رسالة إيران لترمب: لا نريد الحرب ومستعدون للرد القوي

طهران ترفض التفاوض المباشر في ظل «التهديد بالقوة»

رئيس الأركان محمد باقري وقائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» أمير علي حاجي زاده خلال الكشف عن ترسانة باليستية نهاية الشهر الماضي (التلفزيون الرسمي)
رئيس الأركان محمد باقري وقائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» أمير علي حاجي زاده خلال الكشف عن ترسانة باليستية نهاية الشهر الماضي (التلفزيون الرسمي)
TT

رسالة إيران لترمب: لا نريد الحرب ومستعدون للرد القوي

رئيس الأركان محمد باقري وقائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» أمير علي حاجي زاده خلال الكشف عن ترسانة باليستية نهاية الشهر الماضي (التلفزيون الرسمي)
رئيس الأركان محمد باقري وقائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» أمير علي حاجي زاده خلال الكشف عن ترسانة باليستية نهاية الشهر الماضي (التلفزيون الرسمي)

أزاح رئيس الأركان الإيراني، محمد باقري، اللثام عن رد المرشد علي خامنئي على رسالة الرئيس الأميركي دونالد ترمب قائلاً إن إيران «سترد على التهديدات بكل قوة، لكننا لا نسعى وراء الحرب». وبدوره، أبلغ وزير الخارجية عباس عراقجي دبلوماسيين أجانب بأن طهران ترفض التفاوض المباشر في ظل «التهديدات» و«التناقضات».

ووضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إيران أمام خيارين: إما التوصل إلى اتفاق دبلوماسي بشأن برنامجها النووي، وإما مواجهة الحل العسكري.

وقال ترمب، الجمعة، إن إيران ستكون مستعدة لإجراء محادثات مباشرة بشأن برنامجها النووي، وأبلغ صحافيين يرافقونه: «تجاهلوا الرسائل. أعتقد أنهم يريدون محادثات مباشرة».

وأضاف ترمب أنه يفضل إجراء مفاوضات مباشرة مع إيران، مشيراً إلى أن ذلك قد يسهم في تسريع التوصل إلى اتفاق، وذلك بعدما ردت طهران على رسالة بعث بها ترمب، الشهر الماضي، برفض التفاوض المباشر، لكنها تركت الباب مفتوحاً أمام مفاوضات عبر الوسطاء.

وقال باقري إن «الرد الذي أصدره المرشد الإيراني ونقله وزير الخارجية ارتكز على أننا سنرد على التهديدات بكل قوة، لكننا لسنا طالبين للحرب، وليس لدينا أي نية لبدء حرب».

وبحسب باقري، فإن رد خامنئي «تم التأكيد فيه على أننا نسعى لتحقيق الاستقرار في المنطقة، ولا نبحث عن امتلاك أسلحة نووية، بل نلبي احتياجات شعبنا في المجال النووي، إلى جانب قضايا أخرى تم التطرق إليها في الرد»، دون تقديم التفاصيل.

في السياق نفسه، أفادت «رويترز» عن «مسؤول إيراني رفيع المستوى» بأن إيران ترفض مطالب الولايات المتحدة بإجراء مفاوضات مباشرة حول برنامجها النووي تحت تهديد الضربات العسكرية، محذراً من الدول التي تضم قواعد أميركية في المنطقة من أنها «قد تصبح أهدافاً في حال مشاركتهم في أي هجوم ضد إيران».

وخاطب باقري الأميركيين قائلاً: «لن نجري مفاوضات مباشرة، لكن المفاوضات غير المباشرة ليست مشكلة. لقد كنتم الطرف الذي أخلف العهود في المفاوضات السابقة، ومن ثم لا يوجد أي ثقة بكم. رغم ذلك، فإننا لا نغلق باب المفاوضات غير المباشرة، وإذا تحركتم بنية صادقة، فإنه يمكننا التفاوض».

ووصف باقري رد خامنئي بأنه معقول وحكيم، ويهدف إلى إبلاغ شعبنا وشعوب العالم بأن استراتيجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي الدفاع عن مصالحها، والتقدم نحو أهدافها المرسومة». وأضاف: «نحن لسنا نظاماً محباً للحرب، لكننا في الوقت نفسه لا نتحمل الغطرسة، وسنقف بصلابة».

وجاءت تصريحات باقري غداة رفض وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إجراء مفاوضات مباشرة مع طرف يهدد باستخدام القوة ضد إيران، ويعبر مسؤولوه عن «مواقف متناقضة».

ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن عراقجي قوله خلال مناسبة عامة، ليلة السبت، إن «إجراء مفاوضات مباشرة مع طرف يلوّح باستمرار باستخدام القوة، في خرقٍ واضح لميثاق الأمم المتحدة، ويعبّر مسؤولوه عن مواقف متناقضة، أمر لا معنى له».

لكنه قال في الوقت نفسه إن «إيران ما زالت ملتزمة بالمسار الدبلوماسي، ومستعدة لاختبار خيار التفاوض غير المباشر».

وقال عراقجي لمسؤولين إيرانيين ودبلوماسيين أجانب إن «رد إيران على رسالة الرئيس الأميركي جاء منسجماً مع محتواها ولهجتها، مع الحفاظ على باب الدبلوماسية مفتوحاً».

وجدّد عراقجي التأكيد على موقف طهران الرافض للتفاوض المباشر مع «أطراف تنتهج التهديد بالقوة»، مضيفاً أن «الالتزام بالدبلوماسية لا يعني التغاضي عن التناقضات الصارخة في مواقف بعض الدول، لكننا ما زلنا منفتحين على مسارات بديلة، مثل التفاوض غير المباشر».

وأردف: «نحن الآن مستعدون، في إطار منطق بناء الثقة مقابل رفع العقوبات الجائرة، لمواصلة الحوار بشأن البرنامج النووي وسبل رفع العقوبات». وأضاف: «إيران، في الوقت الذي تتمسك فيه بالدبلوماسية والحوار لحل الخلافات، فهي أيضاً مستعدة لكل الاحتمالات والتطورات. وكما نُظهر الجدية في المفاوضات، فإننا نُظهر الحزم نفسه في الدفاع عن مصالحنا وسيادتنا الوطنية».

عراقجي يتحدث أمام عدد من المسؤولين الإيرانيين بمقر عمله في يناير الماضي (الخارجية الإيرانية)

ودافع عراقجي عن أنشطة إيران النووي، وقال إن «طبيعته سلمية بحتة»، قائلاً: «إيران التزمت سابقاً بإجراءات طوعية ضمن خطة العمل المشتركة الشاملة (الاتفاق النووي) لضمان سلمية برنامجها النووي، لكن الولايات المتحدة هي من انسحبت بشكل أحادي من الاتفاق». وأتى تعليق عراقجي بعد ساعات من قول الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن إيران مستعدة للانخراط في حوار «على قدم المساواة» مع الولايات المتحدة. وسأل بزشكيان: «إذا كان الطرف الآخر يريد التفاوض، فلماذا يقوم بالتهديد؟»، مضيفاً: «اليوم، لا تهين أميركا إيران فحسب، بل العالم أيضاً».

نافذة زمنية قصيرة

وقال مسؤول إيراني رفيع لوكالة «رويترز» شريطة عدم الكشف عن هويته إنه رغم رفض إيران دعوة ترمب لإجراء محادثات مباشرة، فإنها عبَّرت عن استعدادها لمواصلة المفاوضات غير المباشرة عبر الوساطة العمانية التي كانت قناة تواصُل بين البلدين في فترات سابقة.

وقال المسؤول: «المفاوضات غير المباشرة توفر فرصة لتقييم جدية واشنطن في التوصل إلى حل سياسي مع إيران». وأضاف أن هذه المفاوضات ربما تبدأ قريباً إذا كانت الرسائل الأميركية تدعم هذا المسار، رغم أنه أشار إلى أن الطريق قد يكون «وعراً».

ولمح المسؤول الإيراني إلى أن بلاده اقترحت عمل «جولة أولى» من المفاوضات غير المباشرة «ربما تشمل وساطة عُمانية بين الوفدين الإيراني والأميركي»، مشيراً إلى أن « المرشد الإيراني علي خامنئي قد سمح لوزير الخارجية أو نائبه مجيد تخت روانجي بالمشاركة في أي محادثات عبر مسقط».

على الرغم من عدم تلقي تعليق رسمي من الحكومة العمانية، فإن المسؤول يعتقد أن هناك نافذة زمنية تمتد نحو شهرين للتوصل إلى اتفاق، محذراً من أن إسرائيل قد تستغل تأخر المفاوضات لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران؛ ما قد يؤدي إلى استعادة جميع العقوبات الدولية على طهران.

حالة تأهب قصوى

وفي سياق متصل، أفاد المسؤول بأن إيران وجهت تحذيرات إلى العراق والكويت والإمارات وقطر وتركيا والبحرين مفادها أن أي دعم لهجوم أميركي على إيران، بما في ذلك السماح باستخدام الأجواء أو الأراضي لمصلحة القوات الأميركية، «سيعد عملاً عدائياً»، ولم يصدر تعليق رسمي من تلك الدول على تقرير «رويترز».

وقال المسؤول إن مثل هذا التصرف «ستكون له عواقب وخيمة»، مضيفاً أن خامنئي وضع القوات المسلحة الإيرانية في حالة تأهب قصوى.

وحذَّر قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري»، أمير علي حاجي زاده، الاثنين، من أنّ «الأميركيين لديهم ما لا يقلّ عن 10 قواعد في المنطقة المحيطة بإيران، ولديهم 50 ألف جندي». وأضاف أنّ «مَن كان بيته من زجاج فلا يقذف الناس بالحجارة».

وعاود ترمب العمل باستراتيجية «الضغوط القصوى» التي اتبعها في ولايته الأولى، وتتضمن جهوداً لخفض صادرات إيران النفطية إلى الصفر. وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على مبيعات النفط الإيرانية منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض في 20 يناير (كانون الثاني).

وزارة الدفاع الإيرانية تعرض نظام الدفاع الجوي بعيد المدى «أرمان» في حفل بطهران في فبراير الماضي (رويترز)

وانسحب ترمب خلال ولايته الأولى من الاتفاق النووي، في مايو (أيار) 2018، بعدما دأب على مدى أشهر مطالباً إيران بالعودة لطاولة المفاوضات لمعالجة «عيوب» الاتفاق النووي لعام 2015، بما في ذلك عدم تطرُّقه لأنشطة «الحرس الثوري» الإقليمية، وتطوير برنامج الصواريخ الباليستية.

وفشلت جهود إدارة جو بايدن في العودة إلى الاتفاق النووي. وتقوم طهران منذ أبريل (نيسان) 2021، وحتى الآن، بمراكمة اليورانيوم المخصب لدرجة نقاء تصل 60 في المائة، أي ما يقرب من الـ 90 في المائة اللازمة لتصنيع أسلحة نووية، وأعلى كثيراً من الحد الأقصى المنصوص عليه في الاتفاق وهو 3.67 في المائة.

ويقول ترمب إن إيران قريبة جداً من صنع قنبلة نووية، وهدد بقصف إيران ما لم تتوصل إلى اتفاق مع واشنطن بشأن برنامجها النووي.

وفي حين تقول إيران إن أهدافها سلمية تماماً، وإن لها الحق في التخصيب إلى مستويات عالية لأغراض مدنية، تقول القوى الغربية إنه لا يوجد تفسيرٌ مدنيٌّ موثوقٌ به للتخصيب إلى هذا المستوى، وتقول «الذرية الدولية» إن أي دولة لم تفعل ذلك دون إنتاج قنبلة نووية.

وحذَّرت إسرائيل والولايات المتحدة من أنها لن تسمح لإيران بتطوير سلاح نووي، مع تأكيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بزيادة كبيرة في توسع إنتاج طهران من اليورانيوم عالي التخصيب القريب من مستويات الأسلحة.

وحذَّرت أجهزة الاستخبارات الأميركية من أن إسرائيل تدرس تنفيذ ضربات كبيرة ضد المنشآت النووية الإيرانية، خلال النصف الأول من العام الحالي، مستغلّةً حالة الضعف التي تمر بها إيران، نتيجة انتكاسات إقليمية لتفكك حلفائها، وسقوط حليفها الإقليمي الأبرز بشار الأسد، وضربات استهدفت «حزب الله» اللبناني، وسخط داخلي يزداد بسبب تدهور الوضعين المعيشي والاقتصادي.

ويؤكد المحللون أن طهران مضطرة للتفاوض مع ترمب. ويرى ترمب أن تراجُع القوة العسكرية الإيرانية جعلها في موقع دفاعي ضعيف؛ ما يزيد من احتمال لجوئها إلى طاولة المفاوضات، بدلاً من التصعيد العسكري.

وتصاعدت الحرب الكلامية بين إيران وإسرائيل، بعد تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بضرب المنشآت النووية الإيرانية، بدعم من واشنطن.

وأجرى الجيش الإسرائيلي، الشهر الماضي، تدريبات تحاكي ضربةً للمنشآت النووية الإيرانية، وذلك بالتزامن مع طلعات جوية لقاذفات «بي 52» الأميركية، مع مقاتلات إسرائيلية تدرَّبت على التزوُّد بالوقود جواً.

وأرسلت الولايات المتحدة قاذفات استراتيجية إلى جزيرة دييغو غارسيا في أرخبيل، كبرى جزر أرخبيل شاغوس في وسط المحيط الهندي. وأمر «البنتاغون» بتحريك أسطول بحري ليكون الثاني من نوعه، مع تصاعد العلميات العسكرية ضد جماعة الحوثي في اليمن، والتلويح بالخيار العسكري ضد طهران بشأن برنامجها النووي.

وأواخر مارس (آذار)، حذّر علي لاريجاني مستشار المرشد الإيراني من أن طهران لا تسعى لامتلاك سلاح نووي، لكن «لن يكون أمامها خيار سوى القيام بذلك» في حال تعرّضت لهجوم.

وتخشى القوى الغربية من تغيير مسار البرنامج النووي الإيراني، بعدما أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن مخزون إيران من اليورانيوم بنسبة 60 في المائة بات يكفي لإنتاج 6 قنابل، إذا أرادت طهران رفع نسبة التخصيب إلى 90 في المائة المطلوب لإنتاج الأسلحة.

من جهة أخرى، أكدت روسيا، الحليف الإيراني، أن التهديدات الأميركية باستخدام القوة ضد إيران غير مقبولة، ودعت إلى ضبط النفس في المنطقة.

وقال مسؤول إيراني إن إيران تسعى لتعزيز دعم روسيا، رغم شكوكها بشأن التزام موسكو التام بحليفتها، مشيراً إلى أن ذلك «يعتمد على ديناميكيات العلاقة» بين ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حسبما أوردت «رويترز».

وأثار التحرك العسكري الأميركي تساؤلات بين الخبراء الاستراتيجيين الأوروبيين عما إذا كان بمثابة تمهيد لضربة أميركية على إيران في الأشهر المقبلة.


مقالات ذات صلة

تحطمت طائرته وسقط بلا مظلة... كيف نجا ضابط أميركي من الموت في جبال إيران؟

الولايات المتحدة​ طائرة من طراز «إف-15 إي» تابعة لسلاح الجو الأميركي (صورة من سلاح الجو الأميركي) p-circle

تحطمت طائرته وسقط بلا مظلة... كيف نجا ضابط أميركي من الموت في جبال إيران؟

روى ضابط في سلاح الجو الأميركي تفاصيل مثيرة عن نجاته بعد تحطم طائرته المقاتِلة فوق منطقة جبلية بالصحراء الإيرانية في أبريل الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية إيرانيون يسيرون أمام لوحة إعلانية سياسية في وسط طهران (إ.ب.أ) p-circle

طهران تتهم واشنطن بمنع رئيس «الطاقة الذرية الإيرانية» من حضور اجتماع في فيينا

قال المتحدث ​باسم وزارة الخارجية الإيرانية اليوم (الاثنين) إن التقارير التي تتحدث عن ‌وجود أنشطة ‌في ​موقع بيكاكس ‌ماونتن ⁠لا ​أساس لها ⁠من الصحة.

«الشرق الأوسط» (طهران)
رياضة عربية الروماني رازفان لوشيسكو المدير الفني لفريق السد القطري (نادي السد)

لوشيسكو مدرب السد: مواجهة الاستقلال الإيراني صعبة

أكّد الروماني رازفان لوشيسكو، المدير الفني لفريق السد القطري، جاهزية فريقه لمواجهة الاستقلال الإيراني، الاثنين.

«الشرق الأوسط» (البصرة (العراق))
شؤون إقليمية ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)

كيف أجهض متشددون إيرانيون اتفاق السلام مع ترمب؟

كشف تحقيق لصحيفة «نيويورك تايمز» أن هجمات على سفن في مضيق هرمز نفذتها مجموعة متشددة من دون تفويض القيادة العليا وأفشلت مساراً كان يقترب من إنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (نيويورك *)
رياضة عربية البرازيلي أندريه جاردين مدرب شباب الأهلي الإماراتي (نادي شباب الأهلي)

مدرب شباب الأهلي: نسعى لتقديم الأفضل أمام تراكتور

قال البرازيلي أندريه جاردين، المدير الفني لفريق شباب الأهلي الإماراتي، إن فريقه لديه الطموح والإمكانات اللازمة لتحقيق أداء أفضل له في دوري أبطال آسيا للنخبة.

«الشرق الأوسط» (دبي)

إيران: التقارير عن نشاط في «جبل الفأس» لا أساس لها

إيرانيون يسيرون أمام لوحة إعلانية سياسية في وسط طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون أمام لوحة إعلانية سياسية في وسط طهران (إ.ب.أ)
TT

إيران: التقارير عن نشاط في «جبل الفأس» لا أساس لها

إيرانيون يسيرون أمام لوحة إعلانية سياسية في وسط طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون أمام لوحة إعلانية سياسية في وسط طهران (إ.ب.أ)

قال المتحدث ​باسم وزارة الخارجية الإيرانية اليوم (الاثنين) إن التقارير التي تتحدث عن ‌وجود أنشطة ‌في ​موقع بيكاكس ‌ماونتن (جبل الفأس) ⁠لا ​أساس لها ⁠من الصحة، وذلك بعد أن ذكر ⁠الرئيس الأميركي دونالد ‌ترمب ‌أن ​الولايات ‌المتحدة تراقب ‌أنشطة هناك. وكان ترمب قد قال الأسبوع ‌الماضي إن الولايات المتحدة قد ⁠تضرب بيكاكس ⁠ماونتن وحث إيران على توخي الحذر.

إلى ذلك، أعلنت العلاقات العامة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، صباح اليوم، اعتراض طائرة مسيرة متطورة من طراز «إم كيو 1» وتدميرها بواسطة منظومة الدفاع الجوي التابعة للقوة الجوفضائية لـ«الحرس الثوري» فوق أجواء مضيق هرمز، وفقاً لوسائل إعلام إيرانية.

من جهة أخرى ، أفاد التلفزيون الرسمي الإيراني بأن رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، محمد إسلامي، جرى منعه من الدخول إلى فيينا حيث كان من المقرر أن يحضر اجتماعاً للمنظمة الدولية للطاقة الذرية بسبب «عقبات» وضعتها الولايات المتحدة.

وأورد التلفزيون أن «محمد إسلامي ووفده استقلوا رحلة عادية إلى فيينا (السبت) لكن تم اعتراضهم في الطريق بسبب عقبات وضعتها الولايات المتحدة»، مشيراً إلى أنهما عادا إلى طهران، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان من المتوقع حضور إسلامي إلى مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمشاركة في المؤتمر العام السنوي حول الطاقة النووية.

ويأتي هذا في الوقت الذي تواجه الدبلوماسية في الشرق الأوسط حجر عثرة على ما يبدو، في حين أدت هجمات جديدة استهدفت أهم مسارين لنقل النفط في المنطقة إلى تفاقم المخاوف بشأن إمدادات الطاقة العالمية.

ولا يزال المضيق يشكل مخاطر على نقل النفط، إذ أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أمس الأحد أن مقذوفاً أصاب سفينة في أثناء مرورها عبر مضيق هرمز، مما تسبب في اندلاع حريق وأجبر الطاقم على إخلاء السفينة.

من جانبها، قالت إيران إن شخصاً واحداً لقي حتفه وأصيب أربعة من أفراد الطاقم بجروح على متن سفينة تجارية إيرانية تعرضت للهجوم قبالة سواحلها.

وأظهرت بيانات أولية لتتبع حركة السفن اليوم أن عدد سفن نقل البضائع العابرة لمضيق هرمز انخفض إلى أقل من 10 سفن مطلع الأسبوع، وهو ما يقل بكثير عن متوسط 10 أيام البالغ 14 سفينة، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ولا تشمل هذه البيانات السفن التي ربما عبرت المضيق مع إيقاف تشغيل أجهزة الإرسال الخاصة بنظام التعرف الآلي لتجنب رصدها.


واشنطن لا تريد اتفاقاً «غير مثالي» مع طهران

صورة نشرتها البحرية الأميركية لحاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" من فئة "نيميتز" أثناء أداء عمليات طيران روتينية على سطحها في المنطقة أمس (أ.ف.ب)
صورة نشرتها البحرية الأميركية لحاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" من فئة "نيميتز" أثناء أداء عمليات طيران روتينية على سطحها في المنطقة أمس (أ.ف.ب)
TT

واشنطن لا تريد اتفاقاً «غير مثالي» مع طهران

صورة نشرتها البحرية الأميركية لحاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" من فئة "نيميتز" أثناء أداء عمليات طيران روتينية على سطحها في المنطقة أمس (أ.ف.ب)
صورة نشرتها البحرية الأميركية لحاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" من فئة "نيميتز" أثناء أداء عمليات طيران روتينية على سطحها في المنطقة أمس (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، إن إيران «تسعى بشدة» إلى التوصل لاتفاق مع واشنطن، لكنه شدّد على أنه لن يقبل بتسوية وصفها بأنها «غير مثالية»، مجدداً تأكيده أن طهران لن تحصل على سلاح نووي. وأضاف ترمب، خلال زيارة إلى آيرلندا، أن إيران «تتصل باستمرار» سعياً إلى إجراء محادثات، لكن «عليهم أن يتوصلوا إلى اتفاق مناسب... لن أبرم معهم اتفاقاً غير مناسب».

وطرح ترمب احتمال استمرار انخراط الولايات المتحدة في إيران، وربط ذلك بإمكانية الاحتفاظ بالنفط، مشبهاً هذا الخيار بالترتيبات الأميركية المتعلقة بفنزويلا. وقال الرئيس الأميركي: «سنخرج في نهاية المطاف من إيران، إلا إذا قررنا البقاء والاحتفاظ بالنفط مثل فنزويلا»، مضيفاً أن الإيرادات الأميركية من فنزويلا «دفعت ثمن الحرب مرات كثيرة».

وتأتي هذه التصريحات فيما أصبح مضيق هرمز من أبرز أوراق الضغط في الحرب، نظراً إلى أهميته لحركة صادرات النفط والغاز من منطقة الخليج.

من جانبه، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن طهران ومسقط توصلتا إلى تفاهم بشأن إطار عمل لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز. وقال بزشكيان، أمس، إن الجانبين أجريا محادثات بشأن المضيق، وتوصلا إلى «إطار عمل محدد وخطة عمل»، على أن يناقش اجتماع وزاري في عُمان، اليوم (الاثنين)، تفاصيل هذا التفاهم.

من جهة أخرى، كشف تحقيق لصحيفة «نيويورك تايمز» أن الهجمات على السفن في مضيق هرمز نفذتها مجموعة متشددة في إيران من دون تفويض القيادة العليا، وأفشلت مساراً كان يقترب من إنهاء الحرب.

وبحسب التحقيق، فإن الهجمات التي وقعت في أوائل يوليو (تموز) لم تكن جزءاً من قرار رسمي متفق عليه داخل مؤسسات الحكم الإيرانية، لكنها أدت عملياً إلى نسف التفاهمات التي كانت واشنطن وطهران تعملان عليها، وإعادة الصراع إلى مسار التصعيد العسكري.


كيف أجهض متشددون إيرانيون اتفاق السلام مع ترمب؟

ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
TT

كيف أجهض متشددون إيرانيون اتفاق السلام مع ترمب؟

ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)

كان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في أوج نفوذه مطلع يوليو (تموز)، بعد نجاحه للتو في التفاوض على اتفاق سلام مع الولايات المتحدة. وكان قد سافر إلى العراق المجاور للمشاركة في مراسم تشييع ضخمة للمرشد الأعلى الإيراني الذي قُتل في الحرب علي خامنئي.

وفجأة، تلقى خبراً صادماً.

فقد فتحت القوات الإيرانية النار على ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز، ما أدى إلى اشتعال ناقلة نفط قطرية وإلحاق أضرار بسفن أخرى. وأصبحت إيران تحت وطأة انتقادات دولية واسعة.

وفي غضب واضح، اتصل بزشكيان هاتفياً بالجنرال أحمد وحيدي، القائد العام لـ «الحرس الثوري» الإيراني القوي، وبصوت مرتفع وصف ما حدث بأنه عمل متهور وطالب بتفسيرات، وفقاً لخمسة مسؤولين إيرانيين وعضوين في «الحرس الثوري» مطلعين على الأحداث.

وقال المسؤولون الخمسة إن وحيدي أبلغ الرئيس بأنه لم يأذن بالهجوم ولم يكن على علم مسبق به. وأضاف أنه حتى المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يؤدي دوراً محورياً في كل من الحرب والمفاوضات، لم يكن على علم بالعملية.

في الواقع، لم يكن كثير من قادة البلاد يعلمون أن فصيلاً متشدداً هامشياً قرر التحرك من تلقاء نفسه. وفي نهاية المطاف، أدت تلك التحركات السرية إلى إفشال جهود قادها براغماتيون أكثر اعتدالاً في إيران لإنهاء الأعمال القتالية مع الولايات المتحدة وإصلاح اقتصاد البلاد المتعثر.

شكوك في صحة رسائل خامنئي

صورة كبيرة لمجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

ونجح المتشددون، جزئياً، لأن الشخص الوحيد الذي يملك السلطة لحسم مثل هذه الخلافات ــ المرشد الجديد مجتبى خامنئي ــ ظل بمثابة «شبح» منذ توليه منصبه في مارس (آذار). فلم يظهر علناً، ولم يُسمع صوته. كما أثيرت تساؤلات حول صحة البيانات والرسائل المكتوبة المنسوبة إليه، بما في ذلك من جانب بزشكيان نفسه، وفقاً لثلاثة مسؤولين إيرانيين.

وعاد بزشكيان فوراً إلى طهران، في صباح اليوم التالي، وبينما كانت مراسم التشييع لا تزال جارية، ردت الولايات المتحدة بشن غارات جوية على إيران، وعاد البلدان إلى الحرب. وقال مسؤولون إيرانيون كبار وعضو في «الحرس الثوري»، في مقابلات، إن ما أعقب ذلك كان من أكثر المواجهات السياسية اضطراباً داخل القيادة الإيرانية في الذاكرة الحديثة. ودخل مسؤولون في مشادات وصراخ متبادل، وهدد جنرالان كبيران بالاستقالة، فيما تبادل المسؤولون اتهامات بالخيانة والغدر.

وأضاف المسؤولون أن تداعيات تلك المواجهات أسهمت في إجراء تغيير في قيادة المجلس الأعلى للأمن القومي، وفي تعيين المرشد للجنرال محسن رضائي، وهو سياسي مخضرم وقائد سابق لـ «الحرس الثوري»، على رأس المجلس، نظراً إلى الاعتقاد بأنه يمتلك المهارة اللازمة للوساطة بين الفصائل السياسية المتنافسة.

المتشددون في موقع أقوى

لكن الانقسامات لا تزال قائمة، فيما أصبح المتشددون الذين دفعوا إيران نحو التصعيد في موقع أقوى. وفي الأسبوع الماضي، تبادلت إيران والولايات المتحدة الهجمات، إذ استهدفت إيران مراراً سفناً حربية أميركية للمرة الأولى، بينما فجرت الولايات المتحدة ما لا يقل عن ثماني ناقلات نفط إيرانية.

ويستند هذا التقرير عن المداولات الداخلية لقيادة إيران إلى مقابلات مع ثمانية مسؤولين إيرانيين، وثلاثة أعضاء في «الحرس الثوري»، وأربعة مسؤولين سابقين، إضافة إلى مراجعة عشرات الخطب والتصريحات لمسؤولين حكوميين وقادة عسكريين، نُشرت في الصحافة الإيرانية ووسائل التواصل الاجتماعي بين يونيو (حزيران) وسبتمبر (أيلول). وتحدث المسؤولون الذين أُجريت معهم المقابلات شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، نظراً إلى حساسية القضايا المتعلقة بالأمن القومي.

«رجل المخابرات» النافذ

حسين طائب القائد الجديد لوحدات «الباسيج» الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» (همشهري)

وقال ثلاثة مسؤولين إيرانيين إن التحقيقات التي أجرتها الحكومة والأجهزة الأمنية خلصت إلى أن قرار استهداف السفن التجارية الثلاث في يوليو (تموز) يعود إلى حسين طائب، وهو رجل دين ومسؤول استخبارات نافذ عارض اتفاق السلام مع الولايات المتحدة منذ البداية.

وقال المسؤولون إن طائب كان يبلغ المرشد الأعلى الجديد بأن إيران ارتكبت خطأ بإنهاء الحرب والموافقة على الاتفاق. وفي خطاب ألقاه مؤخراً أمام عائلات عسكريين، قال طائب إنه لم يكن معارضاً للمحادثات، لكنه أضاف أن «المفاوضات التي تتجاهل حقوق شعبنا وتتنازل أمام المطالب المفرطة للعدو لا مكان لها في السياسة الإيرانية».

وكان خامنئي قد عيّن طائب مؤخراً رئيساً لقوات «الباسيج»، التي تتولى مسؤولية قمع المعارضة والاضطرابات الداخلية.

وكان طائب قد شغل لأكثر من 20 عاماً منصب رئيس جهاز الاستخبارات التابع لـ «الحرس الثوري»، قبل أن يعزله المرشد السابق في عام 2022 بسبب إخفاقات، من بينها اختراق إسرائيلي لصفوف الجهاز وإحباط مؤامرة في تركيا.

وعاد طائب إلى الواجهة بعد مقتل المرشد السابق علي خامنئي، في بداية الحرب ولعب دوراً رئيسياً في اختيار نجله مجتبى خلفاً له، وفقاً لما قاله مسؤولون في ذلك الوقت.

«القضاء على آفاق أي مفاوضات»

بزشكيان في أثناء لقائه قيادات عسكرية (أرشيفية- الرئاسة الإيرانية)

وقال علي رضا نامور حقيقي، وهو خبير في الشأن الإيراني ومسؤول سابق لا يزال يحتفظ بعلاقات وثيقة داخل الحكومة الإيرانية، في مقابلة من كندا: «تم تدبير الهجوم على السفن بهدف نسف مذكرة التفاهم مع ترمب، والقضاء على آفاق أي مفاوضات أو اتفاقات مستقبلية».

وعندما طالب بزشكيان بمعرفة الجهة التي هاجمت السفن الثلاث، أُبلغ بأن قادة ميدانيين تصرفوا من تلقاء أنفسهم، استناداً إلى أمر يمنحهم صلاحية مهاجمة أي سفينة تنتهك سيطرة إيران على المضيق من دون انتظار موافقة القيادة المركزية، وفقاً للمسؤولين المطلعين على تلك المناقشات.

وفي إحدى علامات الخلاف، لم يصدر «الحرس الثوري» أي بيان يعلن فيه مسؤوليته عن هجوم 7 يوليو، كما جرت العادة في هجمات أخرى قبل ذلك وبعده. ونقل مسؤولون إيرانيون الرواية نفسها إلى الولايات المتحدة وبعض حلفائها الإقليميين في الساعات الأولى التي أعقبت الهجمات، محملين مسؤولية ما حدث لعناصر مارقة، وفقاً لمسؤولين أميركيين أطلعوا الصحافيين على التطورات في ذلك الوقت، وللمسؤولين الإيرانيين الثلاثة.

وأُوفد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى عُمان، التي تؤدي دوراً رئيسياً في الوساطة، في محاولة لتهدئة التوترات مع واشنطن.

وفي الوقت نفسه، كان المتشددون في الشوارع وعلى شاشات التلفزيون الرسمي الإيراني يهاجمون علناً فريق التفاوض واتفاق السلام الذي توصل إليه، فيما كانت الحشود، خلال التجمعات الليلية، تهتف للمطالبة بالعودة إلى الحرب.

* «خدمة نيويورك تايمز»