من الوعود إلى الواقع... الأسواق تتفاعل بقلق مع تصعيد رسوم ترمب الجمركية

متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

من الوعود إلى الواقع... الأسواق تتفاعل بقلق مع تصعيد رسوم ترمب الجمركية

متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

لم تعُد الأسواق تنظر إلى دونالد ترمب على أنه مجرد مُطلق للوعود، بل باتت تتفاعل بسرعة مع سياساته الاقتصادية، متوقعة تباطؤ النمو في الولايات المتحدة والعالم، مع تكثيفه للإجراءات الحمائية وفرض التعريفات الجمركية، مما دفع الشركاء التجاريين إلى الرد بالمثل.

فبعد مرور 6 أسابيع فقط على ولايته الثانية، فرض الرئيس الأميركي رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الواردات المقبلة من المكسيك وكندا، كما رفع التعريفات الجمركية بنسبة 20 في المائة على السلع الصينية، ملوحاً بمزيد من الإجراءات العقابية عالمياً، إلى جانب تهديده بقطع المساعدات العسكرية عن أوكرانيا، وفق «رويترز».

غير أن ما يسمى «ترمب ترايد» لم تحقق التوقعات التي بناها المستثمرون في نوفمبر (تشرين الثاني)، إذ انخفض الدولار وتراجعت عائدات السندات، مما يعكس حالة من القلق العميق في الأسواق المالية. ومع تصاعد النزاع التجاري، شهدت السندات الحكومية والأسواق المالية الأميركية واليابانية ارتفاعاً في مؤشرات التقلب، بينما لجأ المستثمرون إلى القطاعات الدفاعية، مثل العقارات والرعاية الصحية، في محاولة للتحوط من المخاطر المزدادة.

توتر عالمي وتداعيات اقتصادية واسعة

يشعر حلفاء الولايات المتحدة بالقلق العميق من التصعيد التجاري، إذ أشار محللو «غولدمان ساكس» إلى أن متوسط معدل التعريفات الجمركية على الواردات الصينية ارتفع إلى 34 في المائة، وهو ضعف ما كان عليه في الولاية الأولى لترمب. ولم يعد هناك تفاؤل بشأن إمكانية التوصل إلى تسويات أو صفقات سريعة، مما زاد من حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.

شاحنات تنتظر عبور الحدود إلى الولايات المتحدة بالقرب من نقطة مراقبة حدودية جمركية في نويفو لاريدو بالمكسيك (رويترز)

وقال تشانغ وي ليانغ، استراتيجي العملة والائتمان في بنك «دي بي إس»: «من الصعب على الأسواق أن تستمر في اتخاذ مراكز استثمارية عدوانية، نظراً لخطر التغير المفاجئ في سياسات التعريفات الجمركية الأميركية».

وأشار إلى أن أسواق الائتمان باتت أكثر حساسية، إذ تبدو فروق العوائد منخفضة للغاية مقارنة بالمخاطر المزدادة في البيئة التجارية والاقتصادية الحالية.

حاويات في محطة بميناء يانغشان في شنغهاي بالصين (رويترز)

انعكاسات على الأسواق المالية

ارتفعت مقاييس التقلب إلى أعلى مستوياتها هذا العام، مع تصاعد المخاوف بشأن مستقبل النمو الاقتصادي. وانعكس ذلك في تحركات الأسواق، حيث تراجعت أسهم شركات التكنولوجيا، في حين سجلت أسهم الشركات الدفاعية مكاسب ملحوظة.

ومع دخول الصين في موجة من الإجراءات الانتقامية، واستعداد المكسيك وكندا لاتخاذ خطوات مماثلة، بدأ المستثمرون في تعديل توقعاتهم، مرجحين تباطؤ النمو العالمي، الأمر الذي أدى إلى زيادة التوقعات بخفض أسعار الفائدة الأميركية.

وقد ارتفعت رهانات الأسواق على خفض الفائدة من 50 نقطة أساس قبل أسبوعين، إلى 75 نقطة أساس حالياً، في حين تراجعت عائدات السندات الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.115 في المائة، وهو أدنى مستوى في أربعة أشهر ونصف الشهر.

ضبابية في تجارة العملات

شهد الدولار الأميركي أحد أبرز التراجعات، مع تحوله من مركز قوة إلى مصدر ارتباك في الأسواق. فقد تلاشت بسرعة رهانات المضاربين التي كانت في يناير (كانون الثاني) الأكبر منذ عقد تقريباً، ليصبح المستثمرون أكثر ميلاً لبيع الدولار مقابل عملات الأسواق الناشئة، إلى جانب تعزيز مراكزهم الطويلة على الين الياباني.

وانخفض الدولار بنسبة 1 في المائة أمام اليورو في جلستي تداول، تزامناً مع انخفاض العائدات الأميركية وارتفاع نظيرتها الأوروبية، في ظل استعداد القارة الأوروبية لزيادة إنفاقها الدفاعي، بينما يخفّض ترمب دعمه لأوكرانيا.

وفي خطوة لافتة، استهدف ترمب الصين واليابان، متهماً إياهما بإبقاء عملتيهما عند مستويات منخفضة بشكل مصطنع، غير أن الواقع يشير إلى أن اليوان كان مستقراً تاريخياً مقابل سلة من العملات، بينما تدخلت اليابان مراراً خلال السنوات الأخيرة لشراء الين.

وقال هو لون لينغ، رئيس قسم تدفقات النقد الأجنبي العالمية في «نومورا»: «مع تراجع الدولار، يبدو أن الضربة القاضية قد وُجهت لأولئك الذين كانوا يراهنون على ارتفاع قيمته».

وأشار إلى أن استمرار انخفاض الدولار قد يصبح أمراً واقعاً إذا لم ترغب كل من الصين والولايات المتحدة في ارتفاع قيمته أمام اليوان.

متداول يراقب لوحة الأسعار في بورصة طوكيو للأوراق المالية (رويترز)

غياب اليقين والمخاطر المزدادة

رغم عدم خروج التقلبات عن السيطرة حتى الآن، فإن الغموض السياسي والاقتصادي يواصل التأثير على معنويات المستثمرين. ولا يزال البعض يأمل في إمكانية التوصل إلى اتفاقات تجارية، لكن حالة عدم اليقين حول نهج ترمب تجعل من الصعب وضع رهانات واضحة على مستقبل الاقتصاد الأميركي.

وفي هذا السياق، قال جيمي كوكس، الشريك الإداري في مجموعة «هاريس» المالية في فرجينيا: «لقد انتهى التهديد بفرض التعريفات الجمركية، لكننا الآن في مرحلة التعامل مع تداعياتها الفعلية». وأضاف: «يتعين على الأسواق أن تتكيف مع هذا الواقع الجديد، والأرقام أصبحت بالفعل في المنطقة الحمراء».


مقالات ذات صلة

الأسواق الخليجية تغلق مرتفعة بدعم من آمال استئناف محادثات السلام

الاقتصاد مستثمران يتابعان شاشة التداول في السوق المالية السعودية (رويترز)

الأسواق الخليجية تغلق مرتفعة بدعم من آمال استئناف محادثات السلام

أنهت أسواق الأسهم الخليجية تعاملات يوم الأربعاء على ارتفاع، مواصلة مكاسبها من الجلسة السابقة، بدعم من آمال استئناف محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)

«أسهم الصين» تنضم لموجة انتعاش عالمية وسط تفاؤل بشأن حرب إيران

ارتفعت أسهم الصين وهونغ كونغ، الأربعاء، لتنضم إلى موجة انتعاش في الأسواق العالمية وسط آمال بانتهاء أسوأ تداعيات صدمة أسعار النفط الناجمة عن الحرب الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

«نيكي» يحلّق في قمة شهر وسط آمال المحادثات الأميركية - الإيرانية

أغلق مؤشر «نيكي» الياباني للأسهم عند أعلى مستوى له في أكثر من شهر يوم الأربعاء، مع ارتفاع معنويات المستثمرين.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

بورصات الخليج ترتفع وسط تفاؤل بشأن المحادثات الأميركية الإيرانية

ارتفعت أسواق الأسهم الرئيسية في الخليج، خلال التعاملات المبكرة، الأربعاء، مواصلةً مكاسب الجلسة السابقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» وسعر صرف الدولار الأميركي والوون الكوري الجنوبي في سيول (أ.ب)

آمال السلام بين واشنطن وطهران تقفز بالأسهم الآسيوية لأعلى مستوى في 6 أسابيع

شهدت الأسواق الآسيوية انتعاشاً ملحوظاً في تداولات يوم الأربعاء، مقتفية أثر الارتفاعات القوية في «وول ستريت».

«الشرق الأوسط» (سيول)

«السيادي» السعودي يُقر استراتيجية تعزز الاقتصاد


الرميان يتحدث خلال المؤتمر الصحافي الحكومي (الشرق الأوسط)
الرميان يتحدث خلال المؤتمر الصحافي الحكومي (الشرق الأوسط)
TT

«السيادي» السعودي يُقر استراتيجية تعزز الاقتصاد


الرميان يتحدث خلال المؤتمر الصحافي الحكومي (الشرق الأوسط)
الرميان يتحدث خلال المؤتمر الصحافي الحكومي (الشرق الأوسط)

أقرّ مجلس إدارة «صندوق الاستثمارات العامة» السعودي برئاسة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة الصندوق، استراتيجية جديدة للأعوام 2026 – 2030، في تحوّل نوعي من مرحلة «التوسّع السريع» إلى تركيز جوهري على تحقيق القيمة المستدامة وتعظيم الأثر الاقتصادي.

وترتكز الاستراتيجية الجديدة على ثلاث محافظ رئيسية: الأولى «محفظة الرؤية» لتطوير منظومات اقتصادية تشمل السياحة، والصناعة، والطاقة المتجددة، والتطوير الحضري، و«نيوم»، بينما تركز «محفظة الاستثمارات الاستراتيجية» على تعظيم عوائد الأصول ودعم تحوّل شركات الصندوق لكيانات عالمية رائدة. أما «محفظة الاستثمارات المالية» فتهدف إلى تحقيق عوائد مستدامة وتنويع الاستثمارات عالمياً.


صندوق النقد الدولي لا يناقش زيادة برنامج القروض لمصر

كريستالينا غورغييفا في مؤتمرها الصحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (إ.ب.أ)
كريستالينا غورغييفا في مؤتمرها الصحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

صندوق النقد الدولي لا يناقش زيادة برنامج القروض لمصر

كريستالينا غورغييفا في مؤتمرها الصحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (إ.ب.أ)
كريستالينا غورغييفا في مؤتمرها الصحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (إ.ب.أ)

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، الأربعاء، إن الصندوق لا يناقش حالياً زيادة برنامج القروض المقدم لمصر الذي يبلغ 8 مليارات دولار، والمُبرم منذ عامين، وذلك على الرغم من التأثير الشديد للحرب في الشرق الأوسط على اقتصاد البلاد.

وأوضحت في مؤتمر صحافي أن الصندوق قد ينظر في تقديم مزيد من المساعدات لمصر إذا ساءت الأوضاع أكثر. وأشادت بجهود السلطات المصرية في مجال الإصلاحات والسياسات.


وزراء مالية يطلقون من واشنطن تحذيراً: الصراع يهدد الاقتصاد العالمي

سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)
سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)
TT

وزراء مالية يطلقون من واشنطن تحذيراً: الصراع يهدد الاقتصاد العالمي

سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)
سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)

دعا وزراء مالية من نحو 12 دولة، بقيادة بريطانيا، كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يوم الأربعاء، إلى التنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار. وأكد الوزراء أن الصراع سيظل يلقي بظلاله على الاقتصاد العالمي والأسواق حتى لو تم حله قريباً.

جاء هذا البيان المشترك، الذي وقّعه وزراء من أستراليا واليابان والسويد وهولندا وفنلندا وإسبانيا والنرويج وآيرلندا وبولندا ونيوزيلندا بالإضافة إلى بريطانيا، بعد يوم واحد من قيام صندوق النقد الدولي بخفض توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي بسبب الحرب. ووصف البيان الخسائر في الأرواح الناجمة عن الحرب بأنها «غير مقبولة».

التهديدات الاقتصادية وأمن الطاقة

وجاء في البيان: «إن تجدد الأعمال العدائية، أو اتساع نطاق الصراع، أو استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز من شأنه أن يشكل مخاطر إضافية جسيمة على أمن الطاقة العالمي، وسلاسل التوريد، والاستقرار الاقتصادي والمالي».

وأشار الوزراء في البيان الصادر خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن، إلى أنه «حتى مع وجود حل دائم للصراع، فإن التأثيرات على النمو والتضخم والأسواق ستستمر».

الالتزام بالمسؤولية المالية ورفض الحمائية

واستحضاراً لذكرى الارتفاع الهائل في الديون العامة خلال جائحة «كوفيد-19» والغزو الروسي لأوكرانيا، تعهَّد الوزراء بالتزام المسؤولية المالية في أي دعم جديد، على أن يكون موجهاً فقط إلى من هم في أمسّ الحاجة إليه. كما دعوا جميع الدول إلى تجنب الإجراءات الحمائية، بما في ذلك ضوابط التصدير غير المبررة وتخزين السلع والعوائق التجارية الأخرى في سلاسل توريد الهيدروكربونات المتضررة من الأزمة.

التوترات السياسية

واصلت وزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، انتقاداتها للاستراتيجية الأميركية في حرب إيران، واصفةً إياها بـ«الحماقة»، ومؤكدةً ضرورة إنهاء الصراع الذي لم تدعمه لندن. وقالت ريفز في تصريح منفصل: «إن وقف إطلاق النار المستدام وتجنب ردود الفعل المتهورة هما المفتاح للحد من التكاليف على الأسر».

من جانبه، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الثلاثاء، من انتقاداته الحكومة البريطانية لعدم انضمامها إلى الحرب، ملمحاً إلى أن الاتفاق التجاري بين البلدين «يمكن دائماً تغييره». ومع ذلك، أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يوم الأربعاء، أنه لن يرضخ لضغوط ترمب للانخراط في الصراع.