تقنية جديدة تحوّل إشارات الدماغ إلى كلام طبيعي في أقل من ثانية

إنجاز يعيد الأمل لفاقدي القدرة على النطق

التقنية تستخدم الذكاء الاصطناعي لتقليل زمن الاستجابة إلى أقل من ثانية واحدة (Noah Berger)
التقنية تستخدم الذكاء الاصطناعي لتقليل زمن الاستجابة إلى أقل من ثانية واحدة (Noah Berger)
TT

تقنية جديدة تحوّل إشارات الدماغ إلى كلام طبيعي في أقل من ثانية

التقنية تستخدم الذكاء الاصطناعي لتقليل زمن الاستجابة إلى أقل من ثانية واحدة (Noah Berger)
التقنية تستخدم الذكاء الاصطناعي لتقليل زمن الاستجابة إلى أقل من ثانية واحدة (Noah Berger)

في إنجاز علمي بارز يجمع بين علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي، تمكَّن باحثون من جامعتيْ كاليفورنيا في بيركلي وسان فرنسيسكو من تطوير واجهة دماغ-حاسوب (BCI) قادرة على استعادة القدرة على الكلام الطبيعي للأشخاص المصابين بشلل حاد. وقد نُشرت نتائج الدراسة، هذا الأسبوع، في مجلة «نيتشور نيوروساينس (Nature Neuroscience)» مُشكّلة خطوة كبيرة نحو التواصل الصوتي الفوري عبر إشارات الدماغ، مما يعيد الأمل والاستقلالية لأولئك الذين فقدوا القدرة على الحديث.

تقنية بلا تأخير

تعتمد هذه التكنولوجيا المتقدمة على نظام مدعوم بالذكاء الاصطناعي قادر على تحويل الإشارات الدماغية إلى كلام مسموع في الوقت شبه الحقيقي، وهو ما يشكّل نقلة نوعية في حل مشكلة التأخير الزمني التي طالما عانى منها هذا النوع من التقنيات. يقول الدكتور جوبالا أنومانشيباللي، أستاذ مساعد بقسم الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب بجامعة كاليفورنيا-بيركلي والمحقق الرئيسي المشارك في الدراسة، إن النهج الذي جرى اعتماده في البث اللحظي يقدم قدرة فك شفرة الكلام بسرعة مشابِهة لتلك التي نراها في أجهزة مثل (أليكسا) و(سيري)، ولكن في خدمة المرضى.

ولطالما شكّل التأخير بين المتحدث والكلام الناتج عن واجهات الدماغ والحاسوب عائقاً كبيراً أمام التواصل الطبيعي. ففي التجارب السابقة، كان على المستخدم الانتظار نحو 8 ثوانٍ لسماع جملة واحدة. أما النظام الجديد فقد قلّص هذه المدة إلى أقل من ثانية واحدة، ما سمح بتدفق الكلام بشكل طبيعي ومتواصل.

التقنية الجديدة تحوّل إشارات الدماغ إلى كلام مسموع في الوقت الحقيقي (كاليفورنيا بيركلي)

تحسين جودة الحياة

يُعد الدكتور إدوارد تشانغ، جرّاح الأعصاب في «UCSF» والمحقق الرئيسي الآخر في الدراسة، أن التكنولوجيا الجديدة قد تُحدث فرقاً جذرياً في حياة المرضى. ويشرح أن هذه التقنية تحمل إمكانات هائلة لتحسين جودة حياة الأشخاص المصابين بشللٍ يؤثر على الكلام. ويرى أنه من المثير كيف تُسهم تطورات الذكاء الاصطناعي المتسارعة في جعل هذه الواجهات أقرب إلى الواقع. مِن أبرز نقاط القوة في هذا الابتكار هو مرونته، فقد أثبت الباحثون أن التقنية لا تقتصر على نوع واحد من الأجهزة، بل تعمل بكفاءة مع واجهات دماغية متعددة، مثل الأقطاب الدقيقة المزروعة داخل الدماغ، أو الأجهزة غير التوغلية مثل أجهزة الاستشعار على الوجه التي تقيس النشاط العضلي. يوضح كايلو ليتلجون، طالب الدكتوراه في بيركلي والمؤلف المشارك في الدراسة، أن الخوارزمية نفسها يمكن تطبيقها على تقنيات مختلفة، ما دام توفرت إشارات دماغية واضحة.

ترجمة إشارات الدماغ

تبدأ عملية التحويل من منطقة القشرة الحركية في الدماغ، المسؤولة عن التحكم في عضلات النطق. هناك يجري التقاط الإشارات العصبية وفك تشفيرها باستخدام نماذج ذكية مدرَّبة مسبقاً لفهم أنماط معينة مرتبطة بالكلام. ويشرح شاول جون تشو، المؤلف المشارك في الدراسة، أنه تجري ترجمة الإشارات التي تأتي بعد أن يقرر الشخص ما يريد قوله، وبعد أن يختار الكلمات والحركات اللازمة للنطق.

لتدريب النموذج، تعاوَنَ الباحثون مع مريضة فقدت القدرة على الكلام بعد إصابتها بسكتة دماغية. في جلسات التدريب، كانت المريضة تنظر إلى شاشة تعرض جملة مثل: «مرحباً، كيف حالك؟»، وتحاول قولها بصمت. وعلى الرغم من عدم قدرتها على إصدار أي صوت، تمكَّن النظام من ربط نشاطها العصبي بالجملة المقصودة.

النظام يعمل بدقة عالية ويمكن تطبيقه على أنواع مختلفة من واجهات الدماغ والحاسوب

محاكاة الصوت الأصلي

ولأن المريضة لا تملك قدرة على النطق الفعلي، لم يكن لدى الباحثين تسجيلات صوتية حديثة للمقارنة. لذلك، استعانوا بنموذج ذكاء اصطناعي مسبق التدريب لإنشاء صوت اصطناعي يحاكي صوتها قبل الإصابة. ووفق أنومانشيباللي، أدى سماعها صوتها القديم في الزمن الحقيقي إلى جعل التجربة أكثر شعوراً بالتحكم والاندماج. وللتأكد من قدرة النظام على تجاوز حدود البيانات التي تدرَّب عليها، اختبر الباحثون النموذج باستخدام كلمات جديدة مثل أسماء حروف الناتو الصوتية «ألفا، برافو، تشارلي»، فنجح في توليد أصوات مفهومة بدقة، ما يدل على أن النموذج لا يكرر فحسب، بل يتعلم فعلياً بناء الصوت.

المثير أيضاً أن النظام حافظ على دقته العالية رغم السرعة الكبيرة. يقول ليتلجون: «لقد كان من غير المعروف سابقاً ما إذا كان بالإمكان بث كلام واضح في الزمن الحقيقي مباشرة من الدماغ... لكن الآن لدينا هذا الإثبات».

لغة تحمل العاطفة

وفي حين يتطلع الفريق إلى المستقبل، يعمل الباحثون على تحسين الجوانب العاطفية والتعبيرية للكلام، مثل النبرة والحِدّة ومستوى الصوت، بما يعكس المشاعر أو الانفعالات الطبيعية في الحديث.

ففي عالمٍ يزداد فيه اندماج الدماغ مع التكنولوجيا، تمثل هذه الخطوة نقطة تحول في استعادة القدرة على التعبير الصوتي، مما يعيد ربط الإنسان بعالمه، من خلال إحدى أكثر أدوات التواصل أساسية؛ وهي الصوت.


مقالات ذات صلة

بحث يحذر: محادثاتك مع الذكاء الاصطناعي قد لا تكون بالخصوصية التي تعتقدها

تكنولوجيا الدراسة تقول إن بعض منصات الذكاء الاصطناعي ترسل بيانات محادثات إلى أدوات تتبع خارجية (د.ب.أ)

بحث يحذر: محادثاتك مع الذكاء الاصطناعي قد لا تكون بالخصوصية التي تعتقدها

دراسة جديدة تحذر من أن محادثات منصات الذكاء الاصطناعي قد ترتبط بأدوات تتبع خارجية، ما يثير مخاوف أوسع على الخصوصية.

نسيم رمضان (لندن)
خاص ترى «آي بي إم» أن المرحلة التالية من الذكاء الاصطناعي المؤسسي لن تُحسم بعدد النماذج بل بقدرة الشركات على تشغيله فعلياً داخل الأعمال

خاص من التجارب إلى التشغيل... ماذا تقول «IBM» عن المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي؟

ترى «آي بي إم» أن نجاح الذكاء الاصطناعي المؤسسي لم يعد في التجارب بل في التشغيل المنضبط والحوكمة والأمن والأثر القابل للقياس.

نسيم رمضان (بوسطن)
علوم شاحنة تعدين صينية عملاقة ذاتية القيادة

شاحنة تعدين صينية عملاقة ذاتية القيادة

أتمتة الصناعة بحلول عام 2030

جيسوس دياز (واشنطن)
علوم مستقبل واعد لـ«تقنيات استشعار» الدماغ

مستقبل واعد لـ«تقنيات استشعار» الدماغ

يمكنها التمييز بين تركيز الذهن وشروده والكشف عن الإرهاق الفكري ورصد تراجع الأداء العقلي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص «آي بي إم»: على المملكة استخدام التقنيات الرقمية لرفع الإنتاجية وجعلها جزءاً من القوى العاملة لا مجرد طبقة تقنية إضافية (آي بي إم)

خاص الرئيس التنفيذي لـ«آي بي إم» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تدخل مرحلة التنفيذ في الذكاء الاصطناعي

يقول الرئيس التنفيذي لـ«آي بي إم»، أرفيند كريشنا، إن السعودية تجاوزت سؤال البنية التحتية ودخلت مرحلة يُقاس فيها الذكاء الاصطناعي بالتنفيذ والأثر التشغيلي.

نسيم رمضان (بوسطن)

هل يملك الذكاء الاصطناعي العصا السحرية لسلاسل الإمداد؟

الاضطرابات في سلاسل الإمداد أصبحت أمراً حتمياً لكن ضعف الشركات يظهر في بطء فهم أثرها والتعامل معها (أدوبي)
الاضطرابات في سلاسل الإمداد أصبحت أمراً حتمياً لكن ضعف الشركات يظهر في بطء فهم أثرها والتعامل معها (أدوبي)
TT

هل يملك الذكاء الاصطناعي العصا السحرية لسلاسل الإمداد؟

الاضطرابات في سلاسل الإمداد أصبحت أمراً حتمياً لكن ضعف الشركات يظهر في بطء فهم أثرها والتعامل معها (أدوبي)
الاضطرابات في سلاسل الإمداد أصبحت أمراً حتمياً لكن ضعف الشركات يظهر في بطء فهم أثرها والتعامل معها (أدوبي)

يبدو أن الأزمة الأساسية في سلاسل الإمداد لم تعُد في وقوع الاضطرابات بحد ذاتها. فالتأخير في الموانئ، وإعادة توجيه الشحنات، وتقلبات الطلب، والقيود اللوجستية، كلها أصبحت جزءاً من البيئة التشغيلية التي تتحرك فيها الشركات. السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم، خصوصاً في أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا، هو ما إذا كانت الشركات تملك القدرة العملية على فهم أثر هذه الاضطرابات بسرعة، واتخاذ قرارات منسقة قبل أن تتحول المشكلة المحدودة إلى سلسلة من التعطيلات المتتالية.

ضعف الرؤية الداخلية

في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، يقول كريستوف شيتلر، المسؤول عن استراتيجية الذهاب إلى السوق لسلاسل الإمداد لدى شركة «سيلونيس»، إن «الاضطرابات الخارجية نفسها حتمية»، لكن الضعف الحقيقي يظهر في «عدم القدرة على التفاعل معها». بهذه العبارة، ينقل النقاش من فكرة السيطرة على العالم الخارجي، إلى سؤال يتناول كيفية فهم الشركة ما يجري داخل عملياتها عندما يقع الخلل. فالضعف لا يبدأ دائماً من الميناء أو الطريق أو المورد؛ بل من غياب الرؤية الكافية داخل المؤسسة نفسها.

ويرى شيتلر أن ضعف الرؤية هو في كثير من الأحيان «عرض لعمليات مجزأة وغير مترابطة»، ما يجعل أثر أي اضطراب غير واضح مسبقاً، ويؤخر زمن الاستجابة».

تفسر هذه النقطة سبب عدم كفاية الاستثمار في أدوات الذكاء الاصطناعي وحده؛ فالشركات التي تتحدث عن سلاسل إمداد مدعومة بالذكاء الاصطناعي، قد تجد نفسها أمام واقع مختلف يشمل بيانات موزعة بين إدارات وأنظمة متعددة، ومؤشرات أداء لا تعكس الصورة الكاملة، وقرارات يومية تتخذ بناء على أجزاء من الحقيقة التشغيلية. وبرأيه، عندها لا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة للتحول؛ بل تصبح مشروعاً تجريبياً جديداً يضاف إلى قائمة طويلة من المبادرات غير المكتملة.

كريستوف شيتلر المسؤول عن استراتيجية الذهاب إلى السوق لسلاسل الإمداد لدى «سيلونيس»

فخ المشاريع التجريبية

يصف شيتلر هذه الحالة بوضوح، قائلاً إن مؤسسات كثيرة «تشرع اليوم في تحويل سلاسل إمدادها بالذكاء الاصطناعي»، لكن معظم المشاريع التجريبية ينتهي في ما يسميه «Pilot Purgatory»، أي منطقة معلقة بين التجربة والتطبيق الفعلي. والسبب، بحسب طرحه، أن الطموح في الذكاء الاصطناعي يجب أن ينطلق من حالات استخدام ذات قيمة عالية، لا من الرغبة العامة في استخدام التقنية. كما أن التجربة يجب أن تجعل العمل أبسط للمستخدمين النهائيين، لا أن تضيف طبقة جديدة من التعقيد فوق عمليات معقدة أصلاً.

وفي التشغيل اليومي، تبدو هذه المشكلة أقل تجريداً مما توحي به المصطلحات التقنية. فشيتلر يعدّ سلسلة الإمداد «شبكة معقدة من العمليات المترابطة»، حيث تتحول كل عملية منفردة إلى ما يشبه «رسم السباغيتي» من المسارات والاستثناءات والتغيرات. وعندما تتضاعف هذه التعقيدات عبر سلسلة الإمداد من البداية إلى النهاية، تصبح النتيجة أن فرق التشغيل تنفق الوقت والمال في تحسين ما كان يمكن تنسيقه بكفاءة منذ البداية.

المثال الذي يقدمه هنا بسيط لكنه كاشف، ويتمثل في تعديل جدول تحميل أنشأه نظام إدارة النقل بعد اكتشاف قيود تشغيلية جديدة. في الظاهر، يبدو الأمر مجرد تعديل عادي على جدول، لكنه عملياً يعكس مشكلة أعمق: النظام أنشأ خطة بناء على معطيات معينة، ثم اكتشفت الفرق لاحقاً أن الواقع التشغيلي لا يطابق الخطة. كل تعديل من هذا النوع قد يكون محدوداً، لكن تراكمه عبر المشتريات والمخزون والنقل والإنتاج، يحول سلاسل الإمداد إلى بيئة تفاعلية متأخرة، لا استباقية.

السياق قبل الخوارزميات

من هنا تأتي أهمية ما يسميه شيتلر «السياق التجاري» أو «business context». فالنماذج والخوارزميات لا تحتاج فقط إلى تعريفات للمؤشرات أو المعايير؛ بل إلى فهم أعمق لما يصفه بـ«الفيزياء التشغيلية لسلسلة الإمداد بين الماضي والحاضر والمستقبل». المقصود هنا أن يعرف النظام ليس فقط ما هي السعة المخططة؛ بل كيف تتغير فعلياً، وأين تظهر القيود، وكيف ترتبط خطوة في الإنتاج أو النقل بخطوات أخرى لاحقة.

وفي هذا السياق، يصبح الذكاء الاصطناعي أقل شبهاً بأداة تتنبأ أو تجيب عن سؤال، وأكثر قرباً من طبقة تحليل وتشغيل تفهم العلاقات بين العمليات. ويشرح شيتلر أن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى ذاكرة تاريخية وفهم دلالي للعلاقات والقواعد والقيود، بناء على المعاملات الفعلية داخل سلسلة الإمداد، «وليس فقط ما تمت نمذجته». وهذا ما يميز بين صورة مثالية للعمليات كما تتخيلها المؤسسة، والصورة الحقيقية كما تحدث يومياً داخل الأنظمة والقرارات والاستثناءات.

فعالية الذكاء الاصطناعي تعتمد على فهم السياق التشغيلي الحقيقي لسلسلة الإمداد لا على المؤشرات والنماذج النظرية فقط (أدوبي)

الذكاء ليس عصا سحرية

في التخطيط للإنتاج، مثلاً، يمكن لوكيل ذكاء اصطناعي يعمل فوق هذا النوع من الفهم أن يحدد القيود الحقيقية في الطاقة الإنتاجية، والفروق بين الطاقة المخططة والواقع الفعلي، ثم يتعامل مع الانحرافات عبر إعادة الجدولة عندما تسوء الأمور. لكن قيمة هذا النوع من التطبيقات لا تأتي من كونه «ذكاء اصطناعياً» فقط؛ بل من قدرته على استخدام السياق التشغيلي الصحيح في الوقت المناسب.

هذا يضع حدوداً واقعية لما يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي اليوم. فشيتلر لا يقدمه بوصفه حلاً سحرياً؛ بل يقول إن الذكاء الاصطناعي «تحويلي بدرجة كبيرة، وسيعيد ابتكار عمليات سلاسل الإمداد»، لكنه «ليس عصا سحرية ستزيل وجود الاضطرابات أو التقلبات». ويوضح أن قوته تأتي من قدرته على تفسير البيانات السياقية على نطاق واسع، وتشغيل السيناريوهات بسرعة لتقييم الحلول الممكنة عند وقوع اضطراب.

وفي حالة تأخر الموانئ أو تغيير مسارات الشحن، يظهر الفارق العملي؛ فالأنظمة التقليدية قد تنبه إلى وجود تأخير، لكن الذكاء الاصطناعي، عندما يكون مدعوماً بفهم سياقي للعمليات، يمكنه تحليل الأثر المتسلسل لحاوية أو سفينة عالقة على الشبكة بأكملها.

ويذكر شيتلر أن وكيلاً مدعوماً بأدوات فهم العمليات «لا يكتفي بتنبيهك إلى التأخير»؛ بل يفهم «التموجات اللاحقة» التي يسببها التأخير عبر الشبكة. هنا تنتقل فرق سلاسل الإمداد من حالة الإطفاء اليدوي للحرائق إلى الإشراف الاستراتيجي على قرارات يتم تحليلها وتنفيذها بشكل أسرع داخل الأنظمة المعنية.

كسر صوامع التشغيل

يصرح شيتلر بأن العقبة الكبرى ليست تقنية بحتة، وأن «التحدي ليس التكنولوجيا؛ بل الحصول على البيانات والسياق المرتبط بها». فالمشكلة داخل كثير من المؤسسات أن سلسلة الإمداد، رغم كونها في الواقع «عملية واحدة عملاقة»، فإنه تم تقسيمها إلى صوامع إدارية؛ منها المشتريات، والمخزون، واللوجستيات، وكل منها يستخدم لغة تقنية مختلفة ويعمل أحياناً وفق مؤشرات أداء متعارضة.

لذلك لا يكفي أن تحسن كل إدارة أداءها بشكل منفصل. فقد يؤدي تحسين المخزون في جهة إلى ضغط على النقل في جهة أخرى، أو يؤدي قرار في المشتريات إلى أثر غير محسوب على الإنتاج. ما تحتاجه الشركات هو الانتقال من تحسين الصوامع إلى نموذج تشغيلي تقوده العملية الكاملة. ويقول شيتلر إن التكنولوجيا لا تكون فعالة إلا بقدر ما توفر «النسيج الرابط» بين هذه الصوامع.

وبالنسبة إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، تبرز هذه المسألة في قطاعات ذات تدفقات مادية معقدة وقيود خارجية كبيرة. ويشير شيتلر خصوصاً إلى قطاع لوجستيات الطاقة، الذي يواجه ضغطاً متزايداً للانتقال من الطموح إلى معالجة واقع العمليات المجزأة التي قد تعيق سرعة الاستجابة. وهذا لا يعني أن القطاعات الأخرى بعيدة عن التحدي؛ لكنه يعكس حساسية القطاعات التي تتداخل فيها الأصول المادية والنقل والتوقيت والطلب العالمي والقيود التشغيلية.

شروط الذكاء الفعلي

يلفت شيتلر إلى ضرورة بناء أساس بيانات واضح، وفهم كيفية اتخاذ قرارات سلسلة الإمداد اليوم، وأين توجد البيانات وأين تغيب. كما يشدد على اختيار حالات استخدام عالية القيمة، وعلى رسم ما يسميه «الفيزياء التشغيلية» للعملية قبل محاولة توسيع الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.

وبهذا المعنى، لا يدور النقاش حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير سلاسل الإمداد؛ بل حول من يملك الشروط التشغيلية التي تسمح له باستخدامه فعلاً. فالذكاء الاصطناعي يستطيع تسريع التحليل، ومحاكاة السيناريوهات، وربط القرارات بأثرها عبر الشبكة. لكنه لا يعوض تلقائياً عن بيانات مبعثرة، ولا يصلح وحده عمليات لا تعرف المؤسسة كيف تعمل في الواقع.


هاتف «شاومي 17»: عصر جديد من التصوير السينمائي المدعوم بالذكاء الاصطناعي

هاتف «شاومي 17» بشاشته المتقدمة وقدراته التصويرية المبهرة وبطاريته الكبيرة
هاتف «شاومي 17» بشاشته المتقدمة وقدراته التصويرية المبهرة وبطاريته الكبيرة
TT

هاتف «شاومي 17»: عصر جديد من التصوير السينمائي المدعوم بالذكاء الاصطناعي

هاتف «شاومي 17» بشاشته المتقدمة وقدراته التصويرية المبهرة وبطاريته الكبيرة
هاتف «شاومي 17» بشاشته المتقدمة وقدراته التصويرية المبهرة وبطاريته الكبيرة

أطلقت شركة «شاومي» Xiaomi سلسلة هواتف «شاومي 17» في المنطقة العربية التي تتميز بقدراتها التصويرية المتقدمة، ودعم الذكاء الاصطناعي، والبطارية الكبيرة. كما كشفت الشركة عن مجموعة من الملحقات الذكية التي تم اختبارها، إلى جانب إجراء حوار حصري لـ«الشرق الأوسط» مع مدير الشركة في منطقة الشرق الأوسط.

تصميم متميز

• أناقة التصميم ودقة التفاصيل. يجمع تصميم هاتف «شاومي 17» بين الفخامة والراحة في الاستخدام بيد واحدة، وزجاجه الأمامي محمي، ومقاوم للصدمات، مع تقديم إطار من الألمنيوم المصقول يمنحه متانة استثنائية، وملمساً فاخراً. أما التغيير الأبرز فهو التصميم الهندسي لمصفوفة الكاميرات الخلفية التي أصبحت تأتي بتناغم لوني مع هيكل الهاتف، مما يضفي لمسة من البساطة الراقية، والجمال العصري.

• شاشة تتحدى الشمس. وتُعتبر الشاشة واحدة من ألمع وأدق الشاشات بين الهواتف الذكية حالياً، إذ تصل ذروة سطوعها إلى 3500 شمعة. وتضمن هذه القوة في الإضاءة للمستخدم رؤية واضحة تماماً، وتفاصيل حادة حتى تحت أشعة الشمس المباشرة في منتصف النهار. وبفضل الحواف النحيفة جداً بين الهيكل والشاشة التي تصل إلى 1.18 ملليمتر، فإن المستخدم سيشعر بأن الشاشة تمتد لتغطي كامل الواجهة، مما يوفر تجربة بصرية غامرة لدى مشاهدة المحتوى، أو استخدام التطبيقات المختلفة.

عدسات «اللوحات السينمائية»

• كاميرات متقدمة. يقدم الهاتف مصفوفة كاميرات متقدمة بدقة 50 و50 و50 ميغابكسل، وبمستشعر رئيس ذي أداء فائق، وتفاصيل دقيقة، وتدرجات لونية طبيعية بفضل استخدام عدسات متطورة تسمح بمرور كمية ضوء أكبر. هذه العدسات لا تلتقط مجرد الصور، بل توثق اللحظات بروح سينمائية فريدة تعكس هوية شركة «لايكا» العريقة في عالم الضوء والظل، وهي الشركة المصنعة لعدسات هذا الهاتف.

• استكشف العالم عن كثب: وتُعدّ العدسة المقربة في الهاتف قفزة نوعية، فهي لا تكتفي بتقريب المسافات فحسب، بل تتفوق بتصوير الـ«بورتريه» الاحترافي، والتصوير من مسافات قريبة جداً تصل إلى 10 سنتيمترات. وتسمح هذه الميزة للمستخدم باستكشاف تفاصيل دقيقة في الأجسام الصغيرة بوضوح تام، وعزل خلفية طبيعي («بوكيه») يضاهي الكاميرات الاحترافية، مما يفتح آفاقاً جديدة للإبداع الفوتوغرافي عبر الهاتف الجوال.

مزايا ممتدة

• عصر الذكاء الاصطناعي. لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد ميزة تقنية، بل أصبح قلباً نابضاً من خلال ميزة «توسعة الصورة بالذكاء الاصطناعي» AI Image Expansion التي تسمح بتوسيع خلفيات الصور بذكاء مذهل يكمل المشهد بشكل طبيعي. كما يقدم الهاتف ميزة تحسين جودة الصور القديمة أو المهتزة بضغطة واحدة، حيث تقوم الخوارزميات بإعادة بناء التفاصيل المفقودة، وتصحيح الألوان، مما يجعل كل صورة ملتقطة تبدو كأنها خضعت لجلسة تعديل احترافية.

• مساعد الفيديو السينمائي الذكي. وفي مجال عروض الفيديو، يبرز محرك «الفيلم بالذكاء الاصطناعي» AI Film الذي يعمل كمخرج شخصي للمستخدم، حيث يقوم بتحليل اللقطات، واختيار الأجزاء الأكثر حيوية لتركيب مقاطع سينمائية قصيرة تلقائياً، مع موسيقى تصويرية متناغمة. كما يدعم الهاتف ميزة العزل الصوتي الذكي أثناء التصوير، والتي تقوم بتنقية صوت المتحدث من الضجيج المحيط، مما يجعل الهاتف أداة مفيدة لصُنّاع المحتوى الذين يبحثون عن الجودة والسرعة في آنٍ واحد.

• سلاسة التفاعل وكفاءة ذكية للطاقة. تقوم واجهة الاستخدام بتخصيص الموارد للتطبيقات التي تستخدمها بكثرة، ما يضمن بقاء الهاتف سريعاً حتى مع فتح عشرات التطبيقات في وقت واحد، وأصبحت الواجهة أكثر تنظيماً بهدف تعزيز الإنتاجية. يضاف إلى ذلك التركيز على كفاءة استهلاك الطاقة من خلال إدارة ذكية لمعدل تحديث الشاشة الذي يتغير ديناميكياً ليحافظ على عمر البطارية لأطول فترة ممكنة. وبفضل تقنيات الشحن الذكي، يتعلم الهاتف دورة نوم المستخدم ليقوم بالشحن ببطء، ويصل إلى 100 في المائة قبل استيقاظه بقليل، مما يحافظ على صحة البطارية على المدى الطويل.

أداء متقدم

- قطر الشاشة: 6.3 بوصة.

- دقة الصورة: 2656x1220 بكسل.

- كثافة الصورة: 460 بكسل في البوصة.

- تقنية العرض: LPTO AMOLED

- تردد عرض الصورة: لغاية 120 هرتز.

- دعم الألوان: Dolby Vision وHDR Vivid وHDR 10 Plus.

- شدة سطوع الشاشة: 3500 شمعة.

- المعالج: «سنابدراغون 8 إيليت» الجيل 5 بدقة التصنيع 3 نانومتر، وهو معالج ثماني النوى (نواتان بسرعة 4.6 غيغاهيرتز و6 نويات بسرعة 3.63 غيغاهيرتز).

- الذاكرة: 12 غيغابايت.

- السعة التخزينية المدمجة: 256 أو 512 غيغابايت.

- الكاميرات الخلفية: 50 و50 و50 ميغابكسل (بعدسات للزوايا العريضة، ولتقريب الصور البعيدة، وبالزوايا العريضة جداً)، وضوء «فلاش إل إي دي» ثنائي، ودعم لتقنية منع الاهتزاز خلال التصوير.

- الكاميرات الأمامية: 50 ميغابكسل بعدسة للزوايا العريضة.

- السماعات: ثنائية.

- مستشعر البصمة: خلف الشاشة.

- دعم الشبكات اللاسلكية: «واي فاي» a وb وg وn وac و6e و7 و«بلوتوث 5.4» وNFC مع تقديم منفذ للأشعة تحت الحمراء للتحكم بالأجهزة المنزلية المحيطة.

- شحنة البطارية: 6330 مللي أمبير–ساعة.

- سرعة الشحن: 100 واط سلكياً و50 واط لاسلكياً، مع دعم الشحن السلكي، أو اللاسلكي العكسي للأجهزة والملحقات الأخرى بقدرة 22.5 واط.

نظام التشغيل: «آندرويد 16»، وواجهة الاستخدام «هايبر أو إس 3».

- دعم شرائح الاتصال: شريحتان عاديتان وشريحتان إلكترونيتان (يمكن استخدام شريحتين منها في آن واحد).

- مقاومة المياه والغبار: وفقاً لمعيار IP68 (يمكن غمره في المياه لعمق 1.5 متر، ولمدة 30 دقيقة).

- السماكة: 8.1 ملليمتر.

- الوزن: 191 غراماً.

الهاتف متوافر في المنطقة العربية بألوان الأخضر، أو الأزرق، أو الزهري، أو الأسود، وبسعر يبدأ من 3699 ريالاً سعودياً (نحو 986 دولاراً أميركياً).

تومي يانغ المدير العام لمنطقة الشرق الأوسط في «شاومي»

مقابلة حصرية

وتحدثت «الشرق الأوسط» حصرياً مع تومي يانغ، المدير العام لـ«شاومي الشرق الأوسط»، الذي قال إن استراتيجية الشركة تتجاوز نموذج «المحور، والأطراف» التقليدي الذي يكون فيه الهاتف الذكي مجرد مركز للتحكم، حيث تبني الشركة منظومة أكثر تكاملاً يتوزع فيها الذكاء عبر الأجهزة، والسيناريوهات بدلاً من تركيزه في شاشة واحدة.

والهدف الأكبر هو خلق تجارب متصلة تعمل فيها الأجهزة معاً بشكل أكثر سلاسة وذكاء حول المستخدم. وهذا هو السبب في أهمية نظام «هايبر أو إس» HyperOS الذي يساعد في إنشاء أساس نظام موحد عبر الأجهزة، مما يدعم تعاوناً أكثر سلاسة، ويجعل التجربة واحدة متصلة.

وبالنسبة للمنطقة العربية، فإن الشركة ترى أن المستخدمين منفتحون جداً على الانتقال نحو تجارب تقنية أكثر تقدماً، ليس على صعيد الأجهزة الفردية فقط، بل تمتد إلى منظومة أوسع من الهواتف الذكية، والملبوسات التقنية إلى فئات المنزل الذكي مثل مكيفات الهواء، والثلاجات، والغسالات، والتنقل المستقبلي أيضاً. وأكثر ما يبرز هو تنوع الحياة اليومية في هذه المنطقة، حيث غالباً ما تعكس المنازل لغات وروتينات وعادات مستخدمين مختلفة داخل المنزل الواحد، لذا تصبح البساطة والتحكم البديهي أكثر أهمية. وهذا يعني أنه لا يمكن تصميم التجربة بناء على ملف تعريف مستخدم واحد، بل يجب أن تكون التجربة عملية، وسهلة الإدارة، وملائمة لمختلف أنماط الحياة.

الموجة القادمة للمنازل الذكية هي التحول من الأجهزة المتصلة إلى الذكاء المتصل. في الماضي كان المنزل الذكي يُفهم غالباً أنه مجموعة من المنتجات الفردية التي يتم التحكم بها عبر التطبيقات. أما المرحلة التالية فهي عندما يصبح الذكاء أكثر سياقية، وأكثر استباقية، ومدمجاً بشكل طبيعي في بيئة المعيشة. وبعبارة أخرى، تتجاوز التقنية المزايا المعزولة، وتبدأ بالاستجابة بذكاء أكبر عبر سيناريوهات الحياة الواقعية.

وأضاف أن الخصوصية والأمن أساسيان للحياة الذكية، ويجب أن تُبنى التجارب الذكية على الثقة. ولهذا السبب، فإن أحد الاتجاهات المهمة في تطوير للذكاء الاصطناعي هو تمكين معالجة البيانات محلياً في السيناريوهات المرتبطة، بحيث تظل البيانات الحساسة محلية حيثما كان ذلك مناسباً، بدلاً من كشفها دون داعٍ.

ملحقات مفيدة

• سماعات أذن لاسلكية. تقدم سماعات «ريدمي بادز 8 برو» REDMI Buds 8 Pro نقلة نوعية من فئة السماعات الاقتصادية المتقدمة، حيث تجمع بين التصميم الأنيق المريح، والتقنيات الصوتية المتقدمة بفضل نظام المشغلات الصوتية الثلاثية المحورية الذي يمنح صوتاً غنياً بالتفاصيل، وصوتيات جهورية Bass عميقة.

سماعات لاسلكية ببطارية تعمل لـ33 ساعة

وتتميز السماعة بقدرات متقدمة في إلغاء الضجيج، وتقدم عمر بطارية يصل إلى 33 ساعة مع علبة الشحن، مع دعم ميزة الشحن السريع التي تسمح بشحنها 5 دقائق، والحصول على ساعتين من الاستماع، وهي مقاومة للمياه، والغبار وفقاً لمعيار IP54. ويبلغ سعر السماعات 219 ريالاً سعودياً (نحو 58 دولاراً أميركياً).

• بنك طاقة جوال فائق النحافة. تُمثل بطارية «ألتراثين ماغنيتك باوروبانك 5000» UltraThin Magnetic Power Bank 5000 المحمولة قفزة هندسية، حيث إن سماكتها لا تتجاوز 5 ملليمترات، وبوزن يبلغ 98 غراماً فقط، ما يجعلها تبدو كبطاقة ائتمانية تلتصق بهاتف المستخدم بسلاسة.

بطارية منخفضة السماكة

وتبلغ شحنة البطارية 5000 مللي أمبير–ساعة، وهي تدعم الشحن السلكي عبر منفذ «يو إس بي تايب-سي» بقدرة 22.5 واط، أو اللاسلكي بقدرة 15 واط. وتلتصق البطارية بهاتف المستخدم بفضل استخدام 17 وحدة مغناطيسية فائقة القوة. كما تدعم البطارية شحن جهازين في وقت واحد، مع تقديم تقنية الحماية الذكية من ارتفاع درجة حرارتها. ويبلغ سعر البطارية 249 ريالاً سعودياً (نحو 66 دولاراً أميركياً).

• وحدة تتبع تعمل لعام كامل. تُقدم وحدة «شاومي تاغ» Xiaomi Tag راحة لتتبع المقتنيات الشخصية بدقة فائقة، حيث تتميز بتصميم دائري نحيف ومنخفض الوزن يسهل تعليقها في المفاتيح، أو وضعها داخل الحقائب، والمحافظ.

وحدة تتبع تعمل لعام كامل بشحنة واحدة

وتعتمد الوحدة على تقنية «بلوتوث 5.2» منخفضة الطاقة، وميزة «البحث القريب» عبر إصدار تنبيهات صوتية واضحة من خلال مكبر صوت مدمج، مع بطارية تدوم لأكثر من عام كامل، وسهولة استبدالها، بالإضافة إلى مقاومتها المياه، والغبار، مما يجعلها رفيقاً موثوقاً لحماية المقتنيات المهمة في مختلف الظروف. ويبلغ سعر الوحدة 49 ريالاً سعودياً (نحو 13 دولاراً أميركياً).


مشاعر متناقضة تجاه نظارة «ميتا» المدعومة بالذكاء الاصطناعي

نظارات "ميتا" -أوكلي فانغارد
نظارات "ميتا" -أوكلي فانغارد
TT

مشاعر متناقضة تجاه نظارة «ميتا» المدعومة بالذكاء الاصطناعي

نظارات "ميتا" -أوكلي فانغارد
نظارات "ميتا" -أوكلي فانغارد

كثير من الناس يمقتون نظارات مارك زوكربيرغ فائقة الذكاء والقدرات. وقد كنتُ مستعداً لمشاركتهم هذا الشعور.

تخاطبني نظارتي الشمسية بصوت الممثلة كريستين بيل... لماذا؟ لست أدري. لقد كان هذا الصوت واحداً من باقة مبهمة من أصوات المشاهير (مثل جون سينا، وكيغان مايكل كي، وأوكوافينا) التي أتاحها الجهاز للمحادثة.

نظارات «ميتا» الذكية

وبصراحة، ثمة أمور كثيرة لا أفهمها بشأن نظارات «ميتا» الذكية؛ فما الداعي لوجودها أصلاً؟ ومن هو الزبون المثالي لها؟ وهل هي لمحة ثورية لمستقبل البشرية، أم أنها مجرد تعبير مثير للاشمئزاز عن أسوأ نزوات مارك زوكربيرغ؟

إن أدوات «ميتا» الجديدة هذه هي في الأصل نظارات «راي بان (Ray – Bans)» و«أوكلي (Oakleys)» عادية المظهر، لكنها شُحنت حتى الثمالة بتقنيات خفية؛ فهي تضم شبكة «واي فاي»، وبلوتوث، ومكبرَي صوت صغيرين، وخمسة ميكروفونات، وكاميرا ذات زاوية واسعة... إنها ببساطة عملية «سرية» كاملة تستقر فوق أنفك.

وهنا في عام 2026، تكمن الميزة التسويقية الحقيقية بطبيعة الحال في الذكاء الاصطناعي؛ إذ تمنحك فرصة للدردشة مع ذكاء فائق «غير متجسد» يمكنه رؤية وسماع كل ما تفعله. وبعبارة أخرى، تَعِدُ هذه النظارات بتحقيق واحد من أقدم الأحلام البشرية: توسيع منظورنا المحدود للوصول إلى استنارة شاملة تحاكي قدرات فائقة البراعة.

إذن، ما الذي تخبرني به نظارتي المعجزة؟ الكثير من الأمور؛ فهي تخبرني (بصوت «الأميرة آنا» من فيلم «فروزن» ) أن كلبي هجين من فصيلة «غولدن ريتريفر» (وهو ليس كذلك)، وأن الشجرة التي أنظر إليها هي على الأرجح شجرة بلوط (وهي ليست كذلك). وتأمرني بالسير شمالاً، بينما أعلم يقيناً أن وجهتي تقع في الجنوب.

وفي ظهيرة يوم ما، وأثناء نزهة مشمسة، توقفتُ لتأمل طائر «كاردينال» بلون أحمر داكن يغرد بملء فيه فوق شجرة، فقلتُ: «يا (ميتا)، ما نوع ذلك الطائر الذي يغرد فوق الشجرة؟». أصدرت نظارتي نغمة إلكترونية مميزة لها، وهي تحلل العالم من حولي. وأخيراً، نطقت: «أنا لا أرى طائراً فوق الشجرة، ولا أسمع أي تغريد».

أشرتُ بإصبعي مباشرة نحو الطائر، الذي لم ينقطع عن التغريد. فقالت نظارتي بنبرة مبتهجة: «لا أرى أي طائر فوق الشجرة حيث تشير، لا أرى سوى أغصان مجرّدة وسماء». وعلى هذا المنوال استمر الأمر لعدة أسابيع؛ شعور مربك وكأنك تدردش مع طفل صغير يُغالبه النعاس قبل القيلولة.

من السهل للغاية السخرية من نظارتي الباهظة الثمن والمثيرة للشفقة في عجزها؛ فانتقاد الذكاء الاصطناعي هذه الأيام بات أمراً غاية في السهولة.

نقائص عديدة ومزايا أقل

تستثمر «ميتا» مبالغ طائلة للترويج لمنتجها الجديد، مما أثار فضولي لإلقاء نظرة خاطفة عبر «عيون المستقبل». ومع ذلك، تبدو نظارات الذكاء الاصطناعي بوضوح غير ضرورية، ومن السهل تطويعها لأغراض خبيثة؛ لذا كنتُ مستعداً تماماً لكراهيتها.

ولكن، وبسرعة كبيرة، بدأ ينتابني شعور بالأسى تجاه نظارتي؛ فقد كانت تشبه تلميذاً لم يقرأ كلمة واحدة من المنهج، ومع ذلك يسترمر المعلم في استدعائه للإجابة في الفصل، وهو تلميذ يعجز أيضاً عن تكوين صداقات، لأن جميع زملائه يظنونه جاسوساً.

ثمة بعض المتع الصغيرة التي تخللت هذه التجربة. فمن حيث الأناقة، كانت هذه أرقى نظارات شمسية اقتنيتها على الإطلاق. كما كانت مكبرات الصوت الصغيرة مفيدة للاستماع إلى الكتب الصوتية، والتقطت الكاميرا الضئيلة شتى أنواع الصور: مبنى «إمباير ستيت»، وعاصفة ثلجية، وصورة ابني وهو يلتهم قطعة كبيرة من الطعام، وزوجين مسنين يتشابكان الأيدي على الرصيف. وذات مرة، اندفعت شاحنة «سايبر تراك (Cybertruck)» نحوي، وبينما كنت أرفع يدي لالتقاط صورة لها بنظارتي، شعرتُ أن شيئاً جللاً على وشك الحدوث - أن هذا الاصطدام بين تقنيتين معروفتين بسمعتهما «المزعجة» قد يمزق نسيج «الزمان والمكان». ولكن بدلاً من ذلك، مضت الشاحنة في طريقها... وظلت نظارتي مستقرة فوق وجهي.

غالباً ما كانت نظارتي تثير في نفسي الشجن؛ ففي بعض الأحيان، كان الناس يلمحون الكاميرا فيرتدّون برعب، مُخفين وجوههم. ومرة قلتُ: «يا (ميتا)، أخبريني نكتة». فأجابت: «لماذا ذهبت كرة البيسبول إلى الطبيب؟»، وتهيأتُ لضحكة خفيفة، ثم جاءت «المزحة»: «لأنها كانت تعاني من انخفاض في معدل ضرباتها!»، وقفتُ مكاني، لفترة أطول مما ينبغي، محاولاً استيعاب وجه الفكاهة في ذلك، وأصارع لقبول ما كنتُ أدركه يقيناً في قرارة نفسي.

من الواضح أن هذه التقنية لم تصل بعد إلى صورتها النهائية؛ إذ تشير تقارير «ميتا» إلى أن سبعة ملايين شخص اشتروا نظاراتها المدعومة بالذكاء الاصطناعي، العام الماضي. ومع تكالب المنافسين، سيستمر المنتج في التطور. ولكن أياً كانت وجهته التالية (سواء كانت عدسات لاصقة ذكية، أو غرسات عصبية، أو روبوتات نانوية تُحقن مباشرة في القرنيات البشرية)، فإن الاتجاه يبدو جلياً؛ وادي السيليكون يصب جهده في صناعة «الوساطة»، إذ يرغب في إقحام منتجاته بشكل مباشر قدر الإمكان بيننا وبين العالم الخارجي، بل يود لو تجري الهواتف الذكية في عروقنا مجرى الدم. ولكن، ماذا يعني للعقل البشري أن يُدرب باستمرار على الاستعانة بكيان خارجي لطلب المساعدة؟

في نهاية المطاف، قررت أن الشيء الوحيد الذي أريده حقاً من نظارات «ميتا» الذكية هو أن تكون مجرد نظارات شمسية؛ أي أن تحمي عيني من أشعة الشمس. وهذا هو السبيل الذي أعتزم سلوكه لاستخدامها مستقبلاً؛ سأترك بطاريتها تنفد تماماً، وبشكل دائم، ثم سألقي بها في حقيبتي لأخرجها فقط في الأيام شديدة السطوع. وعندما أنساها حتماً في قطار أو تسقط مني في بحيرة، سيكون الأمر على ما يرام تماما؛ فآنذاك ستنتهي المعاناة.. معاناتها ومعاناتي.* خدمة «نيويورك تايمز»