صفقة المعادن بين أميركا وأوكرانيا...ماذا نعرف عنها؟

لقطة تُظهر منجم إلمينيت في وادٍ في المنطقة الوسطى من كيروفوهراد الأوكرانية (أ.ب)
لقطة تُظهر منجم إلمينيت في وادٍ في المنطقة الوسطى من كيروفوهراد الأوكرانية (أ.ب)
TT

صفقة المعادن بين أميركا وأوكرانيا...ماذا نعرف عنها؟

لقطة تُظهر منجم إلمينيت في وادٍ في المنطقة الوسطى من كيروفوهراد الأوكرانية (أ.ب)
لقطة تُظهر منجم إلمينيت في وادٍ في المنطقة الوسطى من كيروفوهراد الأوكرانية (أ.ب)

كشف مسؤولون في أوكرانيا وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن أنهم توصلوا إلى اتفاق من شأنه أن يمنح الولايات المتحدة عائدات من المعادن والموارد الطبيعية الأخرى في أوكرانيا، وذلك بعد حملة ضغوط مكثفة من جانب الرئيس الأميركي.

وكشفت صحيفة «نيويورك تايمز» عن أبرز مكونات الصفقة هذه:

شروط الاتفاق

ليس من الواضح ما إذا كان الجانبان قد توصلا إلى اتفاق نهائي بشأن شروط الاتفاق.

وأفادت مسودة اطلعت عليها صحيفة «نيويورك تايمز» بتاريخ 25 فبراير (شباط) بإنشاء صندوق تسيطر عليه الولايات المتحدة يتلقى عائدات من الموارد الطبيعية لأوكرانيا.

كان من بين ما غاب عن المسودة الطلب الأوليّ لترمب بأن تساهم أوكرانيا بمبلغ 500 مليار دولار في صندوق مملوك للولايات المتحدة وأن تسدد ضعف مبلغ أي مساعدات أميركية مستقبلية.

وبموجب مسودة الاتفاق، ستساهم أوكرانيا في الصندوق بنصف عائداتها من تسييل الموارد الطبيعية في المستقبل، بما في ذلك المعادن الأساسية والنفط والغاز.

ستمتلك الولايات المتحدة الحد الأقصى من المصلحة المالية في الصندوق المسموح به بموجب القانون الأميركي، وإن لم يكن بالضرورة كلها. ومن غير الواضح كيف سيتم تفسير ذلك.

سيتم تصميم الصندوق لإعادة استثمار بعض العائدات في أوكرانيا.

عمال يقومون باستخراج الإلمينيت وهو عنصر أساسي يستخدم في إنتاج التيتانيوم في منجم بأوكرانيا (أ.ب)

ضمانات أمنية

أشار مشروع القرار بشكل غامض إلى ضمانات أمنية، لكنه لم يشر إلى أي التزام محدد من جانب الولايات المتحدة بحماية أمن أوكرانيا، وهو البند الذي ضغطت كييف بقوة على تضمينه مع دخول حربها ضد روسيا عامها الرابع.

وتضمنت نسخة من الاتفاق حصلت عليها صحيفة «نيويورك تايمز» يوم الأربعاء جملة تنص على أن الولايات المتحدة «تدعم جهود أوكرانيا للحصول على الضمانات الأمنية اللازمة لإرساء السلام الدائم». لم تتضمن المسودات السابقة هذه العبارة.

عملية الموافقة

من المتوقع أن يسافر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى واشنطن يوم الجمعة لتوقيع الاتفاق مع الرئيس ترمب. وأظهرت المسودة التي حصلت عليها صحيفة «نيويورك تايمز» أن سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، ويوليا سفيريدينكو، وزيرة الاقتصاد الأوكرانية، هما الموقعان الأولان.

لم يكن من الواضح ما إذا كانت المسودة، المؤرخة يوم الثلاثاء، هي النسخة النهائية.

الموارد المعدنية في أوكرانيا

تسيطر أوكرانيا على أكثر من 100 من رواسب المعادن الحيوية الرئيسية، وفقاً لدراسة أجرتها كلية كييف للاقتصاد، إلى جانب احتياطيات متواضعة من النفط والغاز الطبيعي.

تمتلك أوكرانيا أيضاً رواسب من 20 من المعادن الخمسين التي تدرجها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية على أنها بالغة الأهمية للتنمية الاقتصادية والدفاع في أميركا، بما في ذلك:

التيتانيوم: المستخدم في البناء والطائرات والغرسات العظمية وكمادة مضافة في الطلاء ومستحضرات التجميل، بما في ذلك واقي الشمس، من بين أشياء أخرى كثيرة. وتمثل مناجم التيتانيوم في وسط أوكرانيا نحو 6 في المائة من الإنتاج العالمي، وفقاً لوسائل الإعلام الأوكرانية.

الليثيوم: عنصر حاسم في البطاريات، بما في ذلك تلك الموجودة في المركبات الكهربائية، وفي المنتجات الصناعية الأخرى، بما في ذلك بعض الأدوية. تمتلك أوكرانيا ثلث احتياطيات أوروبا الإجمالية، على الرغم من أن بعض المواقع تقع في مناطق متنازع عليها بسبب الحرب. قبل الحرب مع روسيا، اقترح المسؤولون الأوكرانيون على الملياردير إيلون ماسك الاستثمار في مناجم الليثيوم الأوكرانية.

المعادن الأرضية النادرة: وهي مجموعة من أكثر من اثني عشر معدناً، أقل وفرة بكثير من التيتانيوم أو الليثيوم، وتستخدم في العديد من القطاعات التكنولوجية العالية، بما في ذلك الطاقة الخضراء والإلكترونيات والفضاء الجوي. تمتلك أوكرانيا احتياطيات كبيرة غير مستغلة في الغالب، ومن غير الواضح كم ستكون تكلفة استخراجها.

المنغنيز: المستخدم في صهر الصلب.

الزركونيوم: المستخدم في صناعة السيراميك وقضبان الوقود النووي والماس الصناعي.

الغرافيت: المستخدم في تصنيع الصلب والمحركات الكهربائية. تعد أوكرانيا واحدة من أكبر المنتجين في العالم. كما تمتلك أوكرانيا أكبر احتياطيات من اليورانيوم في أوروبا، الذي يستخدم في محطات الطاقة النووية والأسلحة النووية. وتنتشر حقول النفط والغاز الطبيعي في عدة مناطق في أوكرانيا.

لماذا هي ذات قيمة؟

قال ترمب إنه يريد عائدات من المعادن بوصفها سداداً للمساعدات العسكرية التي قدمتها الولايات المتحدة لأوكرانيا.

كما قد يسعى إلى الوصول للحصول على ميزة جيوسياسية على بكين: يمكن لأوكرانيا أن تساعد في كسر احتكار صيني شبه كامل لبعض المعادن الأرضية النادرة اللازمة للجوالات وغيرها من الأجهزة الإلكترونية وربما التقنيات المستقبلية.

أوضح سيرهي فيزهفا، مدير معهد الجيولوجيا في جامعة تاراس شيفتشينكو الوطنية في كييف، في مقابلة: «من الواضح أن أوروبا واليابان والولايات المتحدة تعتمد جميعها على الصين للحصول على العناصر الأرضية النادرة».

والخامات والمعادن والطاقة الأخرى أقل استراتيجية ولكنها لا تزال قيّمة. قد تكون احتياطيات النفط والغاز الطبيعي الأوكرانية مصدراً للإيرادات للصندوق الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة والمتصور في الاتفاقية.

لم تتم مناقشة كيفية استخراج المعادن على نطاق واسع مع إدارة ترمب، لكن تطوير هذه الموارد كان هدفاً طويل الأجل لأوكرانيا.

منجم في وادٍ بالمنطقة الوسطى من كيروفوهراد بأوكرانيا (أ.ب)

العقبات

عندما طرح زيلينسكي في الخريف الماضي فكرة مقايضة الموارد الطبيعية بالدعم العسكري، أخبر البرلمان الأوكراني أن ثروة البلاد المعدنية تبلغ قيمتها «تريليونات» الدولارات. وقال إن هذه الثروة ستكون متاحة «إما لروسيا وحلفائها أو لأوكرانيا والعالم الديمقراطي» اعتماداً على من يفوز في الحرب.

الموارد قيمة، لكن الخبراء يقولون إن تقدير زيلينسكي مبالغ فيه. وأكدوا أنه لا يزال هناك الكثير من الاستكشاف الذي يتعين القيام به لتقييم القيمة الحقيقية للمعادن الحيوية في البلاد، وأن البيروقراطية المرهقة والفساد حدّا من الاستثمار.

على سبيل المثال، بموجب سياسة تعود إلى الحقبة السوفياتية، يتم تصنيف المعلومات المتعلقة ببعض الاحتياطيات أسرار دولة، مما يمنع الأجانب حتى من دراستها، وفقاً لتقرير صحيفة أوكرانية. وقد بلغت عائدات الحكومة الأوكرانية العام الماضي من الموارد الطبيعية 1.1 مليار دولار، وهو أقل بكثير من مئات المليارات من الدولارات التي قال ترمب إنه يسعى للحصول عليها من الاتفاق.

وأفادت وكالة الطاقة الدولية في عام 2023 بأن الليثيوم يُستخرج الآن بكميات كافية في جميع أنحاء العالم لتلبية الطلب العالمي.

توجد رواسب الليثيوم والعديد من رواسب المعادن النادرة في الأراضي الأوكرانية التي تحتلها روسيا حالياً. كما يتعذر الوصول إلى بعض رواسب الغاز الطبيعي البحرية في البحر الأسود بينما يستمر القتال؛ وأصبحت بعض منصات الحفر قواعد بحرية متنازعاً عليها لكل من مشاة البحرية الروسية والأوكرانية.


مقالات ذات صلة

تقرير: إدارة ترمب تأمر برفض منح «غرين كارد» لمنتقدي إسرائيل

المشرق العربي ركاب يقفون عند نقطة تفتيش في مطار بولاية جورجيا الأميركية (إ.ب.أ)

تقرير: إدارة ترمب تأمر برفض منح «غرين كارد» لمنتقدي إسرائيل

أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب توجيهاتٍ جديدة تقضي برفض منح «غرين كارد» (البطاقة الخضراء) للمهاجرين الذين شاركوا في احتجاجاتٍ مؤيدة للفلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
شؤون إقليمية لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)

مضيق هرمز... وسط حصارين إيراني وأميركي

قال وزير الدفاع بيت هيغسيث، صباح الجمعة، إنَّ القوات الأميركية ستُبقي على حصار مضيق هرمز «ما دام الأمر اقتضى ذلك». وقبل ذلك بيوم، أعلن مسؤول إيراني كبير، على…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا من اجتماع سابق بين المنفي والدبيبة (أرشيفية - متداولة)

تزايد الرفض الشعبي والسياسي في غرب ليبيا لـ«مبادرة بولس»

يتسع نطاق الرفض الشعبي والسياسي في غرب ليبيا لمبادرة منسوبة لمستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، الرامية إلى تقاسم النفوذ بين أطراف متنافسة.

خالد محمود (القاهرة )
الولايات المتحدة​ شعار وزارة ​العدل الأميركية (أ.ب)

تقرير: واشنطن قد تسحب الجنسية من مئات الأميركيين المولودين في الخارج

ذكرت شبكة «‌إن بي سي نيوز»، ‌اليوم ​الجمعة، ‌أن وزارة ​العدل الأميركية تستهدف ما لا ‌يقل ‌عن 300 ​أميركي ‌مولودين في ‌الخارج، ‌وقد تسحب منهم الجنسية الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت (رويترز)

المتحدثة باسم البيت الأبيض تعلن بدء إجازة أمومة

أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أنها ستبدأ إجازة أمومة استعداداً لولادة طفلها الثاني، لكنها لم تُعلن عن الشخص الذي سيحل مكانها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...