ترمب يبحث عن نهاية «ريغانية» في إيران... ومصير الحرب في «هرمز»

خبير أميركي لـ«الشرق الأوسط»: الاستيلاء على «خرج» مطروح للنقاش

صورة جوية لمضيق هرمز (رويترز)
صورة جوية لمضيق هرمز (رويترز)
TT

ترمب يبحث عن نهاية «ريغانية» في إيران... ومصير الحرب في «هرمز»

صورة جوية لمضيق هرمز (رويترز)
صورة جوية لمضيق هرمز (رويترز)

بعد مضي قرابة ثلاثة أسابيع على الحرب مع إيران، تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى نصر عسكري حاسم لإنهاء العمليات العسكرية. بيد أن مراكز البحث تحذر من أن الافتراضات بأن النزاع سيكون سريعاً وتحت السيطرة بات الآن محل شك، وأن أي نقطة تحوّل قد تأتي من مضيق هرمز، حيث يوجد إجماع دولي على ضرورة ضمان تدفق النفط.

وقال ألان آري، المسؤول السابق لدى وزارة الخارجية الأميركية خلال فترة الرئيس السابق باراك أوباما، الذي يعمل حالياً زميلاً في «معهد الشرق الأوسط» للدراسات في واشنطن: «يبدو أن ترمب دخل هذه الحرب معتقداً أنه قادر على إنهائها بسرعة وبشروطه». لكن «ثبت خطأ هذا الافتراض، على الأقل حتى الآن».

يُشار إلى أن آري كان عضواً أساسياً في فريق التفاوض النووي الأميركي مع إيران منذ بدايته في عام 2010 وحتى التوصل إلى اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة في 2015.

وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، حذر آري، الذي يتكلم الفارسية بطلاقة، من أن الصراع يبدو أقرب إلى التصعيد منه إلى الحل، مع عواقب طويلة الأمد غير مؤكدة.

وأشار بهنام بن طالب لو، مدير برنامج إيران في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» في واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط» إلى نقطة تحول محتملة. فقال: «قد يُنهي ترمب، من نواح كثيرة هذا الصراع مع إيران بطريقة تشبه ما فعله سلفه رونالد ريغان، في إنهاء الحرب الإيرانية - العراقية، وذلك عبر المجال البحري وتأمين التدفق الحر للنفط»، ملاحظاً التشابه مع مهمات أميركية لمرافقة ناقلات النفط في الخليج العربي في أواخر الثمانينات من القرن الماضي.

ألان آري المسؤول السابق لدى وزارة الخارجية الأميركية (الشرق الأوسط)

أهداف غير متلاقية

وتُعد النقطة الأولى التي أثارها آري واضحة: رغم أسابيع القتال والخسائر الفادحة، لم تحقق الولايات المتحدة ولا إسرائيل حتى الآن جميع أهدافهما الاستراتيجية. وقال: «عندما نتحدث عن الجانب الأميركي، فإننا في الواقع نتحدث عن كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، ولكلٍّ منهما أهداف مختلفة».

ولاحظ آري أنه بينما صرح ترمب بأنه سيُنهي الحرب «عندما يرى الوقت مناسباً»، فإن طموحات إسرائيل قد تكون أوسع بكثير، وهي تصل إلى حد إسقاط النظام الإيراني. لكن ترمب قال بوضوح: «لا أعتقد أن إسرائيل قادرة على تحقيق هذا الهدف».

في غضون ذلك، تنظر طهران إلى الصراع على أنه وجودي، وهي مستعدة لتحمل خسائر فادحة لاستعادة قوة الردع، مما يزيد من احتمال استمرارها في القتال، حتى لو أعلنت واشنطن النصر، وضغطت على إسرائيل لوقف القتال.

ويزداد تركيز ترمب على مضيق هرمز، حيث تسعى الولايات المتحدة لتشكيل تحالف لمرافقة ناقلات النفط. وهي مهمة «ممكنة عسكرياً، لكنها صعبة سياسياً»، وفقاً لبن طالب لو الذي أشار إلى أن «حتى الدول التي لطالما دعمت حرية الملاحة، مثل أستراليا، ترددت في المشاركة لأن هذا أصبح الآن حرباً مسلحة صريحة».

وقال بن طالب لو: «يبدو أن الأهداف الإسرائيلية تحولت نوعاً ما، من مواقع عسكرية بحتة إلى قوات الأمن»، مما يشير إلى جهد أوسع لإضعاف قبضة النظام الداخلية على السلطة. ولفت إلى أن أحد الخيارات المطروحة للنقاش هو الاستيلاء على جزيرة خرج، الميناء الرئيسي لتصدير النفط الإيراني، في خطوة من شأنها أن «توجّه ضربة قاضية للجمهورية الإسلامية» من دون تدمير البنية التحتية الحيوية أو زعزعة استقرار أسواق الطاقة العالمية.

بهنام بن طالب لو مدير برنامج إيران بـ«مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» في واشنطن (الشرق الأوسط)

مشكلة خطيرة

يشير هذا الاحتمال إلى سيناريو وصفه آري بأنه وارد تماماً: أن تنهي الولايات المتحدة الحرب، وتنسحب منها، ثم تُجرّ إليها مجدداً. وقال: «إذا أعلن ترمب النصر وأقنع إسرائيل بالتوقف، لكن إيران استمرت في مهاجمة السفن في مضيق هرمز، فسيخلق ذلك مشكلة خطيرة».

وفيما طالبت طهران بتعويضات وضمانات ضد الهجمات المستقبلية، تساءل آري عما إذا كانت هذه المطالب تعكس مواقف تفاوضية حقيقية أم مجرد محاولة لإظهار القوة. وفي كلتا الحالتين، الخطر واضح: فالحرب التي تعتقد واشنطن أنها أنهتها قد لا تكون قد انتهت من وجهة نظر إيران. وقال: «الحرب سهلة البدء، لكن من الصعب جداً السيطرة عليها. وبمجرد بدئها، غالباً ما تكون آثارها مزعزعة للاستقرار وغير متوقعة».

ومما يزيد الأمور تعقيداً حال عدم اليقين التي تسود أعلى مستويات القيادة الإيرانية. مع عجز المرشد مجتبى خامنئي، حسب التقارير، عن ممارسة مهماته، يمكن أن تتركز السلطة في أماكن أخرى. وفي نظام مصمم ليكون لا مركزياً، حتى القرار بوقف القتال قد لا يُترجم فوراً إلى إجراءات فعلية. وحذر بن طالب لو: «حتى لو قررت القيادة السياسية وقف القتال، فليس من الواضح تماماً مدى سرعة قدرة كل الأطراف على إخماد النيران».

ناقلات نفط تبحر قرب مضيق هرمز (رويترز)

تناقض إيراني

ثمة تناقض صارخ في موقف إيران. فبينما تطالب بضمانات أميركية لإنهاء الحرب، يصر مسؤولوها منذ فترة طويلة على أنهم لا يثقون بواشنطن. وتساءل بن طالب لو: «كيف يمكنهم قبول ضمان أميركي الآن؟».

وبالإشارة إلى إلى شبكة حلفاء إيران الإقليميين، «حزب الله» والحوثيين والميليشيات العراقية، وما إذا كان وقف النار مع طهران سيُخضعهم، رفض آري التصور الغربي الشائع، قائلاً إن «الوكلاء ليسوا مجرد أدوات في يد إيران، بل هم منظمات مستقلة لها أهدافها ومصالحها الخاصة». وبينما يتقاسم «حزب الله» معظم الأهداف الاستراتيجية مع إيران، وقد يعمل كذراع لنظامها، فإن جماعات أخرى مثل الحوثيين تتمتع بقدر أكبر من الاستقلالية. تستطيع إيران السعي إلى كسب دعمهم، لكنها لا تستطيع ضمان امتثالهم دائماً.

وفي الوقت نفسه، يشير دخول هذه الجماعات البطيء نسبياً إلى الصراع إلى إمكانية الخروج منه. وأشار بن طالب لو إلى أن «ما نسميه شبكة إيران بالوكالة كان دخوله إلى الصراع الحالي بطيئاً نسبياً، مما يوحي بأنه إذا توقف الداعم، فقد تتوقف هذه الجماعات أيضاً».

ويتفق آري وبن طالب لو على أنه، حتى لو سكتت المدافع، فقد تكون المعركة الأشرس قد بدأت للتو. فهناك حقيقة مزعجة: النصر العسكري والنصر السياسي ليسا شيئاً واحداً. وفي المنطقة، أدت الفجوة بين هذا وذاك إلى إحباط طموحات أكثر من إدارة أميركية. وحذر بن طالب لو: «في الشرق الأوسط، غالباً ما يكون تحقيق نصر عسكري ممكناً، لكن النصر السياسي أصعب بكثير». وقال إنه بينما أعلن الرئيس عن إطار زمني مدته أربعة أسابيع للعمليات، وبعد مرور أسبوعين ونصف إلى ثلاثة أسابيع، تتضاءل فرصة الانسحاب السلس من الحرب.

ويقدر أن معركة مضيق هرمز قد تستغرق أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع أخرى لحسمها، ولكنه يحذر من أن حتى هذه النتيجة ستترك سؤالاً شائكاً من دون إجابة. فما دام النظام الإيراني قائماً، فسيصور أي نتيجة تظهر على أنها تبرير لمقاومته، وهي رواية استخدمها بعد كل مواجهة سابقة. وقال: «الوقت سلاح يحاول النظام استخدامه. وسيكون من الخطأ أن تعطي الإدارة لهذا النظام شعوراً بأن الوقت في صالحه».

صورة جوية لمضيق هرمز (رويترز)

مرحلة ثانية

يتفق آري وبن طالب لو على أن الخطر الأكبر في المرحلة النهائية يتمثل في «إعلان صناع القرار النصر، وتخليهم عن زمام الأمور، والسماح للظروف التي أدت إلى هذه الحرب بالعودة تدريجاً». ووصف بن طالب لو الأمر بأنه مسألة استراتيجية، أي ما إذا كانت هناك «مرحلة ثانية» ذات صدقية لتقليص النفوذ الإيراني بمجرد توقف القتال الرسمي. بينما وصفه آري بأنه مسألة أولويات.

فهل توجد «مرحلة ثانية» ذات صدقية لتقليص النفوذ الإيراني بمجرد توقف القتال الرسمي؟ قال آري: «أنهوا الحرب، وعودوا إلى القضايا الاستراتيجية التي أكدت الإدارة نفسها أنها الأهم لأمن أميركا على المدى البعيد».

لطالما أصرت إدارة ترمب على أن الشرق الأوسط مجرد تشتيت للانتباه، وأن الاختبارات الحقيقية للقوة الأميركية تكمن في آسيا، وأوكرانيا، والنصف الغربي للكرة الأرضية. ومع ذلك، تبدو أميركا الآن غارقة في صراع يستنزف الموارد والرأسمالية السياسية بوتيرة لم يتوقعها أحد.


مقالات ذات صلة

عبد العزيز بن سلمان: الرياض عاصمة أمن الطاقة

الاقتصاد 
افتتاح أعمال الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض أمس (وزارة الطاقة السعودية)

عبد العزيز بن سلمان: الرياض عاصمة أمن الطاقة

أكد وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، أن المملكة ماضية في تنفيذ خططها والوفاء بالتزاماتها تجاه العالم مهما كانت الظروف، واصفاً الرياض بأنها.

عبير حمدي (الرياض)
شؤون إقليمية 
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

تصعيد في «هرمز»... وطهران تتمسك بشروطها

تصاعدت التوترات في مضيق هرمز وخليج عُمان مع تجدد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط؛ ما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياته في أكثر.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران)
شؤون إقليمية عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)

الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

في سوق إيراني تفوح في أروقته روائح الأعشاب والتوابل، يراقب التاجر ناصر، البالغ 61 عاماً، كيف غيّرت الحرب الأميركية ـ الإيرانية ملامح الحياة التجارية.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية اتساع الخلاف بشأن المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين واشنطن وتل أبيب بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية لا تزال مستمرة

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)

إيران: الرد الأميركي على مقترحنا لإعادة فتح مضيق هرمز «غير كافٍ»

رأى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي أن الرد الأميركي على شروط طهران السبعة لإعادة فتح مضيق هرمز «غير كافٍ».

«الشرق الأوسط» (لندن)

تصعيد في «هرمز»... وطهران تتمسك بشروطها


حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

تصعيد في «هرمز»... وطهران تتمسك بشروطها


حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

تصاعدت التوترات في مضيق هرمز وخليج عُمان مع تجدد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط؛ ما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياته في أكثر من شهرين، وفقاً لما أوردته «رويترز»، وذلك بعدما بلغت الهجمات على ناقلات النفط، الأسبوع الماضي، أعلى مستوى لها منذ اندلاع الحرب.

وتتبادل الولايات المتحدة وإيران إجراءات الضغط البحري وسط مخاوف من تداعيات أمنية واقتصادية على إمدادات الطاقة العالمية.

وفي موازاة التصعيد الميداني، تمسكت طهران بتنفيذ شروطها السبعة في أي مسار تفاوضي مع واشنطن، في حين أكد رئيسها مسعود بزشكيان، أهمية مواصلة المشاورات الدبلوماسية.

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» عن تعطيل سفينة شحن تجارية في خليج عُمان في أثناء محاولتها اختراق الحصار البحري المفروض على إيران، بعدما تجاهلت التحذيرات الأميركية.

وأوضحت «سنتكوم» في بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أن مقاتلة أميركية أطلقت ذخيرة دقيقة مستهدفة مؤخرة السفينة «أوشن موليكا»، التي ترفع علم بنما، وتُعرف أيضاً باسم «أريكا صن»؛ ما أدى إلى «تعطيل نظام الدفع، من دون إلحاق أضرار كاملة بالسفينة وطاقمها».

كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، أمس، بتعرض ناقلة لإطلاق نار في «هرمز» بمقذوف مجهول أصاب جانبها الأيسر، وأدى إلى اندلاع حريق على متنها، وفقاً لإفادة قبطانها. وأعلن «الحرس الثوري» أيضاً أن ناقلة نفط انفجرت، واشتعلت فيها النيران بعد اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها المضيق.


الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
TT

الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)

في سوق إيراني تفوح في أروقته روائح الأعشاب والتوابل، يراقب التاجر ناصر، البالغ 61 عاماً، كيف غيّرت الحرب الأميركية ـ الإيرانية ملامح الحياة التجارية. فبعدما كان الزبائن يشترون المكسرات بالكيلوغرامات، دفعت الزيادات الحادة في الأسعار كثيرين إلى تقليص مشترياتهم، ما وضع المتاجر والشركات أمام صعوبات متزايدة في الحفاظ على أعمالها.

وكان البازار الواقع في شمال طهران يعجّ عادة بالمتسوقين، لكن متاجره باتت شبه خالية، ولم يعد يرتاده سوى عدد محدود من الزبائن الذين يتنقلون في ممراته الضيقة والعتيقة. ويعكس هذا المشهد تحولاً لافتاً في سوق اعتاد التجار فيها الترويج لبضائعهم بأصوات مرتفعة وسط حركة شراء نشطة.

وقال ناصر: «كان لدينا زبائن يشترون ما بين كيلوغرامين و5 كيلوغرامات. أما الآن، فباتوا يكتفون بشراء كيلوغرام واحد حتى نصف كيلوغرام فقط».

وأضاف، في إشارة إلى الارتفاعات السعرية، أن «الأسعار مرتفعة بالفعل. جميعنا يعلم ذلك، وسيكون من الكذب القول بغير ذلك».

ودعا التاجر السلطات إلى تحقيق الاستقرار في سعر صرف العملة، بما يتيح لأصحاب الأعمال والشركات التخطيط للمستقبل، قائلاً: «نحن تائهون، جميعنا كذلك».

سنوات العقوبات

متسوقون يتجولون بين المحال في البازار الكبير بطهران (أ.ف.ب)

وأثقلت سنوات العقوبات كاهل الاقتصاد الإيراني، لكن الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) مع الهجمات الأميركية والإسرائيلية، إلى جانب الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، زادت الضغوط على النشاط الاقتصادي والحياة اليومية للسكان.

وتفاقمت الأوضاع مع ارتفاع التضخم إلى نحو 90 في المائة على أساس سنوي في سبتمبر (أيلول)، وفق الأرقام الرسمية، فيما تسببت التقلبات الحادة في سعر الصرف في زيادة تكلفة السلع الأساسية، وارتفعت أسعار المواد الغذائية إلى أكثر من ضعف مستوياتها قبل عام.

وفي البازار التاريخي بساحة تجريش في طهران، يحاول السكان التكيف مع الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وهم يتجولون بين الأعلام الإيرانية واللافتات المكتوبة بالفارسية، ويتفحصون الحلوى والمجوهرات والملابس التقليدية وقطع اللحوم قبيل عطلة نهاية الأسبوع.

وفي أحد الأزقة، كان فنان يعزف على الغيتار، فيما يقرع آخر بيديه على صندوق خشبي، محاولين استقطاب بعض الإكراميات من المارة.

«نحتاج إلى الاستقرار»

إيراني يتسوق في محيط البازار الكبير وسط طهران (أ.ب)

لكن خلف هذه المشاهد، تتزايد المخاوف بشأن مستقبل الأنشطة التجارية، في ظل تراجع الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل.

وقال علي نوروزي (36 عاماً)، الذي يدير متجراً للملابس الرياضية في البازار، إن التجار يخوضون «معركة يائسة وأخيرة من أجل البقاء»، مضيفاً أن المصنّعين يعلنون إفلاسهم، ويستغنون عن موظفين، ويغلقون متاجرهم، ما ينعكس بدوره على بقية حلقات النشاط التجاري.

وأوضح نوروزي أنه بات يطلب كميات محدودة من البضائع لعرضها في متجره، تفادياً لظهور الرفوف فارغة، على غرار مستودعه الذي قال إنه أصبح شبه خالٍ بسبب ضعف الطلب.

وأضاف: «ليست لدينا أي خطة للمستقبل على الإطلاق. فعندما يتوقف الناس عن الشراء، يعني ذلك عملياً إفلاس النشاط التجاري»، مشيراً خصوصاً إلى ارتفاع الإيجارات وفواتير الخدمات. وختم بالقول: «كل ما نحتاج إليه هو بعض الاستقرار».

أما آزاده، وهي امرأة تبلغ 45 عاماً وعاطلة عن العمل حالياً، فقالت إنها باتت تقصد السوق لمجرد «مشاهدة المتاجر»، في مؤشر إلى تراجع قدرة بعض السكان على الشراء.

تراجع القدرة الشرائية

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الإيراني انكمش بنسبة 10.1 في المائة على أساس سنوي بين أواخر مارس (آذار) وأواخر يونيو (حزيران)، في ظل الضغوط المتزايدة الناجمة عن الحرب.

وفي سوق الصرف غير الرسمية، جرى تداول العملة الإيرانية خلال الأسبوع الماضي عند نحو 2.7 مليون ريال للدولار الواحد، مقارنة بنحو 1.7 مليون ريال قبل اندلاع الحرب.

وانخفضت القيمة الدولارية للحد الأدنى الشهري للأجور من نحو 120 دولاراً قبل عام إلى نحو 65 دولاراً حالياً، ما يعكس تآكل القدرة الشرائية مع ارتفاع تكاليف المعيشة.

في المقابل، رفض وزير الاقتصاد الإيراني التوقعات التي تتحدث عن انهيار اقتصادي وشيك، متهماً خصوم بلاده بالسعي إلى إثارة المخاوف بين المواطنين ودفع أسعار الصرف إلى مزيد من الارتفاع.

الأسعار «حلّقت»... ومشتريات تتقلص

إيرانيون يتسوقون في بازار تجريش شمال طهران (إ.ب.أ)

وتقدم آزاده مثالاً على حجم الارتفاع في الأسعار، مشيرة إلى أن قطعة قماش للمطبخ اشترتها قبل عدة أشهر مقابل 22 سنتاً، يبلغ سعرها الآن 1.10 دولار، أي ما يعادل 5 أضعاف سعرها السابق. وقالت: «هذا يبيّن أن الأسعار لم ترتفع فحسب، بل حلّقت إلى مستويات هائلة بالفعل».

وأضافت أنها اضطرت إلى التوقف عن شراء بعض أنواع الفاكهة، كما لم تعد قادرة على تحمل تكاليف قضاء العطلات.

وتساءلت: «وجودنا لا يجب أن يكون مرتبطاً فقط بأننا على قيد الحياة، بل يُفترض أن نعيش حياتنا فعلاً، أليس كذلك؟».

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المتاجر وأسواق المواد الغذائية، بل تمتد إلى الخدمات والحرف التي تعتمد على إنفاق الأسر.

وقال مجتبى رضائي (57 عاماً)، وهو ميكانيكي سيارات، إن عدد زبائنه تراجع إلى عُشر مستواه السابق، في وقت ارتفعت فيه أسعار السلع إلى ضعفين أو 3 أضعاف.

وأضاف، في حديث لوكالة الصحافة الفرنسية داخل البازار: «أشعر في الواقع بالحرج عندما أبلغ الزبائن بالأسعار. فالناس يأتون فقط للاستفسار عن السعر ثم يغادرون».

وتابع أن أنشطة كانت تشكل جزءاً من الحياة اليومية للإيرانيين، مثل شراء الملابس والخروج للترفيه وتناول الطعام في المطاعم، باتت بعيدة عن متناول كثيرين.

وبين متاجر تتراجع مبيعاتها، وأجور تتآكل قيمتها، وأسر تقلص مشترياتها إلى الحد الأدنى، يجد التجار والمستهلكون أنفسهم أمام ضغوط متزايدة، فيما يظل الاستقرار الاقتصادي مطلباً ملحاً في سوق أنهكتها العقوبات والحرب والتضخم.


الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران، في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية، لا تزال مستمرة، وأنه لم يُحسم بعد اتجاهها النهائي.

وقالت المصادر نفسها إن الملف لا يزال مطروحاً بجدية، رغم تقديرات ترى أن تسريب تفاصيل هذه الاتصالات قد يكون جزءاً من حرب نفسية تستهدف إرباك القيادة الإيرانية، وزيادة الضغوط على طهران. في المقابل، يتعامل مسؤولون إسرائيليون مع احتمال تنفيذ الضربة بجدية، في ضوء حاجة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تطور أمني كبير قد يعزز موقعه عشية الانتخابات.

وبحسب هذه التقديرات، قد لا تنجح الضربة بالضرورة في تأجيل الانتخابات أو إنقاذ نتنياهو من الهزيمة، لكنها قد ترفع أسهمه لدى الناخبين، وتساعده على استعادة أصوات انتقلت إلى المعسكر المنافس.

وكان الكاتب الصحافي بن كسبيت، المعروف بصلاته بمصادر سياسية في تل أبيب، قد كشف أن مسؤولين أميركيين طلبوا من إسرائيل مهاجمة إيران. وكتب في صحيفة «معاريف» أن المسؤولين في البيت الأبيض لم يطلبوا ضربة أميركية أو هجوماً مشتركاً، بل أرادوا أن تنفذ إسرائيل العملية منفردة.

وأضاف كسبيت أن رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، أبلغ الأميركيين بأن ضربة من هذا النوع قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن واشنطن تراجعت عن طلبها في تلك المرحلة. كما أكد الصحافي الإسرائيلي، باراك رافيد، المحرر السياسي في «القناة 13» التلفزيونية، ما ورد في هذا التقرير.

حسابات انتخابية على جانبي الأطلسي

اتساع الخلاف بشأن المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

وجاء الطلب الأميركي، وفقاً لتقرير صحيفة «معاريف»، على خلفية تطورات تشير إلى أن إيران تعمل على استعادة قدراتها في إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، على الرغم من الغارات التي استهدفتها خلال الأشهر الماضية، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية.

وأوضح كسبيت أن واشنطن أرادت أن تتحمل إسرائيل الأعباء والمخاطر السياسية المترتبة على الهجوم، بدلاً من أن يتحملها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستعد لخوض الانتخابات النصفية للكونغرس.

وقال كسبيت إن الإدارة الأميركية اعتقدت أن الإسرائيليين هم الطرف الأكثر رغبة في شن الهجوم قبل انتخاباتهم، في حين قد تؤدي ضربة أميركية قبيل الانتخابات النصفية الأميركية إلى إلحاق ضرر سياسي بترمب.

ويأتي ذلك في وقت تزداد فيه التكهنات بشأن دراسة الرئيس الأميركي احتمال استئناف الهجمات على إيران. ووفقاً لكسبيت، فإن ما تكشفه الاتصالات يشير إلى أن ترمب طلب، في مرحلة أولى، من إسرائيل توجيه الضربة بدلاً من أن تنفذها القوات الأميركية، قبل أن يجري كبح هذا المسار.

ولم تتضح، بحسب الكاتب، طبيعة موقف نتنياهو من هذه التطورات، لكنه أشار إلى أن جدول أعمال رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال الأسبوع الأخير تضمن سلسلة لقاءات وزيارات وصفها بالحساسة، في فترة اتسمت بكثافة النشاط الأمني.

إيران تعيد بناء ترسانتها

صواريخ إيرانية محمولة على شاحنات خلال عرض في قاعدة عسكرية شمال طهران في 17 أبريل 2024 (أ.ب)

وكانت وكالة «بلومبرغ» الأميركية للأنباء قد ذكرت في تقرير نشرته، يوم السبت، أن إيران تمكنت من الحفاظ على مصانع للصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم تعرضها لغارات إسرائيلية وأميركية على مدى أشهر، نقلاً عن أشخاص مطلعين على التفاصيل.

وبحسب التقرير، استطاعت طهران إعادة بناء جزء من ترسانتها خلال الفترة التي توقفت فيها إدارة ترمب عن شن مزيد من الغارات، مع انشغال واشنطن بالاستعداد للانتخابات النصفية للكونغرس. ونقل التقرير عن مصادر غربية أن إيران لا تزال قادرة على إنتاج الأسلحة، وتجديد مخزوناتها.

وأشار أحد المصادر إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية والأسلحة البحرية المضادة للسفن، وأنها قادرة على زيادة مخزونها بسرعة، كما أفادت المعلومات التي أوردها التقرير بأن روسيا تزود طهران بصواريخ، استناداً إلى معلومات نُشرت في يونيو (حزيران) الماضي.

وتتعارض هذه التقديرات، وفق «بلومبرغ»، مع تصريحات متكررة لترمب وأعضاء في إدارته، أكدوا فيها أن الغارات الجوية ألحقت دماراً واسعاً بالقدرات الإيرانية التي تهدد القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.

وكان ترمب قد أعلن، قبل نحو عام، أن الجيش الإيراني «دُمر بالكامل»، بينما صرح وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، بأن الولايات المتحدة قضت على قدرات الصناعات العسكرية في إيران.

تل أبيب تفضل ضربة مشتركة

حريق بمبنى الصناعات الإلكترونية التابع لوزارة الدفاع الإيرانية بطهران بعد استهدافه في مارس 2026 (أ.ف.ب)

وفي إسرائيل، ترى القيادة السياسية والعسكرية أن استمرار المواجهة على النحو الحالي قد يبعث برسائل ضعف إلى طهران، ويعزز اعتقاد القيادة الإيرانية أن بإمكانها استغلال الضغوط التي تواجهها إدارة ترمب بسبب الانتخابات النصفية، وارتفاع أسعار النفط لانتزاع تنازلات من واشنطن.

وتعتقد أوساط إسرائيلية أن طهران تستفيد من إطالة أمد المواجهة، وتتبنى موقفاً متشدداً في المفاوضات، من دون أن تبدي اهتماماً كافياً بالتداعيات الاقتصادية على مواطنيها بسبب الحصار البحري والاقتصادي. وترى هذه الأوساط أن استمرار الصمود الإيراني قد يدفع الإدارة الأميركية، في نهاية المطاف، إلى تقديم تنازلات.

وبناءً على ذلك، تؤيد هذه الأوساط توجيه ضربة عسكرية واسعة إلى إيران، لكنها تفضل أن تكون أميركية ـ إسرائيلية مشتركة، لا أن تتحمل إسرائيل وحدها تبعاتها العسكرية والسياسية.

ومع ذلك، فإن الجدل المتصاعد في إسرائيل بشأن احتمال سعي نتنياهو إلى توظيف ضربة عسكرية لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية، بما في ذلك احتمال تأجيل الانتخابات، دفع أجهزة أمنية إسرائيلية إلى إبداء تحفظات على الدخول في حرب قد يُنظر إليها على أنها تخدم مصالح حزبية وشخصية لرئيس الوزراء.

وتفضل هذه الأجهزة، وفق المعطيات المتداولة، الانتظار بضعة أسابيع قبل اتخاذ قرار بالهجوم، بينما تواصل حوارها مع القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» بشأن الخيارات العسكرية المحتملة. ويشمل التنسيق إعداد الخطط وتحديث بنك الأهداف، إلى حين اتخاذ القرارات السياسية اللازمة في تل أبيب وواشنطن.