بوتين أمام معضلة وقف إطلاق النار... وعلاقته بترمب

أوروبا تعرض إشراك تركيا في توفير أمن القارة وتستعد لمواجهة روسيا دون أميركا!

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يطلع على وثائق خلال زيارة مفاجئة لمنطقة كورسك (د.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يطلع على وثائق خلال زيارة مفاجئة لمنطقة كورسك (د.ب.أ)
TT

بوتين أمام معضلة وقف إطلاق النار... وعلاقته بترمب

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يطلع على وثائق خلال زيارة مفاجئة لمنطقة كورسك (د.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يطلع على وثائق خلال زيارة مفاجئة لمنطقة كورسك (د.ب.أ)

مع ارتدائه زياً عسكرياً مرقطاً، جاءت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اللافتة للنظر لمنطقة كورسك التي شارفت قواته على استعادتها من أوكرانيا، بعد يوم واحد من لقاء وفد أميركي في المملكة العربية السعودية بمسؤولين أوكرانيين. وبدت زيارته «رسالة» واضحة، قبل وصول الوفد الأميركي إلى موسكو لمناقشة مقترح وقف إطلاق النار المؤقت لمدة 30 يوماً مع أوكرانيا، حيث سبق أن صرّح بأنه غير مهتم بهدنة مؤقتة.

ويقول مراقبون إنه على مدى 3 أسابيع من المفاوضات بين مسؤولين روس وأميركيين، «ماطل» الكرملين في قبول أي مقترح جدي، قبل إنجاز استعادة تلك المنطقة. وأشارت أوساط أميركية، الأسبوع الماضي، إلى أن وقف تزويد واشنطن لكييف بالمعلومات الاستخبارية، قبل إعادتها بعد المحادثات الأميركية الأوكرانية في جدة يوم الثلاثاء، لعب دوراً رئيسياً في شلّ قدرة الجيش الأوكراني على الاحتفاظ بسيطرته على كورسك؟

رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية فاليري غيراسيموف (يمين) يتفقد القوات المشاركة بموقع في منطقة كورسك بروسيا في 11 مارس 2025 (رويترز)

 

مطالب روسية فضفاضة

 

ونقلت وكالة «رويترز» عن مصدرين مطلعين، الخميس، أن روسيا قدّمت للولايات المتحدة قائمة مطالب للموافقة على اتفاق ينهي حربها على أوكرانيا ويعيد ضبط العلاقات مع واشنطن. لكن مطالب روسيا لم تتضح بعد على وجه الدقة، أو ما إذا كانت مستعدة للدخول في محادثات سلام مع كييف قبل قبولها. ووصف المصدران شروط الكرملين بأنها فضفاضة ومشابهة للمطالب التي سبق أن قدّمها لأوكرانيا والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (ناتو). وشملت تلك الشروط السابقة عدم انضمام كييف إلى حلف شمال الأطلسي، وإبرام اتفاق بعدم نشر قوات أجنبية في أوكرانيا، واعترافاً دولياً بمزاعم الرئيس بوتين بضمّ شبه جزيرة القرم و4 مقاطعات أوكرانية لروسيا، فضلاً عمّا وصفته بمعالجة «الأسباب الجذرية» للحرب، بما في ذلك توسع حلف الناتو شرقاً.

هذا، وينتظر الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، قراراً من بوتين بشأن موافقته على هدنة 30 يوماً، التي أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الثلاثاء، أنه سيقبلها كخطوة أولى نحو محادثات السلام.

ويخشى بعض المسؤولين والمشرعين والخبراء الأميركيين من أن يستغل بوتين الهدنة لتكثيف ما يصفونها بمحاولة لإحداث شقاق بين الولايات المتحدة وأوكرانيا وأوروبا، وتقويض أي محادثات. ويقول خبراء إن مطالب روسيا لا تهدف على الأرجح إلى صياغة اتفاق نهائي مع أوكرانيا فحسب، بل تهدف أيضاً إلى أن تكون أساساً لاتفاقيات مع داعميها الغربيين. وهي مطالب من شأنها أن تحدّ من قدرة الغرب على بناء وجود عسكري أقوى في أوروبا، وربما تسمح لبوتين بتوسيع نفوذه في القارة، وفقاً لـ«رويترز».

 

معضلة بوتين مع ترمب

ويرى الخبراء أن معضلة بوتين تكمن في أنه يواجه الاختيار بين الحفاظ على التحول المذهل في السياسية الخارجية الأميركية، التي أعاد ترمب توجيهها لمصلحة روسيا على حساب حلفاء الولايات المتحدة، والمغامرة برفض مقترح وقف إطلاق النار. وهو ما من شأنه أن يعقد الأمور بالنسبة إليه، ويزيد من حدة التوتر بين رغبته في تحقيق نصر شامل في أوكرانيا وبناء علاقات وثيقة مع ترمب. ومع تكرار الكرملين رفضه نشر قوات سلام أوروبية في أوكرانيا، وعدم حسم مصير الضمانات الأمنية، سواء لأوكرانيا أو لأوروبا، يقول دبلوماسيون ومحللون إن تركيا برزت كشريك رئيسي محتمل في إعادة هيكلة الأمن الأوروبي، في وقت تسعى فيه القارة جاهدة لتعزيز دفاعها والبحث عن ضمانات لأوكرانيا في أي اتفاق لوقف إطلاق النار يتم التوصل إليه بمساعٍ من الولايات المتحدة.

تُظهر صورةٌ التقطتها طائرةٌ دون طيار مركزَ مدينة سودزا في سياق الصراع الروسي الأوكراني (رويترز)

 

تركيا شريكة لأوروبا

 

ونقلت «رويترز» عن محللين قولهم إن مساعي الأوروبيين للحفاظ على القدرات العسكرية لأوكرانيا والاتفاق على ضمانات أمنية، بالتوازي مع تعزيز دفاعاتهم دون واشنطن، أتاحا فرصة نادرة لتركيا لتعميق العلاقات مع أوروبا، رغم خلافاتهم المستمرة على قضايا عدة، ومحاولة أنقرة التي تراوح مكانها منذ فترة طويلة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقال رئيس الوزراء البولندي، دونالد توسك، بعد محادثات مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في أنقرة، أمس (الأربعاء)، إنه قدّم «مقترحاً واضحاً لتركيا لتتحمل أكبر قدر ممكن من المسؤولية المشتركة» من أجل السلام في أوكرانيا والاستقرار الإقليمي.

ولدى تركيا ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي. وبدأت في السنوات القليلة الماضية في إنتاج طائراتها ودباباتها وحاملات طائراتها. كما تبيع طائرات مسيرة مسلحة لدول حول العالم، بما في ذلك أوكرانيا. وبلغ إجمالي صادراتها من الصناعات الدفاعية 7.1 مليار دولار في 2024. ويقول إردوغان ووزير الخارجية هاكان فيدان إن على أوروبا إشراك تركيا في إعادة هيكلة بنيتها الأمنية بطريقة «مستدامة ورادعة».

 

أوروبا تواجه روسيا دون أميركا

 

أمام هذا الواقع الجيوسياسي المختلف جذرياً، طُرح تساؤل عن كيف يمكن لجيش أوروبي أن يواجه روسيا دون دعم الولايات المتحدة؟ ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» المحسوبة على الجمهوريين، عن مسؤولين عسكريين أميركيين كبار خدموا في حلف الناتو، قولهم إن أوروبا ستُلقي بثقلها في مثل هذا السيناريو. وأضافوا أنه على الرغم من افتقار أوروبا إلى قدرات دفاع جوي واستخباراتية مهمة، فإن جيوشها تُشكل مجتمعةً قوة جوية هائلة، وبحرية عملاقة، وجيشاً جباراً. هذه القوات البرية، التي تقلصت بعد الحرب الباردة، تُعيد بناء نفسها تدريجياً وتُضيف إليها معدات متطورة. ومع أن القتال سيكون مميتاً ومدمراً للغاية، كما أظهر غزو روسيا لأوكرانيا، وسيزيد من خطر نشوب حرب نووية. لكن في القتال التقليدي، ستُكافح روسيا التي فشلت أمام جيش أوكراني أصغر بكثير، ضد أوروبا. وصرّح أعضاء حلف الناتو بأن روسيا قد تصبح في غضون سنوات قليلة قوية بما يكفي لشنّ هجوم تقليدي على أوروبا، خاصة إذا سمحت اتفاقية السلام في أوكرانيا لموسكو بإعادة بناء قواتها المسلحة. لكن يبقى السؤال: هل سيتمكن الجيش الروسي المُعاد تشكيله من السيطرة على أوروبا؟

أوجه قصور أوروبا موثقة

 

ويؤكد المسؤولون أن أوجه القصور العسكرية في أوروبا موثقة جيداً، حيث تعتمد قواتها على الولايات المتحدة في الاستخبارات الحيوية والمراقبة والاستطلاع، وطائرات النقل، والقيادة، والتحكم. ولعلّ أهم ما في الصراع مع روسيا هو افتقار أوروبا للدفاعات الجوية. ومع ذلك، تتمتع الجيوش الأوروبية مجتمعة بقدرات دفاعية كبيرة، تبنيها من خلال التدريب المتواصل. وقد ازداد حجم التدريبات وتحول تركيزها إلى الدفاع الجماعي.

ووفقاً للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، وهو مركز أبحاث في لندن، تمتلك الجيوش الأوروبية كميات كبيرة من المعدات، على الرغم من أن كثيراً منها لا يزال بحاجة إلى الاستعداد للعمل. ويمتلكون ما يقرب من 5000 دبابة وأكثر من 2800 نظام مدفعية ذاتية الدفع، وما يقرب من 2000 طائرة مقاتلة. وبحلول عام 2030 سيمتلكون أكثر من 500 طائرة «إف 35» الأميركية المتطورة. ووفقاً لمحللي المصادر المفتوحة، لدى روسيا ما يصل إلى 3000 دبابة متبقية، على الرغم من صعوبة الحكم على الأرقام الفعلية، بعد أن فقدت آلاف الدبابات في أوكرانيا. ولديها نحو نصف عدد أنظمة المدفعية ذاتية الدفع الموجودة في أوروبا، وما يقرب من 1000 طائرة مقاتلة وقاذفة، أداؤها لم يكن جيداً في القتال، وفقدت ما يقرب من واحدة من كل 5 طائرات أرسلتها للقتال.

ذلك غير الطائرات من دون طيار التي قللت من فائدة هذه الأنظمة، وأصبحت روسيا الآن رائدة عالمية في الأنظمة غير المأهولة. كما تتسابق دول الناتو للتعلم من أوكرانيا التي أصبحت هي الأخرى رائدة في هذا المجال، لتطوير طائراتها من دون طيار وأنظمة مضادة للطائرات من دون طيار.


مقالات ذات صلة

أوروبا شرطي يظهر في مبنى جديد للركاب بمطار فرانكفورت الألماني (د.ب.أ)

احتجاز شخصين يشتبه أنهما يتجسسان لصالح روسيا في ألمانيا وإسبانيا

أعلن مكتب المدعي العام الاتحادي في ألمانيا احتجاز شخصين في إسبانيا وغرب ألمانيا للاشتباه في أنهما يتجسسان لصالح الاستخبارات الروسية.

«الشرق الأوسط» (برلين - مدريد)
أوروبا خلال لقاء رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين 28 نوفمبر 2025 (أ.ب)

اتهامات للمجر بأنها «الطابور الخامس» لموسكو

معلومات صحافية تؤكد أن وزير خارجية المجر بيتير زيجارتو ، المقرّب جداً من رئيس الحكومة فيكتور أوربان، يتواصل مباشرة مع نظيره الروسي سيرغي لافروف.

شوقي الريّس (بروكسل)
أوروبا مبنى سكني أُصيب بمسيرة روسية في مدينة دنبرو الأوكرانية الثلاثاء (رويترز)

زيلينسكي يستعد لاستمرار الحرب ثلاث سنوات إضافية

كشفت تقارير أوكرانية عن توجه الرئيس فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترة طويلة.

رائد جبر (موسكو)
الاقتصاد ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)

«أو إم في» النمساوية: أزمة الطاقة الحالية تفوق تداعيات الحرب الأوكرانية

قال الرئيس التنفيذي لشركة «أو إم في» النمساوية ألفريد شتيرن، إن أزمة الطاقة في الشرق الأوسط أكثر خطورة من الأزمة التي نجمت عن الحرب الأوكرانية عام 2022.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)

وزيرة الخارجية البريطانية قلقة من صرف الحرب الدائرة مع إيران الأنظار عن غزة والضفة

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)
وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)
TT

وزيرة الخارجية البريطانية قلقة من صرف الحرب الدائرة مع إيران الأنظار عن غزة والضفة

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)
وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)

أعربت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، الثلاثاء، عن «قلق بالغ» إزاء صرف النزاع الدائر في الشرق الأوسط الأنظار عن خطة السلام في غزة وأعمال العنف في الضفة الغربية.

وقالت كوبر أمام لجنة برلمانية: «أنا قلقة خصوصاً في الوقت الراهن بشأن ما يحدث في الضفة الغربية. ولدي قلق بالغ حيال إبقاء عملية خطة النقاط العشرين الخاصة بغزة على المسار الصحيح، خصوصاً بسبب اتّساع نطاق النزاع في الشرق الأوسط».

وأضافت: «أعتقد أن هناك قلقاً بالغاً وحقيقياً في هذه اللحظة مما يحدث في الضفة الغربية ومستوى عنف المستوطنين».

وتتركز الجهود الدبلوماسية حالياً على جلب إيران والولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات، لوضع حد لحرب مستمرة منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، أشعل فتيلها هجوم أميركي - إسرائيلي قُتل فيه المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي.

وبينما تتواصل الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، ترد هذه بإطلاق المسيرات والصواريخ على الدولة العبرية ودول الخليج، في نزاع يؤثر بشكل كبير على اقتصاد العالم.

وقالت كوبر: «في ظروف أخرى، لكانت (قضية السلام في غزة والعنف في الضفة الغربية) استحوذت على حيّز كبير من تركيزنا جميعاً على مستوى العالم، لكن في الظروف الراهنة هناك أمور كثيرة تجري»، لافتة إلى أن ذلك ينطوي على خطر «عدم التركيز بمقدار كاف على تلك القضايا».

وتابعت: «سيكون علينا وضع رؤية أوسع نطاقاً للأمن والاستقرار الإقليميين، لا بد أن تشمل إسرائيل وفلسطين ولبنان، وكذلك مقاربة أشمل».


اصطدام سفينة شحن بجسر في ميناء نويس غرب ألمانيا

سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)
سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

اصطدام سفينة شحن بجسر في ميناء نويس غرب ألمانيا

سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)
سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)

اصطدمت سفينة شحن محمّلة بحاويات بجسر في ميناء بمدينة نويس غرب ألمانيا، ما أدى إلى سقوط حاويتين فارغتين في المياه، بينما مالت حاويات أخرى بشكل خطر، وفقاً لما أعلنته الشرطة.

وبحسب المعلومات الحالية، لم يسفر الحادث عن وقوع إصابات، فيما تم إغلاق الجسر المخصص لقطارات الميناء فقط، أمام حركة المرور لفحص الأضرار التي لحقت به، حسبما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

وأوضحت السلطات أن السفينة كانت علقت أسفل الجسر، مشيرة إلى أنه نظراً لكونه جسراً متحركاً (يرفع هيدروليكياً)، فقد تم رفعه بأسرع ما يمكن لتحرير السفينة، وهو ما تسبب في سقوط المزيد من الحاويات غير المستقرة في الماء.

وبعد عدة ساعات من العمل، تمكنت الفرق المختصة من تحرير السفينة بنجاح.

سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)

وهرعت إلى موقع الحادث عدة قوارب تابعة للشرطة وهيئة الإنقاذ المائي والإطفاء. بالإضافة إلى ذلك، قامت قوارب العمل والرافعات التابعة للميناء بتأمين الشحنة المفقودة ومنع انجرافها نحو نهر الراين.

كما استخدمت مروحية تابعة للشرطة لمراقبة ما إذا كانت الحاويات التي سقطت في الماء تسببت في أي تلوث بيئي، وأكدت التقارير أن ذلك لم يحدث. ولا تزال الشرطة تحقق في الأسباب التي أدت إلى اصطدام السفينة بالجسر.


هجوم مسيّرة على قاعدة بريطانية يدفع قبرص للمطالبة بإعادة النظر في اتفاق مع لندن

طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)
طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)
TT

هجوم مسيّرة على قاعدة بريطانية يدفع قبرص للمطالبة بإعادة النظر في اتفاق مع لندن

طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)
طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)

عندما أصابت طائرة مسيّرة من طراز «شاهد» إيرانية الصنع هنغاراً في قاعدة جوية بريطانية على الساحل الجنوبي لقبرص بعد دقائق من منتصف ليل 2 مارس (آذار)، كانت صفارات الإنذار قد دوّت بالفعل داخل القاعدة لتحذير الأفراد بضرورة الاحتماء.

لكن البريطانيين لم يُبلّغوا الحكومة القبرصية، وهو ما دفع الدولة الجزيرة في شرق المتوسط إلى المطالبة بإعادة تقييم وضع القاعدتين البريطانيتين على أراضيها في أكروتيري وديكيليا، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وكانت السفينة الحربية البريطانية «إتش إم إس دراغون» تتجه، يوم الثلاثاء، نحو المياه قبالة قبرص لتوفير حماية إضافية من أي هجوم محتمل.

«نحتاج إلى فتح هذا النقاش»

في الأول من مارس، قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إنه سيُسمح للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية «لغرض دفاعي محدد ومحدود» يتمثل في ضرب مواقع تخزين الصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها. وقد أثار هذا الإعلان قلق السلطات القبرصية؛ إذ بدا متناقضاً مع تأكيدات بريطانية سابقة بعدم استخدام القواعد في الجزيرة. ولاحقاً، أوضح مسؤولون بريطانيون أن القواعد المقصودة تقع في إنجلترا والمحيط الهندي، وليس في قبرص.

وفي مساء اليوم التالي، وحسب مسؤولين قبرصيين رفيعين تحدثا لوكالة «أسوشييتد برس» بشرط عدم الكشف عن هويتهما لعدم تخويلهما بالتصريح علناً، لم تُصدر السلطات البريطانية أي تحذير للحكومة القبرصية بشأن طائرة مسيّرة كانت متجهة نحو قاعدة سلاح الجو الملكي في أكروتيري، ولا بشأن احتمال تعرّض قرية قريبة يسكنها ألف شخص للخطر.

ودفع هذا التطور الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليديس إلى الدعوة لإجراء «نقاش صريح ومفتوح» مع الحكومة البريطانية حول مستقبل القواعد.

وقال خريستودوليديس خلال قمة قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل في 20 مارس: «لن أتفاوض علناً، ولن أطرح طلبي على الملأ، لكننا بحاجة إلى فتح هذا النقاش. إن القواعد البريطانية في قبرص هي نتيجة من نتائج الحقبة الاستعمارية».

من جهته، قال مكتب ستارمر في بيان إنه تحدث مع خريستودوليديس خلال عطلة نهاية الأسبوع ليؤكد له أن «أمن قبرص يمثل أولوية قصوى للمملكة المتحدة كشريكين وأصدقاء مقربين». كما قيل إن ستارمر شدد مجدداً على أن قاعدة أكروتيري لن تُستخدم في أي ضربات أميركية ضد إيران.

بقايا الحكم الاستعماري

نالت قبرص استقلالها عن الحكم البريطاني في أغسطس (آب) 1960 بعد حملة تمرد استمرت أربع سنوات، لكن ذلك جاء بثمن تمثل في احتفاظ بريطانيا بقاعدتين تمتدان على مساحة 99 ميلاً مربعاً (256 كيلومتراً مربعاً).

ويكرّس دستور قبرص وجود هاتين القاعدتين، اللتين تتمتعان بقوة شرطة ومحاكم خاصة بهما، وتُعدان من الناحية القانونية الصارمة أراضي استعمارية بريطانية، وفقاً لكوستاس كليريديس، المدعي العام السابق للجزيرة.

وبعد نحو 66 عاماً، لا يزال كثير من القبارصة - ومن بينهم خريستودوليديس - ينظرون إلى القواعد باعتبارها تذكيراً بماضيهم الاستعماري. ويعيش نحو 10 آلاف مواطن قبرصي داخل أراضي القواعد ويخضعون لسلطتها.

وقد طُرحت سابقاً دعوات لإلغاء القواعد، لا سيما عندما تُستخدم في عمليات عسكرية بالمنطقة، لكن الاحتجاجات السلمية ضد استمرار وجودها أصبحت أقل بكثير مما كانت عليه في السابق.

دور متوسع

ورغم أن إنشاء القواعد كان يهدف أساساً إلى مراقبة حركة الملاحة عبر قناة السويس وتأمين تدفق النفط من الشرق الأوسط، فإن دورها توسّع كثيراً.

فلا تزال قاعدة أكروتيري تضم طائرة التجسس الشهيرة «يو-2» التي تنفذ رحلات استطلاع على ارتفاعات عالية فوق الشرق الأوسط. كما شكّلت مركزاً لوجيستياً رئيسياً للعمليات الأميركية في العراق عام 2003، واستُخدمت لاحقاً في الحملة ضد تنظيم «داعش» في سوريا والعراق. وتضم القواعد أيضاً محطة تنصّت على قمة جبل لمراقبة الاتصالات في الشرق الأوسط وخارجه.

وقالت حكومات قبرص المتعاقبة إن بريطانيا ستبلّغ السلطات بأي عمل عسكري ينطلق من القواعد، لكن يُفهم هذا الالتزام باعتباره إجراءً بروتوكولياً أكثر منه إلزاماً قانونياً.

وقال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي أمام البرلمان، يوم الاثنين: «نؤدي دوراً قيادياً، بالتعاون مع جمهورية قبرص، في تنسيق القدرات المتزايدة في شرق المتوسط، لضمان بقاء هذه القاعدة السيادية محمية قدر الإمكان في ظل الظروف الراهنة وفي مواجهة التهديد الإيراني».