رسوم ترمب الجديدة تُحدث صدمة في الأسواق وتُشعل مخاوف الركود

الدولار يهبط والأسهم تتراجع عالمياً... والسندات تقفز لأعلى مستوى منذ أشهر

يظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب على شاشة تلفزيونية بسوق الأسهم في فرانكفورت (أ.ب)
يظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب على شاشة تلفزيونية بسوق الأسهم في فرانكفورت (أ.ب)
TT

رسوم ترمب الجديدة تُحدث صدمة في الأسواق وتُشعل مخاوف الركود

يظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب على شاشة تلفزيونية بسوق الأسهم في فرانكفورت (أ.ب)
يظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب على شاشة تلفزيونية بسوق الأسهم في فرانكفورت (أ.ب)

أحدثت الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب صدمة كبرى في الأسواق يوم الخميس، وسط تصاعد المخاوف من أن تؤدي الحرب التجارية المتفاقمة إلى ركود اقتصادي عالمي.

وخلال خطابه في البيت الأبيض، كشف ترمب عن جدول تفصيلي للرسوم الجمركية الجديدة، التي تشمل فرض 34 في المائة على الواردات الصينية، و20 في المائة على الواردات المقبلة من الاتحاد الأوروبي، و32 في المائة على الواردات من تايوان.

وبعد إغلاق الأسواق الأميركية، أعلن ترمب عن فرض ضريبة أساسية بنسبة 10 في المائة على جميع الواردات، إلى جانب زيادات كبيرة في الرسوم الجمركية على العديد من الدول التي تحقق فوائض تجارية مع الولايات المتحدة. وتشكل هذه الخطوة تحولاً جذرياً عن عقود من السياسات التجارية القائمة على تحرير الأسواق.

وفي وقت سابق، أعلن ترمب عن فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المائة على واردات السيارات، إلى جانب رسوم أخرى تستهدف الصين، وكندا، والمكسيك، فضلاً عن توسيع الرسوم المفروضة على الصلب والألمنيوم. كما شملت الإجراءات ضرائب على الدول التي تستورد النفط من فنزويلا، بالإضافة إلى رسوم جديدة على الأدوية، والخشب، والنحاس، وأشباه الموصلات.

تحذيرات من الركود الاقتصادي

وصف جاي هاتفيلد، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفراستركتشر كابيتال أدفايزرز»، هذه الإجراءات بأنها «أسوأ سيناريو ممكن»، محذراً من أنها قد تدفع الاقتصاد الأميركي نحو الركود، وهو ما عزز مخاوف المستثمرين الذين باتوا أكثر قلقاً خلال ولاية ترمب الثانية.

وجاء انعكاس هذا القلق واضحاً في الأسواق، حيث شهد الدولار انخفاضاً ملحوظاً، بينما تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك» بنسبة 3.4 في المائة. كما سجلت سوق السندات أكبر قفزة لها منذ تسعة أشهر، مما يعكس حالة من الذعر بشأن احتمالية انغلاق أكبر سوق استهلاكي في العالم خلف جدار من الرسوم الجمركية.

تداعيات اقتصادية واسعة

صرّح وانغ تشو، الشريك في شركة «تشوتشو» للاستثمار في شنغهاي، قائلاً: «الرسوم الجمركية المرتفعة ستعيق جهود الولايات المتحدة في السيطرة على التضخم، مما يجعلها عرضة لخطر الركود التضخمي».

وفي ظل هذه التطورات، ارتفعت العقود الآجلة لصناديق «الاحتياطي الفيدرالي»، مع تزايد التوقعات بأن يقوم «الفيدرالي الأميركي» بخفض أسعار الفائدة لمواجهة تداعيات هذه الرسوم.

وستدخل الرسوم الجمركية الأساسية بنسبة 10 في المائة حيز التنفيذ في 5 أبريل (نيسان)، بينما سيتم تطبيق الرسوم المتبادلة الأعلى في 9 أبريل. كما بدأت الرسوم الجمركية الجديدة على السيارات، التي تبلغ 25 في المائة، حيز التنفيذ عند منتصف الليل، إلى جانب رسوم أخرى بلغت 34 في المائة على الواردات الصينية، و46 في المائة على الواردات من فيتنام، و24 في المائة على اليابان، و20 في المائة على الاتحاد الأوروبي.

انهيار الأسواق العالمية

أثارت هذه الرسوم الجمركية حالة من الذعر في الأسواق العالمية، حيث حذر خبراء الاقتصاد من أن هذه السياسات قد تزيد من مخاطر حدوث ركود اقتصادي عالمي. وتراجع مؤشر الدولار الأميركي إلى أدنى مستوى له في ستة أشهر، متأثراً بارتفاع عملات الملاذ الآمن مثل الين الياباني والفرنك السويسري.

وفي أسواق الأسهم، كان التأثير أكثر وضوحاً في الولايات المتحدة، حيث تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2.8 في المائة، بينما فقد مؤشر «ناسداك» 3.3 في المائة، ما ينذر بجلسة مضطربة في الأسواق الأميركية. وانخفضت أسهم «إنفيديا» و«أبل» بنحو 6 في المائة و7 في المائة على التوالي، في حين شهدت الأسواق الآسيوية والأوروبية خسائر ملحوظة لكنها أقل حدة.

وقال إريك كلارك، مدير محفظة استثمارية في «ألفا براندز» بكاليفورنيا: «هذه الرسوم ستدفع المستهلكين في الصين ودول أخرى إلى تفضيل المنتجات المحلية أو البحث عن بدائل أخرى. قرار ترمب بالانحياز إلى الحمائية التجارية يأتي في وقت تعتمد فيه أكثر من 40 في المائة من إيرادات شركات مؤشر (ستاندرد آند بورز 500) على الأسواق الخارجية، مما يزيد من مخاطر الركود الاقتصادي داخل الولايات المتحدة».

الأسواق الأوروبية والآسيوية تحت الضغط

وفي أوروبا، تراجع مؤشر «داكس» الألماني بنسبة 1.7 في المائة ليصل إلى 21,998.48 نقطة، بينما فقد مؤشر «كاك 40» الفرنسي 1.8 في المائة ليصل إلى 7,716.66 نقطة. أما في بريطانيا، فانخفض مؤشر «فوتسي 100» بنسبة 1.2 في المائة ليصل إلى 8,506.44 نقطة.

وفي آسيا، تراجع مؤشر «نيكي 225» الياباني بنسبة 4 في المائة خلال التداولات قبل أن يغلق على انخفاض بنسبة 2.8 في المائة عند 34,735.93 نقطة. وكانت شركات صناعة السيارات والمصارف الأكثر تضرراً، حيث انخفضت أسهم «ميتسوبيشي يو إف جيه المالية» بنسبة 7.2 في المائة، بينما هبطت أسهم «ميزوهو» المالية بنسبة 8 في المائة، متأثرة بالمخاوف من تأثير الرسوم الجمركية على الاقتصاد الياباني القائم على التصدير.

كما تراجعت أسهم «سوني» بنسبة 4.8 في المائة، في حين فقدت «تويوتا» 5.2 في المائة من قيمتها.

على الجانب الآخر، ارتفع الين الياباني بنسبة 1.4 في المائة، حيث انخفض الدولار الأميركي إلى 147.42 ين بعد أن كان عند 149.28 ين، بينما ارتفع اليورو إلى 1.0952 دولار بعد أن كان عند 1.0855 دولار.

صدمة اقتصادية للأسواق العالمية

وصف يياب جونرونغ، المحلل في «آي جي»، إعلان ترمب عن الرسوم الجمركية بأنه «صدمة كبرى للأسواق». وأضاف: «الصين، على وجه الخصوص، كانت الأكثر تضرراً، حيث فرضت الولايات المتحدة رسوماً إضافية بنسبة 34 في المائة، مما رفع إجمالي التعريفات على الواردات الصينية إلى 64 في المائة عند احتساب الإجراءات السابقة».

ورغم ذلك، خففت التوقعات بإجراءات تحفيزية من الحكومة الصينية بعض الخسائر في الأسواق، حيث تأمل بكين في تعويض تداعيات الرسوم المرتفعة عبر سياسات مالية داعمة.

أما في أستراليا، فقد انخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز/آس إكس 200» بنسبة 0.9 في المائة ليصل إلى 7,859.70 نقطة، بينما تراجع مؤشر «إي إي تي» التايلاندي بنسبة 1.1 في المائة، بعد أن فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية بنسبة 36 في المائة على الصادرات التايلاندية، وهو ما قد يؤدي إلى خسارة البلاد نحو 7 إلى 8 مليارات دولار من قيمة صادراتها.

نظرة قاتمة للمستقبل

قال جون لوك تاينر، محلل الدخل الثابت في «أبتوس كابيتال أدفايزرز»: «هذه السياسات خلقت مناخاً من عدم اليقين، مما يُبطئ الاستثمارات والمشاريع الرأسمالية، ويثير القلق في أوساط الرؤساء التنفيذيين حول مستقبل الأسواق والاقتصاد».

وأضافت جانيت غاريتي، كبيرة الاقتصاديين في «روبرتسون ستيفنز»: «كان المستثمرون يأملون في أن يزيل الوضوح بشأن الرسوم الجمركية بعض الضبابية عن الأسواق، ولكن الآن وقد حصلوا على هذا الوضوح، لا أحد يُعجبه ما يراه».


مقالات ذات صلة

الأسهم الأميركية تتجه بحذر نحو ختام أسبوع قياسي

الاقتصاد لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)

الأسهم الأميركية تتجه بحذر نحو ختام أسبوع قياسي

أسهم تراجع أسعار النفط في دفع الأسهم الأميركية إلى الارتفاع خلال تعاملات يوم الجمعة، مع اقتراب السوق من اختتام أسبوع شهد تسجيل مستويات قياسية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد كلمات «الذكاء الاصطناعي» ومجسّم روبوت صغير وعلم الولايات المتحدة في رسم توضيحي (رويترز)

الذكاء الاصطناعي يقود السوق الصاعدة للأسهم الأميركية إلى عامها الرابع

تواصل السوق الصاعدة للأسهم الأميركية مسيرتها القوية مع اقتراب الذكرى السنوية الرابعة لانطلاقها، مدفوعة بمحرك الإنفاق على الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الاقتصاد متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ب)

العقود الآجلة للأسهم الأميركية ترتفع قليلاً مع تراجع النفط

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية قليلاً، يوم الجمعة، مع تراجع أسعار النفط بفعل انحسار المخاوف بشأن الإمدادات في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الاقتصاد متعاملون يعملون بالقرب من شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في قاعة تداول العملات الأجنبية بمقر بنك هانا في سيول (أ.ب)

تباين أداء الأسهم الآسيوية وسط سيولة ضعيفة بسبب العطلات

تباين أداء الأسهم الآسيوية يوم الجمعة، في ظل تداولات محدودة بسبب العطلات، فيما تراجعت أسعار النفط بعد مكاسبها الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)

تراجع «وول ستريت» مع ارتفاع النفط ومخاوف تجدد الحرب مع إيران

تراجعت أسهم «وول ستريت» في مستهل تعاملات الخميس، بعد ارتفاع حاد في أسعار النفط إثر تقارير أفادت بأن الولايات المتحدة قد تشن هجمات جديدة على إيران.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

هول ووودفورد يفوزان بجائزة نوبل في الاقتصاد

الفائزان بجائزة نوبل في الاقتصاد (أ.ف.ب)
الفائزان بجائزة نوبل في الاقتصاد (أ.ف.ب)
TT

هول ووودفورد يفوزان بجائزة نوبل في الاقتصاد

الفائزان بجائزة نوبل في الاقتصاد (أ.ف.ب)
الفائزان بجائزة نوبل في الاقتصاد (أ.ف.ب)

فاز روبرت إي. هول ومايكل وودفورد بجائزة بنك السويد في العلوم الاقتصادية في ذكرى ألفريد نوبل لعام 2026، وفقاً لما أوردته وكالة «أسوشييتد برس».

وتبلغ قيمة الجائزة هذا العام 12 مليون كرونة سويدية (نحو 1.2 مليون دولار)، وتُمنح تكريماً للإسهامات البارزة في مجال العلوم الاقتصادية.


الاتحاد الأوروبي يتطلع لاتفاق خلال «كوب 31» لتسريع خفض الغازات الدفيئة

أشخاص يحملون مظلات خلال وقوفهم أمام كاتدرائية القديس ستيفان خلال موجة حارة استثنائية في فيينا بالنمسا (رويترز)
أشخاص يحملون مظلات خلال وقوفهم أمام كاتدرائية القديس ستيفان خلال موجة حارة استثنائية في فيينا بالنمسا (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يتطلع لاتفاق خلال «كوب 31» لتسريع خفض الغازات الدفيئة

أشخاص يحملون مظلات خلال وقوفهم أمام كاتدرائية القديس ستيفان خلال موجة حارة استثنائية في فيينا بالنمسا (رويترز)
أشخاص يحملون مظلات خلال وقوفهم أمام كاتدرائية القديس ستيفان خلال موجة حارة استثنائية في فيينا بالنمسا (رويترز)

أظهرت وثيقة داخلية بالاتحاد الأوروبي، أن التكتل يعتزم استغلال مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ (كوب 31) المقرر عقده الشهر المقبل، للضغط من أجل التوصل إلى اتفاق حول حزمة من الجهود الرامية إلى خفض انبعاثات الغازات الدفيئة التي تتسبب في ارتفاع درجة حرارة الكوكب؛ حسبما ذكرت «رويترز».

ورغم أن العالم يعاني من ظواهر جوية متطرفة بسبب تغير المناخ، فقد فشلت الحكومات خلال محادثات الأمم المتحدة السابقة بشأن المناخ في التوصل إلى اتفاق لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة، وسط قلق الاقتصادات الناشئة الكبرى من تأثير مثل هذه الإجراءات على نموهم وتنميتهم.

وفي «كوب 31» الذي سيُعقد في تركيا خلال نوفمبر (تشرين الثاني)، سيدفع الاتحاد الأوروبي باتجاه «حزمة تخفيف» تركز على خفض الانبعاثات، من خلال تحويل التعهدات المناخية الحالية للدول إلى إجراءات ملموسة، وفقاً لما أظهرته مسودة وثيقة الاتحاد الأوروبي.

وذكرت الوثيقة أن أحد المطالب الرئيسية للتكتل سيكون التمديد حتى عام 2040 للمسار التفاوضي الموجود ضمن محادثات الأمم المتحدة للمناخ، والذي تناقش فيه الحكومات سبل خفض الانبعاثات وتحديد المجالات التي يمكن بذل مزيد من الجهد فيها.

ومن المقرر أن ينتهي أجل هذا المسار التفاوضي، المعروف باسم «برنامج عمل التخفيف» هذا العام.

وتشير الوثيقة إلى أن الاتحاد الأوروبي سيدفع أيضاً الدول إلى التحرك، بعدما أكدت الأمم المتحدة الشهر الماضي أن العالم لن يحقق هدف اتفاقية باريس لعام 2015 المتمثل في الحد من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية.

وقد صاغت آيرلندا هذه الوثيقة، وتتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي.

وسيناقش وزراء المناخ في الاتحاد الأوروبي استراتيجيتهم الخاصة بـ«كوب 31» في اجتماع يُعقد اليوم (الاثنين).

وتتعرض جهود الدول للتعامل مع تغير المناخ لضغوط جيوسياسية، بعد انسحاب الولايات المتحدة من المفاوضات العالمية بشأن المناخ.


رئيس «أرامكو»: استهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة يهدد اقتصادات العالم

الناصر يتحدث في مؤتمر البترول العالمي المنعقد في الرياض (الشرق الأوسط)
الناصر يتحدث في مؤتمر البترول العالمي المنعقد في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

رئيس «أرامكو»: استهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة يهدد اقتصادات العالم

الناصر يتحدث في مؤتمر البترول العالمي المنعقد في الرياض (الشرق الأوسط)
الناصر يتحدث في مؤتمر البترول العالمي المنعقد في الرياض (الشرق الأوسط)

حذّر الرئيس وكبير الإداريين التنفيذيين لـ«أرامكو السعودية»، أمين الناصر من أن تداعيات استهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة لا تقتصر على أسواقها، بل تمتد إلى الاقتصادات والأسواق في مختلف أنحاء العالم، مؤكداً أن حماية منشآت الطاقة ومسارات الإمداد تتطلب تعاوناً دولياً، في ظل ما تفرضه الاضطرابات الأخيرة من تحديات لأمن الطاقة العالمي.

وقال الناصر، خلال كلمته في مؤتمر البترول العالمي بالرياض، إن اضطرابات مضيق هرمز والهجمات على البنية التحتية للطاقة في المنطقة كشفت مدى الترابط بين حلقات سلسلة الإمدادات العالمية، مشيراً إلى أن استمرار الاضطرابات يفاقم الضغوط على أسواق النفط الخام والمنتجات المكررة، خصوصاً الديزل.

وأضاف أن المخزونات التجارية المتاحة لم تعد توفر سوى هامش محدود لامتصاص الصدمات، محذراً من الاعتماد عليها بوصفها حلاً دائماً لأمن الطاقة، ومؤكداً أن استعادة حركة الإمدادات عبر مضيق هرمز وعودة الثقة إلى الأسواق تظلان عاملين أساسيين لتخفيف الضغوط على سلسلة الطاقة.

وأوضح أن منظومة الطاقة السعودية واصلت العمل بموثوقية عالية خلال الأزمة، بفضل الاستثمارات الاستراتيجية في البنية التحتية والقدرات التشغيلية، إلى جانب تنوع مسارات التصدير وتكامل المنشآت وأنظمة الحماية الرقمية.

استثمارات استباقية تعزز المرونة

وأكد الناصر أن المرونة في قطاع الطاقة لا تتحقق من خلال خط أنابيب أو منشأة أو تقنية واحدة، بل عبر منظومة متكاملة تشمل البنية التحتية، والطاقة الإنتاجية الاحتياطية، وتعدد طرق التصدير، والقدرات المالية والبشرية التي تتيح مواصلة العمل والاستثمار خلال الأزمات.

وأضاف أن «أرامكو»، بالتنسيق مع وزارة الطاقة، تدرس خيارات إضافية لتصدير النفط الخام، إلى جانب توسيع قدرات التخزين خارج المملكة، وتوظيف التقنيات المتقدمة لفحص المنشآت وتسريع أعمال الصيانة والإصلاح والحد من الأضرار.

وشدد على أن الاستثمارات اللازمة لبناء المرونة تتحمل تكلفتها الجهات التي تنفذها، في حين تمتد فوائدها إلى الاقتصادات والمستهلكين والشركات والمستثمرين، مشيراً إلى أن تجنب الاضطرابات يمثل قيمة اقتصادية ينبغي أن تحظى بتقدير أكبر، بما يدعم استدامة الاستثمارات الضرورية لأمن الطاقة.

«اكتفاء» يدعم استمرارية الإمدادات

وأشار الناصر إلى أن برنامج تعزيز القيمة المضافة الإجمالية لقطاع التوريد «اكتفاء»، الذي أطلقته «أرامكو» قبل أكثر من عقد، أسهم في بناء قاعدة محلية للإمدادات ودعم قدرة الشركة على الاستجابة للظروف الاستثنائية.

وقال إن أكثر من 90 في المائة من المواد المستخدمة لاستعادة العمليات خلال الأشهر الثمانية الماضية جرى توفيرها من مصادر محلية، مما أتاح تنفيذ أعمال الاستعادة خلال ساعات وأيام بدلاً من أسابيع وأشهر.

وأضاف أن توطين سلاسل الإمداد يمثل عاملاً مهماً في تعزيز الجاهزية لمواجهة الأزمات، إلى جانب دوره في دعم الاقتصاد المحلي وتطوير الصناعات الوطنية وخلق فرص العمل.

وأكد أن بناء المرونة يتطلب استثمارات متواصلة على مدى سنوات، وليس قرارات قصيرة الأجل، مشيراً إلى أهمية حماية القدرات التي جرى تطويرها والاستعداد للاحتياجات المستقبلية للمملكة.

زيادة إنتاج الغاز 80 % بحلول 2030

وفيما يتعلق بخطط الشركة المستقبلية، قال الناصر إن التوسع في إنتاج الغاز يمثل محوراً رئيسياً في استراتيجية «أرامكو»، مستهدفاً زيادة إنتاج غاز البيع بنحو 80 في المائة بحلول عام 2030، مقارنة بمستويات عام 2021.

وأضاف أن التوسع في الغاز يتكامل مع البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، الذي يشمل مشروعات للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بهدف تنويع مصادر توليد الكهرباء وخفض الانبعاثات.

وأوضح أن الجمع بين الغاز والطاقة المتجددة يدعم بناء مزيج أكثر تنوعاً ومرونة لتوليد الكهرباء، ويسهم في تحسين استخدام الموارد وتلبية احتياجات الاقتصاد المحلي، بالتوازي مع تطوير تقنيات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، والذكاء الاصطناعي والحلول الرقمية المتقدمة.

وأشار إلى أن هذه الجهود تتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، خصوصاً في مجالات التنويع الاقتصادي، وتطوير القدرات المحلية، وتعزيز التصنيع وخلق الوظائف، وبناء منظومة طاقة أكثر استدامة.

الشرق الأوسط ركيزة لأمن الطاقة العالمي

وشدد الناصر على أن منطقة الشرق الأوسط تظل ركيزة أساسية لأمن الطاقة العالمي، بالنظر إلى حصتها الكبيرة من احتياطيات النفط المؤكدة والطاقة الإنتاجية الفائضة، لافتاً إلى أن أكثر من 90 في المائة من الطاقة الإنتاجية الفائضة عالمياً تتركز في المنطقة، وفقاً لما أورده في كلمته.

وأضاف أن تنويع مصادر الإمداد لا يعني بالضرورة القدرة على تنويع المواقع الجغرافية التي تأتي منها الطاقة، محذراً من أن استهداف البنية التحتية في المنطقة ينعكس على الأسواق والاقتصادات في مختلف أنحاء العالم.

وأكد أن حماية منشآت الطاقة ومسارات النقل التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي تتطلب جهوداً دولية مشتركة، إذ لا تستطيع دولة واحدة، مهما بلغت قدراتها، حماية جميع عناصر منظومة الإمدادات العالمية بمفردها.

مسارات متعددة لتحول الطاقة

وفيما يتعلق بمستقبل الطاقة، قال الناصر إن مسارات التحول ستختلف من دولة إلى أخرى وفقاً لاحتياجاتها وظروفها الاقتصادية، مشدداً على استمرار أهمية النفط والغاز في مزيج الطاقة العالمي.

وأضاف أن توفير الطاقة الموثوقة وبأسعار ميسورة يمثل عاملاً أساسياً لدعم النمو الاقتصادي وخلق الوظائف وتحسين مستويات المعيشة، خصوصاً في الاقتصادات النامية التي تواجه تحديات في تلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة.

واختتم بالتأكيد على أهمية بناء منظومة طاقة متكاملة تجمع بين النفط والغاز والطاقة المتجددة، وتتمتع بالكفاءة في الظروف الطبيعية والقدرة على الصمود تحت الضغط، بما يعزز أمن الطاقة في المملكة والعالم ويدعم النمو المستقبلي.