قمة أوروبية طارئة بمشاركة زيلينسكي بوجه سحب الولايات المتحدة دعمها

تعدّ ما تمر به «لحظة وجودية بالنسبة» لها... وموسكو تقول «لن نسمح» بنشر قوات في أوكرانيا

يقوم الموظفون باستبدال عَلم أوكرانيا بعَلم الاتحاد الأوروبي في يوم القمة الخاصة لقادة الاتحاد الأوروبي (رويترز)
يقوم الموظفون باستبدال عَلم أوكرانيا بعَلم الاتحاد الأوروبي في يوم القمة الخاصة لقادة الاتحاد الأوروبي (رويترز)
TT

قمة أوروبية طارئة بمشاركة زيلينسكي بوجه سحب الولايات المتحدة دعمها

يقوم الموظفون باستبدال عَلم أوكرانيا بعَلم الاتحاد الأوروبي في يوم القمة الخاصة لقادة الاتحاد الأوروبي (رويترز)
يقوم الموظفون باستبدال عَلم أوكرانيا بعَلم الاتحاد الأوروبي في يوم القمة الخاصة لقادة الاتحاد الأوروبي (رويترز)

«إنها لحظة وجودية بالنسبة لأوروبا التي تواجه خطراً واضحاً، ويجب أن تكون قادرةً على الدفاع عن نفسها». بهذه العبارات المأساوية على أعتاب «القمة الأوروبية الطارئة» استقبلت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي لقي حفاوةً لافتةً بين قادة الاتحاد، الذي قال رئيس مجلسه أنطونيو كوستا، إنه لا يمكن الفصل بين الأمن الأوروبي وأمن أوكرانيا، مؤكداً أنها «ستكون داخل أسرة الاتحاد قبل نهاية هذا العقد».

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تتحدث مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال وصولهما إلى قمة الاتحاد الأوروبي (أ.ب)

وأضافت فون دير لاين، خلال افتتاح قمة استثنائية لقادة دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل، أن «أوروبا تواجه خطراً واضحاً وحاضراً، وبالتالي يجب أن تكون قادرةً على حماية نفسها، والدفاع عن نفسها، كما يتعيَّن علينا أن نضع أوكرانيا في وضع يُمكِّنها من حماية نفسها، والدفع نحو سلام دائم وعادل».

وقالت مسؤولة السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، إن على دول الاتحاد إظهار «الوحدة والعزم» في الدفاع عن أوكرانيا. وأضافت كالاس، في تصريحات قبل انعقاد القمة، «نمرُّ بأوقات مضطربة للغاية». وكان وزير خارجية أوكرانيا، أندريه سيبيا، قد وصف، الأربعاء، اجتماع المجلس الأوروبي بأنه «لحظة تاريخية» بالنسبة للدفاع الاستراتيجي، والدور العالمي لأوروبا. وأضاف سيبيا على منصة «إكس»: «نتوقَّع خطوات قوية جديدة من جانب الاتحاد الأوروبي لدعم أوكرانيا، وهو ما من شأنه أن يعزز من قدراتنا الدفاعية».

وقال الرئيس الأوكراني، الخميس، إنه ناقش مع رئيسة المفوضية الأوروبية ورئيس المجلس الأوروبي تعزيز القدرات الدفاعية لأوكرانيا. وأضاف زيلينسكي في منشور على منصة «إكس»، أنه ناقش أيضاً سبل تعزيز منظومة الدفاع الجوي، وإقامة صناعات دفاعية في أوكرانيا، وتسليم الأسلحة والذخيرة لبلاده في الوقت المناسب. كما بحث زيلينسكي مع المسؤولين الأوروبيين مسألة انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، وزيادة العقوبات على روسيا. وفي وقت سابق من اليوم، قال الرئيس الأوكراني إنه ناقش مع رئيس وزراء بلجيكا، بارت ديويفر، احتياجات أوكرانيا الدفاعية، وتوريد أنظمة مدفعية وذخائر.

وقالت فون دير لاين إن خطة التسلح الأوروبية المعروضة على القمة تهدف إلى تحشيد مبلغ 800 مليار يورو، عبر وسائل عدة، تشمل الاقتراض المشترك وإصدار سندات أوروبية، واللجوء إلى مختلف آليات التمويل المتاحة في الاتحاد، لكنها لم تذكر شيئاً عن الأصول الروسية المجمَّدة في أوروبا وفوائدها بعد أن تبيَّن في الساعات الأخيرة أن ثمة اعتراضاً شديداً من لدن بعض الدول الوازنة لاستخدام هذه الأرصدة؛ بسبب تأثير هذه الخطوة على سمعة أسواق المال الأوروبية وصدقيتها في المستقبل. وقالت فون دير لاين إن أوروبا ستبذل ما بوسعها كي تكون في وضع يسمح لها بأن تحمي نفسها، وتكون جاهزةً للتوصُّل إلى سلام دائم وعادل.

وقد خيَّمت على أجواء القمة منذ لحظاتها الأولى التصريحات التي صدرت، مساء الأربعاء، على لسان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي قال إن بلاده مستعدة لاستخدام درعها النووية للدفاع عن الشركاء الأوروبيين بعد انكفاء الإدارة الأميركية الجديدة عن تقديم الإمدادات العسكرية لأوكرانيا، واصفاً السلوك الروسي بـ«العدواني»، ومؤكداً أن التفرّج في هذا الظرف هو «ضرب من الجنون».

واعترفت مصادر أوروبية بأن الاتحاد في سباق مع الوقت بعد تسارع التطورات الأخيرة، خصوصاً على جبهة الموقف الأميركي الذي تجاوز أسوأ السيناريوهات التي كان الأوروبيون يتوقعونها من الإدارة الجديدة. وقالت هذه المصادر إن الوقت ليس لصالح أوكرانيا، ولا لصالح خطة التسلح الأوروبية التي تحتاج لبعض الوقت من أجل تحديد مصادر التمويل والتوافق حولها، ثم لمرحلة غير قصيرة من أجل بت جوانبها التقنية وتفعيلها على صعيد الإمدادات العسكرية لأوكرانيا.

وفي حين كان رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان يصرِّح، جرياً على عادته، بأنه لا يعارض تعزيز القدرات العسكرية للدفاع عن البلدان الأعضاء في الاتحاد، وقال إن هذا الجهد يجب أن يكون في خدمة الدول الأوروبية وليس في خدمة البيروقراطيين في بروكسل، كانت تركيا تعلن أنها على استعداد لإرسال قوات إلى أوكرانيا ضمن قوة لحفظ السلام في حال تمَّ التوصُّل إلى اتفاق بين كييف وموسكو لوقف إطلاق النار.

وبينما كان القادة الأوروبيون يتناقشون حول خطة التسلح المفصلة التي عرضتها فون دير لاين، التي ستترك جوانبها التقنية لاجتماع قادة القوات المسلحة في البلدان الأعضاء الذي دعا إليه الرئيس الفرنسي في باريس، كانت التحذيرات تتوالى على ألسنة المسؤولين الروس من أن «التصعيد الأوروبي» لن يخدم السلام في أوكرانيا.

أشاد الكرملين، الخميس، بتصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو التي وصف فيها الصراع في أوكرانيا بأنه «حرب بالوكالة»، قائلاً إنها «تتوافق» مع رأي الرئيس فلاديمير بوتين. وقال الناطق بلسان الكرملين ديمتري بيسكوف، خلال مؤتمر صحافي: «نحن نوافق على ذلك (...) قلنا مراراً إن هذا الصراع في الواقع هو صراع بين روسيا والغرب».

وعدّت وزارة الخارجية الروسية، الخميس، أن وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار في أوكرانيا، كما اقترحت أطراف مثل باريس وكييف، هو أمر «غير مقبول على الإطلاق». وقالت الناطقة بلسان «الخارجية الروسية»، ماريا زاخاروفا، إن الاتحاد الأوروبي اختار طريق المواجهة مع موسكو، وإن هذا الجهد الذي يبذله لتعزيز قدراته الدفاعية مدفوع بالحقد ضد روسيا، واتهمت «النخب الأوروبية» بأنها ليست مهتمة بالسلام في القارة.

وأضافت زاخاروفا أنه «من الضروري التوصُّل إلى اتفاقات متينة بشأن حل نهائي» للحرب التي اندلعت قبل 3 أعوام، عادّة أن أي هدنة محددة زمنياً تتيح للقوات «إعادة تنظيم» صفوفها، «أمر غير مقبول على الإطلاق لأنها ستؤدي تحديداً إلى عكس النتيجة المرجوة».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يحضر قمة الاتحاد الأوروبي (رويترز)

وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، قد وصف اقتراح الرئيس الفرنسي، وضع ترسانة بلاده النووية بتصرف شركائه الأوروبيين، بأنه يُشكِّل «تهديداً مباشراً» للأمن الروسي. وبعد دعوته ماكرون إلى الاتصال بالرئيس الروسي الذي يردد أنه على استعداد دائماً لمحادثته، قال إن الرئيس الفرنسي، خلافاً لأسلافه الذين أرادوا مهاجمة روسيا، مثل نابليون وهتلر «لا يتصرف بلياقة كبيرة». وشدَّد لافروف على أن بلاده لن تسمح بنشر قوات أوروبية في أوكرانيا في حال التوصُّل إلى وقف محتمل لإطلاق النار. وقال: «لا يمكن أن نسمح بذلك تحت أي ظرف كان». وأدان بيسكوف تصريحات الرئيس الفرنسي، التي قال إنها تجاهلت «الشواغل والمخاوف المشروعة» لروسيا؛ مثل رفضها تقدم الحلف الأطلسي إلى حدودها.

المستشار الألماني أولاف شولتس لدى وصوله إلى مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل للمشاركة بالقمة (أ.ف.ب)

وبينما كان المستشار الألماني أولاف شولتس يشدّد على أن الأولوية الملحة الآن هي توفير الدعم اللازم لأوكرانيا، وبذل كل جهد ممكن لاستعادة الدعم الأميركي؛ لأن «أمن هذا البلد يتوقف بنسبة كبيرة عليه»، كان رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يدلي بتصريحات يؤكد فيها أن «أوروبا مجتمعة قادرة على دحر روسيا في أي نزاع مسلح»، وأن الأولوية هي تأمين كامل الحدود الأوروبية. وعن التوتر الذي يسود العلاقات الأميركية - الأوروبية قال توسك إن واشنطن أصبحت شريكاً أكثر تطلباً، لكن التحالف مع الولايات المتحدة يجب أن يبقى أولويةً مطلقةً بالنسبة للأوروبيين.

المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا (رويترز)

وجاء في مسودة استنتاجات القمة التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط» أن الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء على استعداد لمواصلة المساهمة في الضمانات الأمنية انطلاقاً من صلاحياتها وقدراتها. ويرجّح أن هذا الإبهام في نَصِّ الاستنتاجات يهدف إلى تحاشي «الفيتو المجري» الذي هدَّد به فيكتور أوربان، وإلى ترك الباب مفتوحاً بعد انتهاء الحرب أمام الدول الأعضاء التي تشارك حالياً في البعثات الأوروبية إلى أوكرانيا، وعددها الحالي 21 في إطار سياسة الأمن والدفاع المشتركة، منها 12 مدنية و 9 عسكرية. يضاف إلى ذلك أنه رغم الحماس الذي أبدته الدول الأعضاء في الاتحاد لدعم أوكرانيا، فإن غالبيتها ليست على استعداد للانضمام إلى تحالف أوروبي، حتى من غير إرسال قوات إلى ميدان المعارك، من غير مشاركة الولايات المتحدة. ولهذا السبب نصَّت مسودة استنتاجات القمة على أن «الضمانات الأمنية يجب أن تكون موضع تشاور مع أوكرانيا والشركاء في الحلف الأطلسي».


مقالات ذات صلة

4 سيناريوهات أوكرانية لنهاية الحرب

تحليل إخباري مسؤولة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال حديث للصحافيين في بروكسل قبيل اجتماع وزراء خارجية التكتل (أ.ب)

4 سيناريوهات أوكرانية لنهاية الحرب

إطلاق المبادرة الأميركية للتسوية قبل أشهر وفَّر مناخاً عملياً للبحث عن تسوية مقبولة للمرة الأولى منذ اندلاع الصراع.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (إ.ب.أ)

ماكرون يستبعد تحقيق سلام قريب في أوكرانيا

شكّك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الثلاثاء، بشأن إمكانية إحلال السلام في مدى قصير بأوكرانيا، خلال مؤتمر عبر الفيديو مع نظرائه المجتمعين في كييف.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا شاهد... زيلينسكي يكشف عن ملجأ القيادة أسفل المجمع الرئاسي في كييف

شاهد... زيلينسكي يكشف عن ملجأ القيادة أسفل المجمع الرئاسي في كييف

نشر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اليوم الثلاثاء مقطع فيديو كشف فيه للمرة الأولى الملجأ الواقع تحت المجمع الرئاسي في وسط كييف.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا موقع ضربة بطائرة مسيّرة روسية في وسط مدينة كراماتورسك بشرق أوكرانيا (إ.ب.أ)

الذكرى الرابعة لحرب أوكرانيا: مكاسب روسيا تتجاوز حصيلة العامين السابقين

أظهر تحليل لبيانات معهد دراسات الحرب أن الجيش الروسي سيطر على مساحة أكبر من الأراضي في أوكرانيا خلال السنة الرابعة من النزاع مقارنة مع الأربعة عشر شهراً السابقة

«الشرق الأوسط» (باريس )
الاقتصاد ناقلة نفط ترسو بخليج ناخودكا في روسيا (رويترز)

بعد 4 سنوات من الحرب... إيرادات الطاقة الروسية تتراجع لكن النفط ما زال يتدفق

انخفضت الأموال التي حصّلتها روسيا من تصدير النفط والغاز خلال الـ12 شهراً الماضية، على الرغم من زيادة حجم صادرات النفط الخام.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

مسار ترمب للتسوية... لا انتصار كاملاً لأي طرف

قادة أوروبيون يحضرون مراسم رفع العلم لإحياء ذكرى بداية الحرب في أوكرانيا خارج مقر جهاز العمل الخارجي الأوروبي في بروكسل... بلجيكا 23 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
قادة أوروبيون يحضرون مراسم رفع العلم لإحياء ذكرى بداية الحرب في أوكرانيا خارج مقر جهاز العمل الخارجي الأوروبي في بروكسل... بلجيكا 23 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

مسار ترمب للتسوية... لا انتصار كاملاً لأي طرف

قادة أوروبيون يحضرون مراسم رفع العلم لإحياء ذكرى بداية الحرب في أوكرانيا خارج مقر جهاز العمل الخارجي الأوروبي في بروكسل... بلجيكا 23 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
قادة أوروبيون يحضرون مراسم رفع العلم لإحياء ذكرى بداية الحرب في أوكرانيا خارج مقر جهاز العمل الخارجي الأوروبي في بروكسل... بلجيكا 23 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

مع دخول الحرب عامها الخامس في 24 فبراير (شباط) تبدو فرص التوصل إلى تسوية سياسية أكبر من أي وقت مضى، رغم أن المواقف بين الأطراف ما زالت متباعدة، كما أظهرت جولتا التفاوض الأخيرتين في جنيف بوساطة أميركية.

لكن الأسئلة الكثيرة الصعبة التي تُطرح في المدن الروسية والأوكرانية بعد مرور أربع سنوات على اندلاع أسوأ مواجهة شاملة عمقت شرخاً تاريخياً بين الشعبين الشقيقين، لا تدور فقط حول موعد إعلان انتهاء الحرب، بل تمتد إلى شروط السلام المنشود وتعقيداته، وضماناته الهشة التي تهدد بانفجار جديد عند كل منعطف.

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس 2025 (رويترز)

لا شك أن إطلاق المبادرة الأميركية للتسوية قبل أشهر، وفَّر مناخاً عملياً للبحث عن تسوية مقبولة للمرة الأولى منذ اندلاع الصراع. ومع أن مضامين تلك المبادرة ظلت غامضة وقابلة لتفسيرات متضاربة، كما تغيَّرت معالمها أكثر من مرة خلال جولات المفاوضات المكوكية لواشنطن مع كييف وموسكو والعواصم الأوروبية، لكنها في المجمل كما يقول خبراء روس نجحت في وضع مسار التسوية السياسية على مسار عملي قابل للتنفيذ.

رجال الإطفاء داخل مجمع تابع لشركة خاصة تضرر جراء غارات جوية روسية بطائرات مسيّرة خلال الليل في خضم الهجوم الروسي على أوكرانيا بمنطقة أوديسا (رويترز)

خلافاً لكل الأفكار والمبادرات التي طُرحت في السابق، من جانب أطراف إقليمية مختلفة، ولم يشكل أي منها أساساً مُرْضياً لإطلاق عملية سياسية جدية. في المقابل فإن النقاشات حول الأفكار الأميركية المطروحة بدأت تتخذ طابعاً تفصيلياً وعملياً خصوصاً خلال الجولات الأخيرة في أبوظبي وجنيف.

والأهم في مبادرة الرئيس دونالد ترمب، التي قام مساعدوه بإنضاجها تدريجياً، لا يكمن في نصوصها التي تبدلت وتغيرت كثيراً، بل في عنصرين أساسيين حملتهما كما يقول خبراء روس:

الأول تمثل في رفع العصا قبل الجزرة، أي التلويح مباشرةً بآليات الضغط الأقصى لإلزام كل الأطراف بالتعامل مع خطته، والآخر أنها بلورت للمرة الأولى قناعة كاملة بأنه لا يمكن لأي طرف تسجيل انتصار كامل في هذه الحرب.

سيارة تحترق في أوديسا (رويترز)

وقد أسهم في ذلك، أن الضغوط الأميركية على الأطراف جاءت في توقيت تعاظمت فيه تجليات الحرب وانعكاساتها على الأطراف المختلفة. أوكرانيا المنهكة عسكرياً واقتصادياً التي خسرت خُمس أراضيها وما زالت تقاتل للدفاع عمّا تبقى منها، وجدت فرصة لوقف الحرب بعدما فشلت كل جهودها السابقة لطلب هدنات مؤقتة.

جنديان أوكرانيان في إقليم دونيتسك يتحكمان بمسيَّرة أُطلقت باتجاه المواقع الروسية في يوليو 2023 (أ.ف.ب)

وروسيا التي حققت إنجازات مهمة على الأرض خلال أربع سنوات، باتت تدرك جيداً أن عليها ترجمة انتصارات الميدان إلى واقع سياسي، ومحاولة إنهاء سنوات العزلة واقتصاد الحرب والعقوبات الصارمة.

للتذكير، عشية الذكرى السنوية الرابعة للغزو الشامل، انخفضت عائدات صادرات النفط والغاز الروسية إلى أدنى مستوى لها في السنوات الأخيرة، يعود هذا التراجع إلى العقوبات الأميركية والأوروبية الجديدة، والضغط على «الأسطول الخفي»، وانخفاض مشتريات بعض الدول من النفط الروسي.

مسؤولة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال حديث للصحافيين في بروكسل قبيل اجتماع وزراء خارجية التكتل (أ.ب)

ومثالاً، في يناير (كانون الثاني) انخفضت الإيرادات الضريبية من قطاع النفط والغاز الروسي إلى 393 مليار روبل، وهو أدنى مستوى لها منذ بدء الصراع. ويُجبر هذا الانخفاض في الإيرادات الكرملين على رفع الضرائب وزيادة الاقتراض المحلي، مما يُفاقم الوضع الاقتصادي العسكري الروسي.

أما أوروبا التي حُرمت من مصادر الطاقة الروسية الرخيصة، وباتت تخصص موازنات أكبر للأمن والدفاع، وتميل إلى العسكرة للمرة الأولى منذ عقود، فهي تواجه أسوأ انقسام في الأولويات داخلياً، ومع حليفها الأميركي الأكبر. مع انكشاف أمني خطير لم تكن تجلياته الوحيدة أن تخترق عشرات المسيَّرات «مجهولة الهوية» حدود بعض بلدانها وتتجول قرب مطارات عواصمها، بينما يقف حلف الأطلسي مكتوف الأيدي.

أما العنصر المتعلق بإنهاء وهم تحقيق الانتصار الكامل لأي طرف فقد بات مطروحاً ضمن السيناريوهات الواقعية لإنهاء الصراع.

وحتى موسكو التي تؤكد عند كل منعطف أنها لن تتراجع عن تحقيق كل أهدافها المطروحة منذ اندلاع المواجهة، تبدو مقتنعة حالياً بحتمية تقديم تنازلات محددة عند الوصول إلى الصياغة النهائية للتسوية المحتملة، بينها تنازلات تتعلق بالأراضي، ما عدا منطقتي شبه جزيرة القرم ودونباس (دونيتسك ولوغانسك) ومنها تنازلات أخرى لم تتضح معالمها بعد في إطار المفاوضات الجارية، مثل احتمال الحديث عن إحلال قوات للسلام في مرحلة لاحقة، وعن دور أميركي أوسع في مراقبة وربما حماية المحطات النووية في أوكرانيا.

لكن الأهم في إطار التنازلات المحتملة يكمن، كما يقول خبراء غربيون وأوكرانيون، في استحالة اعتبار أي سيناريو سلام هزيمة نهائية لأوكرانيا.

المقصود هنا أن التنازل عن اجزاء من الأراضي لا يمكن التعامل معه على أنه هزيمة لأن الهدف الروسي النهائي وفقاً للخبراء كان يكمن في تقويض وجود الدولة الأوكرانية أساساً، وتقسيمها بشكل كامل وإلحاق الجزء الأعظم منها بروسيا وتحويل المقاطعات الأخرى إلى إقطاعيات متناحرة.

هؤلاء يرون أن النجاح في المحافظة على دولة أوكرانية تكون لاحقاً جزءاً من الاتحاد الأوروبي وشريكاً مقرباً للناتو وليس عضواً في الحلف، له أهمية خاصة في عدم تمكين موسكو من تحقيق انتصار واضح في هذا الشأن.

وهذا الموضوع تحديداً يفسر الإصرار الأوروبي على حصول أوكرانيا على ضمانات أمنية كافية وطويلة الأمد.

سكرتير مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني رستم عمروف (أ.ف.ب)

سيناريوهات أوكرانية

اللافت أنه رغم التعقيدات الكبرى التي تعيشها أوكرانيا وهي تخوض مفاوضات حاسمة قد تحدد مصيرها المستقبلي، أظهرت استطلاعات حديثة للرأي أن الجزء الأكبر من الأوكرانيين (نحو 60 في المائة) ما زالوا مستعدين لتحمل تبعات الحرب المكلفة في مقابل عدم التنازل بشكل رسمي ونهائي عن أراضٍ لروسيا.

يعكس هذا المزاج الشعبي واحدة من الصعوبات الرئيسية التي تعترض حالياً طريق السلام. خصوصاً مع الإصرار الروسي على أن فكرة التنازل عن الأراضي يجب أن تكون موثقة في أي اتفاقية مقبلة.

عموما، ما زال بعض السياسيين الأوكرانيين يجادل في إمكانية تحقيق انتصار في هذه الحرب، ونشرت منصة «أوكرانيا اليوم» أن بين السيناريوهات: «استعادة جميع الأراضي، بما فيها شبه جزيرة القرم ودونباس. قد يتحقق هذا بفضل زيادة المساعدات الغربية، والمشكلات الداخلية في روسيا، والهجمات المضادة الناجحة للقوات المسلحة الأوكرانية.

كبير المفاوضين الروس فلاديمير ميدينسكي يغادر فندق إنتركونتيننتال في جنيف (أ.ف.ب)

هذا السيناريو ممكن إذا أدت العقوبات إلى انهيار اقتصادي في روسيا، كما حدث لألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية».

سيناريو آخر تم التطرق إليه، هو الصراع المُجمّد، حيث تتوقف الأعمال العدائية دون سلام رسمي، كما في حالتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. هنا، يصبح خط الجبهة «ستاراً حديدياً» جديداً، مع انتهاكات دورية. قد يناسب هذا روسيا لحفظ ماء وجهها، لكنه يعني لأوكرانيا تهديداً دائماً. هذه النهاية ممكنة بسبب الإرهاق من الحرب لدى كلا الجانبين.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

الخيار الثالث هو مفاوضات مع تنازلات، حيث تتنازل أوكرانيا عن بعض الأراضي مقابل ضمانات أمنية، على غرار اتفاقيات مينسك، ولكن بآليات رقابية أقوى.

لا يمكن تجاهل أسوأ السيناريوهات: استمرار حرب الاستنزاف طويلة الأمد، التي تُنهك كلا الجانبين. يتوقع الخبراء أنه من دون تغييرات جذرية، مثل تغيير السلطة في روسيا أو تعبئة جماهيرية في أوكرانيا، قد يستمر الصراع حتى نهاية العام على الأقل.

لا تُغطي هذه السيناريوهات جميع الاحتمالات، لكنها تُبيّن مدى صعوبة التنبؤ بكيفية انتهاء الحرب. كل سيناريو منها يُؤثر على ملايين الأرواح، مُحوّلاً التوقعات المجردة إلى مصائر واقعية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ماكرون يستبعد تحقيق سلام قريب في أوكرانيا

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (إ.ب.أ)
TT

ماكرون يستبعد تحقيق سلام قريب في أوكرانيا

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (إ.ب.أ)

شكّك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الثلاثاء، بشأن إمكانية إحلال السلام في مدى قصير بأوكرانيا، خلال مؤتمر عبر الفيديو مع نظرائه المجتمعين في كييف بمناسبة مرور أربع سنوات على الغزو الروسي.

وقال، في افتتاح اجتماع «تحالف الراغبين»، حلفاء أوكرانيا: «لديَّ شكوك جدية، على أقل تقدير، بشأن إمكانية تحقيق السلام في المدى القريب».

ورأى أن مواصلة المبادرات لإجراء محادثات السلام أمر جيد، لكن «لا توجد إرادة لدى الجانب الروسي لتحقيق السلام»، مشدداً على ضرورة مواصلة دعم أوكرانيا.

ووصف ماكرون الغزو الروسي لأوكرانيا بأنه «فشل ثلاثي لروسيا عسكرياً واقتصادياً واستراتيجياً».

وأوضح: «يوماً ما، سيدرك الروس حجم الجريمة المرتكَبة باسمهم... والتأثيرات المدمرة طويلة المدى على بلادهم».


كوبا… وقائع انهيار معلن

شارع شبه خالٍ في هافانا بسبب أزمة الوقود (أ.ف.ب)
شارع شبه خالٍ في هافانا بسبب أزمة الوقود (أ.ف.ب)
TT

كوبا… وقائع انهيار معلن

شارع شبه خالٍ في هافانا بسبب أزمة الوقود (أ.ف.ب)
شارع شبه خالٍ في هافانا بسبب أزمة الوقود (أ.ف.ب)

تتعاقب الزيارات إلى «لؤلؤة الكاريبي» التي منذ أكثر من ستة عقود ترزح تحت عبء أطول حصار اقتصادي في التاريخ الحديث كان أعلنه الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي في 22 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1962 على الجزيرة الثائرة التي ينظر إليها العالم قبل أي شيء بصفتها رمزاً للمقاومة والصمود أمام هيمنة الولايات المتحدة.

لكن الزيارة هذه المرة لها نكهة انهيار معلن بعد جلجلة مديدة من التقشّف الذي بلغ مستويات أسطورية من الشحّ في المواد الغذائية الأساسية، والوقود، والأدوية، والمسكن... ومن الاحتجاجات الشعبية المتنامية، وما يقابلها من فصول القمع السياسي وخنق الحريات العامة.

دخان أسود يتصاعد من مصفاة نيكو لوبيز الواقعة في خليج العاصمة الكوبية هافانا جراء حريق (أ.ف.ب)

لست في حاجة إلى كثير من التجوال، أو السؤال، في العاصمة الكوبية التي تضجّ بالفراغ؛ كي تتبيّن آثار «حصار الوقود» الذي ضربته واشنطن على الجزيرة، وانضمت إليه مكرهة المكسيك وروسيا، بعد أن انقطعت الإمدادات الحيوية من فنزويلا، الشريان الأبهر للاقتصاد الكوبي منذ أيام هوغو تشافيز.

منذ سنوات، وقبل رحيل «الكوماندانتي» فيديل الذي كانت لحيته تتدلّى بتحدٍّ وإباء على مرمى حجر من سواحل فلوريدا، لم تعد كوبا المرأة الثانية في حياة اليساريين، خاصة في أميركا اللاتينية، حيث انتشرت بسرعة في خصوبة أنظمة الاستبداد والمجتمعات الفقيرة. الثورة الكوبية تنحلّ في ماء اعتماد الاقتصاد الاشتراكي المفرط على الخارج، وعقمه الإنتاجي، وأيضاً تحت مطرقة تجدد اهتمام الولايات المتحدة بالجزيرة التي كادت يوماً أن تشعل أول حرب نووية في التاريخ.

‌شبه جزيرة فاراديرو الكوبية (رويترز)

غالباً ما ينسى أصدقاء كوبا الذين ينددون بالحصار الأميركي والطوق الذي تفرضه واشنطن على الجزيرة، أن أسطورة الثورة تدعمها سياسات خاطئة تفاقمت تداعياتها بفعل الحصار والشلل الذي أحدثه في مفاصل الاقتصاد الذي منذ سنوات لم يعد يطمح لأكثر من مجرد الكفاف.

الرهان على دعم المحروقات وجميع السلع الأساسية، وعجز الدولة المزمن عن سداد المستحقات الداخلية والخارجية، والتراجع المطرد في إجمالي الناتج المحلي، والتركيز على القطاع السياحي كعماد أوحد للموازنة العامة، والاعتماد على تحويلات الشتات الكوبي في الخارج... كل ذلك تحوّل عناصر بنيوية في الاقتصاد الكوبي الذي دخل منذ العام الماضي في مسار انهياري سبق أن حذّر منه كثير من الخبراء الاقتصاديين والاجتماعيين والديموغرافيين بعد تراجع الإمدادات الفنزويلية.

‌شبه جزيرة فاراديرو الكوبية (رويترز)

التدابير التي اتخذتها الحكومة الكوبية في الأيام الأخيرة، والتي تضفي على الجزيرة مشهداً سوريالياً من الجمود والقلق، مثل خفض خدمات النقل العمومي إلى النصف، وإقفال الجامعات، وإلغاء الفعاليات الثقافية والرياضية، وإغلاق كثير من الطرق الجوية الداخلية، وتجميع السيّاح في الفنادق... تذكّر بالمرحلة القصوى من «الفترة الخاصة في زمن السلم» التي أعلنها النظام في تسعينات القرن الماضي، قبل عقود من هجمة إدارة ترمب على الجزيرة.

لكن رغم أن تباشير هذا الانهيار كانت بدأت تظهر منذ سنوات، ما زال البعض يرون كوبا مجرد ضحية لغطرسة الولايات المتحدة، ويصرّون على رفض القرائن التاريخية والوقائع التي أوصلت الثورة إلى هذه الحال المتردية، وأنها ما زالت هي ذاتها اليوم كما كانت مطلع عام 1959.

‌شبه جزيرة فاراديرو الكوبية (رويترز)

يرفع النظام الكوبي راية الضحية ويستنجد بالتضامن الدولي معها، لكنه يتغاضى عن الأخطاء الفادحة التي ارتكبها في اتخاذ كثير من القرارات منذ أواخر الشهر الماضي، ويتنصّل من المسؤولية عنها. أبرز هذه الأخطاء هو رفض العفو عن المعتقلين السياسيين كما فعل النظام الفنزويلي مؤخراً، والمضي في إجراءات القمع والاعتقالات من غير محاكمة ضد الناشطين الذين ينددون بانعدام الحريات في الجزيرة.

كما ضاعفت الأجهزة الأمنية ملاحقتها المفكرين والأكاديميين الذين يطالبون الحكومة بتحمّل مسؤوليتها عن الانهيار، رغم أنهم يرفضون الضغوط الأميركية. وكما في كل مرة خلال السنوات الماضية، يسارع النظام إلى تخوين المطالبين بالإصلاحات ويتهمهم بالتواطؤ مع الخارج أو بالاستسلام أمام تهديداته، في حين تصرّ الحكومة على التنصّل من مسؤوليتها عن الأزمة، وتطلق حملة تضامن واسعة تسخّر فيها الظروف الإنسانية القاسية لمصلحة الثورة وتلميع صورتها.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز يدخلان قاعة خلال اجتماع في موسكو 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

لكن في أي حال، أصبحت العلاقة اليوم بين أسرة اليسار الدولي وكوبا تنطلق من الاعتراف بأن الجزيرة تواجه أزمة إنسانية حادة، وأن هذا بحد ذاته يشكّل تحولاً مهماً في روابط الثورة مع حلفائها الذين كانوا، طيلة عقود، يرونها نموذجاً بديلاً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لأميركا اللاتينية والكاريبي، في حين هي اليوم، حتى بنظر حكومتها، دولة متداعية في طور الانهيار.

كوبي يمرّ بجوار لافتة تحمل اسم كوبا وعَلم وطني منكس في هافانا (أ.ف.ب)

رغم ذلك، ما زال النظام يمسك ببعض الأوراق في إدارته لهذا الانهيار المحدق. فالحصار الذي ضربته واشنطن على إمدادات النفط، لا يؤثر على الإنتاج الداخلي للوقود الذي يغطّي 40 في المائة من احتياجات الجزيرة. والاستراتيجية التي وضعتها الحكومة قادرة، بمساعدة غير مباشرة من المكسيك وروسيا، على توفير نصف الخدمات الأساسية في الجزيرة لأشهر عدة. وبوسع الحكومة أن تلعب ورقة قدرة النظام «الأسطورية» على المقاومة والالتفاف الشعبي حوله، وترفع منسوب التضامن الدولي مع الجزيرة، لكن شريطة عدم وقوع انفجار اجتماعي يراه بعض المراقبين وشيكاً.

صورة جوية لمطار خوسيه مارتي الدولي في هافانا (أ.ف.ب)

وليس مستبعداً أن النظام الكوبي، في إدارته هذه الأزمة، قد أدخل في حساباته المؤقتة احتمال هزيمة الجمهوريين في الانتخابات الوسطية الخريف المقبل، وفتح ثغرة أمام تقارب أوثق مع الحزب الديمقراطي يؤدي إلى رفع بعض القيود القاسية في الحصار مقابل تجاوب مع بعض المطالب الإصلاحية.

لا يختلف اثنان هذه المرة في هافانا على أن الأسابيع الآتية ستكون حاسمة بالنسبة لمستقبل كوبا. لكن أيّاً كانت وجهة الرياح التي ستهبّ على الجزيرة، فإن المأزق الذي وصلت إليه اليوم يضرب جذور صيرورته العميقة في النموذج الإنمائي الذي قامت عليه الثورة عام 1959، وكان حذّر منه ذات يوم الراحل تشي غيفارا خلال عبوره السريع في إحدى الحكومات الأولى للثورة؛ ما أثار انزعاج فيديل كاسترو الذي طلب فوراً إسقاط التحذير من مضابط تلك الجلسة. ولا يجب أن ننسى أن النظام الكوبي التي تكرّست هشاشته مطلع هذا العام بسقوط مادورو في قبضة واشنطن، كان قد كتب وصيته يوم أقام ذلك التحالف مع فنزويلا من أجل «اشتراكية القرن الحادي والعشرين».