قطع الكهرباء عن غزة... معاناة فوق المعاناة

القرار يوقف عمل محطة تحلية المياه المركزية في القطاع

رجل يملأ صهريجاً على ظهر شاحنة في محطة تحلية المياه بجنوب غزة التي توقفت عن العمل بعد أن قطعت إسرائيل الكهرباء عن القطاع (أ.ف.ب)
رجل يملأ صهريجاً على ظهر شاحنة في محطة تحلية المياه بجنوب غزة التي توقفت عن العمل بعد أن قطعت إسرائيل الكهرباء عن القطاع (أ.ف.ب)
TT

قطع الكهرباء عن غزة... معاناة فوق المعاناة

رجل يملأ صهريجاً على ظهر شاحنة في محطة تحلية المياه بجنوب غزة التي توقفت عن العمل بعد أن قطعت إسرائيل الكهرباء عن القطاع (أ.ف.ب)
رجل يملأ صهريجاً على ظهر شاحنة في محطة تحلية المياه بجنوب غزة التي توقفت عن العمل بعد أن قطعت إسرائيل الكهرباء عن القطاع (أ.ف.ب)

اضطر الفلسطيني علاء بركة، أحد سكان دير البلح في وسط قطاع غزة، للانتظار خلال ساعات الصيام في نهار يوم الاثنين لنحو ثلاث ساعات مع نجله الوحيد البالغ من العمر 8 سنوات، حتى وصلت سيارة مياه محلاة إلى منطقته، ثم الانتظار مجدداً في طابور لأكثر من ساعة حتى حصل على 4 لترات من المياه الصالحة للشرب.

أما نسرين أبو عمرة، التي تعيش في مخيم النصيرات بوسط القطاع، فلم يتمكن أبناؤها الثلاثة مجتمعين من الحصول على مياه صالحة للشرب إلا بصعوبة بالغة، وكان كل ما أمكنهم الحصول عليه 4 لترات.

فقد أعلن وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين، مساء الأحد، قطع الكهرباء عن القطاع بهدف الضغط على حركة «حماس»، وقال: «كفى حديثاً، لقد حان وقت العمل». وأضاف في رسالة مصورة بالفيديو: «سنستخدم كل الوسائل المتاحة لدينا لضمان عودة جميع الرهائن، وسنحرص على ألا يكون لـ(حماس) وجود في غزة في اليوم التالي» لانتهاء الحرب.

ورغم أن القطاع يعيش بلا كهرباء منذ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أي منذ بدأت إسرائيل حربها، مع منع إدخال الوقود لمحطة الكهرباء الوحيدة في القطاع، فإن القرار الأخير يزيد من معاناة الغزيين.

وأوضح المكتب الإعلامي الحكومي بغزة أن القرار يهدف في الأساس لقطع خط كهرباء أعادت إسرائيل توصيله قبل شهرين لتزويد محطة التحلية المركزية بالقطاع، والممولة من دول أوروبية وجهات أممية.

وأشار المكتب إلى وجود شح كبير وأزمة خانقة في مياه الاستخدام المنزلي، وأزمة أكبر في مياه الشرب، بسبب منع الوقود الذي يشغّل الآبار ومحطات التحلية.

وبحسب نزار عياش رئيس بلدية دير البلح التي تقع بها المحطة، فإن قطع الكهرباء عن محطة التحلية سيُفقد مناطق جنوب ووسط القطاع ما لا يقل عن 70 في المائة من مصادر المياه العذبة، مشيراً إلى أن المحطة كانت تنتج نحو 16 ألف كوب من المياه المحلاة الصالحة للشرب يومياً.

وتصل قدرة خط الكهرباء الإسرائيلي الذي تم تزويد المحطة به إلى ما يقرب من 5.3 ميغاواط.

وبيَّن عياش، في تصريحات للصحافيين من أمام المحطة، أنه ستكون هناك صعوبة في تشغيل ما يتوفر لدى البلدية من مولدات صغيرة لعدم توفر كميات كبيرة من السولار الذي تُدار به، إلى جانب أن بعضها تالف وخرج من الخدمة بفعل الاستهداف المتكرر لمقار البلديات في القطاع ومنها مقر بلدية دير البلح.

وأضاف أن توقف عمل المحطة بدأ فعلياً في إحداث تراجع كبير في كمية وجودة المياه المتوفرة، نظراً لانعدام مصادر المياه النظيفة، ما يعني تعريض حياة المواطنين للخطر.

المتضرر الأكبر

رغم ما يردده الجانب الإسرائيلي من أن الهدف من قطع الكهرباء هو الضغط على «حماس»، فإن الواقع على الأرض يبيّن على نحو لا لبس فيه أن المواطن الفلسطيني هو المتضرر الأكبر من هذه العملية.

ويقول بركة (29 عاماً) الذي يعيش في دير البلح إن محطة التحلية كانت تساعد المواطنين في الحصول على المياه بسهولة، مشيراً إلى أن سكان وسط القطاع وجنوبه كانوا يعتمدون عليها في الحصول على مياه صالحة للشرب منذ إعادة تشغيلها قبل شهرين، «أما الآن مع توقفها، فسنعود للمعاناة الشديدة التي كنا فيها من قبل».

وقالت نسرين أبو عمرة (52 عاماً)، إنه لم يعد أمام الغزيين في مناطق وسط وجنوب القطاع، سوى الاعتماد على بعض محطات التحلية الخاصة في الحصول على المياه من خلال مركبات تُسيرها لهم مؤسسات ومبادرات شبابية، وهي كميات ضئيلة جداً على حد قولها.

وأضافت أن المحطة كانت تزودهم بالمياه يومياً من خلال الضخ في سيارات صهاريج تصل للمنازل وتعبئ المياه بسهولة، مشيرة إلى أنه في اليوم الواحد كانت تصلهم خمس سيارات على الأقل محملة بالمياه الصالحة للشرب، وهو ما كان يكفيهم على عكس مناطق أخرى من القطاع.

نازحة فلسطينية تعد إفطاراً للصائمين من أسرتها وجيرانها في خان يونس بجنوب قطاع غزة يوم الأحد (رويترز)

وكان سكان القطاع يعتمدون سابقاً على محطات مركزية أو تابعة للقطاع الخاص كانت تعمل بالكهرباء، إلا أن انقطاعها وقصف بعض هذه المحطات أوقف خدماتها.

وأعربت شركة كهرباء غزة عن استغرابها من القرار الأخير، مشيرة إلى أن قطاع الكهرباء مدمر بالفعل نتيجة الحرب الإسرائيلية، وأنه لا يوجد فعلياً أي خطوط إسرائيلية سوى تلك التي مُدَّت لتشغيل محطة تحلية المياه المركزية بوسط القطاع.

وبيَّنت الشركة أن خسائر قطاع الكهرباء وصلت إلى 450 مليون دولار، إلى جانب تدمير أكثر من 70 في المائة من شبكات توزيع الكهرباء، مشيرة إلى أن 90 في المائة من مستودعاتها دُمرت، و80 في المائة من آلياتها أصبحت خارج الخدمة بعد قصفها.

«سياسة العقاب الجماعي»

قالت حركة «حماس» إن الإعلان الإسرائيلي بمثابة «إمعان في ممارسة سياسة العقاب الجماعي بحق الفلسطينيين»، وإنه يُعد «جريمة حرب مكتملة الأركان» بعد وقف المساعدات والإغاثة والوقود، معتبرة ذلك محاولة يائسة للضغط عبر سياسة «الابتزاز الرخيص والمرفوض».

وأضافت أن «ممارسات الاحتلال شكلت انتهاكاً صارخاً للاتفاقات الموقعة، وتجاوزاً لكل القوانين والأعراف الإنسانية، في تأكيد جديد على أن الاحتلال لا يحترم التزاماته».

واتهمت الحركة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالسعي لتعطيل اتفاق وقف إطلاق النار ومحاولة فرض خريطة طريق جديدة «تخدم مصالحه الشخصية على حساب حياة أسرى الاحتلال، ودون اكتراث لمطالب عائلاتهم».

كما أدانت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية القرار الإسرائيلي، واعتبرت أنه يأتي «تعميقاً لحرب الإبادة والتهجير والكارثة الإنسانية في قطاع غزة على مستويات حياة الغزيين كافة، خاصة في ظل إمعان الاحتلال في منع وصول المساعدات الإنسانية لأكثر من مليوني فلسطيني في القطاع يعانون أبشع أشكال التطهير العرقي»، كما ذكرت في بيان لها.

فلسطيني يمشي في محطة لتحلية المياه بجنوب قطاع غزة يوم الاثنين (رويترز)

من جانبها، قالت المقررة الأممية الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، إن قطع إمدادات الكهرباء عن قطاع غزة ينذر بإبادة جماعية.

وأضافت عبر حسابها على منصة «إكس»، أن «قطع إسرائيل لإمدادات الكهرباء عن غزة يعني عدم وجود محطات تحلية مياه عاملة، وبالتالي عدم وجود مياه نظيفة، وهو إنذار بإبادة جماعية».

وكانت إسرائيل قد قررت مع نهاية المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، الأسبوع الماضي، وقف إدخال المساعدات الإنسانية كافة إلى غزة، وإغلاق المعابر مع القطاع، إلى أن أتبعت ذلك بوقف تزويد محطة التحلية الوحيدة في غزة بالكهرباء.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تسمح لشركة أميركية بدخول غزة لتسلُّم سلاح «حماس»

المشرق العربي أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي- إسرائيلي بخان يونس في فبراير (شباط) 2025 (رويترز)

إسرائيل تسمح لشركة أميركية بدخول غزة لتسلُّم سلاح «حماس»

ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن إسرائيل وافقت على دخول شركة أميركية إلى غزة، لبدء خطوات تتعلق بمواقع يفترض أن تسلِّم حركة «حماس» سلاحها فيها.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فتاة فلسطينية تصعد درجاً في مبنى مدمر استُهدف بغارات جوية إسرائيلية بمنطقة الزوايدة وسط قطاع غزة الأحد (أ.ف.ب)

إسرائيل توسّع «الخط الأصفر» مجدداً... وتكثّف الغارات في عمق غزة

وسّعت إسرائيل حدود «الخط الأصفر» الافتراضي الفاصل بين مناطق تحتلها وأخرى تسيطر عليها «حماس»، الأحد، قبالة مدينتَي غزة ودير البلح بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تبكي خلال تشييع طفل في الثامنة من العمر قتل بغارة إسرائيلية بمدينة غزة الجمعة (إ.ب.أ)

عام على وقف النار... إسرائيل تشن حرباً مصغرة في غزة

عشية مرور أول عام على وقف إطلاق النار الهش، شهد قطاع غزة ليلة ساخنة ذكَّرت الآلاف من سكانها بأيام الحرب الصعبة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يسافرون على طول شارع محاط بالمباني التي دمرتها الضربات العسكرية الإسرائيلية خلال الحرب بين إسرائيل و«حماس» في مدينة غزة يوم 8 أكتوبر 2026 (أ.ب)

7 قتلى بضربات إسرائيلية على غزة

قُتل سبعة أشخاص في ضربات إسرائيلية الخميس في غزة، حسب ما أفاد الدفاع المدني في القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارجاً من الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد خطابه (أ.ف.ب)

تحذيرات من «حرب بأهداف انتخابية» يحضّرها نتنياهو ضد كل الفلسطينيين

حذّر رئيس حزب «يشار»، غادي آيزنكوت والمرشح البارز لرئاسة الحكومة الإسرائيلية، الرئيس الحالي لمجلس الوزراء بنيامين نتنياهو من مغامرات حربية عشية الانتخابات.

نظير مجلي (تل أبيب)

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)

صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تهديداته، أمس، متوعداً بتوجيه ضربة قاسية إلى «حزب الله» وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية في الجنوب، فضلاً عن إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت وتهجير أكثر من مليون لبناني من الطائفة الشيعية، في حال انضم الحزب إلى أي هجوم إيراني محتمل على إسرائيل، قائلاً إن «أكثر من مليون شيعي سيتحولون إلى نازحين داخل لبنان».

وفي موازاة ذلك، أثار إعلان «حزب الله» عن تقديم مساعدات مالية للنازحين والمتضرّرين، تساؤلات حول مصادر الأموال وآليات وصولها وتوزيعها، فيما شكّك متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية للمرة الثانية في غضون أيام، في وجودها أصلاً.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن «الأموال المزعوم وصولها من إيران غير موجودة أساساً». وأضاف أنه «حتى لو امتلك الحزب الأموال، فسيستخدمها لشراء الأسلحة لتهديد إسرائيل وترهيب خصومه... أسلحته لم تجلب للبنان سوى البؤس والدمار».


لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

حث وكيل أمين عام الأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، اليوم الأربعاء، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على بدء مفاوضات حول مستقبل قوات حفظ السلام المنتشرة في لبنان، في الوقت الذي تسعى فيه بيروت إلى تمديد تفويضها المقرر أن ينتهي في نهاية هذا العام، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتنتشر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، المعروفة باسم «يونيفيل»، في جنوب لبنان منذ 1978، لكن مجلس الأمن أمر البعثة العام الماضي بالبدء في الانسحاب في نهاية 2026.

ومنذ اندلاع حرب جديدة في مارس (آذار) بين إسرائيل وجماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران، تحشد الحكومة اللبنانية الجهود من أجل تمديد تفويض «يونيفيل»، مشيرة إلى دورها في مراقبة الأعمال القتالية وتسهيل إيصال المساعدات إلى القرى الواقعة في المناطق التي تحتلها إسرائيل.

وقدّم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا العام مقترحات لاستمرار وجود قوات الأمم المتحدة في لبنان، لكن لاكروا قال لوكالة «رويترز» في بيروت إنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى الآن.

وأضاف: «هذه المقترحات معروضة على طاولة مجلس الأمن. لم تحدث أي تحركات في مجلس الأمن حتى الآن، لكنني أعتقد أن المفاوضات ستبدأ... قريباً وبجدية».

وتابع: «أعتقد أنه من الأفضل اتخاذ قرار قريباً بدلاً من تأجيله، أليس كذلك؟ لأن ذلك سيوضح لنا الرؤية المستقبلية أيضاً، وبالتأكيد من وجهة نظر أكثر محدودية تتعلق بتخطيطنا».


رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
TT

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)

نفى رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، ما تداولته بعض المواقع عن إنجاز قانون العدالة الانتقالية ورفعه إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، لافتاً إلى أن «المشروع لا يزال قيد التداول والمناقشات، ولم يصل إلى صيغته النهائية».

وأوضح الويس لـ«الشرق الأوسط» أن الهيئة تتبنى «مساراً ديناميكياً في تطوير مسودات قانون العدالة الانتقالية المقترحة، عبر لقاءات تشاورية مستمرة مع المؤسسات المعنية التي تتقاطع معها، مثل وزارات الداخلية والعدل و(هيئة المفقودين)، بهدف تحديث وتجديد بنوده، قبل إحالته رسمياً للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ومجلس الشعب».

تصريحات الويس جاءت بعد تداول الحديث عن إنجاز الهيئة لمشروع قانون العدالة الانتقالية ووصوله إلى البرلمان، بعد ما أثارته مسودة المشروع الأخيرة من ردود فعل داخل الأوساط الحقوقية التي وضعت بنوده تحت مجهر التحليل، لتفتح أبواب النقاش والتحذير من وجود ثغرات بنيوية تمس جوهر القانون.

وركزت الانتقادات حول «عمومية النصوص»، خاصة المتعلقة بمساري «الإصلاح المؤسسي وكشف الحقيقة»، الواردة ضمن المسودات السابقة، إلى جانب حفظ الذاكرة الوطنية، ونطاق ملاحقة الانتهاكات الجسيمة، إلى جانب آليات المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب وحصرها بين الفترة من 1970 حتى سقوط نظام بشار الأسد 2024، واستقلال الهيئات القضائية المختصة، وتداخل البنود المتعلقة بالعزل السياسي.

جلسة تشاورية في محافظة درعا بمشاركة عائلات المفقودين والناجين والمتضررين ومنظمات المجتمع المدني (الهيئة الوطنية للمفقودين)

الباحث في مجال القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، يرى من جهته أن الإبقاء على مفاهيم أساسية مثل كشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي، بصياغة عامة دون تحديد مضمونها القانوني وآليات تنفيذها، يشكل خطراً على فاعلية القانون وقدرته على تحقيق أهدافه، «فالمشكلة لا تكمن في استخدام هذه المفاهيم، وإنما في غياب الالتزامات القانونية الواضحة المترتبة، وترك تفسيرها وتطبيقها للسلطة التقديرية»، معتبراً أن التحدي الأساسي أمام أي قانون شامل للعدالة الانتقالية في سوريا، لا يتمثل فقط بالاعتراف بالانتهاكات الماضية، إنما في بناء منظومة قانونية قادرة على منع تكرارها، وضمان خضوع جميع المسؤولين عن الجرائم للمساءلة وفق القانون، وإعادة الاعتبار للضحايا، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

ويوضح الكيلاني أن «النصوص العامة لا توفر حماية كافية للضحايا، ولا تمنع إساءة استخدام السلطة، ولهذا يجب تحويل المبادئ العامة إلى حقوق قابلة للإنفاذ والتقاضي والتزامات محددة على المؤسسات، وإجراءات واضحة للمساءلة والرقابة».

لجنتا «ضحايا الثورة السورية» و«هيئة العدالة الانتقالية» تبحثان مشروع قانون العدالة الانتقالية بحضور عبد الباسط الويس (الهيئة)

الإصلاح والعزل السياسي

ويرى الكيلاني أن كشف الحقيقة ليس مجرد جمع للشهادات أو إعداد تقارير توثيقية، بل هو حق للضحايا وذويهم وللمجتمع في معرفة الوقائع المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، وظروف ارتكابها، والجهات المسؤولة عنها، ومصير المفقودين والمختفين قسرياً، وإذا لم يتضمن القانون ضمانات واضحة للوصول إلى الوثائق والأرشيفات الرسمية، وحماية الشهود، وإلزام المؤسسات بالتعاون، وتحديد العلاقة بين نتائج لجان الحقيقة والإجراءات القضائية، «فقد يتحول كشف الحقيقة إلى عملية توثيق رمزية لا تنتج آثاراً قانونية فعلية».

أما بالنسبة إلى الإصلاح المؤسسي فإن «ترك (المصطلح) دون تعريف ومعايير محددة قد يعيد إنتاج مؤسسات ساهمت بارتكاب الانتهاكات، أو استخدام الإصلاح وسيلة للإقصاء السياسي والإداري، ولذلك ينبغي أن يرتكز الإصلاح على تقييم فردي للمسؤوليات، ومعايير شفافة للنزاهة والكفاءة، وضمانات الاعتراض والطعن، مع إخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية لرقابة قانونية مستقلة».

«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» تبحث مع أهالي جسر الشغور بمحافظة إدلب سبل تعزيز السلم الأهلي (الهيئة)

يستند الكيلاني في حديثه إلى الفقرات التي أشارت في نص المسودة إلى المادة الـ20 من إجراءات وتبعات فحص السجلات والمواد 19 و18 و17، من باب التقييم وضمان عدم التكرار التي تنص على إحداث لجنة ثلاثية لتقصي الحقائق لفحص جهازي أمني أو إداري، دون أن يمنح حق الطعن أو المراجعة للموظف الذي يعزل أو يطرد، إضافة إلى المادتين 21 و22 مدخل العزل السياسي التي تمنح لجنة تقصي الحقائق صلاحيات واسعة، وتفرض عقوبات دون وجود مستند قضائي.

قبل سقوط النظام وبعده

إلى جانب هذه البنود، فقد أثارت المدة الزمنية المحددة بفترة حكم نظام الأسدين، وربطها حصرياً بجهة سياسية أو أمنية معينة، إشكالية حقوقية تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، وحق جميع الضحايا في الوصول إلى العدالة والإنصاف.

ولا يعني ذلك، بحسب الباحث، التقليل من حجم الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، وإنما بترسيخ مبدأ العدالة فوق الجميع، وفق معيار قانوني واضح يكون بطبيعة الانتهاك وجسامته والمسؤولية الفردية عن ارتكابه، وبالتالي يجب أن يتوسع نطاق المساءلة ليشمل جميع الانتهاكات، بما فيها التي قد تكون ارتكبت بعد سقوط النظام السابق.

ويوضح أن معالجة هذه الإشكالية تشريعياً يكون من خلال اعتماد تعريف شامل للانتهاكات الجسيمة، وتحديد اختصاصات واضحة للتحقيق والملاحقة، بحيث لا يؤدي النطاق الزمني للعدالة الانتقالية إلى تعطيل اختصاص القضاء في الجرائم الواقعة خارجه، ويجب أن يتم ذلك مع احترام مبدأ الشرعية الجنائية، وعدم رجعية التجريم والعقوبة، وضمانات المحاكمة العادلة.

بدوره، يؤكد رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، أن «ورقة المشروع لا تزال حية وقابلة للتعديل، وقد جرى عليها الكثير من التطوير والتحديث، حتى المسودة الأخيرة التي طرحت مؤخراً لا تزال المناقشات حول بنودها والتحسينات مستمرة».

ورغم الانتقادات المتزايدة حول المماطلة في تشريع قانون عدالة انتقالية شامل في سوريا، يجد حقوقيون وخبراء قانون أن تأخر صدور القانون ليس خطراً حقيقياً، بقدر ما يكون عليه وجود قانون يكرّس عدالة جزئية، أو يؤسس لمؤسسات تفتقر إلى الاستقلال، أو يمنح الضحايا اعترافاً رمزياً دون حقوق قابلة للإنفاذ.