الهجرة تتحول هاجس الناخبين الألمان بعد 10 سنوات من فتح أبواب برلين لأكثر من مليون سوري

ألمانيا تستعد للانتخابات وسط «تدخل أميركي» غير مسبوق لصالح حزب «البديل لألمانيا»

أليس فيدل زعيمة حزب «البديل من أجل ألمانيا» داخل البرلمان (إ.ب.أ)
أليس فيدل زعيمة حزب «البديل من أجل ألمانيا» داخل البرلمان (إ.ب.أ)
TT

الهجرة تتحول هاجس الناخبين الألمان بعد 10 سنوات من فتح أبواب برلين لأكثر من مليون سوري

أليس فيدل زعيمة حزب «البديل من أجل ألمانيا» داخل البرلمان (إ.ب.أ)
أليس فيدل زعيمة حزب «البديل من أجل ألمانيا» داخل البرلمان (إ.ب.أ)

بعد عشر سنوات من فتح أبوابها لأكثر من مليون لاجئ سوري، تحول موضوع اللجوء مصدر قلق رئيسياً للناخبين الألمان الذين يتوجهون إلى صناديق الاقتراع يوم الأحد. ورغم المشاكل الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية للألمان، حسب البيانات الرسمية، فإن الهجرة تبدو الموضوع الطاغي على النقاشات الانتخابية.

ويساعد هذا النقاش الدائر حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف على زيادة حظوظه في تحقيق نتائج غير مسبوقة، بحسب ما تشير استطلاعات الرأي.

ويبدو أن الحزب الفتيّ نسبياً، والذي تأسس عام 2013، يتجه إلى الفوز بالمرتبة الثانية في الانتخابات والحصول على نسبة أصوات تصل إلى 20 في المائة. وتسببت الهجمات الإرهابية التي شهدتها ألمانيا بالأسابيع الماضية في تحويل قضية اللجوء إلى القضية الرئيسية في النقاش الانتخابي الدائر.

لافتة انتخابية لزعيمة حزب «البديل من أجل ألمانيا» أليس فيدل في مدينة دورتموند (أ.ف.ب.)

وشهدت ألمانيا خلال الشهرين الماضيين، ثلاث هجمات إرهابية كان آخرها الجمعة الماضي في ميونيخ عشية انطلاق أعمال مؤتمر الأمن. ودهس حينها لاجئ أفغاني مجموعة من المتظاهرين الذين كانوا متجمعين للمطالبة بزيادة مرتباتهم، وأصاب قرابة الـ30 شخصاً، توفي منهم اثنان، سيدة مع طفلها لاحقاً.

وقبل ذلك، هاجم لاجئ أفغاني كذلك مجموعة من الأطفال في حديقة عامة في أشافنبيورغ بولاية بافاريا، وطعن عدداً من الأطفال وأحد المارة الذين دافع عنهم؛ ما أدى إلى وفاة طفل ورجل. وفي عطلة أعياد الميلاد، دهس لاجئ رواد سوق ميلاد في مدينة ماغدبيرغ؛ ما أدى إلى مقتل ستة أشخاص وإصابة العشرات.

ودفعت كل هذه الاعتداءات بالأحزاب الألمانية، إلى التسابق على طرح خطط لتشديد الهجرة وقوانين اللجوء. وسارع الحزب المسيحي الديمقراطي الذي يتزعمه فريدريش ميرتز ويحلّ في الطليعة بنسبة أصوات تزيد على 30 في المائة، بحسب استطلاعات الرأي، إلى طرح مشروع قانون نهاية يناير (كانون الثاني) في البرلمان، يدعو إلى إغلاق الحدود أمام اللاجئين مع دول «شنغن» وتسريع ترحيل اللاجئين المجرمين ووقف استقبال لاجئين جدد.

زعيم الحزب المسيحي الديمقراطي فريدريش ميرتز (يمين) والمتوقع أن يكون المستشار الألماني القادم (أ.ب)

اللافت، أن الحزب المسيحي الديمقراطي كان هو الذي سمح، في ظل زعامة المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، بإدخال أكثر من مليون لاجئ سوري قبل 10 سنوات (2015 - 2016).

وأمام التشكيك بقانونية الكثير مما طرحه حزب ميرتز، رفضت الأحزاب الرئيسية دعم الخطط، ولم يدعمها سوى حزب «البديل من أجل ألمانيا». وأصر ميرتز على تمرير المشروع رغم ذلك، ولو بدعم حزب «البديل من أجل ألمانيا» رغم تعهد كل الأحزاب الألمانية رفض العمل والتعاون مع الحزب المتطرف.

وتم تمرير جزء من القانون غير الملزم والمتعلق بإعادة اللاجئين على الحدود، بأصوات حزب «البديل من أجل ألمانيا». وتسبب ذلك بردود عنيفة ضد ميرتز واتهامات له بالتعاون مع الحزب رغم وجود «جدار حماية» اتفقت عليه الأحزاب؛ بسبب تاريخ ألمانيا ومنعاً لتكرار وصول حزب متطرف الكثيرون من أعضائه متهمون بالولاء للآيدولوجية النازية، إلى السلطة. وخرجت مظاهرات شارك فيها مئات الآلاف اعتراضاً على تخلي ميرتز عن «جدار الحماية» المتفق عليه.

لكن الهجمات الإرهابية لم تكن وحدها السبب في صعود الحزب المتطرف بشكل غير مسبوق. إذ تشهد الانتخابات الألمانية الحالية تدخلاً غير مسبوق كذلك من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي بدأت مع مالك منصة «إكس» إيلون ماسك وتغريداته دعماً لحزب «البديل من أجل ألمانيا» وادعاءات أنه الحزب الوحيد القادر «على إنقاذ» البلاد. واستضاف ماسك زعيمة الحزب أليس فيدل في مقابلة على منصته، كما كتب مقالاً يفسر فيه دعمه للحزب في صحيفة «دي فيلت».

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو خلال لقاء مع الرئيس فولوديمير زيلينسكي (لا يظهر في الصورة) على هامش مؤتمر ميونخ للأمن 14 فبراير الحالي (رويترز)

ورغم انتقادات السياسيين الألمان لتدخل ماسك، فقد زادت الأزمة حدة بخطاب نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس خلال مؤتمر الأمن، الذي وجه فيه انتقادات لاذعة للحكومة الألمانية، ودعا الأحزاب إلى العمل مع حزب «البديل من أجل ألمانيا»، داعياً إلى تدمير «جدار الحماية». وخلافاً للعادات الديبلوماسية، رفض فانس لقاء المستشار أولاف شولتس، زعيم الحزب الديمقراطي الاشتراكي، على هامش المؤتمر والتقى عوضاً عن ذلك فيدل رغم أنها لم تكن مدعوة إلى المؤتمر.

وتسبب ذلك بموجة غضب بين السياسيين الألمان الذي اتهموا الطرف الأميركي بالتدخل في السياسة الداخلية للبلاد، وحتى ميرتز الذي التقى فانس كذلك على هامش المؤتمر، عبر غاضباً عن دعم الإدارة الأميركية لـ«البديل لألمانيا»، قائلاً إن الأحزاب الألمانية هي من تقرر مع من تتحالف «ولا أحد يملي عليها ذلك». ووصف المستشار شولتس التدخل بـ«غير المقبول»، مذكّراً بتاريخ ألمانيا وبعبارة «أبداً لن نعيد الكرّة» في إشارة إلى النازيين.

وتظاهر محتجون ضد حزب «البديل من أجل ألمانيا» أمام المركز المجتمعي في بلدة نوينهاجن بالقرب من برلين، وهتفوا بصوت عالٍ: «لا مكان للنازيين»، وكتب على إحدى اللافتات: «نحن جدار الحماية». ووجدت الشرطة للتأمين خلال المظاهرة مساء الأربعاء.

شولتس في «البوندستاغ» (أ.ف.ب)

بدوره، طالب حزب «البديل من أجل ألمانيا» بأن تظل ألمانيا بعيدة عن الحرب الروسية في أوكرانيا. وقال ألكسندر غاولاند، المؤسس المشارك والرئيس الفخري للحزب، مساء الأربعاء في نوينهاجن: «هذه ليست حربنا». كما كرر رئيس الحزب، تينو شروبالا، هذه العبارة أيضاً. وتحلّ الذكرى السنوية الثالثة للحرب التي شنتها روسيا ضد أوكرانيا في يوم 24 فبراير (شباط) الحالي، أي عقب يوم واحد من الانتخابات العامة في ألمانيا. وهذا يتماشى مع توجهات إدارة الرئيس ترمب.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ف.ب)

وقال غاولاند أمام ما يقرب من 400 شخص إن هذه الحرب خاطئة وجائرة، لكنها حرب بين روسيا وأوكرانيا وليست بين روسيا وألمانيا، وأضاف: «وهذه الحرب لا تخصنا». وذكر غاولاند أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي «يريد أن يجعلنا طرفاً في الحرب بادعائه بأن أوكرانيا تدافع أيضاً عن حريتنا». وقال رئيس الحزب شروبالا أيضاً إن ألمانيا لا ينبغي لها أن تنفق أموالاً على حروب خارجية.

ويحل حزب المستشار شولتس الحزب الاشتراكي، بالمرتبة الثالثة بنسبة أصوات لا تتجاوز 15 في المائة مقابل 13 في المائة لحزب الخضر المشارك حالياً في الحكومة. وقد يعود حزب شولتس إلى الحكومة شريكاً صغيراً في حال قرر ميرتز التحالف معه لتشكيل حكومة ائتلافية، علماً أن حكومة مؤلفة من الحزبين الكبيرين بقيادة الحزب المسيحي الديمقراطي كانت الحكومة التي تزعمتها ميركل ثلاث مرات من أصل أربع خلال فترة حكمها.

الكتلة البرلمانية لحزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف (أ.ف.ب)

وهذه المرة، حتى الحزب الاشتراكي، يسار الوسط، المعروف بسياساتها المنتفحة تجاه الهجرة، شدد من لهجته حول اللاجئين ويدعو إلى اتخاذ قوانين أكثر صرامة لمنع تكرار الهجمات الإرهابية.

وفي كل الأحوال، تنتظر الحكومة الألمانية الجديدة التي ستتشكل على الأرجح بقيادة ميرتز، تحديات كثيرة خاصة على صعيد ترميم العلاقات مع واشنطن والتي تتدهور يوميا في ظل إدارة ترمب. ويتمسك ميرتز، مثل شولتس، بدعم قوي لكييف والإبقاء على العلاقات مقطوعة مع موسكو. وقد يكون التعامل مع إدارة ترمب أسهل بالنسبة لميرتز من شولتس الذي دائما ما يتعرض لانتقادات لاذعة من ماسك على منصته «إكس». ومع ذلك، فإن دعم إدارة ترمب حزب «البديل من أجل ألمانيا» قد يصعّب على أي حكومة ألمانية التعامل مع الشريك الرئيسي لبرلين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، خصوصاً وأن إدارة ترمب تستعد لإعلان تخفيض عدد الجنود الأميركيين في ألمانيا، وعلى الأرجح سحب المظلة الأمنية التي تحمي ألمانيا منذ نهاية الحرب.


مقالات ذات صلة

اليابان: توقعات بفوز ساحق لتاكايتشي في انتخابات شتوية نادرة

آسيا أدلت أم بصوتها في انتخابات مجلس النواب بصالة رياضية بطوكيو (إ.ب.أ)

اليابان: توقعات بفوز ساحق لتاكايتشي في انتخابات شتوية نادرة

يدلي الناخبون في اليابان بأصواتهم، اليوم (الأحد)، في انتخابات من المتوقع أن تحقِّق فيها رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي فوزاً ساحقاً.

«الشرق الأوسط» (طوكيو )
المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (د.ب.أ)

الضغوط الأميركية تضعف قدرة «التنسيقي» على التمسك بالمالكي

تتزايد الشكوك حول قدرة «الإطار التنسيقي» على التمسك أكثر بترشيح زعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي لرئاسة الوزراء.

حمزة مصطفى (بغداد)
الولايات المتحدة​ ترمب يلقي خطاباً أمام البحرية الأميركية برفقة رئيسة وزراء اليابان تاكايتشي في يوكوسوكا (أرشيفية - أ.ف.ب)

ترمب يعبر عن دعمه لرئيسة وزراء اليابان قبل انتخابات الأحد

كتب ترمب على منصته للتواصل الاجتماعي تروث سوشال أمس الخميس «رئيسة الوزراء تاكايتشي شخصية تستحق تقديرا كبيرا للعمل الذي تقوم به هي وائتلافها».

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الولايات المتحدة​ كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ب)

البيت الأبيض: لا «خطط رسمية» لنشر «إدارة الهجرة» في مراكز الاقتراع

قال البيت الأبيض يوم الخميس إن الرئيس دونالد ترمب لم يناقش «خططا رسمية» لنشر عناصر من إدارة الهجرة والجمارك في مراكز الاقتراع خلال انتخابات التجديد النصفي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم (رويترز)

قرار المحكمة العليا يشعل «حرب الخرائط» ويقرّب معركة 2026 من البيت الأبيض

التصعيد بدأ عندما دفعت قيادة جمهورية في تكساس، بدعم من ترمب، نحو خريطة قد تمنح الحزب مكسباً في عدد المقاعد.

إيلي يوسف (واشنطن)

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)
الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)
TT

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)
الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)

قال جهاز الأمن الاتحادي الروسي، اليوم الأحد، إن الرجل الذي يشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى روسيا، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال محققون إن اللفتنانت جنرال أليكسييف، الذي يشغل منصب نائب رئيس المخابرات العسكرية، تعرض لعدة طلقات نارية في بناية سكنية في موسكو، يوم الجمعة. وذكرت وسائل إعلام روسية أنه خضع لعملية جراحية بعد الإصابة.

وأشار جهاز الأمن الاتحادي الروسي إلى أن روسياً يدعى ليوبومير كوربا اعتقل في دبي للاشتباه في تنفيذه الهجوم.

واتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أوكرانيا بالوقوف وراء محاولة الاغتيال التي قال إنها تهدف لإفساد محادثات السلام.

وقالت كييف إنه لا علاقة لها بإطلاق النار عليه.

ويقود الأميرال إيغور كوستيوكوف، رئيس المخابرات العسكرية ومدير أليكسييف، الوفد الروسي في مفاوضات مع أوكرانيا في أبوظبي بشأن الجوانب الأمنية في اتفاق سلام محتمل.


زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
TT

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة منذ قرابة 4 سنوات.

وأضاف أنه إذا لم يتم الوفاء بالموعد النهائي وهو يونيو (حزيران) المقبل، فمن المرجح أن تمارس إدارة ترمب ضغوطاً على كلا الجانبين.

وقال زيلينسكي إن واشنطن «عرضت لأول مرة أن يلتقي فريقا التفاوض في الولايات المتحدة، على الأرجح في ميامي، خلال أسبوع».

وتبادلت روسيا وأوكرانيا الاتهامات بقصف البنى التحتية في البلدين. وقالت كييف، أمس، إن قواتها قصفت مستودع نفط يُعرَف باسم «بالاشوفو» في منطقة ساراتوف الروسية. وبدورها شنَّت قوات موسكو هجوماً كبيراً على شبكة الطاقة الأوكرانية تسبب بانقطاع الكهرباء عن جزء كبير من البلاد، وأكدت أن صواريخها استهدفت مرافق البنية التحتية للطاقة والنقل في أوكرانيا.


تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

أعلن السفير الروسي لدى أرمينيا، سيرغي كوبيركين، أن روسيا تراقب من كثب مشروع «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين» الأرميني الأميركي، وأنها مستعدة لمناقشة إمكانية المشاركة في هذه المبادرة.

وحمل التصريح تطوراً في الموقف الروسي حيال النشاط الأميركي المتزايد في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت لقرون منطقة نفوذ حيوي لموسكو، والخاصرة الرخوة لروسيا التي شهدت مراراً تقلبات وتهديدات للنفوذ الروسي.

مصافحة ثلاثية بين دونالد ترمب وإلهام علييف ونيكول باشينيان في البيت الأبيض يوم 8 أغسطس 2025 بعد توقيع الاتفاق بين أرمينيا وأذربيجان (رويترز)

وفي إشارة إلى مشروع «ممر زنغزور» البري المثير للجدل الذي يربط أذربيجان بمنطقة نخجوان (ناخيتشيفان وفق التسمية الأرمينية) عبر جنوب أرمينيا، قال الدبلوماسي إن بلاده «تتابع التطورات المتعلقة بالمشروع، ونحن على استعداد للانخراط في مفاوضات ومناقشة إمكانية الانضمام إلى هذه المبادرة، مع الأخذ في الاعتبار -من بين أمور أخرى- التعاون الوثيق بين روسيا وأرمينيا في صيانة وتطوير قطاع سكك الحديد في جمهورية أرمينيا».

وكان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قد أشار إلى هذا الموضوع بشكل مبهم في وقت سابق، عندما قال إن «التفاصيل العملية المحددة لهذا المشروع بدأت تتبلور للتو، وإن إطلاقه سيستغرق بعض الوقت».

من اليسار إلى اليمين: قادة أذربيجان وكازاخستان وروسيا وبيلاروسيا وأوزبكستان وطاجيكستان وأرمينيا يصلون إلى مقر قمة رابطة الدول المستقلة في دوشانباي يوم 10 أكتوبر (إ.ب.أ)

كما أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن روسيا مستعدة لاستكشاف الخيارات المتاحة لمشاركتها في المشروع، بما في ذلك الاستفادة من الخبرة الفريدة لشركة سكك الحديد الروسية.

وكانت موسكو قد أعربت عن تحفظ في وقت سابق على بعض تفاصيل الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن بين أرمينيا وأذربيجان في أغسطس (آب) من العام الماضي. وعلى الرغم من أنها رحبت بجهود السلام المبذولة بين باكو ويريفان فإن مسؤولين روساً أبدوا استياء واضحاً من التفاصيل المتعلقة بمنح الولايات المتحدة وجوداً مباشراً في المنطقة.

وكان الطرفان الأذري والأرميني قد وقَّعا اتفاقاً أولياً للسلام وإنهاء عقود من النزاع، خلال اجتماع عُقد برعاية أميركية، ولم تُدعَ إليه موسكو التي كانت وسيطاً مباشراً بينهما لعقود. وتضمن الاتفاق بشأن إرساء السلام وتعزيز العلاقات بين البلدين بنداً يتعلق بإنشاء ممر يربط أذربيجان بمنطقة ناخيتشيفان ذات الحكم الذاتي عبر أرمينيا، وكان يشكل نقطة خلافية جوهرية بينهما.

نقطة تفتيش أذربيجانية في ناغورنو كاراباخ خلال أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

ووافقت يريفان على التعاون مع الولايات المتحدة وأطراف ثالثة، لإنشاء الممر الذي بات يحمل تسمية «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين». وشكل التطور تهديداً مباشراً لمصالح روسيا وإيران في المنطقة؛ خصوصاً مع ازدياد الحديث عن دعوة شركات أميركية لتنفيذ المشروع، ما يعني تثبيت حضور أميركي اقتصادي وتجاري وأمني لفترة طويلة. وفي مقابل تجنب موسكو توجيه انتقاد مباشر لواشنطن، واكتفاء بعض المسؤولين بالإعراب عن استياء ضمني، عارضت إيران بقوة إنشاء الممر، خشية أن يؤدي إلى عزلها عن القوقاز، وجلب وجود أجنبي إلى حدودها.

وقبل أيام، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال لقاء مع وزير الخارجية الأرميني أرارات ميرزويان، أن يريفان ستمنح واشنطن حصة في الممر على أراضيها. وقالت وزارة الخارجية إنه سيتم إنشاء شركة تكون ملكيتها تابعة للولايات المتحدة بنسبة 74 في المائة، وستتكلَّف بناء البنية التحتية للسكك الحديد والطرق على هذه القطعة من الأرض.

ويفترض أن يسمح المشروع باستثمارات أميركية، ووصول «المعادن الحيوية والنادرة» إلى السوق الأميركية، كما يحدد النص الإطاري لوزارة الخارجية.

وقال روبيو خلال هذا الاجتماع، إن «الاتفاق سيصبح نموذجاً للعالم؛ إذ سيُظهر كيف يمكننا الانفتاح على النشاط الاقتصادي والازدهار، دون المساس بالسيادة وسلامة الأراضي».

وأضاف: «سيكون هذا أمراً جيداً لأرمينيا، وجيداً للولايات المتحدة، وجيداً لجميع المعنيين»، مؤكداً أن إدارة ترمب ستعمل الآن «على تنفيذ الاتفاق».

رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان (يمين) يتبادل الاتفاقيات الموقعة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال اجتماعهما في يريفان (إ.ب.أ)

من جهته، أكد رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان أن أمن الممر الذي يربط أذربيجان بناخيتشيفان سوف تضمنه «أرمينيا وليس دولة ثالثة».

وترافق التطور في موقف روسيا حيال المشروع والبدء في الحديث عن استعدادها للانضمام إليه، مع توجيه موسكو إشارات إلى أرمينيا التي كانت حليفاً وثيقاً لروسيا قبل أن تتجه لتعاون أوسع مع أوروبا. وقبل أيام، قال الوزير لافروف، خلال لقائه برئيس الجمعية الوطنية الأرمينية، ألين سيمونيان: «آمل بصدق أن تُدرك أرمينيا تماماً ما يكمن وراء هذا الوضع؛ حيث أعلن الاتحاد الأوروبي وأعضاء حلف شمال الأطلسي الأوروبي الحرب صراحة على روسيا، بهدف إلحاق هزيمة استراتيجية بها. أتمنى بشدة ألا تهيمن رواية زرعت الشكوك -بل والأكاذيب- على الرأي العام في بلدينا». وأكد الوزير أن روسيا «لا تعترض أبداً على أي شريك يُطوِّر علاقات خارجية في أي اتجاه. فإن نظراءهم من الاتحاد الأوروبي يُخيِّرون الدولة المعنية باستمرار بين خيارين: إما معنا وإما معهم».