ما نعرفه عن استعادة الجيش السوداني السيطرة على القصر الجمهوري؟

أفراد من الجيش السوداني يصورون أنفسهم داخل القصر الرئاسي في الخرطوم بعد أن سيطر الجيش عليه في21 مارس 2025 (رويترز)
أفراد من الجيش السوداني يصورون أنفسهم داخل القصر الرئاسي في الخرطوم بعد أن سيطر الجيش عليه في21 مارس 2025 (رويترز)
TT

ما نعرفه عن استعادة الجيش السوداني السيطرة على القصر الجمهوري؟

أفراد من الجيش السوداني يصورون أنفسهم داخل القصر الرئاسي في الخرطوم بعد أن سيطر الجيش عليه في21 مارس 2025 (رويترز)
أفراد من الجيش السوداني يصورون أنفسهم داخل القصر الرئاسي في الخرطوم بعد أن سيطر الجيش عليه في21 مارس 2025 (رويترز)

أعلن الجيش السوداني، الجمعة، استعادة القصر الجمهوري في الخرطوم، بعد معارك عنيفة مع قوات الدعم السريع التي سيطرت عليه قبل نحو عامين.

وبقي القصر، أحد أبرز رموز سيادة الدولة السودانية في العاصمة، تحت سيطرة قوات الدعم السريع منذ أبريل (نيسان) 2023، وهو الشهر الذي اندلعت فيه الحرب بين الطرفين.

من يسيطر على الخرطوم؟

تشهد الخرطوم معارك محتدمة في الآونة الأخيرة، مع محاولة الجيش إعادة فرض سيطرته الكاملة عليها. وفي حين تسجّل القوات الحكومية باستعادتها القصر الرئاسي تقدماً مهماً، فإن تحقيق هذا الهدف بالكامل لا يزال غير منجز.

وفي مؤشر على صعوبة المعركة في العاصمة، أفاد مصدر عسكري سوداني بعد ساعات من إعلان استعادة السيطرة على القصر، بمقتل 3 صحافيين محليين جراء هجوم بطائرة مسيّرة استهدفه.

ويقع القصر الجمهوري على الضفة الجنوبية للنيل الأزرق، عند أطراف منطقة في وسط العاصمة تضم العديد من المباني الحكومية والمراكز التجارية، وتشهد منذ أسابيع معارك محتدمة.

أفراد من الجيش السوداني يصورون أنفسهم داخل القصر الرئاسي في الخرطوم بعد أن سيطر الجيش عليه في 21 مارس 2025 (أ.ف.ب)

وقال مصدر عسكري، طلب عدم الكشف عن هويته لوكالة الصحافة الفرنسية: «ما تبقى من ميليشيات قوات الدعم السريع فرّوا إلى بعض الأبنية» في وسط الخرطوم.

من جهتها، قالت «قوات الدعم» إن معركة القصر الجمهوري «لم تنتهِ بعد»، مشيرة الى تنفيذها عملية ضد قوات الجيش، ومؤكدة قتل العشرات من العناصر.

وقالت «قوات الدعم»، في بيان: «نؤكد أن معركة القصر الجمهوري لم تنتهِ بعد، وأن قواتنا الباسلة... تقاتل بكل شجاعة وإصرار من أجل تحرير جميع المواقع التي احتلها» الجيش. وأشارت إلى أن عناصرها «نفذوا عملية عسكرية خاطفة استهدفت تجمعاً... داخل القصر الجمهوري»، ما أسفر عن «مقتل أكثر من 89 من عناصر العدو وتدمير آليات عسكرية مختلفة».

وتمكن الجيش في يناير (كانون الثاني) من فك حصار فرضته «قوات الدعم» على مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم. ومنذ ذلك الحين، يتعرض الجنود لإطلاق نار من قنّاصين لـ«قوات الدعم» متمركزين في مبانٍ مجاورة.

تصاعد الدخان جراء الاشتباكات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أرشيفية - رويترز)

وأعلن الجيش، الجمعة، أنه بدأ عملية «تطهير» لوسط المدينة من المسلحين. ورأت مصادر عسكرية أن ذلك قد يستغرق ساعات أو أياماً.

الخطوة التالية

يسيطر الجيش منذ العام الماضي على مدينة أم درمان، الواقعة غرب الخرطوم على الضفة الأخرى من النيل الأزرق، وتشكّل امتداداً للعاصمة السودانية. كما استعاد هذا العام السيطرة على الخرطوم بحري شمال الخرطوم.

إلا أن الضربات التي تنفذها قوات الدعم السريع المنتشرة في مناطق واقعة إلى الجنوب والغرب، أدّت إلى مقتل 50 شخصاً على الأقل في العاصمة خلال الأسبوع الماضي، وفق ما أعلن فريق من المسعفين المتطوعين، الأربعاء.

وقال الضابط السابق في الجيش، علي ميرغني، إن «تحرير الجيش للقصر يعني أن على القوة الموجودة في جنوب الخرطوم وجنوب أم درمان من (الدعم السريع) الانسحاب إذا أرادت المحافظة على ما تبقى من قوات».

وتؤكد مصادر عسكرية أن «الدعم السريع» نشرت قوات النخبة في القصر الجمهوري، وقامت بتخزين أسلحة وذخائر.

وقال ضابط متقاعد برتبة لواء في الجيش إنه «بتحريره (القصر الجمهوري)، يمكن عودة كل الوزارات»، مضيفاً أنه على الصعيد العسكري «ميليشيا (الدعم السريع) الموجودة في القصر ووسط الخرطوم هي نخبة قواتها، وبكسر شوكتها وتدمير معداتها، تصبح استعادة كامل الخرطوم مسألة وقت».

ورأى خبير عسكري آخر أن خسارة القصر الجمهوري تعد نكسة لقوات الدعم السريع التي «فقدت... قوات النخبة التابعة لها بعدما دمّر الجيش معدات وقتل أعداداً منها ووضع يده على أحد أهم مراكز إمدادها في الخرطوم».

جندي من الجيش السوداني في مصفاة الجيلي للنفط المتضررة بشدة جراء المعارك شمال العاصمة الخرطوم في 18 مارس 2025 (أ.ف.ب)

المناطق الأخرى

ورغم التقدم الذي يحققه الجيش في الخرطوم، الذي قد يتيح له في نهاية المطاف استعادة السيطرة على العاصمة بالكامل، تبقى الحرب في السودان من دون أفق للحلّ في ظل تقاسم السيطرة.

وعقب اندلاع الحرب في أبريل 2023، انتقلت الحكومة إلى مدينة بورتسودان في شرق البلاد الذي بقي نقطة ارتكاز رئيسية للجيش طوال النزاع، ومنها تقدم لاستعادة معظم مناطق الوسط خلال الفترة الأخيرة.

في المقابل، تسيطر قوات الدعم السريع حالياً على أنحاء واسعة من جنوب السودان، إضافة الى معظم إقليم دارفور في غرب البلاد.

ولا تزال «قوات الدعم» تحاول تعزيز موقعها في دارفور من خلال السيطرة على الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، وهي المدينة الكبيرة الوحيدة التي لا تزال تحت سيطرة القوات الحكومية في الإقليم. ورغم الحصار الذي فرضته «قوات الدعم» على الفاشر منذ قرابة عام، تمكن الجيش ومجموعات حليفة له من صدّ الهجمات المتكررة للتقدم فيها.

والخميس، قال حاكم دارفور مني مناوي، الذي يقاتل موالون له إلى جانب الجيش: «يخوض أبطال قواتنا المسلحة والمشتركة والمقاومة الشعبية معارك شرسة قرب مدينة المالحة» الواقعة على مسافة 200 كيلومتر شمال الفاشر.

وفي حين لا تتوافر معلومات دقيقة بشأن عدد قوات الدعم السريع، فإنها مسلحة بشكل جيد، خصوصاً عبر شاحنات مزودة برشاشات ثقيلة وصواريخ مضادة للدروع، ما يعطيها مرونة وأفضلية حركة في حرب الشوارع، مقابل الجيش الذي يعوّل بشكل كبير على المدرعات، ويسيطر على الأجواء بفضل سلاح الجو.

وأسفرت الحرب في السودان، ثالث أكبر دول أفريقيا، عن مقتل عشرات الآلاف وتهجير أكثر من 12 مليون شخص، وأزمة إنسانية من الأكبر في التاريخ الحديث.


مقالات ذات صلة

حميدتي يبحث مع موسيفيني وقف الحرب في السودان

شمال افريقيا لقاء الرئيسي يوري موسيفيني وقائد «الدعم السريع» حميدتي بقصر الرئاسة في عنتيبي الجمعة (صفحة الرئيس موسيفيني الرسمية على منصة «إكس»)

حميدتي يبحث مع موسيفيني وقف الحرب في السودان

استقبل الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني الجمعة، قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بقصر الرئاسة في مدينة عنتيبي، وتضمن اللقاء بحث وقف الحرب.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة في الأبيض بولاية شمال كردفان (رويترز)

الجيش السوداني يسقط مسيرات كانت تستهدف مدينة الأُبيِّض في كردفان

أسقطت الدفاعات الجوية للجيش السوداني، فجر السبت، طائرات مُسيّرة تابعة لـ«قوات الدعم السريع» في سماء مدينة الأُبَيِّض عاصمة ولاية شمال كردفان وسط البلاد

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا نسوة في مركز تسجيل للنازحين بمدينة الأبيض في ولاية شمال كردفان بالسودان (رويترز)

منظمة الصحة: 5 هجمات على منشآت طبية في السودان منذ مطلع 2026

أعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، السبت، تسجيل 5 هجمات على منشآت طبية في السودان منذ بداية عام 2026، في خضمّ النزاع الدامي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني (أرشيفية - رويترز)

واشنطن تدعو إلى القبول «فوراً» بالهدنة الإنسانية في السودان

دعت واشنطن إلى «القبول فوراً ودون شروط مسبقة بالهدنة الإنسانية» المدعومة بآلية الأمم المتحدة في السودان، وفق ما أكد كبير مستشاري الرئيس الأميركي، مسعد بولس.

شمال افريقيا سودانيون يجتمعون على إفطار جماعي في بورتسودان (أ.ف.ب)

إفطارات رمضان الجماعية تعود إلى الخرطوم لأول مرة منذ بداية الحرب

في حي الحتانة داخل أم درمان على ضفة النيل المقابلة لمدينة الخرطوم، افترش حسن بشير وجيرانه بساطاً ليتشاركوا أول إفطار جماعي في شهر رمضان المبارك منذ بدء الحرب.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

حميدتي يبحث مع موسيفيني وقف الحرب في السودان

لقاء الرئيسي يوري موسيفيني وقائد «الدعم السريع» حميدتي بقصر الرئاسة في عنتيبي الجمعة (صفحة الرئيس موسيفيني الرسمية على منصة «إكس»)
لقاء الرئيسي يوري موسيفيني وقائد «الدعم السريع» حميدتي بقصر الرئاسة في عنتيبي الجمعة (صفحة الرئيس موسيفيني الرسمية على منصة «إكس»)
TT

حميدتي يبحث مع موسيفيني وقف الحرب في السودان

لقاء الرئيسي يوري موسيفيني وقائد «الدعم السريع» حميدتي بقصر الرئاسة في عنتيبي الجمعة (صفحة الرئيس موسيفيني الرسمية على منصة «إكس»)
لقاء الرئيسي يوري موسيفيني وقائد «الدعم السريع» حميدتي بقصر الرئاسة في عنتيبي الجمعة (صفحة الرئيس موسيفيني الرسمية على منصة «إكس»)

بحث قائد «قوات الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، مع الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، سبل وقف الحرب الدائرة في السودان، وذلك خلال لقاء جمعهما يوم الجمعة بقصر الرئاسة الأوغندية بمدينة عنتيبي، في إطار تحركات إقليمية جديدة تهدف إلى الدفع باتجاه تسوية سياسية للأزمة السودانية.

ويُعدّ هذا اللقاء أول ظهور إقليمي بارز لحميدتي منذ عدة أشهر، حيث تناول الجانبان ما وصفه دقلو بـ«رؤية أوغندية» لوقف الحرب، وقال إنها جاءت استجابة لطلب رسمي من الخرطوم، عبر مبادرة تسعى أوغندا من خلالها إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف السودانية المتحاربة.

وفي أعقاب اللقاء، أوضح حميدتي، خلال مخاطبة جماهيرية للجالية السودانية بمدينة عنتيبي مساء الجمعة، أن زيارته إلى أوغندا جاءت بدعوة مباشرة من الرئيس موسيفيني. وأضاف أن الرئيس الأوغندي أبلغه بأن الحكومة السودانية طلبت منه التدخل للمساهمة في إنهاء الحرب، عبر طرح مبادرة أوغندية تستند إلى الحوار السياسي ووقف العمليات العسكرية.

من جانبه، أعلن الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، في تغريدة نشرها على منصة «إكس»، أنه استقبل بمقر رئاسته في عنتيبي، قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، حيث استمع إلى عرض مفصل حول تطورات الأوضاع في السودان. وأكد موسيفيني، وفق ما جاء في تغريدته، أن الحوار والتسوية السياسية السلمية يمثلان الطريق الوحيد لتحقيق الاستقرار في السودان، ولضمان أمن المنطقة ككل.

وتأتي زيارة حميدتي إلى أوغندا بعد نحو أسبوع واحد فقط من استقبال الرئيس موسيفيني لنائب رئيس مجلس السيادة السوداني، مالك عقار، في خطوة قيل حينها إنها تهدف إلى تكثيف الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى التوصل إلى وقف إطلاق النار، وتهيئة المناخ لحل سياسي شامل ينهي الصراع المستمر في السودان.

وأعلن حميدتي عدم رفضه أي مبادرة سلام، بيد أنه استبعد القبول باتفاقيات مشابهة لاتفاق سلام جوبا واتفاقية السلام الشامل في نيفاشا الكينية، التي تمت بين نظام الرئيس المخلوع عمر البشير وقائد «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، جون قرنق. وقال أيضاً إنه «لا يريد أن يصبح رئيساً للبلاد، وإن هدفه هو (اقتلاع الحركة الإسلامية)».

وجدد انفتاحه على المبادرات كافة، بما في ذلك مبادرة الآلية الرباعية، معلناً تأييده غير المشروط لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لوقف الحرب في السودان، وكشف عن تلقيه مقترح سلام من الجانب الأميركي، وقال: «الهدف هو الوصول إلى سلام ينهي الحرب»، وتابع: «نحن مستعدون لوقف إطلاق النار فوراً، إذا استجاب الطرف الآخر لشروط السلام العادل».

حميدتي بقصر الرئاسة في عنتيبي الجمعة (صفحة الرئيس موسيفيني الرسمية على منصة «إكس»)

وقال حميدتي إنهم في السابق كانوا يتحدثون عن دمج «قوات الدعم السريع» في الجيش، من أجل بناء جيش وطني مهني واحد، لكن الآن تطورت الأمور؛ ليصبح «تأسيس جيش جديد» لا تهيمن عليه «الحركة الإسلامية»، وتأسيس دولة مدنية ديمقراطية، هما مطلب الشعب، مشدداً على عدم تنازله عما سمّاه دولة مدنية علمانية تقف على مسافة واحدة من الجميع.

وتحدث حميدتي عن زيادة عديد قواته، بقوله إن «عدد القوات حين بدأت الحرب كان في حدود 123 ألف مقاتل، لكننا الآن لدينا أكثر من نصف مليون مقاتل». ونفى مشاركة «مرتزقة» في القتال إلى جانب قواته، لكنه اعترف بالاستعانة بنحو 10 خبراء مسيّرات من كولومبيا، واتهم في المقابل، الجيش بالاستعانة بمرتزقة من أوكرانيا والصومال.

يذكر أن الجيش كان استعاد من «قوات الدعم السريع»، مناطق ومدن الخرطوم والجزيرة ووسط البلاد، لكنها بالمقابل أحكمت سيطرتها على معظم إقليم دارفور، وأجزاء من إقليم كردفان، حيث تخوض معارك ضارية في كردفان والنيل الأزرق.

من جهة أخرى، أثارت الزيارة ردود فعل متباينة، وأبدى حاكم إقليم دارفور الذي تقاتل قواته إلى جانب الجيش، مني أركو مناوي، رفضه الزيارة، وعدّها قبولاً أوغندياً ضمنياً لـ«انتهاكات وجرائم الدعم السريع بحق المدنيين».

وقال مناوي بحسب صفحته على «فيسبوك»، إن «الصمت الدولي والأفريقي يمكن أن يعدّ قبولاً ضمنياً بدوامة العنف وغياب العدالة»، وتابع: «أين الموقف الأفريقي الموحد تجاه الجرائم ضد المدنيين».


مع حلول رمضان... التضخم يخنق الليبيين ويستنزف جيوبهم

مع حلول شهر رمضان بات جل الليبيين يشتكون من ارتفاع جنوني للأسعار (أ.ف.ب)
مع حلول شهر رمضان بات جل الليبيين يشتكون من ارتفاع جنوني للأسعار (أ.ف.ب)
TT

مع حلول رمضان... التضخم يخنق الليبيين ويستنزف جيوبهم

مع حلول شهر رمضان بات جل الليبيين يشتكون من ارتفاع جنوني للأسعار (أ.ف.ب)
مع حلول شهر رمضان بات جل الليبيين يشتكون من ارتفاع جنوني للأسعار (أ.ف.ب)

رغم حلول شهر رمضان وإطلاق الألعاب النارية، لا تبدو الأجواء احتفالية تماماً في ليبيا، التي تعاني من انعدام الاستقرار وارتفاع جنوني للأسعار، ناهيك بتضخّم يخنق الليبيين في شرق البلاد وغربها. وبعد 15 عاماً على سقوط الزعيم معمر القذافي، ما زالت البلاد منقسمة بين سلطتين متنافستين في الشرق والغرب. وعلى الرغم من أن بلادهم تزخر بالموارد النفطية والطاقات المتجددة، يعاني جل الليبيين من نقص حاد في العديد من المواد الأساسية، لا سيما الغاز والوقود. وفي الأسابيع الأخيرة، نفدت مادة البنزين من محطات وقود عدة في طرابلس، مع شح في السيولة في أجهزة الصراف الآلي، وعمد كثير من المتاجر إلى تقنين بيع بعض المنتجات.

رغم حلول شهر رمضان وإطلاق الألعاب النارية لا تبدو الأجواء احتفالية تماماً في ليبيا (أ.ف.ب)

يقرّ فراس زريق، البالغ 37 عاماً، لدى تجوّله بين أروقة متجر مكتظ خلال شهر رمضان بوجود «تحسّن طفيف في الأمن خلال السنوات الثلاث الماضية»، لكنّه يعرب عن أسفه لتدهور الوضع الاقتصادي، عازياً ذلك إلى ارتفاع سعر صرف الدولار، و«المضاربة الواسعة النطاق»، التي وصفها في تصريحه لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأنها ذات عواقب وخيمة «على الحياة اليومية للمواطنين». وعلى مدى أسابيع، اشتكى كثير من الليبيين من الارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسية. وعلى سبيل المثال، فقد تضاعفت أسعار زيوت الطهي، وارتفعت أسعار اللحوم والدواجن بنسبة 50 بالمائة. أما تعبئة أسطوانات الغاز، البالغة تكلفتها 1.5 دينار (20 سنتاً من الدولار) من جهات التوزيع الرسمية العاجزة عن تلبية الطلب، فتكلفتها في السوق السوداء باتت 75 ديناراً (9 دولارات).

أعباء بالجملة على المواطنين

في 18 يناير (كانون الثاني)، خفّض البنك المركزي قيمة العملة (الدينار) للمرة الثانية خلال تسعة أشهر، بنسبة 14.7 بالمائة، وذلك بهدف «الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي وضمان استدامة الموارد العامة». وبرّر «المركزي» قراره بـ«الغياب المستمر لميزانية دولة موحدة، والنمو غير المستدام للإنفاق العام»، واستمرار ازدواجية الإنفاق خارج «الأطر المالية الصارمة».

خفّض البنك المركزي قيمة الدينار للحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي وضمان استدامة الموارد العامة (رويترز)

وتواجه ليبيا صعوبات في وضع حد لانعدام الاستقرار والانقسام منذ سقوط معمر القذافي ومقتله في عام 2011. وتتنافس حكومتان على السلطة: الأولى في غرب البلاد، تحظى باعتراف من الأمم المتحدة، ويترأسها عبد الحميد الدبيبة، والثانية في بنغازي (شرقاً) مدعومة من المشير خليفة حفتر والبرلمان.

وحذّرت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، من «تزايد الفقر والضغط على المجتمع». وقالت في إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي، الأربعاء، إن «هذا الوضع، إلى جانب هشاشة الوضع الأمني، يدعو للقلق؛ إذ يمكن أن تؤدي هذه الظروف إلى تحديات سياسية وأمنية غير متوقعة»، مشيرة إلى «غياب ميزانية وطنية موحدة». وحول أوجه القصور التي تواجه ليبيا، لخّصت المبعوثة الأممية الواقع بتواصل «تشتت آليات الرقابة، واستمرار المضاربة، والإيرادات غير المشروعة التي تستنزف الموارد السيادية».

لخّصت المبعوثة الأممية الواقع الليبي بتواصل استمرار المضاربة والإيرادات غير المشروعة التي تستنزف الموارد السيادية (غيتي)

وفي خطاب ألقاه هذا الأسبوع، أقر رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة بأن خفض قيمة العملة «ألقى العبء مجدداً على المواطن». وتُنتج ليبيا، التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا (48.4 مليار برميل)، حالياً نحو 1.5 مليون برميل يومياً، وتتطلع إلى رفع هذا الرقم إلى مليونَي برميل يومياً. لكن بالرغم من تحقيق ليبيا عائدات لامست 22 مليار دولار من بيع النفط خلال عام 2025، بزيادة تخطت 15 بالمائة عن العام السابق، وفقاً لمؤسسة النفط، فإنها تعاني من عجز في العملات الأجنبية، بلغ تسعة مليارات دولار، بحسب البنك المركزي الليبي. ويطالب البنك المركزي باستمرار السلطة التشريعية في إقرار موازنة «موحدة»، وتوحيد الإنفاق بين الحكومتين في طرابلس وبنغازي، للتقليل من التداعيات الاقتصادية المتفاقمة، وارتفاع حدة التضخم وتدهور قيمة الدينار.


مسلسل «رأس الأفعى» المصري يسلط الضوء على «تنظيم 65»... فما هو؟

مرشد «الإخوان» محمد بديع خلال إحدى جلسات محاكمته في مصر (أرشيفية)
مرشد «الإخوان» محمد بديع خلال إحدى جلسات محاكمته في مصر (أرشيفية)
TT

مسلسل «رأس الأفعى» المصري يسلط الضوء على «تنظيم 65»... فما هو؟

مرشد «الإخوان» محمد بديع خلال إحدى جلسات محاكمته في مصر (أرشيفية)
مرشد «الإخوان» محمد بديع خلال إحدى جلسات محاكمته في مصر (أرشيفية)

عقب تسليط المسلسل المصري «رأس الأفعى» الذي يتناول شخصية القائم بأعمال المرشد العام لـ«الإخوان»، محمود عزت، الضوء على القضية المعروفة إعلامياً بـ«تنظيم 65»، إحدى أبرز القضايا المرتبطة بجماعة «الإخوان»، أثيرت تساؤلات حول هذا «التنظيم»، وتشكيله، ومهامه.

ويعود تشكيل «تنظيم 65» إلى عام 1965، حين اتهمت مجموعة يقودها منظر الجماعة سيد قطب بـ«إحياء تنظيم مسلح لاستهداف مؤسسات الدولة، ونسف بعض الكباري، والمنشآت، والقناطر الخيرية، والتخطيط لاغتيال الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر».

وقال الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، ماهر فرغلي، لـ«الشرق الأوسط» إن «تنظيم 65» أظهر دموية الجماعة، وتخطيطها للقيام بأعمال تخريبية، مثل تفجيرات أبراج الضغط العالي للكهرباء، وكذا تنفيذ اغتيالات لشخصيات سياسية، وغير سياسية، فضلاً عن استهداف مؤسسات الدولة، لذا كانت خطة (تنظيم 65) هي تنفيذ عمليات معقدة جداً، وفق شبكة ضخمة من المجموعات، للسيطرة على الدولة المصرية».

ويشرح أن «قطاعاً كبيراً من شباب الإخوان كان موجوداً بعد حبسه عام 1954 خارج السجون، من بينهم أحمد عبد المجيد (المسؤول عن المعلومات)، وعلي عشماوي (المسؤول عن التسليح)، وعبد الفتاح إسماعيل (مسؤول التمويل)، وكانت الجماعة تحاول أن تبني نفسها مجدداً، وفوجئت بأن هناك تنظيماً أطلق عليه (65) نسبة إلى عام 1965، فتم تكليف سيد قطب حينها بقيادته».

ويتابع: «بدأ قطب يجتمع بهؤلاء الشباب ويقدم لهم محاضرات تربوية، وتكوينية». ويشير إلى أن «بعض المقربين من (منظر الإخوان) تحدثوا عن أن قطب كان حينها قلقاً من هؤلاء الشباب، وولائهم لقيادات الجماعة التي في السجون».

لكنه استمر في تكليفه، وتم التفكير في ضرورة القيام بعملية إرباك للدولة بنفس الطريقة التي اتبعها محمد كمال ومحمود عزت فيما بعد، وهي نظرية «الإنهاك والإرباك ».

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

وبحسب فرغلي، بدأ «قطب تقسيم (تنظيم 65) إلى مجموعات، للتخطيط لاستهداف القناطر الخيرية، واغتيال عبد الناصر، وعدد من الفنانين، من بينهم أم كلثوم، وشادية».

وتناولت الحلقة الأولى من مسلسل «رأس الأفعى» تقديم محمود عزت فروض الولاء والطاعة لسيد قطب، عن طريق تقديم مقترحات للتخريب، والتدمير عند انضمامه للجماعة عام 1965. وأوضحت المشاهد تفاصيل أول لقاء جمع عزت وقطب، حيث عرض محمود عزت على سيد قطب فكرة اغتيال عبد الناصر، وتفجير محطات الكهرباء، وتدمير أكبر عدد من كباري القاهرة، إلى جانب اقتراح قطب تدمير القناطر الخيرية لإغراق الدلتا.

وقال فرغلي إن «تنظيم 65» كان منظماً جداً، وتم تكليف عناصر داخله تكون مسؤولة عن السلاح، وأخرى عن التربية، وثالثة عن إدارة المجموعات، لكن كان أبرز عنصر وقتها، الذي أطلق عليه (الرجل الثاني)، هو أحمد عبد المجيد».

محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» أدينوا بــ«الإرهاب» في مصر (أ.ف.ب)

ويضيف: «تم القبض على التنظيم واعترفت المجموعات وكذا سيد قطب بالمخططات التخريبية، وحكم على قطب وعبد الفتاح إسماعيل وآخرين وقتها بالإعدام، فيما حصل البعض على أحكام بالسجن المؤبد (25 عاماً)، وجزء منهم مثل محمد بديع (المرشد العام... محبوس في مصر)، ومحمود عزت بالسجن 10 سنوات».

ويلفت إلى أنه «عقب خروج بديع وعزت وآخرين من السجن في السبعينات من القرن الماضي، كان عمر التلمساني (المرشد الثالث للإخوان) خائفاً منهم، وقال إنهم سوف يسيطرون على الجماعة، وسوف يتسببون في ضياع (الإخوان)، لذا قرر إرسالهم خارج مصر، وكان معهم أيضاً مصطفى مشهور (المرشد الخامس للجماعة)».

القائم بأعمال مرشد «الإخوان» محمود عزت أمام المحكمة الجنائية عام 2021 (أ.ف.ب)

واستعرض «رأس الأفعى» جانباً من مشاركة محمود عزت مع قطب في قضية «تنظيم 65»، وكان عزت وقتها طالباً في الفرقة الرابعة بكلية الطب، وفي التحقيقات التي جرت معه في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965، انتقد عزت أمام قاضي التحقيق «نظام الحكم حينها». وتحدث عن «صدام عنيف كان متوقعاً مع الحكومة».

وتداول متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الساعات الماضية، لقطات من المسلسل حول خطط «تنظيم 65»، واستهداف الممتلكات، والقيام بأعمال اغتيالات، فيما رفضت صفحات أخرى موالية لجماعة «الإخوان» ما جاء بشأن هذا «التنظيم».

حول موقف جماعة «الإخوان» من «تنظيم 65». قال الباحث في شؤون الحركات الإسلامية إن «الجماعة الأم كانت مؤيدة لـ(التنظيم)، وكان حسن الهضيبي (المرشد الثاني للجماعة) وقتها في السجن، ومعه مجموعات كبيرة من الإخوان».

ودلل على ذلك بأن «أحمد عبد المجيد تحدث عن أن الهضيبي كان موافقاً على كتاب (معالم في الطريق) لسيد قطب، وتم توزيعه عليهم في السجون، وقال حينها إن أفكار قطب هي أفكار الجماعة».

وتصنّف السلطات المصرية «الإخوان» «جماعة إرهابية» منذ عام 2013، ويقبع معظم قيادات «الإخوان» داخل السجون المصرية في قضايا عنف وقتل وقعت بمصر بعد رحيل الجماعة عن السلطة في العام نفسه. وهناك آخرون من أعضاء الجماعة هاربون في الخارج، ومطلوبون للقضاء المصري.

ويشار إلى أن محمود عزت طلب خلال حلقات مسلسل «رأس الأفعى» من محمد كمال «تنفيذ بعض الأعمال التخريبية، من خلال شباب الجماعة، منها تفجير أبراج الاتصالات، وتعطيل المرور، لإحداث خلل في البلاد، وشل حركتها».

وهنا يرى مراقبون أن «(تنظيم 65) مثل تنظيم (الفنية العسكرية) للجماعة، وحركة (حسم)، وغيرها من الأذرع المسلحة، حيث توجه الجماعة العناصر لارتكاب أعمال، شريطة عدم اكتشاف أمرهم من قبل السلطات، وحال اكتشافهم وفشلهم في تنفيذ المخططات التخريبية تتبرأ الجماعة منهم، وتنفي صلتها بهم».