طلاء جديد يُغيّر لونه مع الطقس

يتكيف مع مناخ الفصول ويقلل فواتير استهلاك الطاقة

إلى اليسار: الطلاء الداكن يمتص الحرارة ويدفئ الداخل
وإلى اليمين: الطلاء الفاتح اللون يعكس الحرارة ويبرد الداخل
إلى اليسار: الطلاء الداكن يمتص الحرارة ويدفئ الداخل وإلى اليمين: الطلاء الفاتح اللون يعكس الحرارة ويبرد الداخل
TT

طلاء جديد يُغيّر لونه مع الطقس

إلى اليسار: الطلاء الداكن يمتص الحرارة ويدفئ الداخل
وإلى اليمين: الطلاء الفاتح اللون يعكس الحرارة ويبرد الداخل
إلى اليسار: الطلاء الداكن يمتص الحرارة ويدفئ الداخل وإلى اليمين: الطلاء الفاتح اللون يعكس الحرارة ويبرد الداخل

لا تقتصر أهمية لون منزلك على الناحية الجمالية فقط، فقد أظهرت مجموعة كبيرة من الأبحاث أن طلاء المباني باللون الأبيض (الذي يعكس الحرارة) يمكن أن يجعلها أكثر برودة، كما أن طلاءها باللون الأسود (الذي يمتص الحرارة) يمكن أن يجعلها أكثر دفئا. وهذا هو السبب في أن معظم المنازل في اليونان بيضاء اللون، والعديد من المنازل في جميع أنحاء الدول الإسكندنافية سوداء اللون.

طلاء يتكيف مع المناخ

ولكن ماذا عن بقية أنحاء العالم حيث تتغير درجات الحرارة مع تغير الفصول؟

قام المصمم الصناعي جو دوسيه Joe Doucet بتطوير ما يسميه الطلاء «المتكيف مع المناخ» الذي يمكن أن يغير ألوانه بناء على درجة الحرارة في الخارج. وتتبع هذه التركيبة التي تنتظر الحصول على براءة الاختراع، والمعروفة باسم «الطلاء المتكيف حرارياً» thermochromic paint ، نفس مبدأ خواتم المزاج «المتلونة حراريا» من حقبة التسعينيات. باستثناء أنه بدلا من تغيير لون المجوهرات، فإنه يُغير لون واجهة المبنى بالكامل.

إذا كانت درجة الحرارة في الخارج مثلا أقل من 77 درجة فهرنهايت (25 مئوية)، فسوف يكون لون المبنى أسود. أما إذا كانت درجة الحرارة أعلى من 77 درجة فهرنهايت، فسوف يتحول إلى اللون الأبيض.

تدرجات لونية

يمكن مزج هذه التركيبة مع تدرجات لونية أخرى، فإذا كنت تريد منزلا أزرق، فسوف يبدو ببساطة أزرق فاتحا في الصيف وأزرق داكنا في الشتاء. ويقول دوسيه: «من المذهل التفكير في أن البيئة المبنية تتغير مع تغير الفصول كما تفعل الطبيعة»، ويقدر دوسيه أن طلاء مبنى بهذا الطلاء المتكيف مع المناخ يمكن أن يوفر ما بين 20 إلى 30 في المائة في المتوسط من تكاليف الطاقة.

قوة الطلاء

لجأت العديد من المدن إلى الطلاء للتخفيف من المشاكل الحضرية مثل «تأثير الجزيرة الحرارية الحضرية». في عام 2019، قامت فرق في السنغال وبنغلاديش والمكسيك وإندونيسيا بطلاء ما مجموعه 250 ألف سطح منزل صغير بطلاء أبيض عاكس كجزء من «تحدي المليون سطح بارد». وفي عام 2022، قامت مدينة لوس أنجليس بتغطية مليون قدم مربع من الشوارع والأرصفة في حي باكويما، وهو حي منخفض الدخل، بطلاء عاكس للطاقة الشمسية. وتم تبريد الأسطح على الفور بمقدار 10 إلى 12 درجة فهرنهايت (نحو 5 مئوية)، وبعد مرور عام، أظهرت الدراسات أن درجات الحرارة المحيطة في جميع أنحاء الحي بأكمله قد انخفضت بما يصل إلى 3.5 درجة فهرنهايت.

يمكن للطلاء المتكيف مع المناخ أن يحدث فرقا في المنازل والمباني السكنية، وكذلك المنشآت الصناعية الكبيرة مثل المزارع والمستودعات التي يتم التحكم في مناخها والتي كانت ستلجأ إلى التكييف أو التدفئة للحفاظ على درجة الحرارة المطلوبة. يقول ريتشارد هينزل، الشريك والمدير الإداري في شركة جو دوسيه وشركاه: «إن عملية تدفئة وتبريد المباني الكبيرة مكلفة، لذا فإن أي شيء يمكنك القيام به لتخفيف هذه التكلفة منطقي من الناحية التجارية أيضا».

نماذج منزلية

راودت دوسيه فكرة الطلاء المتكيف مع المناخ للمرة الأولى أثناء تجديد منزله في شاباكوا في نيويورك. ويتذكر قائلا: «لقد أجلت اختيار اللون الذي يجب أن يكون عليه لأنني أردت أن يكون لديّ فهم لما يفعله اللون من حيث استخدام الطاقة». وقام المصمم، الذي منح توربينات الرياح أخيرا تصميما جديدا، ببناء نموذجين مصغرين لمنزله، مع نفس نوع المواد العازلة التي استخدمها في المنزل الفعلي. ثم قام بطلاء النموذج الأول باللون الأسود والنموذج الثاني باللون الأبيض.

تطوير مبتكر

وعلى مدار عام كامل، قام بقياس السطح الخارجي والداخلي لكلا النموذجين، ووجد أنه في مواسم الذروة مثل الصيف والشتاء، تفاوتت درجات الحرارة بين النموذجين بما يصل إلى 13 درجة فهرنهايت (5.5 مئوية). وبشكل أكثر تحديدا، في فصل الصيف، كان المنزل الأبيض أبرد من المنزل الأسود في الداخل بمقدار 12 درجة فهرنهايت، بينما في فصل الشتاء، كان المنزل الأسود أكثر دفئا من المنزل الأبيض في الداخل بمقدار 7 درجات فهرنهايت. ويقول إن العكس كان صحيحا أيضا. فقد كان المنزل الأسود أكثر دفئا بمقدار 13 درجة فهرنهايت (5.5 مئوية) في الصيف، بينما كان المنزل الأبيض أبرد بمقدار 8 درجات فهرنهايت في الشتاء.

حصل دوسيه على هذه القياسات من نموذج مصغر وليس من منزل بالحجم الكامل، لكنه يشير إلى أن الفرق الوحيد بين الاثنين هو الوقت الذي يستغرقه كل مكان للتدفئة أو التبريد. ويقول على سبيل المثال: «تسخن المقلاة الأصغر وتبرد بشكل أسرع من المقلاة الأكبر، لكنها لا تزداد سخونة أو برودة».

في نهاية التجربة، خطر بباله أن الإجابة عن سؤاله الأصلي - أي لون يطلي به منزله؟ - كانت طلاءه باللون الأسود في الشتاء والأبيض في الصيف. لكن ذلك لم يكن حلا عمليا.

عامان من التطوير

استغرق الوصول إلى الحل الأكثر عملية - وهو الطلاء الذي يمكن استخدامه في آن واحد - عامين من التطوير مع حوالي 100 نموذج آخر للحصول على الصيغة الصحيحة. واستخدم الفريق طلاء «لاتكس» للمنازل المتوفر تجاريا كقاعدة، ثم مزجوا فيه تركيبتهم الخاصة. لكن صياغة تركيبة يمكن أن تحافظ على الانتقال من اللون الفاتح إلى اللون الداكن من دون أن تتحلل - وبالتالي ينتهي بها الأمر إلى اللون الرمادي - أثبتت صعوبة تنفيذها.

إذا كان لديك من قبل نظارات انتقالية «علقت» في اللون الداكن ولم تعد أبدا إلى اللون الشفاف، فأنت تفهم المشكلة. إذا كان الطلاء يتحلل بسرعة كبيرة وتضطر إلى إعادة طلاء منزلك كل شهر، فلن يشتريه أحد.

كانت التركيبات القليلة الأولى تتحلل بسرعة كبيرة، لكن الفريق ابتكر في النهاية «خلطة سرية» تساعد الطلاء على الاستمرار لمدة عام على الأقل من دون أي تدهور. ويعكس هذا الرقم مدة اختبار دوسيه للطلاء في الاستوديو الخاص به. وقد يكون الرقم النهائي أعلى من ذلك - أو قد لا يكون كذلك.

اختبارات لاحقة

لم يخضع الطلاء بعد لاختبارات مختبرية صارمة، لذا فلا يزال هناك الكثير من الأمور المجهولة. يقول دوسيه: «نحن لا نؤسس شركة للطلاء». بدلا من ذلك، يريد فريقه ترخيص التركيبة لمُصنعي الطلاء الذين سوف يأخذون الطلاء المتكيف مع المناخ إلى خط النهاية ويطلقونه بأنفسهم.

وإذا لاقى الأمر رواجا وانضمت شركات الطلاء إلى هذه الفكرة، فسوف يتعين عليها تطوير منتج منافس يكون متينا وسعره مناسبا. في الوقت الحالي، يُقدّر دوسيه أن الطلاء المتكيف مع المناخ سوف يُكلف حوالي 3 إلى 5 أضعاف تكلفة غالون الطلاء العادي، على الرغم من أنه يقول إنك سوف تستعيد ذلك بسرعة من خلال توفير الطاقة. كما يقول: «أنا واثق من أنه إذا كانت هناك استجابة إيجابية، فقد يحقق هذا الطلاء نجاحا كبيرا في السوق».

في الأثناء ذاتها، انتهى دوسيه من تجديد منزله واختار اللون الأسود. ويقول ضاحكا: «لم أستطع الانتظار».

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

الدبلوماسية البيئية السعودية: مقاربة شاملة تتجاوز المناخ

خاص المساحة الخضراء في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

الدبلوماسية البيئية السعودية: مقاربة شاملة تتجاوز المناخ

تقود السعودية دبلوماسية بيئية شاملة على الساحة الدولية، لا تقتصر على ملف المناخ وحده، وفق توصيف وكيل وزارة البيئة والمياه والزراعة أسامة الفقيها.

نجلاء حبريري (دافوس)
بيئة الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
يوميات الشرق باحثون على نهر توتن الجليدي يعيدون ضبط معدات الرصد الميداني (دكتور بن غالتون - فينزي فيسبوك)

مصير سواحل الكوكب مرهون بسرعة ذوبان جليد القارة القطبية

تحتوي بعض مناطق القارة على كميات كافية من الجليد لرفع مستوى سطح البحر بمقدار 15 متراً في حال ذوبانها بالكامل، إلا أن الباحثين لا يزالون يجهلون العواقب الكاملة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أفريقيا يجلس السكان على متن شاحنة عسكرية موزمبيقية تنقلهم عبر مياه الفيضانات التي أغلقت طريقاً في مقاطعة بوان (أ.ف.ب)

الأمطار والفيضانات تقتل أكثر من 100 شخص في الجنوب الأفريقي

سببت الأمطار الغزيرة والفيضانات في 3 دول بمنطقة الجنوب الأفريقي، في مقتل أكثر من 100 شخص.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
يوميات الشرق النار تأتي من حزن لم يجد مَخرجاً (فيسبوك)

ثلاثية «أفاتار»... سينما تُفكّك العنف

الرماد حين لا يُحتَوى، لا يبرد... هو فقط يُنتج ناراً جديدة يستحيل من بعدها التعامل مع العنف على أنه حدث استثنائي.

فاطمة عبد الله (بيروت)

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين
TT

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

مع مطلع الألفية، كان عدد الجينات في جينوم الإنسان لا يزال محل نقاش. وعندما حصلنا أخيراً على أول تقدير رسمي، كان العدد أقل بكثير من التوقعات، مما أسهم في إطلاق حركة لإعادة النظر في عملية التطور.

في عام 2001، أعلن مشروع الجينوم البشري أن لدينا ما لا يزيد على 40 ألف جين مُشفِّر للبروتين -وهو رقم تم تعديله لاحقاً إلى نحو 20 ألفاً. كنا بحاجة إلى آليات أخرى لتفسير تعقيد بيولوجيتنا وتطورنا، كما كتب كولين باراس في مجلة «نيو ساينتست» العلمية البريطانية.

تألق علم التخلق

وهنا حان وقت تألق علم التخلق. وعلم التخلق هو مصطلح شامل يصف كيفية تفاعل مجموعة واسعة من الجزيئات مع الحمض النووي (DNA) أو الحمض النووي الريبوزي (RNA) للتأثير في نشاط الجينات دون تغيير الشفرة الوراثية الأساسية. وكذا يمكن لخليتين لهما جينومات متطابقة ولكن بعلامات خلقية مختلفة أن تبدوان وتتصرفان بشكل مختلف تماماً.

ويطلق على علمُ التَّخَلُّق (EPIGENETICS) أيضاً «علم ما فوق الجينات» أو علم التخلق المتعاقب، أو علم التخلق المتوالي.

يُتيح علم التخلق المتوالي هذا، إمكانية استخلاص مزيد من المعرفة من تعقيدات الجينوم، من خلال عوامل مثل العوامل البيئية. ويؤمن بعض علماء الأحياء بقدرته على فعل أكثر من ذلك، بل ربما التأثير في عملية التطور نفسها.

كيف تعرَّف العلماء على الظاهرة؟

في دراسة أُجريت عام 2019، عُرِّضت الخميرة لمادة كيميائية سامة، فقتلت هذه المادةُ الخميرة عندما تفاعلت مع بروتين يُنتجه أحد جينات الخميرة لكن خلايا الخميرة الأخرى التي تمتلك القدرة على إسكات هذا الجين، عبر مسار «فوق جيني»، نجت. وبعد عدة أجيال، طوّرت بعض خلايا الخميرة المزدهرة تلك طفرات جينية عززت وسائل إسكات الجين المُعرَّض للخطر. لقد تطورت الخميرة، وتغيرت شفرتها الوراثية، لكن هذه التغيرات الجينية بدأت بتعديلات «فوق جينية»، أي متخلّقة.

آراء متباينة حول دور التخلّق في اللبائن

وهكذا أصبح علم التخلق المتوالي حجر الزاوية في مسعى توسيع نظرية التطور. ولكن على الرغم من وجود أدلة على قدرة علم التخلق المتوالي على التأثير في تطور النباتات والكائنات الدقيقة، فإنه لا يوجد إجماع على أن هذا ينطبق على نطاق أوسع من الكائنات الحية.

يقول أدريان بيرد، الباحث في علم الوراثة بجامعة إدنبرة في المملكة المتحدة: «أنا متشكك». وفي ورقة بحثية نُشرت العام الماضي، جادل بيرد بأنه لا توجد طريقة واضحة لتأثير العوامل البيئية، كالجفاف والمجاعة، على جينوم اللبائن (الثدييات). علاوة على ذلك، يمكن أن تنتقل المؤشرات فوق الجينية من الآباء إلى الأبناء، ولكن الكثير منها يُزال في المراحل المبكرة من نمو جنين الثدييات.

في المقابل، يتجاهل آخرون هذه المخاوف. يقول كيفن لالا، عالم الأحياء التطورية بجامعة «سانت أندروز» في المملكة المتحدة: «الوراثة فوق الجينية شائعة في كل من النباتات والحيوانات». وفي كتاب نُشر العام الماضي، قدَّم لالا وزملاؤه قائمة طويلة من الدراسات التي تشير إلى أن علم فوق الجينات يؤثر في التطور عبر شجرة الحياة.

انطلاقة الوراثة «فوق الجينية»

لماذا تتباين الآراء بشدة؟ ربما يتعلق الأمر بالتوقيت. يقول لالا: «إن الوراثة فوق الجينية مجال سريع التطور للغاية». فعلى الرغم من أنها كانت محط اهتمام الباحثين في علم الأحياء لمدة 80 عاماً، فإن علم الوراثة فوق الجينية لم يصبح محوراً رئيسياً لأبحاث التطور إلا في السنوات الـ25 الماضية -والأفكار الكبيرة تحتاج إلى وقت لتقييمها.


الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات
TT

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

تتجه الأدلة العلمية بشكل متزايد إلى حقيقة صادمة هي أن إساءة معاملة الأطفال لا تُلحق الأذى بالنفس فقط، بل تترك آثاراً بيولوجية دائمة على الجينات وبنية الدماغ، ما يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بالاضطرابات النفسية على امتداد العمر.

الصدمات المبكرة تُنقش بيولوجياً

وقد كشفت دراستان حديثتان نُشرتا في مجلات نفسية مرموقة عن أقوى الأدلة الجينية واللاجينية حتى الآن على أن الصدمات المبكرة في الحياة تصبح منقوشة بيولوجياً في الجسم، وتؤثر في تطور الدماغ وتنظيم الجينات والصحة النفسية طويلة الأمد.

وتمثل هذه النتائج مجتمعةً نقطة تحوّل في فهم العلم لمشكلة إساءة معاملة الأطفال إذ لم تُعد مسألة اجتماعية أو نفسية فحسب، بل عامل خطر بيولوجي له تبعات جينية قابلة للقياس.

دليل جيني على خطر يمتد مدى الحياة

في دراسة رائدة نُشرت في المجلة البريطانية للطب النفسي «The British Journal of Psychiatry» في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 قام باحثون برئاسة برايان هون ين تشونغ من قسم طب الأطفال والمراهقين بكلية الطب السريري في جامعة هونغ كونغ الصينية، بتحليل بيانات جينية ونفسية لأكثر من 500 ألف شخص، إلى جانب بيانات عن إساءة معاملة الطفولة لأكثر من 140 ألف حالة. وباستخدام أساليب جينومية متقدمة أثبت الفريق وجود علاقة سببية بين إساءة معاملة الأطفال واضطرابات نفسية عصبية عدة.

وكانت النتائج مذهلة، إذ إن الأفراد الذين تعرَّضوا للإيذاء أو الإهمال في مرحلة الطفولة واجهوا خطراً أعلى بـ5 أضعاف تقريباً للإصابة بالفصام، وزيادة تصل إلى 9 أضعاف في اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD)، وضعف خطر الإصابة باضطراب الاكتئاب الشديد في وقت لاحق من حياتهم.

التأثير على جينات ترتبط بالأمراض العقلية

وعلى المستوى البيولوجي كشفت الدراسة عن أن سوء معاملة الأطفال يترك آثاراً جينية مستمرة، لا سيما التغيرات في «مثيلة الحمض النووي (DNA methylation)»، وهي تعديلات كيميائية تُغيِّر طريقة عمل الجينات دون تغيير الشيفرة الوراثية نفسها.

ومن بين آلاف هذه التغيرات، حدَّد الباحثون 10 مناطق جينومية رئيسية بالقرب من 9 جينات مرتبطة بالأمراض العقلية. الجدير بالذكر أن كثيراً من هذه الجينات متورطة أيضاً في أمراض تنكسية عصبية مثل ألزهايمر وباركنسون، ما يشير إلى وجود مسارات بيولوجية مشتركة بين الصدمات المبكرة والأمراض النفسية والتدهور المعرفي في مراحل لاحقة من العمر.

وتساعد هذه النتائج على تفسير سبب استمرار آثار الإساءة في الطفولة لعقود طويلة حتى بعد زوال الحدث الصادم نفسه.

الصدمة المكتوبة في الدماغ

وتكمل هذه النتائج دراسة ثانية من جامعة فوكوي في اليابان نُشرت في مجلة «الطب النفسي الجزيئي (Molecular Psychiatry)» في 16 سبتمبر (أيلول) 2025 ركّزت على الندوب البيولوجية المباشرة التي تتركها إساءة معاملة الأطفال على الحمض النووي وبنية الدماغ معاً.

وقاد الدراسة البروفسورة أكيمي تومودا، والأستاذ المساعد شوتا نيشيطاني، وكلاهما من «مركز أبحاث النمو العقلي للطفل» في الجامعة. واستخدم الفريق نهجاً واسع النطاق لفحص التغيّرات اللاجينية عبر مجموعات متعددة شملت أطفالاً صغاراً ومراهقين خضعوا لتدخلات حماية، إضافة إلى حالات تشريح قضائي. وعلى خلاف الدراسات السابقة التي ركّزت على جينات محددة، مسحت هذه الدراسة كامل «الإبيجينوم» epigenome للكشف عن بصمات جزيئية جديدة للصدمة.

و«الإبيجينوم» هي مجموعة التغيُّرات الكيميائية التي تطرأ على الحمض النووي (DNA) والبروتينات التي تؤثر على وقت ومكان وكيفية التعبير عن الحمض النووي. ويمكن أن تنتقل هذه التغيُّرات إلى نسل الكائن الحي وراثياً عبر الأجيال.

وحدَّد الباحثون 4 مواقع لمثيلة الحمض النووي ارتبطت بشكل ثابت بإساءة معاملة الطفولة أهمها «FOXP1»، وهو جين يُعد مفتاحاً رئيسياً لتنظيم تطور الدماغ.

وارتبطت زيادة مثيلة الجين «FOXP1» ارتباطاً مباشراً بتغيُّرات قابلة للقياس في حجم المادة الرمادية في مناطق دماغية رئيسية، حيث تُعد هذه المناطق حيوية للتنظيم العاطفي والذاكرة واتخاذ القرارات والإدراك الاجتماعي. وهي وظائف غالباً ما تتأثر لدى الأفراد الذين لديهم تاريخ من الصدمات النفسية في الطفولة المبكرة.

ومن خلال الربط المباشر بين التغيّرات اللاجينية وبنية الدماغ تقدّم الدراسة دليلاً بيولوجياً قوياً على أن إساءة معاملة الأطفال تعيد تشكيل الدماغ النامي ذاته.

الكشف المبكر والوقاية

والأهم أن الدراستين لا تكتفيان بالتشخيص، بل تفتحان الباب أمام حلول عملية. فقد حدَّدت دراسة هونغ كونغ 3 عوامل رئيسية قابلة للتعديل تتوسط العلاقة بين سوء معاملة الأطفال والمرض العقلي اللاحق. وتشمل هذه العوامل السلوكيات المرتبطة بالإدمان مثل التدخين وتعاطي المخدرات، والسمات المعرفية مثل الوظائف التنفيذية والذكاء، وكذلك العوامل الاجتماعية والاقتصادية، لا سيما التحصيل العلمي. ويمكن للتدخلات الموجّهة في هذه المجالات أن تقلّل الضرر طويل الأمد بشكل ملموس.

في المقابل طوَّر فريق جامعة فوكوي مؤشر خطر للمثيلة يعتمد على المواقع الـ4 المرتبطة بالصدمة. وقد نجح هذا المؤشر في التمييز بين الأفراد الذين لديهم تاريخ من الإساءة والذين لا يملكون ذلك التاريخ باستخدام بيانات مستقلة؛ ما يفتح المجال مستقبلاً لأدوات فحص موضوعية تساعد على التعرُّف المبكر إلى الأطفال المعرّضين للخطر قبل ظهور الاضطرابات النفسية.

ويرى الخبراء أن هذه الاكتشافات تمثل تحوّلاً جذرياً، إذ لم تعد الجينوميات واللاجينوميات حكراً على الأمراض النادرة، بل أصبحت أدوات أساسية لمعالجة تحديات صحية عامة واسعة الانتشار مثل إساءة معاملة الأطفال.

ضرورة بيولوجية لحماية الطفولة

وتبعث هاتان الدراستان برسالة واضحة هي أن إساءة معاملة الأطفال تترك بصمات بيولوجية عميقة يمكن أن تُشكّل الصحة النفسية طوال الحياة. ورغم أن بعض التغيّرات اللاجينية قد يصعب عكسها فإن البحث يؤكد حقيقة قوية، ألا وهي أن الوقاية هي التدخل الأكثر فاعلية.

ومن خلال فهم الكيفية التي تُكتب بها الصدمة المبكرة في جيناتنا وأدمغتنا يمنحنا العلم إلحاحاً أكبر وأدوات أفضل لحماية الأطفال والتدخل المبكر وكسر حلقة الإساءة التي قد تمتد آثارها عبر الأجيال.


كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده
TT

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

تذكّرنا خبرات الحياة أن التجربة جزءٌ لا يتجزأ من التعلّم؛ فأنا أعتبر نفسي خبيرة في تحضير الصلصة. ولم أكن لأصبح خبيرة لو أنني سألت برنامج «تشات جي بي تي» عن كيفية تحضير الصلصة في كل مرة، كما كتبت أيتكين تانك(*).

ويتضح جلياً أن الذكاء الاصطناعي قادر على تخفيف عبء المحاولة المتكررة إذ إنه يجعل من السهل جداً أخذ شيء موجود وطلب نسخة جديدة منه

التعامل كشريك لا بديل

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز التفكير الإبداعي، أو أن يقضي عليه تماماً. وبصفتي الرئيس التنفيذي لشركة تعتمد على الأتمتة، وجدتُ أن المفتاح هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي كشريك إبداعي، لا كبديل.

وإليك بعض القواعد الأساسية لتحقيق التوازن الأمثل:

1. استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد الأفكار، لا لاتخاذ القرارات النهائية: عندما أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحاً على نطاق واسع، أثيرت ضجة كبيرة حول آثاره. فقد خشي المحترفون، من العاملين في مجال المعرفة إلى المؤلفين وغيرهم، من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل وظائفهم، إذ بدا أن الذكاء الاصطناعي مُقدّر له أن يستمر في التطور، متجاوزاً مهارات وذكاء نظرائه من البشر.

في الآونة الأخيرة، أصبحت حدود هذه التقنية أكثر وضوحاً. فبينما تظل أدوات الذكاء الاصطناعي أدوات قوية في مكان العمل، فمن غير المرجح أن يكون تقدمها متسارعاً بلا حدود. ويجادل النقاد بأن «التكنولوجيا مهمة، لكنها ليست مهيأة لإحداث تغيير جذري في حياتنا؛ فقد لا تتحسن بشكل ملحوظ أكثر عما هي عليه اليوم».

شريك في شحذ الأذهان

الذكاء الاصطناعي لن يكتب الرواية العظيمة الجديدة، ولن يؤلف سيمفونيات تنافس باخ، لكنه شريك ممتاز في الشحذ الذهني. وقد أوضح البروفسور كريستيان تيرويش من كلية وارتون، الذي اختبر قدرة «جي بي تي» على توليد الأفكار مقارنة بقدرات طلاب الجامعات: «إنها رخيصة (الثمن)، وسريعة، وجيدة. ما الذي لا يمكن أن يُعجبك فيها؟ أسوأ ما قد يحدث هو أن ترفض جميع الأفكار (التي تولدها) وتعتمد على أفكارك الخاصة. لكن بحثنا يؤكد بقوة أن مخزون أفكارك سيتحسن باستخدامها».

وتساعدك أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد المزيد من الأفكار الأفضل. ابدأ بأفكارك الخاصة. لذا استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد بدائل. ثم استخدم حكمك البشري لصقلها واختيار أفضل مسار للمضي قدماً.

الحوار بدلاً من الأوامر

2. تعامل مع الأوامر الموجهة كأنها محادثة. وليس أوامر: إحدى نقاط قوة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية، مثل «جي بي تي» هي طبيعتها الحوارية. اعتبر سؤالك الأول بمثابة تمهيدٍ لبدء الحوار.

مع أنني أنصحك بأن تكون دقيقاً قدر الإمكان، أي أن تُزوّد ​​الأداة بسياقٍ كافٍ لتوليد ردودٍ قوية ودقيقة، يمكنك دائماً تحسين التوجيهات أثناء العمل. ولتوضيح ذلك بصرياً، تخيّل حوارك مع الذكاء الاصطناعي كقُمع: واسع من الأعلى ويضيق كلما اتجهت نحو الأسفل.

يمكنك البدء بطلب أفكارٍ لحملة تسويقية من «جي بي تي». وبمجرد أن يُنتج قائمة، اطلب منه تحسين تلك الأفكار لتناسب فئة مستهدفة محددة، مثل رواد الأعمال التقنيين في العشرينات والأربعينات من العمر، أو الآباء والأمهات في الضواحي. استمر في التكرار حتى تصل إلى النتيجة الأنسب لك.

على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب

3. أفسح المجال للتجربة: في الواقع، سيُعزز وجود حسٍّ صحي من حب الاطلاع بين الموظفين نمو التجربة وتوسعها. وتظهر الأبحاث أن الفوائد هنا تشمل: زيادة الابتكار، وتقليل الصراعات الجماعية، وتقليل أخطاء اتخاذ القرارات، وتحسين التواصل.

بينما يدّعي القادة غالباً تقديرهم لحب الاطلاع، إلا أنهم يميلون إلى كبته، مفضلين التزام الموظفين بالقواعد. بدلاً من ذلك، ينبغي على القادة منح الموظفين حرية الاستكشاف. خصصوا وقتاً كافياً في جداولهم الزمنية ليتمكنوا من اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها دون ضغط إثبات عائد استثمار فوري.

كونوا قدوة: شاركوا تجاربكم الخاصة، سواءً أكانت تجربةُ ميزةٍ جديدة للذكاء الاصطناعي أو سرداً لحادثة أتمتة لم تسر على ما يرام. حتى الأخطاء قد تكون مفيدة.

اطلبوا آراء الموظفين لاكتشاف ما يثير فضولهم: أنظمة أو أدوات جديدة يرغبون في تجربتها، أو طرق أفضل لإدارة الشركة. قد يبدو الأمر غير فعال، وكأنه إهدار لوقت وجهد الموظفين، لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، يعتمد الحفاظ على القدرة التنافسية على الفضول الصحي والتجريب. يجب على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب.

مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»