اعتقال إمام أوغلو يضع تركيا في مواجهة تحديات داخلية وضغوط أوروبية

غضب واسع في أوساط المعارضة واتهامات بـ«تسييس القضاء»

أنصار رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو يحملون صورة له أثناء تظاهرهم خارج مبنى بلدية إسطنبول ضد اعتقاله بسبب تحقيق فساد في 19 مارس (أ.ف.ب)
أنصار رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو يحملون صورة له أثناء تظاهرهم خارج مبنى بلدية إسطنبول ضد اعتقاله بسبب تحقيق فساد في 19 مارس (أ.ف.ب)
TT

اعتقال إمام أوغلو يضع تركيا في مواجهة تحديات داخلية وضغوط أوروبية

أنصار رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو يحملون صورة له أثناء تظاهرهم خارج مبنى بلدية إسطنبول ضد اعتقاله بسبب تحقيق فساد في 19 مارس (أ.ف.ب)
أنصار رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو يحملون صورة له أثناء تظاهرهم خارج مبنى بلدية إسطنبول ضد اعتقاله بسبب تحقيق فساد في 19 مارس (أ.ف.ب)

فجّر اعتقال السلطات التركية رئيس بلدية إسطنبول المعارض، أكرم إمام أوغلو، غضباً واسعاً في الأوساط السياسية، وعلى مستوى الشارع التركي، ووصف بأنه «انقلاب على الديمقراطية» سيُخلّف تداعيات ثقيلة على دولة القانون، واستقلال القضاء، وصورة تركيا في العالم، إلى جانب مزيد من تدهور الاقتصاد.

واعتُقل إمام أوغلو، الذي يُعدّ أبرز منافسي الرئيس رجب طيب إردوغان على رئاسة تركيا، والذي كان أطلق بالفعل حملة مبكرة للترشح للرئاسة عن حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة التركية، في مداهمة على منزله في إسطنبول فجر الأربعاء. وجاء اعتقال إمام أوغلو (54 عاماً)، والذي ينظر إليه قطاع عريض جداً من الشعب التركي على أنه الأمل في التغيير، بعد ساعات من إعلان جامعة إسطنبول إلغاء شهادته الجامعية الحاصل عليها من جامعة إسطنبول، بسبب خطأ في النقل إليها من جامعة أميركية في شمال قبرص.

وبالإضافة إلى إمام أوغلو، وهو رئيس اتحاد بلديات تركيا المنتخب، أصدر المدعي العام في إسطنبول أوامر اعتقال بحق 105 آخرين من رؤساء ونواب رؤساء البلديات التابعة لبلدية إسطنبول، والمسؤولين والمديرين التنفيذيين فيها، على خلفية اتهامات بالفساد فيما يتعلق بنشاط «المصالحة الحضرية»، ومقاطع فيديو وصور تسرّبت عبر منصّات التواصل الاجتماعي لعملية عدّ نقود في حزب الشعب الجمهوري عام 2023.

وبحسب بيان لمكتب المدعي العام لإسطنبول، اعتُقل إمام أوغلو في إطار تحقيقين منفصلين أجراهما مكتب تحقيقات جرائم الإرهاب ومكتب تحقيقات الجرائم المنظمة.

اتهامات بالإرهاب والفساد

وجّهت نيابة إسطنبول إلى 7 مشتبه بهم، من بينهم إمام أوغلو، ونائب الأمين العام لبلدية إسطنبول ماهر بولاط، ورئيس بلدية شيشلي رسول إمره شاهان، اتّهامات بمساعدة «اتحاد المجتمعات الكردستانية» التابع لـ«حزب العمال الكردستاني»، المصنّف منظمة إرهابية، ورئاسة وعضوية تنظيم إجرامي، فضلاً عن الابتزاز والرشوة والاحتيال والتلاعب بالعطاءات، والحصول على بيانات شخصية بشكل غير قانوني.

وأعلنت ولاية إسطنبول فرض حظر شامل على التجمعات والمظاهرات في المدينة بدءاً من الأربعاء، ولمدة 4 أيام حتى منتصف ليل يوم الأحد المقبل، حيث سيشهد حزب الشعب الجمهوري انتخابات تمهيدية لتحديد المرشح الرئاسي للحزب لم يتقدّم إليها سوى إمام أوغلو.

كما فرضت السلطات قيوداً صارمة على عمل الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، وعطلت خطوط النقل ومترو الأنفاق المؤدية إلى ميدان تقسيم وفي بعض مناطق المدينة، في خطوة تهدف إلى منع أي تحركات احتجاجية محتملة.

احتجاجات رغم الحظر

وعلى الرغم من منع المسيرات والمنظمات، خرج الآلاف إلى الشوارع في إسطنبول، حيث شهد محيط مديرية أمن إسطنبول تجمعاً حاشداً للمواطنين وأعضاء حزب الشعب الجمهوري، الذين أكّدوا أن القبض على إمام أوغلو هو «انقلاب على الديمقراطية». كما تجمّع المئات أمام مجمع محاكم «تشاغلايان»، حيث مقر نيابة إسطنبول أثناء التحقيق معه، فضلاً عن تجمع الآلاف أمام مبنى بلدية إسطنبول.

طلاب جامعة إسطنبول يحتجون على اعتقال إمام أوغلو رافعين لافتة تطالب باستقالة الحكومة (أ.ف.ب)

ووقعت صدامات بين المحتجين والشرطة التي قامت بإغلاق الشوارع بالحواجز، واستخدمت غاز الفلفل لتفريقهم، لكنّهم أكّدوا أنهم لن يغادروا إلا وإمام أوغلو معهم، وردّدوا هتافات «إردوغان ديكتاتور» و«لا بد أن تستقيل الحكومة».

وشهدت جامعة إسطنبول احتجاجات حاشدة وقعت خلالها أعمال عنف من جانب الشرطة، التي حاولت منع مسيرة الطلاب، وانضمت جامعات «بوغازيتشي» و«إسطنبول التقنية» و«يلدز التقنية» إلى الاحتجاجات على اعتقال إمام أوغلو. كما خرجت مظاهرات في كثير من المدن التركية تنديداً باعتقال إمام أوغلو، ومحاولة «تسييس القضاء» في تركيا، وكان الشعار الأبرز في هذه المظاهرات، هو «الحق... القانون... العدالة».

تنديد بالاعتقال «السياسي»

وندّد حزب الشعب الجمهوري، الذي ينتمي إليه إمام أوغلو والمسؤولون المعتقلون، بهذه الإجراءات. ووصف الاعتقالات بأنها «سياسية، وتُمثّل انقلاباً على الديمقراطية». ووصف رئيس الحزب، أوزغور أوزال، خلال كلمة في تجمع حاشد أمام بلدية إسطنبول، إلقاء القبض على إمام أوغلو بأنه «محاولة انقلاب لمنع تحديد الرئيس المقبل للبلاد»، مؤكداً أن اعتقال إمام أوغلو سببه استياء الرئيس رجب طيب إردوغان من عملية اختيار مرشح للرئاسة من جانب حزب الشعب الجمهوري في انتخابات تمهيدية. وأكد أنه وقيادات الحزب سيواصلون الاعتصام أمام البلدية، حتى يتم إطلاق سراح إمام أوغلو والمعتقلين معه، وأن الانتخابات التمهيدية لتحديد المرشح لانتخابات الرئاسة القادمة ستستمر.

اشتباكات بين قوات الأمن ومحتجّين على اعتقال إمام أوغلو أمام مديرية أمن إسطنبول (أ.ف.ب)

وقوبل اعتقال إمام أوغلو باستهجان واسع من جانب جميع أحزاب المعارضة التركية، ودعوات إلى توحيد الصفوف للفوز بأغلبية البرلمان في الانتخابات المقبلة، ومقاطعة الانتخابات الرئاسية وممارسة الضغط التشريعي على السلطة الحاكمة.

وأصبح إمام أوغلو، أحد أبرز وجوه المعارضة التركية منذ انتخابه رئيساً لبلدية إسطنبول للمرة الأولى عام 2019، وبات منافساً محتملاً للرئيس رجب طيب إردوغان، وأثار جدلاً واسعاً في السنوات الأخيرة بسبب نجاحاته الانتخابية ومواقفه المناهضة لسياسات الحكومة. ورأى مراقبون وخبراء أنّ تحرّك الحكومة ضد إمام أوغلو يعكس شعوراً بالخوف من الشعبية الجارفة التي بات يتمتع بها، وأن إلغاء شهادته الجامعية، ثم اعتقاله، هما خطوتان استهدفتا إسقاط حقّه في الترشح للرئاسة، ومنعه من الترشح وتغييبه من الساحة السياسية.

تداعيات داخلية وموقف أوروبي

تسبّب اعتقال إمام أوغلو في تداعيات حادّة على الاقتصاد التركي، وأدّى إلى انهيار غير مسبوق لليرة التركية التي فقدت 12 في المائة من قيمتها أمام الدولار، وهبوط حادّ لمؤشر البورصة التركية أدّى إلى وقف مؤقت للتعاملات وارتفاع أسعار الذهب، مع تحذيرات من خبراء أجانب من أن سياسة الاعتقالات التي لا تتوقف فقط عند السياسيين، بل امتدت إلى عالم رجال الأعمال، من شأنها أن تعيد الأوضاع في تركيا إلى الفوضى التي كانت عليها في عام 2023 وما قبله.

ولم تتوقف تداعيات اعتقال إمام أوغلو عند حدود السياسة الداخلية أو التداعيات الاقتصادية في تركيا، فقد أثارت الحملة انتقادات من جانب أوروبا وحلفاء تركيا في الغرب، ولا سيّما فيما يتعلق باستقلال القضاء وتراجع الديمقراطية وحقوق الإنسان. وندّد مجلس أوروبا، بشدة، باعتقال تركيا أكرم إمام أوغلو، ووصفه بأنه تحرك ضد إرادة الشعب. وقال مؤتمر السّلطات المحلية والإقليمية لمجلس أوروبا، في بيان الأربعاء، إن هذه الخطوة «تتّسم بكل سمات الضغط على شخصية سياسية»، وإن «المؤتمر سيثير القضية في اجتماع الأسبوع المقبل». كما عبّر نواب البرلمان الأوروبي عن دعمهم لإمام أوغلو ورفضهم انتهاك إرادة الشعب والديمقراطية في البلاد.

أكرم إمام أوغلو (أ.ف.ب)

ويشكّل اعتقال إمام أوغلو الذروة في سلسلة اعتقالات لرؤساء بلديات من المعارضة، فضلاً عن اعتقال سياسيين وصحافيين معارضين في الفترة الأخيرة، أبرزهم رئيس حزب «النصر» القومي أوميت أوزداع، المحتجز منذ شهرين دون محاكمة، بسبب بعض تدوينات تعود لخمس سنوات سابقة، عدتها السلطات تحريضا على الكراهية والعداء بسبب رفضه وجود اللاجئين السوريين والمهاجرين الأفغان بالبلاد.

وجمّد الاتحاد الأوروبي، منذ أكثر من عقد، مفاوضات انضمام تركيا إلى عضويته، وأكد في تقاريره المتعاقبة قلقه بسبب عدم التزام تركيا، كدولة مرشحة للعضوية، بالديمقراطية واستقلال القضاء وحرية التعبير وحقوق الإنسان. كما ندّد، مراراً، باعتقالات السياسيين والصحافيين المعارضين للرئيس رجب طيب إردوغان.

دفاع من الحكومة

وتنفي الحكومة التركية ملاحقة معارضي إردوغان، وتقول إن القضاء مستقل. ودافع وزير العدل التركي، يلماظ تونتش، عن قرار اعتقال إمام أوغلو و105 آخرين من رؤساء البلديات ونوابهم والمسؤولين في بلدية إسطنبول، بأن التحقيقات تجرى بدقة متناهية، رافضاً استخدام مصطلح «الانقلاب على الديمقراطية»، والدعوة إلى الاحتجاجات، مؤكداً أنها «أمور غير مقبولة».

وأضاف أن نشر معلومات مضللة حول التحقيقات، التي تجرى بشكل سري، من خلال جولات ميدانية وإصدار بيانات تهدف إلى تضليل الرأي العام «أمر مرفوض تماماً»، وينبغي على الجميع أن يعرفوا ذلك. وتابع بأنه «في دولة القانون، إذا كان هناك ادعاء بارتكاب جريمة؛ فالمكان الذي يجب أن يتم فيه الدفاع هو المحاكم، وليس الشوارع».

لحظات عصيبة

وروت زوجة رئيس بلدية إسطنبول، ديليك إمام أوغلو، وابنه سليم إمام أوغلو، اللحظات العصيبة لاعتقال إمام أوغلو من منزله في ساعات الصباح. وقالت ديليك إمام أوغلو: «لقد جاءوا بعد السحور مباشرة، كانت ابنتي البالغة من العمر 13 عاماً موجودة. ورغم كل شيء، لم أستطع إبقاءها في المنزل، قالت سأذهب إلى المدرسة وأواصل حياتي يا أمي، جهزتها وأرسلتها إلى المدرسة».

وأضافت: «في هذا الوقت قام السيد أكرم أيضا بتحضيراته من أجل الذهاب مع عناصر الأمن، وأود أن أشكر من جاءوا إلى هنا، لقد قاموا جميعاً بأداء واجباتهم بكل أدب ولياقة، وأنهوا واجباتهم وغادروا المنزل في حوالي الساعة 7.30 صباحاً (تغ+3)».

وتابعت زوجة إمام أوغلو، في مقابلة تلفزيونية: «لقد اعتدنا على كل شيء، بالأمس، أُلغيت شهادته الجامعية، نُفِّذت إجراءات غير قانونية، نمر بأيام عصيبة، إنه أمرٌ مُخيفٌ للغاية، هل توقعنا شيئاً كهذا؟ تقول على الورق إننا ما زلنا دولة قانون، مهما ساءت الأمور، وتقول: (هذا مستحيل). لكنك بعد ذلك تكتشف أنك تعيش ذلك، ما حدث هذا الصباح هو أحد هذه الأمور. أولًا، يحتجزونك، ثم يُحاولون تقديم أدلة لإدانتك».

وكان إمام أوغلو نشر فيديو على حسابه على «إكس»، وهو يرتدي ملابسه ويستعد للذهاب مع عناصر الشرطة، مؤكداً أن كل ما يجري هو «عملية غير قانونية»، كما نشر حسابه ورقة كتبها بخط يده يقول فيها إنه يستودع نفسه أمانة لدى الله أولاً، ثم لدى الأمة.


مقالات ذات صلة

تركيا: إمام أوغلو يؤكد أن محاكمته بتهم الفساد «سياسية»

شؤون إقليمية متظاهرون بمحيط سجن «سيليفري» مع بدء محاكمة أوغلو بقضية الفساد في بلدية إسطنبول يوم 9 مارس 2026 (أ.ب)

تركيا: إمام أوغلو يؤكد أن محاكمته بتهم الفساد «سياسية»

وصف رئيس بلدية إسطنبول المعارض المحتجز، أكرم إمام أوغلو، التحقيقات في مزاعم الفساد بالبلدية واعتقاله في 19 مارس (آذار) 2025 بـ«الانقلاب» على الإرادة الشعبية...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية قوات الشرطة التركية حاصرت مبنى قناة «خلق تي في» المعارضة في إسطنبول ومنعت العاملين بها من الدخول بعد قرار بوقف بثها وتعيين وصي حكومي لإدارتها (موقع القناة)

تركيا: وقف بث أكبر قنوات المعارضة ووضعها تحت وصاية الحكومة

أوقفت السلطات التركية بث قناة «خلق تي في» أكبر قنوات المعارضة وعينت وصياً لإدارتها بينما بدأ رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو مرافعته في قضية الفساد

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية يحتاج الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى دعم نواب أحزاب أخرى غير حزبه الحاكم لفتح الطريق أمام ترشحه للرئاسة (الرئاسة التركية)

تركيا: حزب كردي يطرح «شرطاً تعجيزياً» لدعم ترشيح إردوغان

طالب حزب «الديمقراطية والمساوة للشعوب» المؤيد للأكراد بتعديل مادتين أساسيتين في الدستور، لدعم ترشح الرئيس رجب طيب إردوغان للرئاسة مجدداً.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتاكوس شاركت في قص شريط افتتاح جزء من خط سكك حديدية يربط بين تركيا وأوروبا مع الرئيس رجب طيب إردوغان في ولاية إدرنة شمال غربي البلاد (الرئاسة التركية)

الاتحاد الأوروبي يؤكد ابتعاد تركيا عن هدف الانضمام إليه

أكد الاتحاد الأوروبي أن تركيا تبتعد عن هدف الانضمام إلى عضويته بسبب ممارسات تستهدف حقوق الإنسان وحرية التعبير والديمقراطية

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أعلن «حزب العمال الكردستاني» يوم 26 أكتوبر 2025 سحب 25 مسلحاً من تركيا في خطوة لتأكيد إنهاء النزاع المسلح (رويترز)

«الكردستاني» يسحب جميع مسلحيه من تركيا لتحفيز خطوات «السلام»

أعلن «حزب العمال الكردستاني» سحب جميع مسلحيه من تركيا ومناطق قريبة منها؛ «للقضاء على أي ذريعة» لحكومتها للتباطؤ في تنفيذ «القانون الإطاري» للسلام...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

توترات إثيوبيا وإريتريا... اختبار جديد للدور الأميركي في التهدئة

عناصر من الشرطة الفيدرالية الإثيوبية في مدينة ميكيلي في 9 أكتوبر (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة الفيدرالية الإثيوبية في مدينة ميكيلي في 9 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

توترات إثيوبيا وإريتريا... اختبار جديد للدور الأميركي في التهدئة

عناصر من الشرطة الفيدرالية الإثيوبية في مدينة ميكيلي في 9 أكتوبر (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة الفيدرالية الإثيوبية في مدينة ميكيلي في 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

تحرك أميركي جديد تجاه التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، مع تصاعد التحشيد على حدود كل منهما، منذ اندلاع المعارك مع «جبهة تحرير تيغراي» قبل نحو 3 أسابيع، واتهام أديس أبابا لأسمرة بدعم «الجبهة»، في أكبر تصعيد منذ الحرب السابقة بين البلدين في (1998 - 2000).

ودعا وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، إلى خفض التصعيد، خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، وهي خطوة يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط مهمة لكبح التصعيد وتداعياته على القرن الأفريقي، تبعاً لامتلاك واشنطن أدوات تمكنها من الضغط على الطرفين.

تدخل أميركي

وشدد روبيو، خلال الاتصال مع آبي أحمد، على أن «كل دول القرن الأفريقي يجب أن تحترم سيادة جيرانها، وسلامة أراضيها، وأن تتجنب التوغلات عبر الحدود»، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية الأميركية، مساء الأربعاء.

كما أكد أن «المنطقة لا تحتمل مزيداً من النزاعات، وأن الحل المستدام الوحيد للتوترات الداخلية والخارجية يتحقق من خلال الحوار، والتواصل، وعلى النحو المتفق عليه في إطار السلام بين إثيوبيا وإريتريا لعام 2018».

ويرى الباحث الإثيوبي في الشؤون الأفريقية، موسى شيخو، أن «اتصال روبيو برئيس الوزراء آبي أحمد يعكس إدراك واشنطن لخطورة التصعيد، خاصة أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط دبلوماسية واقتصادية، لكنها تواجه تحدياً يتمثل في محدودية نفوذها المباشر على أسمرة، وتعقيدات الصراع في تيغراي».

وأكد أن «نجاح واشنطن لن يُقاس بمجرد الاتصالات الدبلوماسية، بل بقدرتها على تحويلها إلى تفاهمات أمنية ملموسة تعالج المخاوف المتبادلة، وتمنع تحول أزمة تيغراي والخلاف حول البحر الأحمر إلى حرب جديدة تهدد استقرار القرن الأفريقي بأكمله».

وتتوقع الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن يستجيب آبي أحمد لطلب واشنطن بالتهدئة، «خاصة أنه لديه مصلحة في توسيع التعاون الاقتصادي والأمني مع الولايات المتحدة، لا سيما في ظل استمرار معاناة إثيوبيا من نقص النقد الأجنبي، وأعباء الديون، والتضخم، والتبعات المالية للصراعات الداخلية الممتدة».

وتعتقد تسوكرمان أن لدى الرئيس الإريتري، آسياس أفورقي «دوافع أقل بكثير للاستجابة للضغوط الاقتصادية الأميركية، مقارنة بآبي أحمد»، مؤكدة، أن إريتريا «تحملت عقوداً من العقوبات، وتظل فرص التأثير الأميركي عليها عبر الحوافز الاقتصادية التقليدية محدودة، لكن يمكن لروبيو استكشاف إمكانية تقديم ضمانات دبلوماسية بشأن سيادة إريتريا، والعمل على تحسين العلاقات الثنائية تدريجياً، مع إبقاء أي مناقشات تتعلق بالعقوبات ضمن الأطر القانونية القائمة».

ترقب على الحدود

ويأتي ذلك التحذير الأميركي وسط تقدم للقوات الفيدرالية الإثيوبية وحلفائها باتجاه بلدة قريبة من الحدود مع إريتريا، حسبما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» الأربعاء عن مصدرين، لافتة إلى أن ذلك يعزز المخاوف من اندلاع حرب إقليمية.

وقال أحد أفراد القوات الموالية للحكومة للوكالة: «إن قوات الدفاع تسيطر على قرى قريبة من بلدة زالامبيسا القريبة من حدود البلدين»، مضيفاً: «لم تعبر أي قوات إثيوبية إلى إريتريا».

وأفاد أحد سكان زالامبيسا بأن «الجيش الإثيوبي وصل إلى مسافة تبعد نحو خمسة كيلومترات جنوبي البلدة، فيما يتمركز الجيش الإريتري عند أطرافها الشمالية»، مؤكداً أن «الوضع يثير قلقاً عميقاً بين السكان الذين يخشون أن تتحول البلدة إلى ساحة معركة».

وصرح وزير الإعلام الإريتري يماني قبر مسقل بأن الأنباء التي تحدثت عن عبور قوات إثيوبية للحدود «لا يمكن الوثوق بها».

دورية راجلة للشرطة الفيدرالية الإثيوبية في أحد شوارع مدينة ميكيلي (أ.ف.ب)

وتتهم إثيوبيا إريتريا بدعم «جبهة تحرير شعب تيغراي» التي أطلقت هجوماً واسع النطاق على القوات الحكومية في 23 سبتمبر (أيلول)، قبل أن تنسحب من أكثر من منطقة، وسط ترقب ومخاوف من تجدد الحرب الأهلية التي أودت بحياة مئات الآلاف بين عامي 2020 و2022.

ونالت إريتريا استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامَي 1998 و2000، وشهدت العلاقات بين البلدين تحسناً لفترة وجيزة بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة، لكنها تدهورت مجدداً، وصولاً إلى قطع العلاقات بالكامل هذا الشهر بسبب النزاع في تيغراي.

فيما تتهم إريتريا إثيوبيا، وهي دولة غير ساحلية، بالتخطيط لاستغلال النزاع ذريعة لغزو أراضيها، والسيطرة على «ميناء عصب» الواقع على البحر الأحمر.

ووسط تلك التطورات، يعتقد موسى شيخو أن «الحشود العسكرية على الحدود الإثيوبية الإريترية تمثل انتقالاً للأزمة من التوتر السياسي إلى مرحلة الردع المتبادل، في ظل التحولات الميدانية الأخيرة في تيغراي. ويرتبط تعزيز الانتشار العسكري بتأمين الحدود، وحماية السيادة الوطنية، بينما تنظر أسمرة إلى هذه التحركات باعتبارها تهديداً محتملاً لأمنها».

وحذر من أن «الخطر الحقيقي لا يكمن في الحشود ذاتها، بل في احتمال سوء التقدير العسكري، الذي قد يحول احتكاكاً حدودياً محدوداً إلى مواجهة يصعب احتواؤها».

وتقف المنطقة بحسب شيخو «أمام ثلاثة احتمالات تتضمن تهدئة برعاية دولية، أو استمرار الردع العسكري المتبادل، أو الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع».


لكمات متبادلة وثقيلة قبل أسبوعين من الانتخابات الإسرائيلية

ملصق انتخابي يظهر فيه غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) ومنافسه رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)
ملصق انتخابي يظهر فيه غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) ومنافسه رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)
TT

لكمات متبادلة وثقيلة قبل أسبوعين من الانتخابات الإسرائيلية

ملصق انتخابي يظهر فيه غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) ومنافسه رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)
ملصق انتخابي يظهر فيه غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) ومنافسه رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)

في الأسبوعين المتبقيين من المعركة الانتخابية الإسرائيلية، لجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومنافسه على رئاسة الحكومة غادي آيزنكوت، وفريقاهما في الحملة إلى تبادل اللكمات من الوزن الثقيل.

وبعد سنوات من التغيب عن استوديوهات التلفزيون الرسمي، ومقاطعة وسائل الإعلام العبرية، حضر نتنياهو بنفسه إلى استوديو نشرة الأخبار وأعلن أن المعركة التي يخوضها ليست فقط ضد آيزنكوت بل «امام الدولة العميقة التي تحركه والتي قررت تحطيمي».

ويواجه نتنياهو ضائقة بعدما نفّذ رئيس «الشاباك» السابق، رونين بار، وعده قبل أسبوعين وقدم دعوى قذف وتشهير ضده نتنياهو أمام المحكمة المركزية في تل أبيب، مطالباً بتعويض قدره ثلاثة ملايين شيقل (مليون دولار)، على خلفية اتهامه من رئيس الوزراء بإخفاء معلومات استخباراتية عمداً قُبيل هجوم السابع من أكتوبر 2023.

وقال بار إن نتنياهو يتهمه بإخفاء حقيقة وضع حركة «حماس» ونيتها شن هجوم على إسرائيل، وبأنه وغيره من قادة الجيش والأجهزة الأمنية احتفظوا بتلك المعلومات وأخفوها عن رئيس الحكومة، وحتى في اللحظة الحاسمة عندما عرفوا قبل ساعات من الهجوم في فجر السابع من أكتوبر، امتنع بار عن إيقاظه، وبذلك منع إمكانية إنقاذ مئات الضحايا الذين قُتلوا في الهجوم.

وعدَّ رونين بار هذه الاتهامات «كذباً وتزويراً متعمَّداً بقصد تشويه السمعة»، وكتب في الدعوى أنه «قدَّم التحذير لنتنياهو في أكثر من 20 مناسبة، حول التطورات في قطاع غزة، ولم يكتفِ بذلك بل أوصى باتخاذ خطوات استباقية ضد (حماس)، من ضمنها شن هجوم عليها وتنفيذ عمليات اغتيال لقادتها الكبار، لكن نتنياهو رفض العمل ضد الحركة»، وفق زعمه.

نتنياهو ورونين بار في تل أبيب أبريل 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)

وقال بار في الدعوى، التي أرفق بها وثائق رسمية تؤكد روايته، إنه قدّم أول هذه التحذيرات في لقاء جمعهما في السابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، بعد نحو أسبوع من فوز الليكود في الانتخابات، وقبل نحو شهرين من عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة. وحسب المعطيات التي عرضها بار، ارتفعت وتيرة التحذيرات وحدّتها بصورة كبيرة خلال أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) 2023. وفي السادس من يوليو (تموز) من ذلك العام، سلّم نتنياهو وثيقة التخطيط الاستراتيجي السنوي لـ«الشاباك»، والتي تضمنت عرضاً مفصلاً للتهديد الناجم عن تنامي قوة «حماس»، وتوصية ببدء جولات مواجهة استباقية واستئناف الاغتيالات في غزة.

نتنياهو يتهم آيزنكوت

وقد جاء نتنياهو إلى الاستديو هات التلفزيونية ليفند أقوال بار، بالادعاء إن كل هذه المعركة جاءت لخدمة خصومه اليساريين المتحالفين مع «الإخوان المسلمين» برئاسة منصور عباس للإطاحة بحكمه.

واتهم نتنياهو آيزنكوت بأنه المسؤول الأول عن نظرية الإبقاء على «حماس» حاكمةً في غزة. وادَّعى أن آيزنكوت، عندما دخل الحكومة حاول منع خطته لاحتلال القطاع ومحور فيلادلفيا ورفح.

وقد ظهر آيزنكوت في الحال على الشاشة ليرد ويفنِّد. وقال إن نتنياهو يكذب، عن وعي وقصد، لأنه يحسب أنه لن تكون أمام الجمهور فرصة للتيقن من الحقيقة. ولكن الواقع يشير إلى أنه، أي آيزنكوت، صوت في الحكومة وفي قيادة الحرب إلى جانب كل القرارات التي يدّعي نتنياهو أنه لم يوافق عليها، والبروتوكولات موجودة. وأن بعض الاتهامات يطلقها نتنياهو لأن الأمور اختلطت عليه، ففي الفترة التي يتحدث عنها نتنياهو كان آيزنكوت قد ترك الحكومة أصلاً.

وقال آيزنكوت إن سلوك نتنياهو اليوم يؤكد كم هو خطير على إسرائيل. فهو يتهرب من تشكيل لجنة تحقيق رسمية تكشف عن حقيقة ما جرى، وعن دور كل واحد من المسؤولين في إخفاق «7 أكتوبر»، لأنه يعرف أنه المسؤول الأول.

بنيامين نتنياهو يقدم العزاء لغادي آيزنكوت في مقتل ابنه خلال معارك غزة يوم 8 ديسمبر 2023 (أ.ب)

وعقَّب رئيس قائمة «بِياحد»، نفتالي بينيت، قائلاً إن «نتنياهو يتحمل مسؤولية شخصية ومباشرة عن المجزرة (هجوم 7 أكتوبر)، واستمرار ولايته يشكل خطراً ملموساً وحقيقياً على أمن إسرائيل».

وفي تلخيص لهذا النقاش الساخن، الذي تلوث أيضاً بكلمات نابية، نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الخميس، فقرات من وثيقتين تم إعدادهما في مكتب نتنياهو؛ إحداهما وثيقة كتب فيها بخط يد نتنياهو، أن حكومته قررت التعامل مع «(حماس) كحاكم شرعي قوي في قطاع غزة»، وأنه لا حاجة لمحاربتها، على الرغم من مناوشاتها.

والوثيقة الأولى، جاءت ضمن تقرير سري كان قد أعده مراقب الدولة، متنياهو أنغلمان، في أواسط 2024 وفيه ينتقد سياسة الحكومة وإهمالها قبيل «7 أكتوبر»، وردَّت الحكومة عليه بشرح سياستها، ومنها يتضح أنها اتخذت سياستها مع «حماس» من خلال رؤية شاملة للحسابات السياسية.

والوثيقة الثانية هي من مكتب رئيس «الشاباك»، بار، التي يقترح فيها تغيير السياسة الاستراتيجية تجاه «حماس»، فيكتب عليها نتنياهو بخط يده أن «وضع خطة استراتيجية للحكومة هي مهمة رئيس الوزراء ولا يستطيع رئيس الشاباك وضعها». وعلى أثر ذلك أعد مساعدو نتنياهو، باسمه، خطة استراتيجية تحدثت هي الأخرى عن «التعامل مع (حماس) كـ(قوة حاكمة) والامتناع عن شن حرب عليها، والاكتفاء بالرد على مناوشاتها».


نتنياهو: اتصلت بالشرع خلال أزمة السويداء

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)
TT

نتنياهو: اتصلت بالشرع خلال أزمة السويداء

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)

كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أنه تحدث مع الرئيس السوري أحمد الشرع بعد وقت قصير من قصف إسرائيلي استهدف وزارة الدفاع السورية واستهداف آخر بالقرب من القصر الرئاسي في دمشق في يوليو (تموز) 2025.

وقال نتنياهو، في مؤتمر لحزب الليكود: «رفعت الهاتف للاتصال بالشرع. كانت محادثة قصيرة جداً وحادة جداً»، وفقاً لموقع «تايمز أوف إسرائيل».

وذكر مسؤولون إسرائيليون أن القصف كان يهدف إلى حماية الدروز في جنوب سوريا، خلال اشتباكات في منطقة السويداء.

وأضاف نتنياهو، خلال المؤتمر المخصص لجمهور من الدروز: «سأفعل كل ما بوسعي لحماية إخوتنا وإخوتكم».

يُعدّ هذا الإعلان أول تقرير عن محادثة بين نتنياهو والرئيس السوري، الذي تولى السلطة في أواخر 2024 بعد الإطاحة ببشار الأسد. وقد تكون هذه أول مرة على الإطلاق يتحدث فيها قادة إسرائيل وسوريا.

وشهدت محافظة السويداء في يوليو 2025 أعمال عنف على خلفية طائفية، أسفرت عن مقتل 1760 شخصاً على الأقل، وفق ما وثّقته لجنة تحقيق رسمية شكلتها السلطات.