الشّامان

تجربة السفر تشبه الحلم

الشّامان
TT

الشّامان

الشّامان

كلٌّ منّا يكتب عن المواضيع التي تفرض نفسها عليه. في يريفان، عاصمة أرمينيا، كانت التّحضيرات تجري قبل أسبوع من موعد ليلة رأس السّنة. عند منتصف السّاحة العامّة انتصبت شجرة ميلاد هائلة، والشوارع المؤديّة راحت ترفرف في سمائها الشّرائط الصفراء والحمراء والزّرقاء، وهناك خيامٌ مبهرجة، وبابا نويل يلاقيك بثيابه الثّلجية والحمراء في كلّ درب.

ثمّ حلّ اليوم الأخير من السنة، وحسمتُ أمري على أن أقضيه، بنوع من العَنَد والإصرار على الابتعاد عن كلّ ما يمتّ إلى الواقع بِصلة، في القراءة والكتابة. يقول مارسيل بروست: «الحياة الواقعية، هي آخر ما يُكتشف ويُنوَّر، والحياة الوحيدة التي تعاش بكاملها، هي الأدب».

كانت السماء في نافذة الفندق رصاصيّة، ضوء شاحب في الشّارع كشف لي عن حقيقةٍ مفادها أن تجربة السفر تشبه الحلم، وعندما تنتقل من شارع إلى آخر كأنك تذهب في منام جديد، وعالم جديد. لهذا السّبب قال كالفينو: «لا أحسب أني مسافر إن لم أكن وحيداً، فلا يوجد منام يشترك فيه اثنان».

بعد الفطور قصدتُ المقهى الذي أجلس فيه كلّ يوم. مقهى يقع وسط غابة قريبة من المدينة، وعلى شجرة عمرها مئة عام، رأيت زهرةً حياتها يوم واحد. كيف كانت حياة الإنسان والحيوان وبقية الكائنات في ذلك العهد؟ إن وظيفة الأدب ليست توثيقية، أي تدوين ما يجري من أحداث، وإنما هي تسجيليّة. إنها دليل حاسم على الحيوات التي عيشت في عصر معيّن، وهذه ميزة الأدب الحيّ عن الكلام الذي يُكتب لكي يُنسى. تُدفِّئنا الحياة بطراوتها وحُسنها، وبخشونتها ودمامتها وقُبحها، وكل هذا سوف يكون جميلاً عندما يُنقَل على الورق، لأن فيه سحر الفن.

دوّنتُ هذه الملاحظات بينما كنت في المقهى، وأتممتُ قراءة ثلاثين صفحة من كتاب «السياسة» لأرسطو، وفي تمام الثانية عشرة غادرتُ المقهى، وأنا أفكّر في ملاحظات المعلّم الأول حول أهمّ مقوّمات بناء الدولة، وهي في رأيه المواطنون، إن كان عددهم قليلاً لن يستطيع بلدهم تحقيق الاكتفاء الذاتي، وسوف يستورد بشراً من الخارج، فيحصل عند تفاعلهم مع أهل البلد خليط غير منسجم يؤدي بالتالي إلى تشويه مفهوم الأمة.

عندما جنحت شمس يريفان إلى الغروب أخذت الموسيقى تصدح في الساحة الكبرى في المدينة، وصارت قنانيّ النبيذ تُراق على أرض الشارع والحديقة والساحة. لكنك عدتَ مسرعاً إلى غرفتك في الفندق، وعادت إليك الطمأنينة والراحة، بعد أن استمعت لإحدى معزوفات جواد معروفي على البيانو. ساعة، وقمتَ بتوديع لون الغروب الليموني البارد الشفّاف من آخر يوم في 2024، مع جارك في الغرفة المجاورة، وكان جالساً في شرفته هو الآخر؛ كهلٌ إيطاليّ اختار أن يأتي بنبيذه وطعام العشاء على مائدة صغيرة، وكان يقرأ كتاباً ويدخّن، ويُصغي إلى الموسيقى تصدح من هاتفي النقّال، ويواكب الألحان بأصابعه على المائدة. التقت نظراتي مع نظراته في لحظة، وقال لي باللغة الإنجليزيّة وعلى شفتيه ابتسامة مطفأة: «سنة سعيدة يا صديقي»، وأجبته بالكلام نفسه، وبقي وجهانا يبحثان لبرهة عن كلمات لا وجود لها في لغتي أو لغته، مغزاها أن أيّام العمر سوف تمتدّ بنا، ونكتشف فيها كثيراً من الوجود الفارغ في الأشياء والأشخاص والكتب. في اليوم التالي كلّ شيء سيعود إلى طبيعته السابقة، كل شيء سيكون طبيعياً تماماً؛ الساحة والشارع والناس. وحدها المعرفة التي تأتينا عن طريق قراءة الكتب المدمّرة العظيمة، تَعِدنا بنوع من القوة والحريّة، يحتاج إليها المرء في سبيل اكتشاف العالم. رأيتُ هذا مطبوعاً في وجه جاري الإيطالي، وكنتُ كمن ينظر إلى صورته معكوسة في المرآة.

أليس من الغريب أن الجميع يرقصون ويغنون في الشوارع القريبة، وأنا منكبٌّ في مجلسي عند الشرفة على قراءة كتاب «السياسة»؟ مما لا مرية فيه أن ما فعلته لا يدلّ على مزاج منحرف أو طبع لا ينسجم مع المألوف، كما أنه لم يكن مجرد ترف بورجوازيّ، مثلما كان يقول أهل السياسة سابقاً، لكنه «إرضاء للحسّ العميق بالواجب»، (التعبير لفان غوخ)، من أجل الحفاظ على الهويّة. إنه تجسيد حيّ لفكرة الالتزام الذي يفرضه الفنان على نفسه، ويؤديه بأحسن صورة عندما يكون واثقاً من أنه يؤدي دوراً ليس غرضه المتعة الجمالية فحسب، بل هو أقرب إلى ما يقوم به الشامان؛ الوريث الفعلي للوليّ الصالح بمفهوم الدين. حين تقدّم فيكتور هوغو في السن أصبح شاماناً، وكان يشعر بأن الرسالة التي أدَّاها بواسطة الأدب لم تكن موجهة إلى فرنسا فحسب، وإنما إلى البشر جميعاً. هذا هو سرّ القيمة شبه الدينيّة التي نسبغها على الأدب، وفي مرحلة معينة من حياة الكاتب، يصبح هذا النوع من التفكير هاجساً بالنسبة إليه، لا يمكنه التفريط فيه، لأنه المحكّ الذي سوف تنجلي طبيعته في نقطة منه، مع مرور السنين.

في الفجر الأول من السنة الجديدة، كنتُ أسيرُ فوق النبيذ الذي تجمّد في الشوارع وصار هو الأرض. لا أعرف كيف أحسستُ فجأة بما يمكن أن أدعوه دواراً معنويّاً سببه السعادة، بلغتني كما لو كنتُ أمضيتُ السهرة مع المحتفلين بعيد رأس السنة، ودخّنتُ سجائرهم وشربتُ أنهار خمرهم جميعاً. تحضر هنا عبارة لجورج باتاي: «رفض التواصل هو وسيلة للتواصل أكثر عدائيّة، ولكنها الأكثر قدرة». هناك مسافة متدرّجة تفصل بين الشاعر والعالم الخارجي، مسافة حقيقية وليست من لِدات تصوّراته، عندما يشغلها ما هو غريب يحدث فرق جهد يشبه ذلك الذي درسناه في الفيزياء، يؤدي إلى شحنة من الوعي الإضافي تُعيد الأمور إلى نصابها.

كان المحتفلون يغادرون الحانات في تلك الساعة، شباب وشابات يغنون ويرقصون، يُكملون قصفهم الذي بدأوه في الليل، وينظرون إلى العالم بعيون غلّفها السُّكْر. ثم أشرقت الشمس في مشهد غريب أعاد إليّ الماضي بقوة حتى إنني شعرت كأن سماء يريفان هي سماء مدينتي، والمحتفلون هم إخوتي وبناتي وأحفادي. كلّ بلد أحطّ فيه الرحال، بقوّة الإدراك لإنسانيتنا المشتركة، أشعر فيه بأنه وطني، بإمكانه أن يمدّ جذوره في أعماقي بثبات، وهذا هو التفسير الحقيقي لعبارة فان غوخ: «الحسّ العميق بالواجب» يقوم به الشامان تجاه الآخرين في كلّ مكان، ما دام كان يقدّم عمله للجميع، وليس لنفسه أو لشخص واحد أو بلد أو أمة. بهذه الصورة يفتحُ لنا الأدب (والفنّ عموماً) نافذةً على حياة ذات معنى أعمق، كي نراها طريقاً واسعاً يسع الوجود كلَّه، ويمكّننا من التعاطف والعيش مع جميع الشعوب رغم الاختلافات بيننا وبينهم.

تناولت فطوري سريعاً في مطعم طائر على الرصيف، وأمضيتُ الصباح في زيارة كنائس المدينة، ودراسة قسمات الناس الذين جاؤوا من بقاع الأرض للاحتفال بالسنة الجديدة، وكنت أفكّر إن كانت نظرية أرسطو تصحّ في الزمن الحاضر.

الأمة؟ ألا يبدو هذا المفهوم غريباً الآن؟

عندما تتغيّر قوانين الرياضيات والفيزياء، يكون علم الاجتماع مختلفاً بالضرورة، وعند ذلك تكون المعايير والاعتقادات والأحكام القديمة الراسخة، والمكرّسة عبر قرون، غافلة ومنسية بحكم الضرورة، بل إننا نحتاج إلى مجهر بقوة مئة حصانٍ لتمييز حروفها، وكلّ شيء يمضي به الزمن والساعة، كما يقول شكسبير. حتى الوطن، تلك المفردة التي كانت مشحونة بالقوّة ذات يوم، غدت لفظاً خادعاً وهشّاً في بلدان تسود فيها ظروف القهر والفساد والظلم، وأبناؤها على استعداد لركوب البحر الهائج، على خطر الموت في سبيل الخلاص. كأننا نعيش وسط حالة جديدة من ارتقاء الأنواع وصراعها. عاجلاً أم آجلاً، سوف تنتقي الطبيعة النوع الأفضل والأرقى.

لقد أدّى التطور العلمي والنظرة العلمانية للوجود إلى نشوء مشروع انعتاق بشري كوني سوف تنقسم الأمم بموجبه إلى متحضرة ومتخلفة وبدائية، تعم السعادة والطمأنينة الشعوب التي يكون نصيبها الخانتان الأولى والثالثة، والعذاب والقهر وسوء الحال هو حظّ الأمم المتخلفة، تنتشر وتتوزع مثل حطام مهيب في أغلب جهات المعمورة، تناظرها في المقابل يوتوبيات يسعى فيها الإنسان إلى جعل الحياة على الدوام أفضل من أي وقت مضى.

مَن قال هذه الحكمة الخالدة: «الشعوب السعيدة لا تمتلك تاريخاً مجيداً»؟ إنهم سليلو أجداد مغمورين ومهجّنين وعاديين وفقراء أحياناً، من الأعراق والأديان والمذاهب كافة. الناس قد يعيشون في مكان واحد غرباء بعضهم عن بعض، بخليط من الدّم وخليط من الثّقافات لكنهم أكثر وحدة من أبناء البلد الواحد، تجمعهم هواجس القوّة والحريّة (الأخلاقية والسياسية) أكثر من تلك التي يسبّبها الشّعور بالضّعف والعبوديّة؛ الأولى تهبهم الحيويّة والعنفوان، والأخيرة تأتيهم بما يؤدّي إلى عكس ذلك. هذه سمة العصر الذي نعيش فيه، وليست لديّ القدرة على التّنبّؤ بما ستؤول إليه الأمور في المستقبل، وكيف سيكون شكل الزّهور التي تحملها أشجار الغابة، حيث يقع مقهاي الذي قصدته للبدء بيوم عمل جديد.


مقالات ذات صلة

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».