر على موقع «ميديكال إكسبريس»، الجمعة، نقلاً عن موقع «كونفيرزيشن»، أنه عندما يصبح الجوّ حارّاً جداً، تنسّق منطقة ما تحت المهاد سلسلة من الاستجابات لإعادة درجة حرارة الجسم إلى وضعها الطبيعي، أي نحو 37 درجة مئوية.

ويُعد الحفاظ على درجة حرارة الجسم الأساسية عند هذا المستوى أمراً شديد الأهمية لعمليات الأيض ونشاط الإنزيمات وعدد من وظائف الجسم الحيوية الأخرى.

وأوضح بومغاردت أنّ الدماغ، وهو المسؤول الأول عن تنظيم درجة الحرارة، ينشغل كثيراً عندما يكون عليه تنظيم حرارة الجسم باستمرار. ففي الطقس الحارّ، يفعّل الجسم آليات تسمح بتسريب الحرارة من سطحه، تشمل توجيه الدم إلى الجلد والتعرّق. وتتحكّم المسارات العصبية التي تربط الدماغ بالأوعية الدموية والغدد العرقية بهذه الاستجابات، ممّا يسمح له بتنظيم كمية الحرارة التي يفقدها الجسم بدقة. وأكد أنّ الجهد الإضافي الذي تفرضه عملية الحفاظ على برودة الجسم يُقلّل قدرة الدماغ على أداء المَهمّات الإدراكية التي تتطلّب تفكيراً وانتباهاً متواصلَيْن.

ووفق البحوث العلمية، تبدأ الخلايا العصبية أيضاً بالعمل بشكل مختلف مع ارتفاع درجة الحرارة؛ إذ تعتمد على تدفق التيارات الكهربائية وإطلاق النواقل العصبية الكيميائية لأداء وظائفها. وتعتمد هذه العمليات على الإنزيمات والبروتينات وحركة الأيونات المشحونة داخل الخلية العصبية وخارجها، وجميعها حسّاسة لدرجة الحرارة.

وأفاد بومغاردت بأنه رغم قدرة الدماغ، في الظروف الطبيعية، على التعويض ومواكبة هذه المتطلبات، فإنّ هذا التوازن الدقيق يختل عند تجاوز حد معين، ممّا يغيّر طريقة عمل الخلايا العصبية وتواصلها فيما بينها، وقد يؤثّر في عمليات حيوية مثل الذاكرة واتخاذ القرارات والتركيز.

ويُعدّ الجفاف، الذي يشيع في الطقس الحار نتيجة فقدان مزيد من السوائل عبر التعرّق، من المضاعفات المحتملة الأخرى التي يجب أخذها في الحسبان. ويؤدّي عدم تعويض السوائل المفقودة بشكل كافٍ إلى زيادة الضغط على الجهاز القلبي الوعائي في محاولته تزويد الجلد والأعضاء، بما فيها الدماغ، بالدم، وفق بومغاردت.

وكما هي الحال مع عدد من الأعضاء الأخرى، يتكوّن الدماغ من أكثر من 70 في المائة من الماء، حتى إنّ الجفاف البسيط قد يؤدّي إلى ضعف الانتباه وسرعة ردّ الفعل والذاكرة قصيرة المدى.

ويشدّد بومغاردت على أهمية الأخذ في الحسبان ليس فقط كيفية استجابة الدماغ والجسم للحرارة في اللحظة نفسها، وإنما أيضاً كيفية استراحتهما وتعافيهما بعدها، من خلال النوم.

وقد يسهم الطقس الحارّ في تعطيل النوم وتشويش الذهن؛ إذ تُضعف قلة النوم الانتباه والذاكرة والتفكير، ممّا يزيد تأثير الحرارة على الأداء الإدراكي.

ويرى بومغاردت أنه يمكن التخفيف من تشوّش الذهن في الصيف بالحفاظ على برودة الجسم قدر الإمكان، من خلال إجراءات بسيطة مثل ارتداء ملابس خفيفة، واستخدام فراش بارد، وأخذ فترات راحة منتظمة من التعرّض للحرارة.


الراكب رقم 53 على الرحلة 103... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي حياً وميتاً

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
TT

الراكب رقم 53 على الرحلة 103... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي حياً وميتاً

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)
صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

في الحادي والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) عام 1988، لم يكن الشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر يعلم أن صعوده إلى متن رحلة شركة «بان أميركان» رقم 103 المتجهة من فرانكفورت إلى نيويورك عبر لندن، سيكون تذكرة بلا عودة، ليس فقط نحو الموت الإجباري فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية الهادئة، بل نحو دهاليز استخباراتية معقدة حولت جثته الفتية إلى محور لأكبر لغز جنائي وسياسي في القرن العشرين.

في ذلك المساء الشتوي القارس، تفجرت الطائرة الجامبو (بوينغ 747) في السماء، مسفرة عن مقتل 270 شخصاً، ومع تناثر حطام الطائرة فوق التلال الاسكوتلندية، تناثرت معها حياة خالد جعفر لتتحول من قصة مهاجر شاب يحلم بمستقبل هادئ، إلى مادة دسمة لسيناريوهات المؤامرة، والاتهامات الجاهزة، وصفقات الأمن الدولي التي امتدت من بيروت إلى واشنطن مراراً وتكراراً.

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

مأساة لوكربي في عيون «نتفليكس»

عادت هذه التفاصيل والأسماء لتشغل الرأي العام مع إطلاق شبكة نتفليكس بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية «بي. بي . سي» للمسلسل الدرامي القصير «The Bombing of Pan Am 103» (تفجير بان آم 103).

المسلسل، الذي يضم نخبة من النجوم مثل باتريك جيه آدامز وبيتر مولان، لا يكتفي برصد الجوانب السياسية للمحاكمة الدولية، بل يغوص عميقاً في الجانب الإنساني للضحايا وعائلاتهم والتحقيقات الأولية على الأرض.

وفي هذا السياق الدرامي، يبرز اسم خالد جعفر وتفاصيل دراسته لهندسة العمارة وعلاقاته التشابكية كجزء من السيناريو الذي يعيد قراءة فخ «الاشتباه الأولي» القائم على الهوية، ليعيد للمشاهدين قصة الراكب صاحب المقعد 53K في الرحلة 103 الذي سُرق حلمه الهندسي في سماء لوكربي.

من زواريب البقاع إلى صقيع ديترويت

وُلد خالد نذير جعفر في بلدة بالبقاع اللبنانية، ونشأ في بيئة عائلية هاجرت كآلاف العائلات اللبنانية بحثاً عن الأمان والفرص في الولايات المتحدة الأميركية، مستقرة في مدينة ديترويت بولاية ميشيغان.

صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (الأرشيف الرقمي لجامعة سيراكيوز)

في سن العشرين، كان خالد يمثل مزيجاً بين الشاب العربي المرتبط بجذوره والمراهق الأميركي الذي يتلمس طريقه في الحياة.

في ريعان شبابه وقبل أن تمزق قنبلة الـ«سمتكس» أجساد ركاب الطائرة، كان جعفر يعيش حياة جامعية واعدة، حيث كان يدرس هندسة العمارة.

تميز الشاب بعشقه للتصميم وبناء الخطط الهندسية للمستقبل، وهي خطط كان يرجو تطبيقها بعد التخرج والاستقرار في ديترويت.

الطائرة بعد سقوطها في بلدة لوكربي الاسكوتلندية (أ.ف.ب)

غير أن رحلته الشتوية إلى لبنان عبر ألمانيا، التي كانت تهدف لزيارة عائلية قبل أعياد الميلاد، وضعت حداً فجائياً لمسيرته الأكاديمية. ولم يتبقَ من حلم «المهندس المعماري» الشاب سوى دفاتر تصاميمه وحقائب سفر تناثرت على بُعد أميال من موقع سقوط الطائرة، لتصبح تلك الممتلكات الشخصية لاحقاً دليلاً قاطعاً استخدمه المحققون الاسكوتلنديون لإثبات براءته، بعدما تبين خلوها من أي آثار تفحم داخلي.

شبهة الأصل العربي... الفخ الاستخباراتي الأول

فور وقوع الكارثة الكبرى فوق لوكربي وبدء التحقيقات المشتركة بين مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI) وجهاز الأمن البريطاني، التفتت أعين المحققين سريعاً نحو قائمة الركاب بحثاً عن ملامح شرق أوسطية عربية، تطابق الاتهامات الفورية التي وُجهت للفصائل المسلحة.

هنا، برز اسم خالد جعفر كصيد سهل للمحققين والصحافة الغربية بسبب أصوله اللبنانية وبداية رحلته من فرانكفورت، خاصة أنه العربي الوحيد الذي كان على متن الرحلة.

مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)

انطلقت الفرضية الأولى تزعم أن الشاب ربما كان «انتحارياً» أو حاملاً مغفلاً لقنبلة وُضعت في أمتعته دون علمه من قبل منظمات فلسطينية أو إيرانية، ما جعل عائلته في ديترويت تعيش كابوساً مزدوجاً: فاجعة فقدان ابنهم، ووصمة الإرهاب التي لاحقت اسمه في وسائل الإعلام العالمية لسنوات.

قناة دمشق-فرانكفورت وظلال المخابرات الأميركية

لم تتوقف الروايات عند حد الاشتباه العابر، بل تحول اسم خالد جعفر إلى حجر الزاوية في «الرواية البديلة» لحادث لوكربي، والتي تبنتها فرق دفاع لسنوات وصحافيون بارزون.

زعمت هذه النظرية أن جعفر، وبحكم تنقله بين لبنان وألمانيا، تم استغلاله أو توريطه في شبكة لتهريب المخدرات كانت تحظى بحماية وغطاء من وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) وإدارة مكافحة المخدرات (DEA)، كجزء من عملية سرية معقدة لتأمين إطلاق سراح الرهائن الأميركيين المحتجزين في بيروت حينها.

ووفقاً لهذا السيناريو، فإن «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة»، اخترقت هذه القناة الآمنة في مطار فرانكفورت، واستبدلت بحقيبة المخدرات الخاصة بجعفر حقيبة الراديو المفخخة بمادة «السمتكس»، لتنتقل الحقيبة عبر طائرة التغذية إلى مطار هيثرو في لندن وتوضع في أحشاء الطائرة الكبيرة دون تفتيش.

وترافق اسم جعفر في التقارير الأمنية والتحليلات الاستخباراتية المعقدة مع أسماء أخرى أثارت حيرة المحققين، ومن أبرزها اسم حسن الساعد (أو بدري حسن في بعض وثائق المحكمة الرسمية).

وكان حسن الساعد شخصية محورية ارتبطت بالخلايا والأنشطة الأمنية والتجارية المشبوهة في ألمانيا الغربية ومالطا خلال تلك الحقبة، وتحديداً من خلال علاقته بشركة الاتصالات السويسرية «ميبو» (MEBO) التي صنعت أجهزة التوقيت المستخدمة في التفجير.

تشير خيوط التحقيق والفرضيات البديلة إلى أن الساعد كان يمثل «حلقة الوصل» أو القناة التي حاولت أجهزة أمنية وفصائل مسلحة استخدامها لاختراق حركة الحقائب والمسافرين العرب عبر مطار فرانكفورت. هذه العلاقة الملتبسة بين دوائر جُعِل جعفر يدور في فلكها دون علمه، وبين شبكة الساعد، هي التي غذّت لسنوات نظرية «الحقيبة المستبدلة» وقناة تهريب المخدرات الآمنة التي جرى اختراقها لزرع القنبلة.

حطام طائرة «بان آم 103» في لوكربي كما صوّرها المسلسل الجديد (نتفليكس)

براءة من بين الحطام وأحكام التاريخ

ظلت هذه النظريات تتدفق في كتب التحقيقات الاستقصائية حتى قادت الأدلة الجنائية القاطعة في المحكمة الاسكوتلندية الخاصة برئاسة القاضي لورد سذرلاند إلى مسار مختلف تماماً.

فقد أثبتت سجلات السفر الرسمية والتحقيقات اللاحقة أن خالد جعفر لم يشحن أي أمتعة في عنبر الشحن السفلي لطائرة البوينغ 747، بل اكتفى بحمل حقيبتين صغيرتين كأمتعة يدوية صعد بهما معه إلى مقصورة الركاب، من بينهما حقيبة قماشية أسطوانية.

وعقب الانفجار، عثر المحققون على هاتين الحقيبتين شبه سليمتين وبحالة جيدة في تلال منطقة «لانغهولم» على بُعد نحو 13 كيلومتراً تقريباً شرق بلدة لوكربي، وكانتا لا تزالان تحتويان على بطاقته الشخصية، ومحفظته، وبعض الأوراق النقدية.

وجاءت التقارير الفنية لتؤكد خلو الأمتعة اليدوية للشاب تماماً من أي آثار لبارود، أو حروق، أو تفحم داخلي، وهو ما شكل الدليل الفني القاطع على براءته، إذ أثبت أن القنبلة فُجِرت في حاوية الشحن الرئيسية بعيداً عن مقعده ومحيطه، مما دحض فرضية وجود المتفجرات بحوزته سواء بعلمه أو دون علمه.

بناءً على هذه المعطيات الدامغة، أعلنت المحكمة رسمياً براءة الشاب اللبناني من أي ضلوع أو استغلال في العملية، وثبّتت الحكم على ضابط الاستخبارات الليبي عبد الباسط المقرحي، مؤكدة أن الحقيبة المفخخة انطلقت من مالطا ولم تمر عبر قناة جعفر في فرانكفورت.

المتهم الرئيسي في تفجير الطائرة المواطن الليبي عبد الباسط المقرحي (أرشيف - أ.ف.ب)

ورغم هذه التبرئة القضائية الشاملة، بقي اسم خالد جعفر راسخاً في الأرشيف السياسي الدولي، شاهداً على حقبة صراع مريرة، راح ضحيتها أبرياء تحت رماد لوكربي.