دمشق تسعى لاستجرار الغاز من «الإدارة الذاتية» لتلبية احتياجاتها

وزارة النفط والثروة المعدنية لـ«الشرق الأوسط»: الاتفاق اقتصادي وسنستعيد موارد الطاقة

حقل رميلان النفطي في شمال شرقي سوريا بالقرب من الحدود مع تركيا (وكالة الأنباء الفرنسية)
حقل رميلان النفطي في شمال شرقي سوريا بالقرب من الحدود مع تركيا (وكالة الأنباء الفرنسية)
TT

دمشق تسعى لاستجرار الغاز من «الإدارة الذاتية» لتلبية احتياجاتها

حقل رميلان النفطي في شمال شرقي سوريا بالقرب من الحدود مع تركيا (وكالة الأنباء الفرنسية)
حقل رميلان النفطي في شمال شرقي سوريا بالقرب من الحدود مع تركيا (وكالة الأنباء الفرنسية)

تعاني سوريا من أزمة طاقة حادة منذ اندلاع الحرب في عام 2011؛ حيث أسفرت النزاعات المسلحة والعقوبات الاقتصادية الغربية عن تراجع كبير في إنتاج النفط والغاز، ما تسبَّب في نقص مزمن في إمدادات الكهرباء والوقود. وقد أصبحت حقول النفط والغاز في شمال شرقي سوريا، التي تُسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، و«الإدارة الذاتية»، المصدر الرئيسي للطاقة التي تحتاج إليها دمشق، إذ تحتوي تلك المنطقة على معظم الاحتياطي النفطي، الذي يُقدر إجماليه بنحو 2.5 مليار برميل، وفقاً لإحصاءات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وفي هذا الإطار، أكد الناطق الإعلامي باسم وزارة النفط والثروة المعدنية السورية، أحمد السليمان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن حكومة دمشق قررت استجرار الغاز من مناطق شمال شرقي سوريا، التي تُسيطر عليها ما تُسمى «الإدارة الذاتية».

تصريح السليمان تقاطع مع إعلان شخصيات وحسابات رسمية تابعة لـ«قسد» و«مجلس سوريا الديمقراطية (مسد)» التوصل إلى تفاهمات مع حكومة دمشق، بهدف الانضمام إلى الدولة الجديدة التي يرأسها أحمد الشرع.

ما طبيعة الاتفاق؟

تبلغ الكميات المستجرّة من الغاز نحو 500 ألف متر مكعب يومياً، ويتم تحديد حجم الاستجرار وفقاً لإنتاج الآبار وحاجة الشبكة الكهربائية.

وفي هذا السياق، قال السليمان: «إن وزارة النفط تبذل جهوداً كبيرة لتأمين إمدادات الغاز الضرورية لتشغيل محطات توليد الطاقة الكهربائية». وعَدَّ أن الاتفاق مع «الإدارة الذاتية» يأتي «في إطار التوجه الحكومي نحو معالجة أزمات الطاقة وتأمين احتياجات البلاد من الغاز»، وتابع: «نسعى لتحقيق ذلك بما يضمن مصالح الشعب السوري».

وخلق هذا الاتفاق، فور التسريبات الأولى عنه، حالةً من التساؤل في الشارع السوري تجاه دوافع الحكومة للتعامل مع «الإدارة الذاتية»، في وقت لم تعترف بحكومة دمشق بشكل مطلق وتسلمها كامل ما تسيطر عليه من مقدرات البلاد، إلى جانب التكهن الواسع بالمكاسب التي من الممكن أن تكون حققتها «الإدارة الذاتية» سياسياً من دمشق.

وعلَّق السليمان على هذا الوضع قائلاً: «أي اتفاق يتم التوصل إليه يبقى في إطاره الاقتصادي الذي تتحقق من خلاله مصالح الشعب السوري وتلبية احتياجاته». وأكد أن «الحكومة السورية تسعى لاستعادة جميع مواردها الطبيعية، واستقرار البلاد، وتلبية احتياجات الشعب».

تحديات الطاقة تُقيِّد حكومة دمشق

منذ تسلمها إدارة البلاد، بعد سقوط نظام بشار الأسد المخلوع، في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تسعى الإدارة الجديدة إلى التخفيف من المشكلات الخدمية التي ورثتها.

وحول أهمية تأمين الخدمات والقيود على الوزارة التي يعمل بها، قال السليمان: «ملف الطاقة يُعدُّ من الأولويات القصوى للحكومة السورية الجديدة، ووزارة النفط تدرك تماماً التحديات الكبيرة التي تواجهها في هذا المجال».

وأضاف أن «الوزارة تعمل على تطوير استراتيجيات شاملة تهدف إلى تأمين مصادر الطاقة المتاحة، في حين تقوم القيادة بالتفاوض مع الأطراف ذات الصلة لاستعادة السيطرة على حقول النفط والغاز، وضمان تلبية احتياجات المواطنين من الطاقة».

وأشار المتحدث إلى الخطط التي تُعدها وزارة النفط والثروة المعدنية في حال تسلمها إدارة موارد الطاقة في شمال شرقي سوريا، موضحاً أن «وزارة النفط لديها خطط طموحة لتأهيل وتطوير البنية التحتية، وتعتمد على التكنولوجيا الحديثة، والكوادر الوطنية، لتحقيق الاستفادة القصوى من هذه الموارد، كما ستسعى الوزارة إلى جذب الاستثمارات المحلية والدولية للمساهمة في تطوير قطاع الطاقة، الأمر الذي سيسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين».

وسعت وزارة النفط والثروة المعدنية أكثر من مرة إلى إعلان مناقصات لتوريد النفط الخام من خارج سوريا، إلا أنها لم تنجح في الحصول على طلبات بسبب قيود الدفع؛ حيث تخضع البنوك السورية للعقوبات الغربية.

ورغم الحاجة الكبيرة، استمرت وزارة النفط في توزيع الغاز المنزلي عبر ما يُسمى «البطاقة الذكية»، لكنها رفعت سعر الأسطوانة إلى نحو 12.28 دولار، إلا أنه متوفر دائماً في الأسواق، بينما كان سعره في عهد النظام المخلوع نحو دولار ونصف الدولار، ولا يتوفر إلا مرة كل 3 أشهر. لكن ربما يكون هناك بصيص من الأمل في هذا الملف؛ حيث نقلت وكالة «رويترز» يوم الخميس عن الاتحاد الأوروبي عزمه تعليق بعض العقوبات المفروضة على دمشق، والمتعلقة بتوريد الطاقة، وآليات السداد المصرفي.


مقالات ذات صلة

الصين وتركمانستان تطلقان مشروع توسعة ثاني أكبر حقل غاز في العالم

الاقتصاد تصدّر تركمانستان التي تمتلك رابع أكبر احتياطي غاز في العالم معظم إنتاجها إلى الصين (إكس)

الصين وتركمانستان تطلقان مشروع توسعة ثاني أكبر حقل غاز في العالم

أطلقت تركمانستان والصين، أعمال توسعة الإنتاج في حقل غاز «غالكينيش» العملاق، ما يعزز مكانة بكين في قطاع الطاقة في هذه الدولة الواقعة في آسيا الوسطى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أدت حرب إيران إلى تعطيل 17 % من طاقة قطر التصديرية للغاز الطبيعي المسال (رويترز)

5 سفن قطرية محملة بالغاز الطبيعي تقترب من مضيق هرمز

أظهرت بيانات تتبع السفن، اليوم السبت، أن خمس سفن محملة بالغاز الطبيعي المسال قادمة من رأس لفان في قطر تقترب من مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد نموذج لأنبوب غاز طبيعي وعلم تركيا (رويترز)

تركيا: عقد الغاز مع إيران ينتهي قريباً ولا محادثات لتمديده بعد

قال وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار، السبت، إن العقد الذي ينظم تدفقات الغاز الطبيعي من إيران إلى تركيا من المقرر أن ينتهي في الأشهر المقبلة.

«الشرق الأوسط» (أنطاليا)
شمال افريقيا رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

تتسارع الجهود الأوروبية بشكل لافت خلال الأسابيع الأخيرة لدفع الجزائر نحو لعب دور «دركي المتوسط» يتولى مهمة لجم تدفقات الهجرة السرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الاقتصاد منصات حقول نفط في بحر الشمال بالنرويج التي تعدّ أكبر مورد للغاز الطبيعي في أوروبا ومنتجاً رئيسياً للنفط (رويترز)

قيمة صادرات النفط النرويجي ترتفع لمستوى قياسي جراء حرب إيران

ارتفعت قيمة صادرات النفط الخام في النرويج لمستوى قياسي خلال الشهر الماضي بسبب حرب إيران، مما ساعد في ارتفاع الفائض التجاري لأعلى مستوى منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)

«وكالة الطاقة» تقترح إنشاء خط أنابيب بين العراق وتركيا لتجاوز مضيق هرمز

خزانات نفط في ميناء «جيهان» التركي على البحر الأبيض المتوسط (رويترز)
خزانات نفط في ميناء «جيهان» التركي على البحر الأبيض المتوسط (رويترز)
TT

«وكالة الطاقة» تقترح إنشاء خط أنابيب بين العراق وتركيا لتجاوز مضيق هرمز

خزانات نفط في ميناء «جيهان» التركي على البحر الأبيض المتوسط (رويترز)
خزانات نفط في ميناء «جيهان» التركي على البحر الأبيض المتوسط (رويترز)

اقترح المدير التنفيذي لـ«وكالة الطاقة الدولية»، فاتح بيرول، إنشاء خط أنابيب نفط جديد يربط حقول النفط في البصرة بالعراق، بمحطة «جيهان» النفطية التركية على البحر المتوسط؛ بهدف تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، وفق ما نقلته صحيفة «حرييت» التركية الأحد.

وأضاف بيرول: «أعتقد أن (خط أنابيب البصرة - جيهان) سيكون مشروعاً جذاباً للغاية ومهماً جداً لكل من العراق وتركيا، وكذلك لأمن الإمدادات في المنطقة، خصوصاً من وجهة نظر أوروبا».

وقال بيرول: «أعتقد أيضاً أنه يمكن التغلب على مشكلة التمويل. الآن هو الوقت المناسب تماماً». وتابع بيرول: «لقد انكسرت المزهرية مرة، ومن الصعب جداً إصلاحها»، في إشارة إلى مضيق هرمز.

وأوضح بيرول أن «خط أنابيب النفط الجديد يعدّ ضرورة للعراق، وفرصة لتركيا، كما أنه يمثل فرصة كبيرة لأوروبا بشأن أمن الإمدادات. وأعتقد أنه ينبغي عدّ هذا المشروع استراتيجياً».

وتسببت حرب إيران في تعطل مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية؛ مما أدى إلى نقص في الإمدادات رفع الأسعار لمستويات قياسية.

ولدى العراق وتركيا «خط أنابيب كركوك - جيهان»، وهو ممر استراتيجي لنقل النفط الخام من شمال العراق إلى ميناء «جيهان» التركي، بدأ تشغيله عام 1976.

ويسعى العراق حالياً لإعادة تأهيله لتجاوز مشكلات التصدير، مع مقترحات بإنشاء خط جديد من البصرة إلى «جيهان» بوصفه بديلاً آمناً لمضيق هرمز ولتعزيز أمن الطاقة الأوروبي. وهو ما اقترحه بيرول الأحد.


28 مليار دولار تقود «الهجرة العكسية» نحو الأسواق الأميركية

متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

28 مليار دولار تقود «الهجرة العكسية» نحو الأسواق الأميركية

متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)

يشهد المشهد الاستثماري العالمي حالياً زلزالاً في التوجهات، حيث أدى إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في أوائل أبريل (نيسان) 2026 إلى إعادة إحياء ما يعرف بتداولات «TINA» (There Is No Alternative لا بديل سوى الأسهم الأميركية). هذا التحول لم يكن مجرد رد فعل لحظي، بل أطاح باستراتيجية «TIARA» (There Is A Real Alternative هناك بديل حقيقي) التي سادت مطلع العام، حين حاول المستثمرون الهروب من الأسواق الأميركية نحو أوروبا وآسيا بحثاً عن تقييمات أرخص وعوائد مدعومة بضعف الدولار.

لقد كان إعلان الرئيس دونالد ترمب في السابع من أبريل بمثابة نقطة التحول؛ فمنذ ذلك التاريخ، تدفقت نحو 28 مليار دولار إلى الأسهم الأميركية، ما يعكس ثقة متجددة في «المحرك الأميركي» الذي أثبت قدرة فائقة على عزل نفسه عن صدمات الطاقة العالمية، وفق «رويترز».

وفي هذا السياق، يضع مايكل براون، الاستراتيجي الاستثماري العالمي في معهد «فرانكلين تمبلتون»، تفسيراً هيكلياً لهذا الاندفاع، معتبراً أن العالم واجه مؤخراً صدمته الخارجية الرابعة في غضون ست سنوات فقط. ويرى براون أنه «بالنظر إلى طبيعة هذه الصدمة، فليس من المستغرب أن يعود المستثمرون إلى الاقتصاد الذي حقق أفضل أداء على المدى الطويل جداً، وهو الاقتصاد الذي يستثمر بكثافة في المدى القصير ويحقق أفضل مجموعة من النتائج».

هذه العودة لم تكن مدفوعة بالعواطف، بل بالأرقام؛ فقد أظهر مؤشر «ستاندرد آند بورز» صموداً استثنائياً بارتفاعه بنسبة 2 في المائة فوق مستويات ما قبل الحرب، متجاوزاً حاجز الـ7 آلاف نقطة في قفزة تاريخية. وفي مقابل هذا الزخم الأميركي، تدفع الأسواق الأوروبية والآسيوية ضريبة قاسية؛ حيث شهدت صناديق الأسهم الأوروبية نزوحاً بقيمة 4.7 مليار دولار، وهو الأكبر منذ عام 2024. وهنا، يشير براون إلى حقيقة جيوسياسية مهمة، وهي أن تداعيات الحرب واضطراباتها ستمارس ضغوطاً أكبر بكثير على الاقتصادات الأوروبية والآسيوية مقارنة بالاقتصاد الأميركي، الذي يستفيد من كونه «مصدّراً صافياً للطاقة»، مما يمنحه حصانة استراتيجية تفتقر إليها القارة العجوز واليابان.

وعلى صعيد الأرباح، تظهر الفجوة بوضوح؛ إذ يُتوقع لشركات مؤشر «ستاندرد آند بورز» تحقيق نمو في الأرباح بنسبة تقارب 14 في المائة، مدفوعة بمرونة قطاع التكنولوجيا، بينما يقتصر نمو الشركات الأوروبية على 4.2 في المائة، يعود معظمها لقطاع النفط والغاز.

هذا الفارق الشاسع في الأداء التشغيلي جعل كبرى بنوك الاستثمار ترفع تصنيف الأسهم الأميركية إلى «وزن زائد»، في اعتراف ضمني بأن الاقتصاد الأميركي يظل الوجهة الأكثر أماناً وقوة في مواجهة الصدمات الخارجية المتلاحقة.

وقد أكد صندوق النقد الدولي هذه الرؤية بتعديل توقعاته للنمو؛ فبينما خفض نمو منطقة اليورو بشكل ملحوظ ليصل إلى 1.1 في المائة، حافظ الاقتصاد الأميركي على زخم متوقع عند 2.3 في المائة. إن المشهد اليوم يلخصه استراتيجيون عالميون في عبارة واحدة: «بعد أربع صدمات عالمية في ست سنوات، من الطبيعي أن يعود المال إلى الاقتصاد الذي يثبت دوماً أنه الأفضل أداءً والأكثر قدرة على الاستثمار في المستقبل».


«فالابوروا» بجنوب أفريقيا... سلاح واشنطن لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة

جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)
جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)
TT

«فالابوروا» بجنوب أفريقيا... سلاح واشنطن لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة

جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)
جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)

في قلب مدينة فالابوروا بجنوب أفريقيا، تبرز تلال رملية عملاقة لا تمثل مجرد مخلَّفات لمصنع كيماويات قديم، بل تتحول اليوم إلى ساحة معركة مفصلية في الحرب الباردة التكنولوجية بين واشنطن وبكين. ورغم سحب التوتر الدبلوماسي التي تخيم على العلاقات الثنائية، فإن إدارة ترمب اختارت مساراً براغماتياً حاسماً باستثمار 50 مليون دولار في مشروع استخراج العناصر الأرضية النادرة من النفايات الصناعية. ويعكس هذا التوجه إدراكاً أميركياً عميقاً بأن تحصين سلاسل التوريد للصناعات العسكرية والتقنية هو ضرورة استراتيجية تسمو فوق الخلافات السياسية العابرة، في محاولة جادة لكسر قبضة الصين الاحتكارية على هذه المعادن التي تمثل الشريان الحيوي للصناعات الدفاعية، الروبوتات، والسيارات الكهربائية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

استثمار «كنوز النفايات» بدل المناجم

يرتكز مشروع «فالابوروا» على رؤية تقنية مبتكرة تقلب موازين التعدين التقليدي؛ حيث يستهدف تلك «الكثبان الصناعية» التي تضم 35 مليون طن من مادة «الفوسفوجيبسوم» الناتجة عن معالجة الفوسفات والأسمدة. وتكمن الميزة التنافسية الكبرى في أن هذه المواد قد خضعت تاريخياً لعمليات سحق وتسخين، مما يوفر على المستثمرين المراحل الأكثر استهلاكاً للطاقة والتكلفة في التعدين التقليدي.

وبفضل هذا الإرث الصناعي، يطمح المشروع لإنتاج عناصر نادرة بتكلفة منخفضة تضاهي الأسعار الصينية، مع الالتزام بمعايير بيئية صارمة تعتمد على الطاقة المتجددة بنسبة 90 في المائة في عمليات الاستخراج كافة.

جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)

المعادن النادرة

لا تبحث واشنطن في رمال جنوب أفريقيا عن عوائد مالية فحسب، بل تسعى لتأمين خمسة عناصر أساسية، يتصدرها النيوديميوم، والديسبروسيوم، والتربيوم. فهذه العناصر هي حجر الزاوية في صناعة المغناطيسات فائقة الأداء التي تشغل محركات المستقبل؛ من توربينات الرياح والسيارات الكهربائية وصولاً إلى أنظمة الدفاع الصاروخي المتقدمة. ومع استهداف شركة «رينبو رير إيرثز» لبدء التشغيل الفعلي في عام 2028، ستضمن الولايات المتحدة تدفقاً مستداماً لهذه المواد بعيداً عن تقلبات القرار في بكين، وهو ما يدعم استراتيجية ترمب الشاملة التي خصصت 12 مليار دولار لبناء احتياطي استراتيجي من المعادن الحرجة.

الالتفاف الدبلوماسي لحماية الأمن القومي

يكشف الإصرار على دعم هذا المشروع، رغم الأوامر التنفيذية القاضية بوقف المساعدات المالية لجنوب أفريقيا، عن عمق القلق الأميركي من التبعية التقنية للصين. وبما أن حكومة جنوب أفريقيا لا تملك حصة مباشرة في المشروع، وجدت واشنطن مخرجاً دبلوماسياً عبر دعم شركة «تيكميت» الشريكة، لضمان وصول هذه الموارد إلى المصانع الأميركية. هذا التحرك يجعل من «فالابوروا» ركيزة أساسية في حماية الأمن القومي الأميركي ضد أي تقلبات في المشهد السياسي الدولي أو ضغوط جيوسياسية محتملة.

السباق الأفريقي الكبير

لا يمثل مشروع جنوب أفريقيا سوى قطعة واحدة في أحجية استراتيجية كبرى ترتبها واشنطن عبر القارة السمراء لمزاحمة النفوذ الصيني المتغلغل. فمن تمويل دراسات الجدوى في مناجم موزمبيق، إلى تطوير «ممر لوبيتو» للسكك الحديدية لربط مناجم الكونغو وزامبيا بالموانئ الأطلسية، تبدو الولايات المتحدة في حالة استنفار شامل لاستعادة المبادرة.

لن يكون نجاح «فالابوروا» المرتقب مجرد انتصار تقني، بل سيثبت للعالم أن الابتكار في استغلال النفايات الصناعية يمكن أن يعيد رسم خريطة القوة التكنولوجية العالمية، انطلاقاً من كثبان جنوب أفريقيا.