مصر: تكلفة التعليم الأجنبي تتصاعد... والإقبال عليه أيضاً

المدارس الإنترناشيونال رافد مميز ضمن منظومة التعليم المصرية (مدرسة الكلية الأميركية بالقاهرة)
المدارس الإنترناشيونال رافد مميز ضمن منظومة التعليم المصرية (مدرسة الكلية الأميركية بالقاهرة)
TT

مصر: تكلفة التعليم الأجنبي تتصاعد... والإقبال عليه أيضاً

المدارس الإنترناشيونال رافد مميز ضمن منظومة التعليم المصرية (مدرسة الكلية الأميركية بالقاهرة)
المدارس الإنترناشيونال رافد مميز ضمن منظومة التعليم المصرية (مدرسة الكلية الأميركية بالقاهرة)

تدرس ثلاث فتيات للأم المصرية، دينا محمد، في ثلاث مراحل تعليمية مختلفة بإحدى المدارس الدولية بالقاهرة، تتطلب منها دفع مصروفات باهظة التكلفة، لا سيما مع زيادات سنوية تقرها المدرسة موزّعة على «بنود تعليمية» مختلفة.

تقول الأم الأربعينية لـ«الشرق الأوسط»: «خلال آخر عامين دراسيين تراوحت الزيادة المطلوبة في مدرسة (مصر الحديثة) بـ(القاهرة الجديدة)، من 20 إلى 30 ألف جنيه سنوياً، ليصل متوسط المصروفات لنحو 150 ألف جنيه للطالب، إلى جانب مبالغ أخرى تخص الأنشطة والامتحانات».

ورغم الارتفاع الملحوظ في تكاليف التعليم في المدارس والجامعات الدولية في مصر، اللتين تعدان رافداً مميزاً ضمن منظومة التعليم المصري، فإن الأمر لم يثنِ أسراً مصرية عن السعي المتواصل للالتحاق بهما، وسط شكاوى من ارتفاع التكاليف المعيشية.

ولا تستغرب دينا التي تقطن بحي «التجمع» الراقي شرق القاهرة، من زيادة الإقبال على الالتحاق بالمدرسة، رغم تلك الزيادات المتتالية، حتى إنها كانت تخشى مع بداية العام الدراسي الحالي ألّا تلتحق ابنتها الصغيرة بأختَيها في نفس المدرسة؛ نظراً للأعداد الكبيرة المتقدمة إليها، واضطرار إدارة المدرسة لوضع بعض المتقدمين في قوائم انتظار، لكن «لحسن الحظ وضعت أولوية القبول لمن يكون له أشقاء بالمدرسة»، على حد قولها.

مدرسة الكلية الأميركية بالقاهرة إحدى أبرز المدارس الدولية

والمدارس الدولية (الإنترناشيونال) هي مدارس خاصة تطبق منهجاً دولياً معترفاً به عالمياً، ومعتمداً من وزارة التربية والتعليم المصرية. وتعد مدرسة الكلية الأميركية بالقاهرة الأعلى تكلفة؛ إذ سجلت مصروفاتها لمرحلة رياض الأطفال (الأقل في الرسوم) 13.500 دولار للعام الدراسي الحالي 2025/2024 (الدولار يساوي 50.60 جنيه)، في حين بلغت في العام الدراسي 2021/2020 نحو 12 ألف دولار لنفس المرحلة.

ويقل متوسط مصروفات المدارس الدولية الأخرى تدريجياً، لـ«يتراوح بين 80 و300 ألف جنيه حسب المرحلة الدراسية، ووفق أنظمة وجودة التعليم المطبقة، مع زيادات سنوية أيضاً».

تقول الدكتورة داليا الحزاوي، مؤسسة «ائتلاف أولياء أمور مصر»، والخبيرة التربوية والاجتماعية، لـ«الشرق الأوسط»: «رغم إيجابيات التعليم الدولي، فإن هناك بعض المدارس الخاصة والدولية تقوم باستغلال أولياء الأمور ذوي المكانة الاجتماعية والاقتصادية المرتفعة، بزيادة المصروفات الدراسية بشكل مبالغ فيه، وهو ما تستجيب له الأسر، معتبرين أن هذا الإنفاق هو سلاح للأبناء للحصول على مستقبل أفضل».

ووفق «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار»، التابع لمجلس الوزراء المصري، فقد تم افتتاح أول مدرسة دولية بمصر عام 2002، في حين ارتفع عدد المدارس الدولية من 168 مدرسة عام 2011 إلى 785 مدرسة عام 2020.

ويبرر الخبير الاقتصادي المصري، عادل عامر، زيادة الإقبال على تلك النوعية من المدارس رغم ارتفاع تكلفتها، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «خريجو التعليم الأجنبي يحظون بفرص أفضل وأسرع في سوق العمل، مقارنة بنظرائهم من المدارس والجامعات الحكومية».

ويضيف: «أيضاً التكلفة تتصاعد نظراً لتحول التعليم إلى (بزنس) من جانب بعض المستثمرين الذين يتجهون للاستثمار في إنشاء جامعات ومدارس، والتي باتت أكثر وأسرع ربحاً، مستغلين شغف بعض فئات المجتمع المصري في تعليم مميز».

وتوسعت مصر خلال الأعوام الماضية في إنشاء أفرع لجامعات دولية عريقة؛ إذ تضم حالياً 9 أفرع لجامعات أجنبية، و9 جامعات باتفاقيات دولية وإطارية، بحسب بيانات وزارة التعليم العالي.

وتشهد هذه الجامعات ارتفاع مصروفاتها مقارنة بالجامعات الحكومية، وتأتي في مقدمتها الجامعة الأميركية؛ إذ يصل معدل المصروفات الدراسية لكل ساعة معتمدة إلى 667 دولاراً أميركياً لطلاب دراسات البكالوريوس المصريين، و735 دولاراً أميركياً لطلاب دراسات البكالوريوس الأجانب.

وتولي الدولة المصرية اهتماماً كبيراً بإنشاء أفرع جامعات دولية على أرضها، وبحسب تصريحات سابقة لوزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري، أيمن عاشور، فإن «تدويل التعليم يُعد من الملفات المهمة التي أكدت عليها الاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي والبحث العلمي».

ووفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، فقد بلغ عدد الطلاب المقيدين بالعام الدراسي 2024/2023 بالجامعات الخاصة (تشمل فروع الجامعات الأجنبية والاتفاقيات الدولية) والأهلية 364.990 طالباً، مقارنة بـ284.456 طالباً في العام السابق له.

الدكتورة أماني عاطف، الباحثة بـ«مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار»، التابع لمجلس الوزراء المصري، ترى أن الإمكانات المالية أصبحت محدداً رئيسياً لمستوى تعليم الأبناء في مصر؛ فكلما ارتفع مستوى معيشة الأسرة اتجهت إلى نمط أعلى من أنماط التعليم، مع تعدد تلك الأنماط والتفاوت الواضح بين تكاليف كل منها.

وتفسر أماني، صاحبة الورقة البحثية «الوجاهة الاجتماعية وانتشار ثقافة المدارس الدولية»، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أسباب تزايد إقبال العديد من الأسر على التعليم الأجنبي رغم ارتفاع نفقاته، إلى «الرغبة في تعميق الدراسة باللغات الأجنبية، خاصة الإنجليزية كلغة عالمية، وكذلك ارتفاع جودة التعليم الدولي، وإتاحة الفرصة لإكمال التعليم في الخارج، فضلاً عن تحول التعليم بمستوياته المختلفة إلى وسيلة للوجاهة الاجتماعية والتفاخر بين الأسر».

وتوضح الحزاوي أن كثيرين باتوا يرون الالتحاق بالمدارس الخاصة والدولية، ومن بعدها الجامعات الدولية، استثماراً طويل المدى في مستقبل الأبناء؛ كون هذه المؤسسات توفر بيئة تعليمية داعمة ومتطورة وآمنة، وتنمية مهارات الطالب، وتعزيز الإبداع والابتكار لديه. لكن في المقابل، تشير إلى بعض التداعيات المجتمعية السلبية بسبب المدارس والجامعات الدولية، فيما يتعلق بتعميق التمايز الطبقي، وترسيخ بعض العادات والتقاليد الغربية، وتراجع الاهتمام باللغة العربية.


مقالات ذات صلة

مصر تُروج لفرصها الاستثمارية والاستفادة من التوسع الهندي نحو أفريقيا

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يلتقي وزير التجارة والصناعة الهندي على هامش اجتماع وزراء خارجية بريكس (الخارجية المصرية)

مصر تُروج لفرصها الاستثمارية والاستفادة من التوسع الهندي نحو أفريقيا

روجت مصر لفرصها الاستثمارية خلال لقاءات عقدها وزير الخارجية بدر العاطي، مع وزير التجارة والصناعة الهندي وعدد من الشركات.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا احتفالية الخطوط الجوية التركية الجمعة بمناسبة مرور 75 عاماً على انطلاق أولى رحلاتها إلى القاهرة  (وزارة الطيران المدني في مصر)

مصر وتركيا تعززان تعاونهما عبر تنشيط الحركة الجوية والسياحية

تزامناً مع الاحتفال بمرور 75 عاماً على انطلاق أول رحلة طيران بين البلدين، تعزز مصر وتركيا تعاونهما و«شراكتهما الاستراتيجية» عبر تنشيط حركة الطيران والسياحة.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
المشرق العربي وزير التربية والتعليم المصري محمد عبد اللطيف (وزارة التعليم المصرية)

مصر: الغش في «الثانوية العامة» هاجس مستمر دون حلول جذرية

تتَّجه الحكومة المصرية لتنفيذ إجراءات جديدة تستهدف الحدَّ من «الغش» في امتحانات «الثانوية العامة»، وتطرَّقت لأول مرة لإمكانية «قطع الإنترنت» عن بعض اللجان.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا أزمة «هرمز» تعزِّز مكانة ميناء دمياط المصري ممراً بين أوروبا والخليج (وزارة النقل المصرية)

أزمة «هرمز» تعزّز مكانة ميناء دمياط المصري ممراً بين أوروبا والخليج

عزَّزت أزمة مضيق «هرمز» مكانة ميناء دمياط المصري ممراً بين أوروبا والخليج، وذلك في ظلِّ تصاعد تداعيات الحرب الإيرانية على المنطقة.

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا لقطة لجانب من القاهرة (رويترز)

مقترح برلماني مصري بتنظيم نشاط «البلوجرز» لوقف «الممارسات العشوائية»

قدّم عضو في مجلس النواب المصري مقترحاً لتنظيم عمل «البلوجرز» أو المؤثرين على وسائل التواصل، بهدف وقف الممارسات العشوائية وزيادة الحصيلة الضريبية.

رحاب عليوة (القاهرة )

العليمي: السلام المستدام يبدأ بإنهاء المشروع الحوثي الإيراني

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي استقبل وفداً من المعهد الملكي البريطاني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي استقبل وفداً من المعهد الملكي البريطاني (سبأ)
TT

العليمي: السلام المستدام يبدأ بإنهاء المشروع الحوثي الإيراني

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي استقبل وفداً من المعهد الملكي البريطاني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي استقبل وفداً من المعهد الملكي البريطاني (سبأ)

شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن أي مقاربة دولية لإنهاء الحرب في اليمن لن تنجح ما لم تتعامل مع الجماعة الحوثية بوصفها جزءاً من مشروع إيراني عابر للحدود، وليس مجرد طرف سياسي محلي، محذراً من أن التركيز على الهدن المؤقتة وترتيبات وقف إطلاق النار لن يؤدي إلا إلى إدارة المخاطر وتأجيل أسباب الصراع، بدلاً من بناء سلام دائم ومستقر.

وقال العليمي، خلال لقائه وفداً من المعهد الملكي البريطاني (تشاتام هاوس)، إن الجماعة الحوثية لم تكن يوماً طرفاً مُقصًى من العملية السياسية كما تدّعي، مذكّراً بمشاركتها في مؤتمر الحوار الوطني، غير أنها ـ بحسب تعبيره ـ رفضت الانخراط كقوة سياسية داخل مؤسسات الدولة، وسعت إلى فرض واقع قائم على احتكار السلاح والسلطة خارج الدستور والشراكة الوطنية.

واتهم الرئيس اليمني بعض الدوائر الغربية والبحثية بسوء فهم طبيعة الوضع في مناطق سيطرة الحوثيين، موضحاً أن فرض القبضة الأمنية المشددة لا يعني وجود حالة استقرار سياسي أو اجتماعي طبيعي. وقال إن الخلط بين المدن الخاضعة بالقوة والمجتمعات التعددية أدى إلى مقاربات قاصرة في التعامل مع الأزمة اليمنية، خصوصاً فيما يتعلق بتوصيف الجماعة الحوثية كسلطة أمر واقع قابلة للاحتواء السياسي.

جانب من لقاء العليمي مع وفد من المعهد الملكي البريطاني (سبأ)

وأكد العليمي أن «السلام الحقيقي» لا يقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار، بل يرتبط ببناء دولة تضمن الحقوق والحريات والمواطنة المتساوية لجميع اليمنيين، معتبراً أن التعامل مع الحوثيين بوصفهم سلطة طبيعية يمنح شرعية لفكرة «الحق الإلهي»، ويكرّس بقاء السلاح خارج مؤسسات الدولة.

وفي سياق حديثه عن المخاطر الأمنية، قال رئيس مجلس الحكم اليمني إن الجماعة الحوثية تجاوزت في ممارساتها كثيراً من التنظيمات الإرهابية، مشيراً إلى استخدامها الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والألغام البحرية والسيارات المفخخة، إلى جانب استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وتجريف الحياة العامة وتقييد الحريات في مناطق سيطرتها.

أمن البحر الأحمر

ربط العليمي بين استقرار اليمن وأمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر، مؤكداً أن حماية الممرات البحرية لا تبدأ من البحر فقط، وإنما من معالجة مصادر التهديد على اليابسة وإنهاء الانقلاب الحوثي. وأضاف أن التطورات الإقليمية الأخيرة أثبتت ترابط الأمن اليمني والخليجي والدولي، خصوصاً مع تصاعد الهجمات على السفن التجارية وخطوط الملاحة الدولية.

وأشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى أن الشراكة مع المملكة العربية السعودية تمثل ضرورة جغرافية وأمنية واستراتيجية، فرضتها المصالح المشتركة وطبيعة التحديات القائمة، مثمّناً الدعم السعودي لليمن على المستويات العسكرية والأمنية والاقتصادية والإنسانية.

وقال إن الدعم السعودي لم يقتصر على مساندة الحكومة الشرعية في مواجهة الحوثيين، بل شمل أيضاً دعم الاقتصاد والخدمات العامة وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنقاذ الأرواح عبر التدخلات الإنسانية والتنموية المختلفة.

كما تطرق اللقاء إلى الإصلاحات التي يقودها مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، بما في ذلك توسيع مشاركة الشباب والنساء في مؤسسات الدولة، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، واستيعاب الكفاءات اليمنية في الداخل والخارج ضمن جهود تعزيز فاعلية مؤسسات الدولة وتحسين أدائها.

مباركة رئاسية

في سياق متصل، بارك رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الاتفاق الذي تم التوصل إليه، الخميس، للإفراج عن نحو 1750 محتجزاً من مختلف الأطراف، في أكبر عملية تبادل منذ بدء الحرب، معتبراً الاتفاق «لحظة فرح وأمل»، وفرصة جديدة لتغليب الاعتبارات الإنسانية، ولمّ شمل العائلات قبل عيد الأضحى.

وأعرب العليمي، في تدوينة على منصة «إكس»، عن تقديره للدور الذي لعبته السعودية في إنجاز الاتفاق، مثمّناً كذلك جهود مكتب المبعوث الأممي، ووساطة كل من سلطنة عمان والأردن، إضافة إلى دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر والفريق الحكومي المفاوض.

وكان الوفد الحكومي المعني بملف الأسرى والمحتجزين أعلن التوصل إلى الاتفاق بعد جولة مفاوضات انطلقت من العاصمة العُمانية مسقط في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وفق قاعدة «الكل مقابل الكل»، موضحاً أن الاتفاق شمل التوقيع على الكشوفات وآلية التنفيذ، بما يمهد لانفراج إنساني واسع في واحد من أكثر الملفات تعقيداً منذ اندلاع الحرب اليمنية.


ألغام وجوع وحرمان... اليمنيون يدفعون ثمن الانقلاب الحوثي

الحوثيون زرعوا الألغام في الطرقات والمزارع ووسط التجمعات السكانية (إعلام محلي)
الحوثيون زرعوا الألغام في الطرقات والمزارع ووسط التجمعات السكانية (إعلام محلي)
TT

ألغام وجوع وحرمان... اليمنيون يدفعون ثمن الانقلاب الحوثي

الحوثيون زرعوا الألغام في الطرقات والمزارع ووسط التجمعات السكانية (إعلام محلي)
الحوثيون زرعوا الألغام في الطرقات والمزارع ووسط التجمعات السكانية (إعلام محلي)

كشف أحدث التقارير الأممية عن اتساع الكارثة الإنسانية في اليمن بصورة غير مسبوقة، بعد أكثر من عقد على انقلاب الجماعة الحوثية وإشعال الحرب، حيث باتت البلاد واحدة من أكثر دول العالم تلوثاً بالألغام التي زرعتها الجماعة، بالتزامن مع انهيار واسع في قطاعات التعليم والصحة والخدمات الأساسية، ودفع ملايين الأطفال إلى دائرة الفقر وسوء التغذية والحرمان من التعليم.

ووفق أحدث البيانات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، فإن أكثر من 4.5 مليون طفل يمني أصبحوا خارج مقاعد الدراسة، في وقت يواجه فيه ملايين الأطفال مخاطر الجوع والأمراض والعنف، بينما تتفاقم معاناة السكان نتيجة استمرار الحرب والانهيار الاقتصادي وتراجع المساعدات الإنسانية.

وأفاد التقرير الأممي بأن اليمن أصبح بعد سنوات من أكثر البلدان تلوثاً بالألغام التي زرعها الحوثيون في الطرقات والمزارع ومحيط التجمعات السكانية، وهو ما تسبب في سقوط آلاف الضحايا بين قتيل وجريح، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال.

41 في المائة من أطفال اليمن يعانون من نقص الوزن نتيجة سوء التغذية (الأمم المتحدة)

وأكد التقرير أن خطر الألغام لا يزال يهدد حياة المدنيين بصورة يومية، خصوصاً في المناطق الريفية وخطوط التماس بين المواقع الحكومية والحوثية، حيث تتسبب هذه المتفجرات في إعاقات دائمة وتشويه حياة كثير من الأطفال والأسر، فضلاً عن عرقلة عودة النازحين واستئناف الأنشطة الزراعية والتنموية.

وفي الوقت ذاته، يواجه قطاع التعليم انهياراً واسعاً؛ إذ لا يزال أكثر من 4.5 مليون طفل خارج المدارس، نتيجة النزوح والفقر وتدمير البنية التعليمية، واستخدام كثير من المدارس لأغراض غير تعليمية خلال سنوات الحرب.

وتقول المنظمة الأممية إن استمرار حرمان الأطفال من التعليم يهدد بظهور جيل كامل فاقد لفرص التعلم والعمل، ويزيد من مخاطر الاستغلال والتجنيد والانخراط في دوائر العنف، خصوصاً مع اتساع رقعة الفقر والانهيار الاقتصادي.

كما أشار التقرير إلى أن ملايين الأطفال باتوا معرضين لمخاطر متزايدة تشمل العنف والاستغلال والعمالة القسرية والزواج المبكر، إلى جانب الأخطار المباشرة الناتجة عن الذخائر المتفجرة والألغام المزروعة في مناطق واسعة من البلاد.

سوء تغذية وأمراض

بحسب التقرير الأممي، بلغت مؤشرات سوء التغذية في اليمن مستويات وصفت بأنها من الأعلى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يعاني 17 في المائة من الأطفال من الهزال، و49 في المائة من التقزم، فيما يعاني 41 في المائة من نقص الوزن نتيجة نقص الغذاء والرعاية الصحية.

وتتوقع الأمم المتحدة أن يعاني نحو نصف مليون طفل يمني من الهزال الشديد خلال العام الحالي، وهي حالات تهدد حياة الأطفال بصورة مباشرة وتتطلب تدخلات علاجية عاجلة، في وقت يعاني فيه القطاع الصحي من انهيار واسع ونقص حاد في التمويل والأدوية والمستلزمات الطبية.

وذكر التقرير أن طفلاً واحداً من بين كل 25 طفلاً في اليمن يموت قبل بلوغه سن الخامسة، نتيجة سوء التغذية والأمراض وضعف خدمات الرعاية الصحية، بينما يفتقر أكثر من 17.8 مليون شخص إلى خدمات الصحة والمياه والصرف الصحي والنظافة.

الحوثيون حولوا المدارس إلى مراكز لتغذية الأطفال بالأفكار المتطرفة وحمل السلاح (إعلام محلي)

كما يعاني ملايين اليمنيين من تدهور الأوضاع الاقتصادية بصورة حادة؛ إذ تشير تقديرات المنظمة الأممية إلى أن ما لا يقل عن 74 في المائة من السكان يعيشون حالياً تحت خط الفقر، في ظل ارتفاع معدلات التضخم وتراجع التحويلات المالية وتعطل الأنشطة التجارية ونقص الوقود.

وأكدت «يونيسف» أن التدهور الاقتصادي خلال العامين الماضيين، أدى إلى زيادة هشاشة الأسر اليمنية، وعجز كثير منها عن توفير الغذاء أو الرعاية الصحية أو التعليم لأطفالها، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على ارتفاع معدلات سوء التغذية والتسرب المدرسي وعمالة الأطفال.

وفي جانب آخر من الأزمة، أشار التقرير إلى أن 43 في المائة من الأطفال النازحين يفتقرون إلى شهادات الميلاد، الأمر الذي يحرمهم من كثير من الخدمات الأساسية، ويجعلهم أكثر عرضة للاستغلال والانتهاكات.

كما يوجد في اليمن أكثر من 5 ملايين شخص من ذوي الإعاقة، يشكل الأطفال نحو 21 في المائة منهم، وسط نقص حاد في خدمات الرعاية والتأهيل والدعم النفسي والاجتماعي.

الكوليرا والسيول

لم تتوقف معاناة اليمنيين عند الحرب والفقر والألغام؛ بل تفاقمت أيضاً بسبب انتشار الأوبئة والكوارث المناخية، حيث كشف التقرير عن استمرار تفشي الكوليرا في معظم مناطق البلاد.

وأوضح التقرير الأممي أن وباء الكوليرا كان قد أثر بحلول أواخر العام الماضي على نحو 98 في المائة من المناطق اليمنية، مع تسجيل أكثر من 93 ألف حالة اشتباه و248 وفاة، رغم أن الأرقام المسجلة تقل مقارنة بالعام السابق الذي شهد أكثر من 253 ألف حالة اشتباه و670 وفاة مرتبطة بالمرض.

وترجع المنظمات الإنسانية استمرار انتشار الكوليرا إلى انهيار شبكات المياه والصرف الصحي وضعف الخدمات الصحية وتلوث مصادر المياه، خصوصاً في المناطق المكتظة بالنازحين والفئات الأشد فقراً.

وفي موازاة ذلك، تسببت الأمطار الغزيرة والسيول المفاجئة في تدمير واسع للمنازل والبنية التحتية والأراضي الزراعية، وإغراق شبكات التصريف وقطع طرق الإمداد، ما أدى إلى زيادة معاناة مئات الآلاف من السكان.

وبحسب التقرير الأممي، فإن نحو 474 ألف شخص ظلوا معرضين لمخاطر سوء التغذية والأمراض والعوامل الجوية نتيجة الأضرار التي خلفتها السيول حتى نهاية العام الماضي، في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الوصول إلى المحتاجين بسبب تدهور الأوضاع الأمنية.

وأشار التقرير إلى أن تصاعد الصراع في بعض المناطق، خصوصاً شمال غربي اليمن الخاضع للحوثيين، أثر بشكل مباشر على العمليات الإنسانية، كما أن تراجع تمويل المانحين يضع ضغوطاً كبيرة على خطط الاستجابة الإنسانية، ويهدد بتقليص الخدمات المقدمة للفئات الأكثر ضعفاً.

خطط أممية

في مواجهة هذه الكارثة المتفاقمة، أكدت منظمة «يونيسف» أنها تعمل ضمن برنامج إنساني متعدد القطاعات يستهدف الفئات الأكثر ضعفاً، خصوصاً الأطفال والنساء والنازحين وذوي الإعاقة.

وقالت المنظمة إنها ستركز على تقديم تدخلات صحية وتغذوية عاجلة للأطفال الأكثر ضعفاً، وفي مقدمتهم المصابون بالهزال الشديد، إلى جانب تعزيز خدمات الرعاية الصحية الأولية والمياه والصرف الصحي والنظافة.

وتهدف التدخلات الإنسانية، وفق التقرير، إلى الوصول إلى أكثر من 1.4 مليون امرأة وطفل بخدمات الرعاية الصحية، وعلاج أكثر من 311 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد، فضلاً عن تقديم خدمات المياه والصرف الصحي والمساعدات الطارئة لمئات آلاف النازحين.

كما تعمل المنظمة الأممية على تنفيذ برامج للدعم النفسي والاجتماعي، وتعزيز مهارات الحياة للأطفال، والحد من الإصابات الناتجة عن الألغام ومخلفات الحرب، إلى جانب بناء قدرات المجتمعات المحلية وتحسين قدرتها على مواجهة الأزمات المتكررة.


غوتيريش يدفع نحو تسريع تنفيذ صفقة الأسرى اليمنية

جانب من الاجتماع الختامي لاتفاق تبادل الأسرى والمحتجزين في اليمن (رويترز)
جانب من الاجتماع الختامي لاتفاق تبادل الأسرى والمحتجزين في اليمن (رويترز)
TT

غوتيريش يدفع نحو تسريع تنفيذ صفقة الأسرى اليمنية

جانب من الاجتماع الختامي لاتفاق تبادل الأسرى والمحتجزين في اليمن (رويترز)
جانب من الاجتماع الختامي لاتفاق تبادل الأسرى والمحتجزين في اليمن (رويترز)

حظي الاتفاق الأخير الخاص بتبادل الأسرى والمحتجزين في اليمن بترحيب أممي، وسط آمال بأن يُشكّل أكبر اختراق إنساني في هذا الملف منذ سنوات مدخلاً لتحريك العملية السياسية المتعثرة، بعد إعلان التوصل إلى صفقة تشمل الإفراج عن أكثر من 1600 محتجز على خلفية النزاع.

وكانت الحكومة اليمنية والجماعة الحوثية قد توصلتا، الخميس، إلى اتفاق بعد مفاوضات استمرت نحو 14 أسبوعاً في العاصمة الأردنية عمّان برعاية الأمم المتحدة، واستندت إلى تفاهمات بدأت من مسقط أواخر العام الماضي، مروراً بجولات غير مباشرة في الرياض، قبل استكمال الاتفاق على الكشوفات وآليات التنفيذ.

ورحب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بالاتفاق، واصفاً إياه بأنه أكبر اتفاق من نوعه منذ اندلاع النزاع اليمني، داعياً الأطراف إلى الإسراع في تنفيذه بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر بما يضمن لمّ شمل العائلات في أقرب وقت.

وأكد بيان منسوب إلى المتحدث باسم الأمين العام أن الاتفاق يمثل ثمرة أسابيع من المفاوضات المباشرة التي احتضنتها الأردن برعاية الأمم المتحدة، مشدداً على ضرورة البناء على هذه الخطوة لتحقيق مزيد من الإفراجات وفق مبدأ «الكل مقابل الكل» المنصوص عليه في اتفاق ستوكهولم.

وجدد الأمين العام دعوته إلى الحوثيين للإفراج الفوري وغير المشروط عن موظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية المحتجزين تعسفياً، مؤكداً أن الأمم المتحدة ستواصل العمل عبر جميع القنوات المتاحة لضمان إطلاق سراحهم بصورة آمنة.

كما شدد البيان الأممي على ضرورة تمكين موظفي المنظمة الدولية، بمن فيهم اليمنيون، من أداء مهامهم بصورة مستقلة ومن دون عراقيل، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة واتفاقية الامتيازات والحصانات الخاصة بها.

وأعرب الأمين العام عن امتنانه للأردن لاستضافته جولة المفاوضات الأخيرة، كما شكر سلطنة عمان وسويسرا على استضافتهما جولات سابقة من المحادثات، إلى جانب تقديره للدور الذي اضطلعت به اللجنة الدولية للصليب الأحمر بصفتها شريكاً في رئاسة اللجنة الإشرافية لتنفيذ اتفاق إطلاق سراح الأسرى.

خطوة لتخفيف المعاناة

في الرياض، أشاد سفير السعودية لدى اليمن والمشرف على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، محمد آل جابر، بالاتفاق، مؤكداً أنه جاء بتوجيهات ومتابعة من القيادة السعودية، وبتعاون مع الحكومة اليمنية، إلى جانب جهود ومساعٍ وصفها بالصادقة من سلطنة عمان.

وقال آل جابر إن الاتفاق الذي تم تحت إشراف مكتب المبعوث الأممي واللجنة الدولية للصليب الأحمر سيمكن المحتجزين من العودة إلى أسرهم، مثنياً على جهود فريقي التفاوض من الطرفين في التوصل إلى تفاهم يعالج قضية ذات طابع إنساني.

وكان «تحالف دعم الشرعية في اليمن» قد أعلن توقيع اتفاق إطلاق سراح 1750 أسيراً ومحتجزاً من جميع الأطراف اليمنية وقواته، يشمل 27 من «التحالف»، بينهم 7 سعوديين.

اتفاق تبادل الأسرى والمحتجزين الأخير في اليمن هو الأوسع من نوعه (رويترز)

من جهته، قال رئيس الوفد الحكومي اليمني المفاوض، هادي هيج، إن ملف المختطفين والمخفيين قسراً ظل طوال السنوات الماضية أحد أكثر الملفات الإنسانية إيلاماً، نتيجة ما وصفه بالعراقيل والتعثرات التي واجهت جهود التفاوض.

وأوضح هيج أن الجولات السابقة كانت تقترب أحياناً من تحقيق تقدم، قبل أن تتراجع بسبب التعقيدات والخلافات، الأمر الذي جعل الوصول إلى الاتفاق الحالي عملية «شاقة ومعقدة».

واعتبر المسؤول الحكومي أن الاتفاق الأخير يمثل خطوة إنسانية مهمة من شأنها تخفيف جزء من المعاناة الممتدة منذ سنوات، خصوصاً في ظل ما يتعرض له المحتجزون داخل سجون الحوثيين، وفق تعبيره.

وأكد هيج أهمية البند المتعلق بالسياسي اليمني محمد قحطان، المغيب منذ أكثر من عقد، والذي نص على تشكيل لجنة مشتركة من الطرفين، بمشاركة أسرته و«الصليب الأحمر»، للكشف عن مصيره قبل تنفيذ الصفقة، مشدداً على أن قضيته تُعد من أبرز القضايا الإنسانية والوطنية التي لا يمكن تجاوزها.