رسوم ترمب الجديدة تُحدث صدمة في الأسواق وتُشعل مخاوف الركود

الدولار يهبط والأسهم تتراجع عالمياً... والسندات تقفز لأعلى مستوى منذ أشهر

يظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب على شاشة تلفزيونية بسوق الأسهم في فرانكفورت (أ.ب)
يظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب على شاشة تلفزيونية بسوق الأسهم في فرانكفورت (أ.ب)
TT

رسوم ترمب الجديدة تُحدث صدمة في الأسواق وتُشعل مخاوف الركود

يظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب على شاشة تلفزيونية بسوق الأسهم في فرانكفورت (أ.ب)
يظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب على شاشة تلفزيونية بسوق الأسهم في فرانكفورت (أ.ب)

أحدثت الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب صدمة كبرى في الأسواق يوم الخميس، وسط تصاعد المخاوف من أن تؤدي الحرب التجارية المتفاقمة إلى ركود اقتصادي عالمي.

وخلال خطابه في البيت الأبيض، كشف ترمب عن جدول تفصيلي للرسوم الجمركية الجديدة، التي تشمل فرض 34 في المائة على الواردات الصينية، و20 في المائة على الواردات المقبلة من الاتحاد الأوروبي، و32 في المائة على الواردات من تايوان.

وبعد إغلاق الأسواق الأميركية، أعلن ترمب عن فرض ضريبة أساسية بنسبة 10 في المائة على جميع الواردات، إلى جانب زيادات كبيرة في الرسوم الجمركية على العديد من الدول التي تحقق فوائض تجارية مع الولايات المتحدة. وتشكل هذه الخطوة تحولاً جذرياً عن عقود من السياسات التجارية القائمة على تحرير الأسواق.

وفي وقت سابق، أعلن ترمب عن فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المائة على واردات السيارات، إلى جانب رسوم أخرى تستهدف الصين، وكندا، والمكسيك، فضلاً عن توسيع الرسوم المفروضة على الصلب والألمنيوم. كما شملت الإجراءات ضرائب على الدول التي تستورد النفط من فنزويلا، بالإضافة إلى رسوم جديدة على الأدوية، والخشب، والنحاس، وأشباه الموصلات.

تحذيرات من الركود الاقتصادي

وصف جاي هاتفيلد، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفراستركتشر كابيتال أدفايزرز»، هذه الإجراءات بأنها «أسوأ سيناريو ممكن»، محذراً من أنها قد تدفع الاقتصاد الأميركي نحو الركود، وهو ما عزز مخاوف المستثمرين الذين باتوا أكثر قلقاً خلال ولاية ترمب الثانية.

وجاء انعكاس هذا القلق واضحاً في الأسواق، حيث شهد الدولار انخفاضاً ملحوظاً، بينما تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك» بنسبة 3.4 في المائة. كما سجلت سوق السندات أكبر قفزة لها منذ تسعة أشهر، مما يعكس حالة من الذعر بشأن احتمالية انغلاق أكبر سوق استهلاكي في العالم خلف جدار من الرسوم الجمركية.

تداعيات اقتصادية واسعة

صرّح وانغ تشو، الشريك في شركة «تشوتشو» للاستثمار في شنغهاي، قائلاً: «الرسوم الجمركية المرتفعة ستعيق جهود الولايات المتحدة في السيطرة على التضخم، مما يجعلها عرضة لخطر الركود التضخمي».

وفي ظل هذه التطورات، ارتفعت العقود الآجلة لصناديق «الاحتياطي الفيدرالي»، مع تزايد التوقعات بأن يقوم «الفيدرالي الأميركي» بخفض أسعار الفائدة لمواجهة تداعيات هذه الرسوم.

وستدخل الرسوم الجمركية الأساسية بنسبة 10 في المائة حيز التنفيذ في 5 أبريل (نيسان)، بينما سيتم تطبيق الرسوم المتبادلة الأعلى في 9 أبريل. كما بدأت الرسوم الجمركية الجديدة على السيارات، التي تبلغ 25 في المائة، حيز التنفيذ عند منتصف الليل، إلى جانب رسوم أخرى بلغت 34 في المائة على الواردات الصينية، و46 في المائة على الواردات من فيتنام، و24 في المائة على اليابان، و20 في المائة على الاتحاد الأوروبي.

انهيار الأسواق العالمية

أثارت هذه الرسوم الجمركية حالة من الذعر في الأسواق العالمية، حيث حذر خبراء الاقتصاد من أن هذه السياسات قد تزيد من مخاطر حدوث ركود اقتصادي عالمي. وتراجع مؤشر الدولار الأميركي إلى أدنى مستوى له في ستة أشهر، متأثراً بارتفاع عملات الملاذ الآمن مثل الين الياباني والفرنك السويسري.

وفي أسواق الأسهم، كان التأثير أكثر وضوحاً في الولايات المتحدة، حيث تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2.8 في المائة، بينما فقد مؤشر «ناسداك» 3.3 في المائة، ما ينذر بجلسة مضطربة في الأسواق الأميركية. وانخفضت أسهم «إنفيديا» و«أبل» بنحو 6 في المائة و7 في المائة على التوالي، في حين شهدت الأسواق الآسيوية والأوروبية خسائر ملحوظة لكنها أقل حدة.

وقال إريك كلارك، مدير محفظة استثمارية في «ألفا براندز» بكاليفورنيا: «هذه الرسوم ستدفع المستهلكين في الصين ودول أخرى إلى تفضيل المنتجات المحلية أو البحث عن بدائل أخرى. قرار ترمب بالانحياز إلى الحمائية التجارية يأتي في وقت تعتمد فيه أكثر من 40 في المائة من إيرادات شركات مؤشر (ستاندرد آند بورز 500) على الأسواق الخارجية، مما يزيد من مخاطر الركود الاقتصادي داخل الولايات المتحدة».

الأسواق الأوروبية والآسيوية تحت الضغط

وفي أوروبا، تراجع مؤشر «داكس» الألماني بنسبة 1.7 في المائة ليصل إلى 21,998.48 نقطة، بينما فقد مؤشر «كاك 40» الفرنسي 1.8 في المائة ليصل إلى 7,716.66 نقطة. أما في بريطانيا، فانخفض مؤشر «فوتسي 100» بنسبة 1.2 في المائة ليصل إلى 8,506.44 نقطة.

وفي آسيا، تراجع مؤشر «نيكي 225» الياباني بنسبة 4 في المائة خلال التداولات قبل أن يغلق على انخفاض بنسبة 2.8 في المائة عند 34,735.93 نقطة. وكانت شركات صناعة السيارات والمصارف الأكثر تضرراً، حيث انخفضت أسهم «ميتسوبيشي يو إف جيه المالية» بنسبة 7.2 في المائة، بينما هبطت أسهم «ميزوهو» المالية بنسبة 8 في المائة، متأثرة بالمخاوف من تأثير الرسوم الجمركية على الاقتصاد الياباني القائم على التصدير.

كما تراجعت أسهم «سوني» بنسبة 4.8 في المائة، في حين فقدت «تويوتا» 5.2 في المائة من قيمتها.

على الجانب الآخر، ارتفع الين الياباني بنسبة 1.4 في المائة، حيث انخفض الدولار الأميركي إلى 147.42 ين بعد أن كان عند 149.28 ين، بينما ارتفع اليورو إلى 1.0952 دولار بعد أن كان عند 1.0855 دولار.

صدمة اقتصادية للأسواق العالمية

وصف يياب جونرونغ، المحلل في «آي جي»، إعلان ترمب عن الرسوم الجمركية بأنه «صدمة كبرى للأسواق». وأضاف: «الصين، على وجه الخصوص، كانت الأكثر تضرراً، حيث فرضت الولايات المتحدة رسوماً إضافية بنسبة 34 في المائة، مما رفع إجمالي التعريفات على الواردات الصينية إلى 64 في المائة عند احتساب الإجراءات السابقة».

ورغم ذلك، خففت التوقعات بإجراءات تحفيزية من الحكومة الصينية بعض الخسائر في الأسواق، حيث تأمل بكين في تعويض تداعيات الرسوم المرتفعة عبر سياسات مالية داعمة.

أما في أستراليا، فقد انخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز/آس إكس 200» بنسبة 0.9 في المائة ليصل إلى 7,859.70 نقطة، بينما تراجع مؤشر «إي إي تي» التايلاندي بنسبة 1.1 في المائة، بعد أن فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية بنسبة 36 في المائة على الصادرات التايلاندية، وهو ما قد يؤدي إلى خسارة البلاد نحو 7 إلى 8 مليارات دولار من قيمة صادراتها.

نظرة قاتمة للمستقبل

قال جون لوك تاينر، محلل الدخل الثابت في «أبتوس كابيتال أدفايزرز»: «هذه السياسات خلقت مناخاً من عدم اليقين، مما يُبطئ الاستثمارات والمشاريع الرأسمالية، ويثير القلق في أوساط الرؤساء التنفيذيين حول مستقبل الأسواق والاقتصاد».

وأضافت جانيت غاريتي، كبيرة الاقتصاديين في «روبرتسون ستيفنز»: «كان المستثمرون يأملون في أن يزيل الوضوح بشأن الرسوم الجمركية بعض الضبابية عن الأسواق، ولكن الآن وقد حصلوا على هذا الوضوح، لا أحد يُعجبه ما يراه».


مقالات ذات صلة

ارتفاع طفيف للأسهم الأوروبية وسط انتعاش عالمي وزخم بقطاع البنوك

الاقتصاد مخطط مؤشر الأسهم الألماني «داكس» ببورصة فرنكفورت (رويترز)

ارتفاع طفيف للأسهم الأوروبية وسط انتعاش عالمي وزخم بقطاع البنوك

ارتفعت الأسهم الأوروبية بشكل طفيف، يوم الاثنين، مستفيدة من انتعاش الأسواق العالمية، بعد موجة بيع شهدتها الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رجل يمشي بالقرب من شاشة خارج بورصة مومباي (رويترز)

الأسواق الهندية تبدأ الأسبوع على مكاسب بدعم التفاؤل التجاري مع أميركا

سجَّلت الأسواق الهندية أداءً إيجابياً في مستهل تعاملات يوم الاثنين، مدعومة بتفاؤل المستثمرين حيال الإطار المؤقت للاتفاقية التجارية بين الهند والولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (مومباي )
الاقتصاد يعمل متداولون كوريون جنوبيون أمام شاشات تعرض مؤشرات الأسهم ببنك هانا في سيول (إ.ب.أ)

الأسواق الآسيوية تقفز بدعم من رهانات على سياسات توسعية

قفزت الأسواق الآسيوية يوم الاثنين بعد فوز ساحق لرئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، ما عزز شهية المستثمرين لمزيد من السياسات الداعمة لإعادة التضخم.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

كبير اقتصاديي بنك إنجلترا يحذر من التفاؤل المفرط بشأن تراجع التضخم

قال كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا، هيو بيل، يوم الجمعة، إن هناك خطراً من أن يبالغ البنك المركزي في التفاؤل بشأن الانخفاض المتوقع في التضخم في أبريل (نيسان).

«الشرق الأوسط» (لندن )
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

تدفقات قوية نحو صناديق الأسهم العالمية بقيادة أوروبا وآسيا

شهدت صناديق الأسهم العالمية تدفقات قوية بقيادة أوروبا وآسيا، في مؤشر على توجه المستثمرين نحو التنويع وتقليل الانكشاف على أسهم التكنولوجيا الأميركية المتقلبة.

«الشرق الأوسط» (لندن )

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
TT

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)

كشفت الهيئة العامة للإحصاء عن أداء استثنائي للقطاع الصناعي السعودي في نهاية عام 2025، حيث حقق الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي نمواً سنوياً بلغت نسبته 8.9 في المائة مقارنة بشهر ديسمبر (كانون الأول) من العام السابق.

ويعكس هذا الارتفاع حالة الانتعاش في الأنشطة الاقتصادية الرئيسة، وعلى رأسها التعدين، والصناعة التحويلية، مما يعزز من مكانة القطاع باعتبار أنه رافد أساسي للاقتصاد الوطني.

الإنتاج النفطي

لعب نشاط التعدين واستغلال المحاجر دوراً محورياً في دفع المؤشر العام نحو الأعلى، حيث سجل نمواً سنوياً لافتاً بنسبة 13.2 في المائة بحلول ديسمبر. ويُعزى هذا الزخم بشكل أساسي إلى ارتفاع مستويات الإنتاج النفطي في المملكة لتصل إلى 10.1 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ 8.9 مليون برميل في الفترة المماثلة من العام الماضي. على أساس شهري، شهد المؤشر استقراراً نسبياً بزيادة طفيفة بلغت 0.3 في المائة فقط مقارنة بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) السابق.

الصناعة التحويلية

وفي سياق متصل، أظهر قطاع الصناعة التحويلية مرونة عالية بنمو سنوي قدره 3.2 في المائة، مدعوماً بقوة الأداء في الأنشطة الكيميائية والغذائية. وقد برز نشاط صنع المواد الكيميائية والمنتجات الكيميائية بوصفه من أقوى المحركات في هذا القطاع مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 13.4 في المائة، تلاه نشاط صنع المنتجات الغذائية الذي نما بنسبة 7.3 في المائة. أما على الصعيد الشهري، فقد حافظ المؤشر على وتيرة إيجابية بزيادة قدرها 0.3 في المائة، حيث قفز نشاط المنتجات الغذائية منفرداً بنسبة 9.6 في المائة، ونشاط المواد الكيميائية بنسبة 2.8 في المائة مقارنة بنوفمبر 2025.

إمدادات المياه والخدمات العامة

أما بالنسبة للخدمات العامة، فقد سجل نشاط إمدادات المياه وأنشطة الصرف الصحي وإدارة النفايات ومعالجتها ارتفاعاً سنوياً قوياً بنسبة 9.4 في المائة. وفي المقابل، واجه نشاط إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء انخفاضاً بنسبة 2.5 في المائة مقارنة بديسمبر 2024. ولوحظ انكماش شهري في هذين القطاعين بنسب بلغت 7.2 في المائة و13.1 في المائة على التوالي عند المقارنة بشهر نوفمبر 2025، مما يشير إلى تأثر الإنتاج بالتقلبات الموسمية، أو جداول الصيانة الدورية.

توازن الأنشطة النفطية وغير النفطية

ختاماً، تُظهر البيانات توزيعاً متوازناً للنمو بين الركائز الاقتصادية للمملكة، حيث حققت الأنشطة النفطية ارتفاعاً سنوياً بنسبة 10.1 في المائة، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً ثابتاً بنسبة 5.8 في المائة. وعند النظر إلى الأداء قصير المدى، يتبين أن الأنشطة غير النفطية حافظت على تفوقها الشهري بنمو قدره 0.4 في المائة، في حين سجلت الأنشطة النفطية انخفاضاً شهرياً طفيفاً بنسبة 0.3 في المائة، مما يعكس استراتيجية التنويع الاقتصادي المستمرة في المملكة.


ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
TT

ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)

في واحدة من أكثر تصريحاته الاقتصادية إثارة للجدل، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقفاً مرتفعاً جداً لمرشحه الجديد لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، مؤكداً أنه قادر على دفع عجلة الاقتصاد الأميركي لتحقيق معدلات نمو تاريخية تصل إلى 15 في المائة.

هذه التصريحات لا تضع ضغطاً هائلاً على وورش فحسب، بل تعلن رسمياً بداية معركة ترمب لكسر التقاليد النقدية المتبعة في واشنطن منذ عقود.

ندم «تاريخي» واعتراف بالخطأ

خلال مقابلة مطولة مع شبكة «فوكس بيزنس»، عاد ترمب بالذاكرة إلى الوراء ليعرب عن ندمه الشديد على تعيين جيروم باول رئيساً للبنك المركزي في ولايته الأولى. ووصف هذا القرار بأنه كان «خطأً كبيراً جداً»، كاشفاً أن كيفن وورش كان هو «الوصيف» في ذلك الوقت.

وحمّل ترمب وزير خزانته السابق، ستيفن منوشين، مسؤولية هذا الاختيار، قائلاً: «لقد أصرَّ وزيري حينها على باول بشكل لا يصدق... لم أكن مرتاحاً له في قلبي، لكن أحياناً تضطر للاستماع للآخرين، وكان ذلك خطأً جسيماً».

ترمب والسيناتور الأميركي تيم سكوت وباول خلال جولة في مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي (رويترز)

أحلام النمو... هل هي واقعية؟

عند الحديث عن وورش، لم يتردد ترمب في رسم صورة «إعجازية» للمستقبل الاقتصادي، حيث صرح للشبكة: «إذا قام وورش بالعمل الذي أعلم أنه قادر عليه، فيمكننا أن ننمو بنسبة 15 في المائة، بل أعتقد أكثر من ذلك».

هذا الرقم أثار دهشة الأوساط الاقتصادية؛ فالاقتصاد الأميركي نما بمتوسط 2.8 في المائة سنوياً على مدار الخمسين عاماً الماضية، ولم يسبق للناتج المحلي الإجمالي أن لامس حاجز الـ 15 في المائة إلا في حالات استثنائية جداً، منها فترة التعافي من إغلاقات كورونا في 2020. ومع ذلك، يبدو ترمب مصمماً على أن وورش هو الشخص القادر على تحقيق هذه القفزة التي تتجاوز كل التوقعات التقليدية.

لا لرفع الفائدة

كشف ترمب بوضوح عن المعيار الذي اختار على أساسه وورش، وهو الرغبة في خفض أسعار الفائدة. وأكد أنه لم يكن ليختار وورش لو كان الأخير يدعو إلى رفع الفائدة، مشدداً على رغبته في مرشح يدفع بالنمو إلى أقصى حدوده.

ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس «مقامرة» اقتصادية كبرى؛ إذ إن تحقيق نمو يقترب من 15 في المائة قد يؤدي تقنياً إلى انفجار في معدلات التضخم التي لا تزال تكافح للوصول إلى مستهدفاتها، وهو أمر يبدو أن ترمب لا يراه عائقاً أمام طموحاته قبل الانتخابات النصفية.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر صحافي (رويترز)

جدار الصد في «الكابيتول هيل»

على الرغم من حماس ترمب، فإن طريق وورش نحو رئاسة الفيدرالي مزروع بالألغام السياسية. فقد أعلن السيناتور الجمهوري البارز ثوم تيليس عزمه عرقلة أي عملية تصويت لتأكيد تعيين وورش في مجلس الشيوخ.

ويأتي تهديد تيليس احتجاجاً على سلوك إدارة ترمب تجاه جيروم باول، حيث تلاحق وزارة العدل باول في تحقيقات تتعلق بمشروع تجديد مبنى الفيدرالي، وتصريحاته حول التكاليف. ويرى تيليس أن هذه الملاحقات القضائية هي محاولة لترهيب رئيس البنك المركزي، وتقويض استقلاليته.

«إذا حدث التأجيل... فليحدث»

بدا ترمب غير مبالٍ بتهديدات التعطيل في مجلس الشيوخ، حيث سخر من معارضة تيليس قائلاً: «لقد حاربت تيليس لفترة طويلة، لدرجة أنه انتهى به الأمر بالاستقالة». وعندما سُئل عما إذا كان التحقيق مع باول يستحق تعطيل ترشيح وورش، أجاب ببرود: «لا أعلم، سنرى ما سيحدث... إذا حدث التأجيل، فليحدث»، في إشارة واضحة إلى أنه لن يتراجع عن ملاحقة باول قانونياً حتى لو كلّفه ذلك تأخير تعيين خليفته.


«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
TT

«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)

في خطوة تعكس فقدان «الراحة» والاطمئنان تجاه الأصول الأميركية، بدأت الصين مساراً استراتيجياً لتقليص تبعية نظامها المصرفي لديون واشنطن، في عملية وُصفت بـ«الهروب الهادئ»، لتفادي الصدمات العنيفة في الأسواق.

تعليمات صينية خلف الأبواب المغلقة

كشفت مصادر مطلعة لـ«بلومبرغ» أن السلطات التنظيمية في بكين، وعلى رأسها بنك الشعب الصيني، أصدرت توجيهات للمؤسسات المالية المحلية بضرورة كبح حيازاتها من الديون الأميركية. هذه التعليمات تضمنت حث البنوك ذات «التعرض العالي» على تقليص مراكزها فوراً، بذريعة حماية القطاع المصرفي من «مخاطر التركز»، والتقلبات الحادة.

ورغم أن القرار استثنى «الاحتياطيات السيادية» الرسمية، فإن الأسواق استقبلته بوصفه إشارة حمراء، مما رفع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوراً إلى 4.2359 في المائة.

لغة الأرقام

تُظهر البيانات الدقيقة الواردة من وزارة الخزانة الأميركية أن الصين بدأت بالفعل مساراً نزولياً في حيازاتها:

  • الصين: بعد أن كانت تمتلك 767 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رفعت حيازتها لتتجاوز 900 مليار دولار في أغسطس (آب) 2025، لكنها عادت للتراجع السريع لتصل إلى 888.5 مليار دولار بحلول نوفمبر 2025، حيث باعت في شهر واحد ما قيمته 5.39 مليار دولار. ويرى مراقبون أن فقدان هذا المصدر للطلب سيشكل ضربة قوية لسوق سندات الخزانة الأميركية البالغ 30.3 تريليون دولار، لكن يبقى من الصعب قياس التأثير.
  • التكتل الصيني: تشير بيانات «آي إن جي» إلى أن إجمالي ما تمتلكه الصين وهونغ كونغ معاً بلغ 938 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي، مما يضعها في المرتبة الثالثة عالمياً باعتبارها أكبر حامل للدين الأميركي.
  • دول بريكس الأخرى: لم تكن الصين وحدها؛ فقد قلّصت البرازيل حيازتها من 229 مليار دولار إلى 168 ملياراً خلال عام واحد، كما تراجعت استثمارات الهند من 234 مليار دولار إلى 186.5 ملياراً.

توقيت «الاتصال الساخن» وظلال ترمب

ما يمنح هذا التحرك ثقلاً سياسياً استثنائياً هو صدوره قبيل اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويأتي هذا الحذر الصيني وسط تزايد حالة عدم اليقين تجاه سياسات إدارة ترمب الثانية؛ حيث أدى نهجه الذي لا يمكن التنبؤ به في ملفات التجارة والدبلوماسية، وهجماته المتكررة على الاحتياطي الفيدرالي، وزيادة الإنفاق العام، إلى دفع المستثمرين الدوليين للتساؤل علانية: هل لا تزال الديون الأميركية مكاناً آمناً؟

وفي هذا الإطار، قال مصرف «يو بي إس» إن فكرة تراجع رغبة المستثمرين الدوليين في شراء الديون الأميركية باتت تستحوذ على اهتمام الأسواق فعلياً.

بين «سلاح الديون» واستراتيجية التحوط

بينما يقلل وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، من أهمية تحركات المستثمرين الأجانب، يرى خبراء أن هذه الضغوط تأتي في وقت «هش» للدولار.

الواقع الجديد يشير إلى أن المستثمرين العالميين لم يعودوا يرغبون في استخدام ديون واشنطن أداة «عقاب سياسي» فحسب، بل بدأوا استراتيجية «التحوط الكبرى» (Hedging). فهم يريدون البقاء في السوق الأميركية القوية بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنهم في الوقت نفسه يقلصون مشتريات السندات، لحماية أنفسهم من انهيار محتمل في قيمة الدولار، أو تذبذب حاد في الفائدة.