العلاقات الفرنسية - الجزائرية تسلك مساراً جديداً لطيّ صفحة الخلافات

كيف نجح الرئيسان إيمانويل ماكرون وعبد المجيد تبون في تخطي المتطرفين لدى الجانبين؟

فرنسا والجزائر على الطريق لفتح صفحة جديدة في علاقاتهما (أ.ف.ب)
فرنسا والجزائر على الطريق لفتح صفحة جديدة في علاقاتهما (أ.ف.ب)
TT

العلاقات الفرنسية - الجزائرية تسلك مساراً جديداً لطيّ صفحة الخلافات

فرنسا والجزائر على الطريق لفتح صفحة جديدة في علاقاتهما (أ.ف.ب)
فرنسا والجزائر على الطريق لفتح صفحة جديدة في علاقاتهما (أ.ف.ب)

وفّر عيد الفطر المبارك، الاثنين الماضي، للرئيس الفرنسي مناسبة للتواصل هاتفياً مع نظيره الجزائري لتهنئته به. لكن الغرض الأساسي تمثل برغبة الطرفين في طيّ صفحة الخلافات، التي تحكمت في علاقات البلدين منذ شهر يوليو (تموز) 2024، بعد أن نشرت حينذاك الرئاسة الفرنسية نص الرسالة التي وجهها إيمانويل ماكرون إلى العاهل المغربي بمناسبة ذكرى اعتلائه العرش، وفيها يؤكد له أن «حاضر الصحراء الغربية ومستقبلها يندرج في إطار السيادة المغربية».

ماكرون يكرم خلال أكتوبر الماضي بعض المشاركين في الحرب الجزائرية (أ.ف.ب)

وكشفت مصادر دبلوماسية في باريس عن أن ماكرون لم يفاجئ الرئيس عبد المجيد تبون بهذا الموقف؛ لأنه أطلعه عليه قبل ذلك خلال لقائهما في إيطاليا على هامش قمة «مجموعة السبع»، وذلك «عملا بمبدأ الشفافية».

وخلال أشهر طويلة، تأرجحت العلاقات بين فرنسا والجزائر بين المراوحة والتصعيد، والأسباب كثيرة وطفت على السطح تباعاً؛ فمن جانب، هناك رفض الجزائر استعادة مواطنيها الذين فقدوا حق البقاء على الأراضي الفرنسية، وملاحقة «مؤثرين» جزائريين متهمين بالعمل لمصلحة النظام والدعوة إلى العنف، واعتقال الكاتب الجزائري - الفرنسي بوعلام صنصال وسجنه.

الرئيس الجزائري مستقبلاً مستشارة الرئيس الفرنسي لشؤون شمال أفريقيا والشرق الأوسط يوم 11 سبتمبر 2024 (الرئاسة الجزائرية)

ومن جانب آخر، تكاثرت الحملات السياسية على الجزائر، ومنها استخدام التأشيرات الفرنسية وسيلة ضغط على الجانب الآخر، وتداخل ملفات الهجرة والأمن والتطرف والإرهاب ببعضها ببعض، ورغبة وزير الداخلية الفرنسي، برونو ريتايو، الدخول في عملية «ليّ ذراع» مع الجزائر، و«الإنذار» الذي وجهه رئيس الحكومة فرنسوا بايرو، والتهديد بالتراجع عن عدد من الاتفاقيات المبرمة منذ سنوات بين البلدين. والأهم من ذلك، كله أن العلاقات الثنائية أصبحت لدى الطرفين سلاحاً سياسياً يُستخدم في التحارب الداخلي، خصوصاً في فرنسا حيث يستغل اليمين؛ بجناحيه التقليدي والمتطرف، الملف الجزائري شعبوياً.

دور «الخلية الدبلوماسية»

في ظل هذه الأجواء، لم يكن الاتصال الهاتفي بين الرئيسين ممكناً لولا العمل الدبلوماسي البعيد عن الأضواء، الذي جرى في الأشهر الثلاثة الماضية من العام الحالي. وعُلم في باريس أن «الخلية الدبلوماسية» في «قصر الإليزيه» أجرت 3 زيارات إلى الجزائر، آخرها زيارة آن كلير لوجاندر، مستشارة الرئيس ماكرون لشؤون العالم العربي، ولقاؤها الرئيس تبون بهدف تمهيد الأرضية لعودة التواصل بين الرئيسين، والسعي للرجوع إلى علاقات طبيعية.

وزير داخلية فرنسا برونو ريتايو (أ.ب)

وكان بوعلام بوعلام، مدير مكتب الرئيس تبون، المحاورَ المنتدبَ لـ«الخلية الدبلوماسية» من «الإليزيه». ولعبت الجملة التي قالها الرئيس تبون في حديث لمجموعة من الصحف الجزائرية دورها في تسهيل الأمور، عندما أكد أن «المرجع» بالنسبة إليه، فرنسياً، هو رئيس الجمهورية وليس أي طرف آخر. وفسرت باريس ذلك بأنه رغبة رئاسية جزائرية في تجاوز وزير الداخلية برونو ريتايو، الذي يُنظر إليه في الجانب الآخر من المتوسط، على أنه «يصب الزيت على النار لغرض سياسي؛ نظراً إلى سعيه لترؤس حزب (الجمهوريون)، بمناسبة الانتخابات الحزبية الداخلية الشهر المقبل».

معضلة صنصال في طريقها إلى الحل

ورأت باريس في الحكم «المخفف» الصادر بحق صنصال (5 سنوات سجناً بدلاً من العشر التي طلبها الادعاء العام)، مؤشراً لرغبة جزائرية في قلب صفحة الخلافات. وعدّت مصادر سياسية معنية بالملف الجزائري في باريس أن الطرفين توصلا إلى قناعة مفادها بأن «القطيعة بينهما مضرة للطرفين، وأن لكليهما مصلحة في عودة التعاون؛ لأنهما يواجهان معاً تحديات أمنية واستراتيجية وسياسية واقتصادية في عالم متغير، وأن كلاً منهما يحتاج الآخر».

الكاتب الجزائري - الفرنسي بوعلام صنصال الذي حكم عليه القضاء الجزائري بـ5 سنوات سجناً (أ.ب)

وجاء في بيان مشترك أن «الرئيسين توافقا على أن متانة الروابط، لا سيما الروابط الإنسانية، التي تجمع فرنسا والجزائر، والمصالح الاستراتيجية والأمنية للبلدين، والتحديات والأزمات التي تواجه أوروبا والبحر الأبيض المتوسط وأفريقيا، تتطلب العودة إلى هذا الحوار بين شريكين على قدم المساواة». ويبدو أن باريس فهمت أن الجزائر «تجاوزت» أزمة رسالة ماكرون إلى ملك المغرب، ووعت أنه لن يتراجع عنها. لكن في المقابل، ووفق ما جاءت به صحيفة «لوبينيون» في عددها ليوم الأربعاء، فقد تفاهم الرئيسان على أن تتحاشى باريس إثارة اللغط بشأن الصحراء الغربية، عبر الامتناع عن إرسال وزرائها إلى هذه المنطقة، وقبول الإشارة إلى دور الأمم المتحدة في الملف المذكور.

وفي أي حال، ترى باريس أن الرئيس تبون يريد الفصل بين علاقات بلاده بفرنسا، وعلاقات باريس بالرباط. وقد أوحى بذلك، في الحديث الصحافي المشار إليه سابقاً، بقوله إن «العلاقات الجزائرية - الفرنسية عمودية»، بمعنى أنها ليست مرتبطة بأي شيء آخر، في إشارة إلى التقارب الفرنسي - المغربي.

أعضاء «لجنة الذاكرة» خلال اجتماع لهم مع الرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)

جاء البيان المشترك والمطول شاملاً وتناول؛ تصريحاً وتلميحاً، نقاط النزاع كافة بين العاصمتين، ففي ملف استعداد الجزائر لاستقبال مواطنيها المرحّلين عن الأراضي الفرنسية، عُلم أن الطرفين شددا على العودة إلى الأصول المعمول بها، بحيث يتعين على السلطات الفرنسية أن تطلب من القنصليات الجزائرية المنتشرة على الأراضي الفرنسية أن توفر «وثيقة سفر» تؤكد جنسية الشخص المرحّل، وليس تجاوز هذه الأصول كما فعلت فرنسا مؤخراً، حين قدمت للجزائر لائحة من 60 اسماً، وطلبت موافقتها عليها. ولإعادة ترسيخ هذا المبدأ، اتُفق على اجتماع يضم المسؤولين عن 18 قنصلية جزائرية لدى فرنسا مع مسؤولي الأجهزة الأمنية في المناطق المعنية. كذلك، فإن باريس تأمل «لفتةً» من الرئيس تبون بخصوص الكاتب بوعلام صنصال، بمعنى أن يعمد الرئيس تبون إلى العفو عنه والسماح له بالعودة إلى فرنسا. وبما أن صنصال متقدم في السن ومريض، فقد يأتي ذلك تحت شعار «البادرة الإنسانية» التي دعا إليها ماكرون أكثر من مرة.

انطلاقة جديدة

يبدو واضحاً اليوم أن الطرفين يريدان «انطلاقة جديدة» لعلاقاتهما، وتفعيل «إعلان الجزائرّ» الذي صدر بمناسبة زيارة الدولة التي أجراها ماكرون صيف عام 2022. بالإضافة إلى «اللجنة المشتركة»، التي تشكلت من مؤرخين من الجانبين لتصفية ما يسمى «ملف الذاكرة»، والتي ستلتئم قريباً في باريس، لتقدم خلاصاتها إلى الرئيسين قبل الصيف المقبل. كما اتفق الطرفان على العودة إلى التعاون الأمني - الاستخباري، الذي توقف منذ 8 أشهر. ويعدّ الطرفان أن التعاون يفرض نفسه عليهما بشأن ملف منطقة الساحل، التي أُجبرت القوات الفرنسية على الخروج منها. كما أن الجزائر تتخوف من امتداداته السلبية إلى داخل أراضيها.

وبالتوازي، سيعاود الطرفان التعاون القضائي. وفي هذا السياق، سيزور وزير العدل الفرنسي، جيرالد دارمانان، قريباً الجزائر. كما أن وزير الخارجية جان نويل بارو سيزور الجزائر في 6 أبريل (نيسان) الحالي، بدعوة من نظيره أحمد العطاف. ومن المرتقب أن تكون العلاقات الثنائية من اختصاص وزيرَي الخارجية. واللافت أنه لا إشارة إلى زيارة ما من وزير الداخلية الفرنسي للجزائر.

اجتماع بين «اتحاد أرباب العمل» الفرنسي و«مجلس التجديد الاقتصادي» الجزائري في مايو 2022 (منظمة أرباب العمل الجزائرية)

أما في الملفات الاقتصادية، فقد توافق الطرفان على تطويرها، وتكثيف الحركة التجارية والاستثمارات المتبادلة، فقد أشار البيان المشترك إلى أن فرنسا ستعمل على دعم الجزائر في سعيها لإعادة النظر في اتفاقية الشراكة بينها وبين «الاتحاد الأوروبي».

ومساء الثلاثاء، دعا الرئيس ماكرون إلى اجتماع بشأن الجزائر، الغرض منه تنسيق العمل الحكومي لترجمة البيان المشترك إلى واقع، علماً بأن الرئيسين اتفقا «مبدئياً» على الالتقاء مجدداً، بيد أنه لا تفاصيل بهذا الشأن؛ لا في باريس ولا في الجزائر. لكن تجدر الإشارة إلى أن تبون لم يلبّ حتى اليوم دعوة لـ«زيارة دولة» إلى فرنسا، وُجهت إليه منذ صيف عام 2022. ولذا؛ فإن السيناريوهات كافة واردة. والأرجح أن الطرفين ينتظران النتائج العملية لاتصالهما الأخير قبل اتخاذ قرار بشأن لقائهما الجديد.

وفي أي حال، فإن اليمين الفرنسي لم يتأخر في التنديد بالتفاهم الجديد بين الجانبين، متهماً الحكومة بـ«الضعف والتراخي» في التعامل مع الجزائر، ومقللاً من تأثيره على الالتزامات التي يجب أن تُفرض على الجزائر. وقال لوران فوكييز، خلال اجتماع كتلة نواب حزب «الجمهوريين»: «لقد اتفقنا على إعادة إطلاق العلاقات الثنائية بين البلدين بعد أشهر من الأزمة. لكن في غضون 90 يوماً، سنجد بيننا عناصر خطيرة من (تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي) طليقة. لا يمكننا قبول ذلك».

من جانبه، وجّه إريك سيوتي، المتحالف مع اليمني المتطرف، انتقادات مباشرة إلى وزير الداخلية برونو ريتايو؛ لأنه «لم يُبرز سوى عضلات صغيرة في مواجهة الجزائر».



ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
TT

ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)

رفع «المجلس الأعلى للقضاء» في ليبيا سقف التصعيد ضد قرارات الدائرة الدستورية في «المحكمة العليا» في طرابلس، بتحذير صارم من «محاولات تسييس الجهاز القضائي»، و«العبث به في هذه المرحلة حساسة»، في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً مزمناً يكاد يقترب من ساحة القضاء.

جاء موقف «المجلس الأعلى للقضاء» على خلفية قرار الدائرة الدستورية إبطال قانونين أصدرهما مجلس النواب، وتضمنا تعديلات على قانون نظام القضاء، ما يعني سقوط الأساس الدستوري، الذي قام عليه تشكيل المجلس الأعلى للقضاء الحالي، وفقدانه صفته المستمدة من هذا القانون، بما يوجب إعادة تشكيله وفق النصوص السابقة.

ودون حديث مباشر عن «الدائرة الدستورية»، أعرب المجلس، في بيان، مساء الجمعة، عن أسفه لما يحدث على الساحة القضائية، وبخاصة «محاولات البعض للنيل من وحدة واستقلال السلطة القضائية، عبر استخدام أدوات تحسب نفسها على الشأن الدستوري للحلول محل المجلس بمجلس ضرار»، عادّاً أن هدفها «تحقيق غايات لا يمكن القول إلا أنها سياسية وشخصية ضيقة، على نحو يصادر كل ما عداها من سلطات».

وأضاف المجلس موضحاً أنه «حفاظاً على وحدة السلطة القضائية، والتحلي بالمسؤولية ولمصلحة الوطن الكبرى، مارس المجلس أعلى درجات الانضباط فترة من الزمن أمام تعنت مستمر ممن حملوا هذه الغايات لفرض أمر واقع لا نتيجة له»، مشيراً إلى محاولات «العبث بالجهاز في مرحلة حساسة وخطيرة من تاريخ الوطن، في الوقت الذي هو أحوج فيه ما يكون للوحدة دون غيرها».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

وينظر إلى هذا التصعيد على أنه حلقة من صراع قانوني وسياسي بين مجلسي النواب والدولة، انتقل من أروقة السياسة إلى قلب السلطة القضائية، وبينما سعى مجلس النواب عبر حزمة تعديلات قانونية إلى إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، بما يضمن له نفوذاً أكبر على الهيئة القضائية، اعتبر مجلس الدولة أن هذه الخطوة «تسييس» للقضاء.

وأكد «المجلس الأعلى للقضاء» أنه «سيظل الممثل الشرعي الوحيد للهيئات القضائية، ولن يتخلى عن التزامه بوحدة الجهاز وأعضائه تحت أي ضغوط، مع الالتفات عن أي قرارات تصدر عن غيره، وعدم الانصياع لمن عقدوا العزم على التفريط في وحدته بقرارات معدومة».

على صعيد آخر، اختتم مسار الحوكمة في الحوار المُهيكل، الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة، بمناقشة سبل استكمال مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتجاوز الجمود المتعلق بالإطار الانتخاب.

وبحث أعضاء المسار في ثاني جولة مداولات مباشرة، على مدى الخمسة أيام، القضايا المتعلقة بتأزم الطريق نحو الانتخابات، بما في ذلك استكمال مجلس المفوضية العليا للانتخابات، والجمود المتعلق بالإطار الانتخابي، مع تقديم توصيات عملية للعمل مع مجلسي النواب والدولة، أو خارجهما لضمان المضي قدماً في العملية السياسية.

وشهدت الجولة تأكيداً من الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، على أن هذا الحوار يمثل عملية «ليبية - ليبية»، تهدف لوضع حلول عملية صاغها الليبيون بأنفسهم لمستقبل بلادهم، بعيداً عن كونه هيئة لاختيار حكومة جديدة. كما استندت المداولات بشأن الإطار الانتخابي إلى قوانين لجنة «6+6»، وتوصيات اللجنة الاستشارية، مع التركيز على فهم الضمانات، والمخاوف السياسية الكامنة وراء الخلافات الحالية.

من جانبهم، أشار الأعضاء المشاركون إلى أن الجولة انتقلت من المبادئ العامة إلى التفاصيل الإجرائية، مؤكدين أن حل أزمة الشواغر في مجلس إدارة المفوضية يعد ركيزة أساسية لتعزيز الثقة في أي انتخابات مستقبلية، ومنع تعرضها للطعن أو التعطيل.

من حملة الانتخابات البلدية السابقة (المفوضية)

وفي ختام الجولة، عرض الأعضاء توصياتهم الرئيسية على سفراء وممثلي مجموعة العمل السياسية لعملية برلين، الذين أكدوا دعمهم لخريطة الطريق التي تيسرها البعثة الأممية، على أن يستأنف المسار أعماله في مارس (آذار) المقبل، لمواصلة بناء التوافق حول رؤية وطنية تحقق الاستقرار طويل الأمد.

وجددت البعثة الأممية التأكيد على أن الحوار المُهيكل ليس هيئةً لاتخاذ القرار بشأن اختيار حكومة جديدة، مشيرة إلى أنه يُعنى فقط ببحث توصيات عملية لخلق بيئة مواتية للانتخابات، ومعالجة التحديات الأكثر إلحاحاً في مجالات الحوكمة والاقتصاد والأمن، بهدف تعزيز مؤسسات الدولة. وذلك من خلال دراسة وتطوير مقترحات السياسات والتشريعات لمعالجة محركات الصراع طويلة الأمد، كما أشارت إلى أن عمل الحوار المُهيكل سيهدف إلى بناء توافق في الآراء حول رؤية وطنية، من شأنها أن تعبد الطريق نحو الاستقرار.

وتزامن هذا التطور مع انطلاق عملية الاقتراع، السبت، لانتخابات المجالس البلدية في بلديات تاجوراء، صياد، والحشان، إضافة إلى مركز اقتراع في طبرق، وسط أجواء منظمة وهادئة. وقالت غرفة العمليات الرئيسية بالمفوضية إن عملية الاقتراع تسير وفق الخطة المعتمدة، ودون تسجيل أي عراقيل تُذكر، وفي أجواء تتسم بالانضباط والتنظيم.

وأكدت المفوضية فتح جميع المراكز، وعددها 43 مركزاً تضم 93 مكتب اقتراع، وتميزت هذه الجولة باستخدام تقنية التحقق الإلكتروني (البصمة) في بلدية تاجوراء، في خطوة تستهدف تعزيز الشفافية، ومنع أي محاولات للتزوير.

خوري خلال تفقدها مركزاً للاقتراع في الانتخابات البلدية السبت (البعثة الأممية)

ودعت بعثة الأمم المتحدة جميع الناخبين المسجلين للإدلاء بأصواتهم بهدف المساهمة في بناء حوكمة محلية مسؤولة، فيما زارت نائبة رئيسة البعثة، ستيفاني خوري، مراكز الاقتراع في تاجوراء للاطلاع على عملية التصويت، واستخدام نظام التحقق الإلكتروني من الناخبين.

وتستكمل هذه الانتخابات خطة المفوضية لانتخاب المجالس البلدية على مستوى البلاد، بعد تجاوز بعض العوائق الفنية والقانونية، التي أخرت الاقتراع فيها، كامتداد لنجاح المراحل السابقة، التي نُفذت خلال العامين الماضيين، وأسفرت عن اعتماد نتائج نهائية وتشكيل مجالس منتخبة.


مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)

أعربت مصر عن تقديرها للدور المهم والبنّاء الذي تضطلع به سلطنة عُمان، واستضافتها المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، مشددة على أنها «سوف تواصل بذل جهودها الحثيثة لخفض التصعيد، ودعم التوصل إلى تسويات تعزّز منظومة الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي».

جاءت التأكيدات المصرية خلال اتصالَين هاتفيين لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، السبت، مع كل من وزير خارجية سلطنة عُمان بدر البوسعيدي، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة العُمانية مسقط، وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إن المحادثات «شهدت أجواء إيجابية للغاية»، مضيفاً أن الجانبين «اتفقا على مواصلة المفاوضات».

وأطلع وزير الخارجية العماني، نظيره المصري، السبت، على مجريات المفاوضات التي تمت في عمان بين الولايات المتحدة وإيران، مثمناً الجهود المصرية الدؤوبة والاتصالات المكثفة التي أجرتها مصر بين الأطراف المعنية على مدار الأسابيع الأخيرة، والتي أسهمت في تقريب وجهات النظر والتمهيد للمفاوضات، مشيداً بـ«التحركات الدبلوماسية المصرية الرامية إلى نزع فتيل الأزمات في المنطقة».

وقال عبد العاطي، خلال الاتصال مع البوسعيدي، إن مصر «ستواصل دعمها الجهود كافّة الرامية إلى خفض التصعيد، والتوصل إلى تسوية توافقية للملف النووي الإيراني تراعي شواغل جميع الأطراف»، مشدداً على «أهمية البناء على ما تحقق في هذه المفاوضات، بغية تحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين، وتجنّب المنطقة مخاطر الانزلاق إلى موجات جديدة من عدم الاستقرار».

وزيرا خارجية مصر وإيران خلال لقاء غروسي بالقاهرة في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

وأكدت مصر، الجمعة، دعمها الكامل لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، «بوساطة الأشقاء في سلطنة عمان». وشددت على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، والسبيل الوحيد للتعامل معه يتمثّل في الحوار والتفاوض، بما يراعي مصالح الأطراف المعنية كافّة».

كما ثمّنت الجهود البنّاءة التي بذلتها كل من المملكة العربية السعودية، وقطر، وتركيا، وسلطنة عمان، وباكستان في هذا الإطار، معربة عن أملها في أن «تُفضي هذه المساعي الصادقة إلى تحقيق اختراق إيجابي، يُسهم في تعزيز فرص الاستقرار والسلام في المنطقة».

كما أشار وزير الخارجية المصري، خلال اتصاله الهاتفي مع غروسي، السبت، إلى استمرار الجهود المصرية الرامية إلى خفض التصعيد في المنطقة، مشدداً على «أهمية مواصلة بذل الجهود الإقليمية والدولية، لخفض حدة التوتر والتصعيد بالمنطقة، والدفع بالحلول الدبلوماسية».

وقادت مصر العام الماضي وساطة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، انتهت بتوقيع وزير الخارجية الإيراني، ومدير عام الوكالة الدولية، على اتفاق بالقاهرة في التاسع من سبتمبر (أيلول) الماضي، يقضي بـ«استئناف التعاون بين الجانبَين، بما يشمل إعادة إطلاق عمليات التفتيش على المنشآت النووية الإيرانية»، قبل أن تعلن طهران تجميد الاتفاق في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وكان عبد العاطي قد أكد، خلال حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» في العاصمة السلوفينية ليوبليانا، مساء الجمعة، «أهمية خفض التصعيد في الإقليم، وتجنّب توسيع دائرة الصراع، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لمعالجة الملفات الخلافية، بما يُسهم في الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها، ومنع انزلاقها إلى مواجهات أوسع».


الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)
الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)
TT

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)
الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)

تُمثل حياة المتهم الليبي الزبير البكوش، الموقوف في الولايات المتحدة للاشتباه بتورطه في الهجوم على القنصلية الأميركية في مدينة بنغازي عام 2012، نموذجاً حياً للتناقضات التي وسمت مرحلة ما بعد ثورة 17 فبراير (شباط) 2011؛ حيث تتداخل رمزية النشاط المدني الكشفي بالعنف المسلح في صناديق الذخيرة، وسط أجواء الفوضى التي اجتاحت البلاد.

ولد الزبير حسن عمر البكوش عام 1970 في بنغازي، بمنطقة السلماني، ولم يكن له حضور معلن أو لافت قبل ثورة فبراير، التي أطاحت بنظام العقيد معمر القذافي، إذ شأنه شأن كل المسلحين وقادة الميليشيات، الذين ظهروا فجأة في المشهد بعد انهيار النظام السابق.

على درب الاغتيالات

ومع اندلاع الثورة، التحق البكوش بـ«ميليشيات ليبيا الحرة»، بقيادة القيادي وسام بن حميد، أحد أبرز قادة المجموعات المسلحة في المدينة، وخلال تلك الفترة، التي وثقها الناشط المدني الليبي خالد درنة، ارتبط اسم البكوش بعدة اغتيالات مهمة، أبرزها اغتيال اللواء عبد الفتاح يونس، رئيس أركان الجيش الليبي السابق، إلى جانب العقيد محمد العبيدي، والمقدم ناصر الشريف، وهو ما أكده شقيق العبيدي في مقابلة إعلامية قبل أكثر من عامين.

آثار دماء إحدى الضحايا خلال الهجوم الذي استهدف القنصلية الأميركية في بنغازي (أ.ب)

هذه الأحداث أسهمت في ترسيخ صورة البكوش بوصفه من أبرز الشخصيات المتشددة في بنغازي، خصوصاً مع تصاعد نشاط الميليشيات بعد سقوط النظام. لكن المفارقة هو أن البكوش برز مبكراً ضمن «الحركة العامة للكشافة والمرشدات»، وهو ما أكسبه قدرة على التأثير في جيل الشباب والصبيان. وفق ما أكده الباحث العسكري محمد الترهوني لـ«الشرق الأوسط»؛ حيث استغل البكوش هذا الدور الكشفي لتجنيد عناصر شبابية لصالح التنظيمات المسلحة، التي انخرط فيها لاحقاً، مستفيداً من الثقة التي منحتها له صفته المدنية.

وهكذا شكّل النشاط المدني غطاءً غير مباشر لأنشطته المسلحة، ما أتاح له التنقل بسلاسة بين عالم التعليم المدني والفعل العسكري، حسب متابعين.

قائد عمليات التصفية الجسدية

في عام 2012، انضم البكوش إلى تنظيم «أنصار الشريعة» في بنغازي، وشارك في المؤتمر الأول للتنظيم المعروف باسم «ملتقى نصرة الشريعة»، الذي أقيم في 7 يونيو (حزيران) 2012 بميدان المحكمة، وقد مثل هذا المؤتمر أول ظهور علني للتنظيم بعد تأسيسه على يد القيادي محمد الزهاوي، وكان بمثابة الإعلان الرسمي عن جاهزية التنظيم لممارسة نفوذه في المدينة.

مع مرور الوقت، أصبح البكوش أحد قادة عمليات التصفية الجسدية وتهديد ضباط الشرطة والجيش، وفق الترهوني، وهو ما عزز مكانته في الهياكل غير الرسمية للسلطة، التي سيطرت على بنغازي خلال تلك الفترة.

كانت ليلة 11 سبتمبر (أيلول) 2012 محطة فارقة في تاريخ ليبيا ومسار البكوش مع العمل المسلح، حين اقتحم مسلحون القنصلية الأميركية في بنغازي، وأضرموا النار في المباني، ما أسفر عن مقتل السفير كريستوفر ستيفنز، و3 مواطنين أميركيين آخرين.

ولاحقاً، ربطت التحقيقات الأميركية اسم البكوش بقائمة المتورطين في الهجوم، ما وضعه على قائمة المطلوبين دولياً، وعزّز سمعته بوصفه عنصراً محورياً في النشاطات المسلحة التي استهدفت الدبلوماسيين الأجانب.

الزبير البكوش مرتدياً زي الكشافة خلال إحدى الفعاليات في ليبيا (متداولة على صفحات ليبية)

وبعد مواجهات مسلحة فيما يُعرف بـ«عملية الكرامة» التي أطلقها «الجيش الوطني الليبي»، بقيادة المشير خليفة حفتر ضد «المجموعات الإرهابية» بين عامي 2015 و2016، غادر البكوش بنغازي، متجهاً إلى مصراتة وطرابلس؛ حيث واصل قيادة أنشطة كشفية تحت غطاء «نازح». وخلال تلك الفترة، استمر البكوش في تجنيد عناصر جديدة ضمن التنظيمات المسلحة، محافظاً على شبكاته القديمة، وموسعاً نفوذه على مناطق النشاط المدني بوصفه واجهة لهيمنته العسكرية، وفق الباحث العسكري محمد الترهوني.

في نوفمبر (تشرين الأول) الماضي، تم توقيف البكوش من قبل جهاز الأمن الداخلي في طرابلس، لكن أُفرج عنه لاحقاً لأسباب صحية، تشمل أمراضاً مزمنة مثل الضغط والسكر وضعف عضلة القلب.

غير أن التطور المفصلي، الذي سيضع فيما يبدو كلمة النهاية لعلاقته بالعالم، كان إعلان السلطات الأميركية اعتقاله بموجب مذكرة دولية، ليواجه تهماً تشمل القتل والحرق العمد والإرهاب، في حين لم تصدر حكومة «الوحدة الوطنية» أي تصريحات رسمية بشأن اعتقاله أو تسليمه.

وزيرة العدل الأميركية بام بوندي خلال الإعلان عن اعتقال البكوش (أ.ف.ب)

ورغم التهم الجسيمة، هناك من الليبيين من لا يزال يعدّه بريئاً، من بينهم تميم الغرياني، رئيس لجنة الأزمة سابقاً، وأحد أعيان مهجري بنغازي، الذي استند إلى تحقيق أميركي سابق أُجري نهاية 2020، انتهى بالإفراج عنه منتصف 2021، دون أي إدانات، وفق ما ذكره سابقاً لوسائل إعلان محلية.

واليوم، يشارك البكوش مصيره مع مواطنه أحمد أبو ختالة، المحكوم عليه بالسجن في الولايات المتحدة منذ 12 عاماً للتهم نفسها، في رحلة تأخرت سنوات، لكنها تُثير تساؤلات حول احتمال أن يسلك ليبيون آخرون مسارات مماثلة قريباً.