«الشرق الأوسط» تكشف كواليس لقاءات «حماس» مع مسؤولين أميركيين

الوسطاء يحاولون تحريك مفاوضات غزة قبل انفجار الأوضاع مجدداً

TT

«الشرق الأوسط» تكشف كواليس لقاءات «حماس» مع مسؤولين أميركيين

صورة من الجو التقطتها مسيّرة تظهر حجم الدمار في بيت حانون بشمال قطاع غزة الأربعاء (رويترز)
صورة من الجو التقطتها مسيّرة تظهر حجم الدمار في بيت حانون بشمال قطاع غزة الأربعاء (رويترز)

تتواصل جهود الوسطاء في مصر وقطر لمحاولة إيجاد حلول إبداعية تنهي الخلافات القائمة بين «حماس» وإسرائيل بشأن المضي قدماً في وقف إطلاق النار، والانتقال لمرحلة متقدمة توقف الحرب بشكل كامل.

وتسعى إسرائيل بشكل أساسي لتمديد المرحلة الأولى، بهدف استعادة مزيد من المختطفين بغزة، من دون أن تقدِّم ضمانات واضحةً بالتزامها بالانسحاب من «محور فيلادلفيا» الذي كان من المقرر أن يبدأ مع انتهاء المرحلة الأولى، التي انتهت فعلياً منتصف ليل السبت - الأحد الماضي.

أقارب محتجزين لدى «حماس» يحملون صوراً لهم خلال احتجاج في تل أبيب... الخميس (إ.ب.أ)

وبينما كانت «حماس» منفتحةً على تمديد المرحلة الأولى، بضمان التزام إسرائيل بالانسحاب وتنفيذ البروتوكول الإنساني بشكل كامل، أصبحت الحركة أكثر تمسكاً بموقفها بالبدء بمفاوضات حول المرحلة الثانية، كما كان ينص الاتفاق الأساسي على الانتقال بين المراحل، خصوصاً في ظل رفض الحكومة الإسرائيلية الوفاء بتعهداتها، وعدم قدرة الوسطاء على إلزامها بذلك.

وقالت مصادر قيادية من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» إن الوسطاء يبذلون جهوداً مضنيةً وكبيرةً لا تتوقف على مدار الساعة من أجل محاولة الوصول لحلول، ولتقريب وجهات النظر بما يتيح الاستمرار في وقف إطلاق النار، مؤكدةً أن الحركة أكدت للوسطاء وحتى للولايات المتحدة أنها معنية بشكل أساسي بأن تقف الحرب نهائياً مع ضمان انسحاب إسرائيل من قطاع غزة بما يشمل محور فيلادلفيا.

وأشارت المصادر إلى أن هناك غرفة عمليات للوسطاء، يديرون من خلالها الاتصالات مع قيادة «حماس» وكذلك مع الحكومة الإسرائيلية، وبتواصل دائم مع الولايات المتحدة.

فلسطينيون يسيرون قرب مبانٍ مدمَّرة في خان يونس... الخميس (رويترز)

وأكدت المصادر أن الجهود الحالية حتى صباح الخميس، لم تفضِ إلى أي تقدم حقيقي، في ظل التعنت الجانب الإسرائيلي بعدم الالتزام بما كان يجب أن ينفِّّذه في المرحلة الأولى، ورفضه الانتقال لمرحلة المفاوضات حول المرحلة الثانية.

وبيَّنت المصادر أن قيادة «حماس» أبلغت الوسطاء في قطر ومصر، وكذلك الولايات المتحدة، أنها جاهزة للمضي قدماً في الاتفاق لكن بضمان تحقيق شروطها المتعلقة بوقف الحرب، والانسحاب، وإعادة الإعمار ورفع الحصار، وهي قضايا تصرُّ إسرائيل على التلاعب بها وتراوغ، وتحاول كسب الوقت من خلال الضغط باتجاه استكمال المرحلة الأولى، لاستعادة أسراها دون ثمن تدفعه مقابل ذلك، والاكتفاء بتحرير الأسرى الفلسطينيين.

قافلة عسكرية إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة... الأربعاء (رويترز)

ولفتت المصادر إلى أن قيادة «حماس» أكدت لكل الأطراف استعدادها التام للتخلي عن حكم وإدارة قطاع غزة، ولهذا رحَّبت بمخرجات القمة العربية، التي أشارت بشكل واضح إلى أنه تم الاتفاق على تشكيل لجنة لإدارة القطاع لحين تسلم السلطة الفلسطينية مسؤولياتها.

وكشفت المصادر أن وفداً قيادياً من «حماس» سيصل في أي لحظة للقاهرة مجدداً؛ لإجراء مزيد من المباحثات حول الوضع في غزة، وكذلك الاطلاع على تفاصيل الرؤية المصرية بشأن مستقبل القطاع، وتفاصيل عمل اللجنة التي ستتسلم القطاع، وتحديد الخطوات المقبلة التي سيتم اتباعها.

وقال حازم قاسم، الناطق باسم «حماس»، صباح الخميس، إن الوسطاء يواصلون اتصالاتهم من أجل ضمان تنفيذ باقي مراحل اتفاق وقف إطلاق النار، وإلزام الاحتلال بالبدء بمفاوضات المرحلة الثانية من الاتفاق، مؤكداً التزام حركته بالمراحل المختلفة للاتفاق، معرباً عن أمله أن تثمر اتصالات الوسطاء عن إكمال تطبيق مراحل الاتفاق من جانب الاحتلال.

أقارب محتجزين لدى «حماس» خلال احتجاج للمطالبة بإطلاق سراحهم في تل أبيب... الخميس (إ.ب.أ)

ولا تستبعد «حماس» أن تعاود إسرائيل شنَّ الحرب على القطاع، وهي اتخذت إجراءات أمنية مشددة تتعلق بقياداتها؛ خشيةً من عمليات غدر إسرائيلية قد تطالهم من خلال الاغتيالات.

وكان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجديد، إيال زامير، قال خلال مراسم تنصيبه، إن المهمة ضد «حماس» لم تنتهِ بعد، مشيراً إلى أن الحركة تعرَّضت لضربة قاسية، ولكنها لم تُهزَم بعد.

ويُعرَف عن زامير أنه من الموالين لرئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ويتبنى في كثير من المرات مواقفه خلال جلسات أمنية مغلقة.

وذكرت «القناة 14» العبرية، مساء الأربعاء، أن زامير قال في جلسة مغلقة إنه لا يعارض السيطرة العسكرية على قطاع غزة، وإنه يجب منع وصول المساعدات الإنسانية لـ(حماس)، وإنه سيوصي القيادة السياسية بألّا تكون السلطة جزءاً من اليوم التالي لمستقبل غزة.

صورة من الجو التقطتها مسيّرة تظهر حجم الدمار في بيت حانون بشمال قطاع غزة الأربعاء (رويترز)

ويتزامن ذلك مع الكشف عن لقاءات عُقدت بين قيادة «حماس» في الدوحة، مع مبعوث الرئيس الأميركي لشؤون الرهائن، آدم بولر، ومسؤولين آخرين من إدارة دونالد ترمب؛ لبحث الإفراج عن 5 رهائن إسرائيليين يحملون الجنسية الأميركية، يعتقد أن بينهم 4 قتلى.

وأكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، ومتحدثون باسم حركة «حماس» تلك الأنباء، بينما اكتفت إسرائيل بتأكيد علمها وتقديم رأيها للولايات المتحدة حول تلك اللقاءات، الأمر الذي دفع المتحدثة الأميركية للقول: «إن الحوار والتحدث إلى الناس في مختلف أنحاء العالم للقيام بما هو في مصلحة الشعب الأميركي أمر أثبته الرئيس ترمب، وهو ما يعتقد أنه حُسن نية، وجهد لفعل ما هو صواب للشعب الأميركي».

وقالت مصادر من «حماس» في قطر لـ«الشرق الأوسط»، إن لقاءات واتصالات جرت مع المسؤولين الأميركيين، بينهم بولر وبشكل غير مباشر ستيف ويتكوف، مشيرةً إلى أن الدوحة والقاهرة انخرطتا في الوساطة لعقد هذه اللقاءات والاتصالات، وكانت بشكل أساسي بطلب أميركي.

إسرائيليون يحملون صور أشخاص محتجزين لدى «حماس» خلال احتجاج في تل أبيب... الخميس (أ.ب)

وأكدت المصادر أن قيادة «حماس» لم تتردد للحظة واحدة في اتخاذ قرار بقبول أو رفض الاجتماع مع المسؤولين الأميركيين، مشيرةً إلى أن هناك انفتاحاً لدى الحركة بالاجتماع مع أيِّ طرفٍ كان، حتى الإسرائيلي الذي تتم المفاوضات معه بشكل غير مباشر.

وبيَّنت المصادر في حديثها عن كواليس اللقاءات، أن الوفد الذي مثَّل الحركة برئاسة خليل الحية، أكد للمسؤولين الأميركيين أنه لا مانع لديها من الإفراج عن المختطفين الإسرائيليين، الذين يحملون الجنسية الأميركية، لكن بوصفهم يخدمون عسكرياً في جيش الاحتلال، وليسوا مدنيين، وطلب مقابل ذلك الإفراج عن أسرى فلسطينيين ضمن معايير مختلفة بوصفهم عسكريين.

ووفقاً للمصادر، فإن وفد الحركة سواء من خلال اللقاءات أو الاتصالات التي جرت لم يكشف ولم يحدد مصير أولئك المختطفين، مشيرةً إلى أنه رغم ذلك فإن اللقاءات كانت تعدّ إيجابيةً على الأقل من الانطباع السائد داخل قيادة «حماس».

وأشارت إلى أنه من المفترض أن تكون هناك لقاءات أو اتصالات أخرى ستُعقد في الفترة المقبلة، في حال توافقت الولايات المتحدة مع المطالب التي قدَّمها وفد الحركة، والذي طالب بتدخل أميركي جاد من أجل وقف الحرب بشكل كامل، والعمل على ضمان انسحاب إسرائيل من القطاع.

وبيَّنت المصادر أن الوفد الأميركي في مباحثاته من خلال الاجتماعات أو الاتصالات، ركَّز بشكل أساسي على قضية المختطفين الذين يحملون الجنسية الأميركية، ولم يتم الحديث عن تفاصيل أخرى تتعلق بمستقبل وقف إطلاق النار بغزة.

وكان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، قال مساء الأربعاء، بعد استقباله رهائن إسرائيليين أُفرج عنهم من غزة مؤخراً، إن «حماس» ستواجه جحيماً إن لم تطلق سراح الرهائن لديها، داعياً قيادة الحركة لمغادرة القطاع، وأن هناك فرصة أمامهم لذلك، واعداً بأن شعب غزة ينتظره مستقبل جميل.


مقالات ذات صلة

مشعل: «حماس» ترفض إلقاء السلاح و«الحكم الأجنبي»

المشرق العربي أطفال يلعبون وسط أنقاض مبانٍ مدمّرة في مخيم جباليا شمال قطاع غزة أمس (أ.ف.ب)

مشعل: «حماس» ترفض إلقاء السلاح و«الحكم الأجنبي»

أكد رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» في الخارج خالد مشعل، رفض الحركة التخلي عن سلاحها وكذا قبول «حكم أجنبي» في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
العالم العربي أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«مساومات إيران» تُحرّك مياه «اتفاق غزة» الراكدة

لقاء مرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الأربعاء، وسط توترات مع إيران وجمود في مسار «اتفاق غزة».

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

«فتح» تتهم إسرائيل بعرقلة مباشرة اللجنة الوطنية مهامها في غزة

اتهمت حركة «فتح»، اليوم الأحد، إسرائيل بمواصلة عرقلة دخول اللجنة الوطنية المكلفة إدارة غزة، معتبرة أن ذلك يعكس رفض تل أبيب للمضي قدماً في اتفاق وقف النار.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي خالد مشعل القيادي في حركة «حماس» (أرشيفية - رويترز) p-circle

مشعل: «حماس» لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حُكم أجنبي» في غزة

أكد القيادي في «حماس» خالد مشعل، الأحد، أن الحركة الفلسطينية لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حكم أجنبي» في قطاع غزّة، بعد بدء المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.