طلاب مصريون عصفت بهم أزمات دولية يندمجون في مسارات تعليمية بديلة

منح جديدة لمستفيدي «الوكالة الأميركية» بعد استيعاب العائدين من السودان وأوكرانيا

طلاب يدرسون في الجامعة الأميركية بالقاهرة (صفحة الجامعة - فيسبوك)
طلاب يدرسون في الجامعة الأميركية بالقاهرة (صفحة الجامعة - فيسبوك)
TT

طلاب مصريون عصفت بهم أزمات دولية يندمجون في مسارات تعليمية بديلة

طلاب يدرسون في الجامعة الأميركية بالقاهرة (صفحة الجامعة - فيسبوك)
طلاب يدرسون في الجامعة الأميركية بالقاهرة (صفحة الجامعة - فيسبوك)

غداة إعلان وزارة التعليم العالي في مصر توفير منح دراسية بديلة لطلاب «الوكالة الأميركية للتنمية»، المتضررين من قرار من الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجميد برامج الوكالة، استقبلت الطالبة ميار، التي ستدرس الطاقة الشمسية، رسالة عبر البريد الإلكتروني بترشحها لمنحة أخرى في الجامعة الألمانية بالقاهرة.

عبرت ميار في اتصال مع «الشرق الأوسط» بصوت يغلبه الحماس، عن «امتنانها لسرعة تدارك القرار الأميركي بوقف المنح، من دون أن يتأثر مصيرها الدراسي».

وتسبب إعلان الإدارة الأميركية في 24 يناير (كانون الثاني) الماضي، تجميد البرامج المختلفة للوكالة الأميركية للتنمية، في أزمة للمستفيدين من مشاريع هذه الوكالة، ومن بينهم «طلاب الثانوية العامة المتفوقون في مصر ممن حصلوا على منح دراسية».

وزير التعليم العالي المصري أيمن عاشور خلال اجتماع أون لاين مع مسؤولي عدد من الجامعات لبحث أزمة وقف المنح الأميركية (وزارة التعليم العالي)

وأعلنت وزارة التعليم العالي في بيان، السبت الماضي، توفير منح دراسية بديلة للطلاب الذين كان من المقرر قبولهم بالفصل الدراسي الثاني من العام الجامعي الحالي للدراسة بالجامعة الأميركية لأول مرة، وعددهم 56 طالباً، وذلك في «أفرع الجامعات الأجنبية بالعاصمة الإدارية الجديدة، وبالجامعات الأوروبية في مصر، والجامعات الكندية، بالإضافة إلى الجامعة الألمانية بالقاهرة، والجامعة البريطانية».

ولن تقتصر المنح على الطلاب الذين كانوا على وشك بدء الدراسة الأكاديمية في البرامج التعليمية بالمنحة، لكن أيضاً الطلاب في البرامج التأهيلية، وفق الوزارة، التي أكدت «توفير منح بديلة للطلاب الملتحقين حالياً بالبرامج التأهيلية، استعداداً لقبولهم للدراسة بالجامعة الأميركية العام الجامعي المقبل وعددهم 66 طالباً، وذلك حال رغبتهم في الحصول على منح بديلة بالجامعات، مع بدء العام الدراسي».

وتأتي الإجراءات الأخيرة استكمالاً للحلول التي بدأت في 28 يناير الماضي، حين أعلنت وزارة التعليم العالي، تكفلها «بجميع المخصصات والمصروفات الدراسية للطلاب المُلتحقين بالجامعات المصرية عبر منح مقدمة من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وعددهم 1077 طالباً».

وينخرط هؤلاء الطلاب في برامج تعليمية خاصة بـ10 جامعات،877 طالباً منهم بالجامعات المصرية، و200 طالب بالجامعة الأميركية بالقاهرة، والأخيرة أعربت عن التزامها بتحمل نفقات الطلاب فيها حتى نهاية الفصل الدراسي الثاني، في يونيو (حزيران) 2025.

وخلال اجتماع لمجلس الجامعات، الأربعاء، أكدت وزارة التعليم العالي، استمرار العمل بالطريقة ذاتها لدمج الطلاب في الجامعات المصرية العائدين من روسيا وأوكرانيا والسودان.

ويرى الخبير التربوي المصري محمد كمال أن سرعة تعامل الحكومة المصرية مع أزمة المنح الأميركية كانت سبباً في الخروج منها دون خسائر تؤثر على المسيرة التعليمية لهؤلاء الطلاب، مشيراً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هذه المنح تُقدم للطلاب المتفوقين غير القادرين على تحمل تكلفة الدراسة في الجامعات الأجنبية، ومن ثم فإن تدخل الدولة كان السبيل الوحيد أمامهم لاستكمال دراستهم فيها.

الجامعة الألمانية في القاهرة (السفارة الألمانية بالقاهرة)

ويعد كمال نجاح وزارة التعليم العالي المصرية في التعامل مع الأزمة امتداداً للتعامل مع أزمات أخرى واجهت طلاباً مصريين بسبب أحداث دولية، مستشهداً بالحرب الروسية – الأوكرانية، حين استعادت مصر طلابها الدارسين في أوكرانيا، ودمجتهم في جامعاتها بعدما استحدثت اختباراً لتحديد قدراتهم، في ظل اختلاف طبيعة الدراسة بين البلدين، ثم تكرر الأمر نفسه في الحرب السودانية.

وكان 3220 طالباً مصرياً يدرسون في أوكرانيا وقت اندلاع الحرب في فبراير (شباط) 2022، فضلاً عن نحو 3 آلاف طالب مصري كانوا يدرسون في السودان خلال اندلاع المواجهة المسلحة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، حسب تقديرات حكومية رسمية.

وتثني النائبة في لجنة التعليم والبحث العلمي في مجلس النواب (البرلمان) جيهان البيومي، على إدارة الحكومة المصرية للأزمات التعليمية المتعلقة بالأحداث العالمية والتجاذبات الدولية قائلة لـ«الشرق الأوسط»، إن «معظم الأزمات التي ظهرت خلال الفترات المتلاحقة الماضية تم التعامل معها بشكل جيد».

وأضافت: «من الملاحظ، حتى مع اختلاف أسماء الوزراء المعنيين، أن حل الأزمة يأتي أولوية».

وذكّر قلق طلاب المنح الأميركية على مسيرتهم التعليمية خلال الأيام الماضية، طالب الطب زهران عبد الفتاح، بالأزمة التي عاشها عقب اندلاع الحرب الروسية.

يقول عبد الفتاح لـ«الشرق الأوسط»، وهو حالياً يدرس في العام السادس بكلية الطب «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»: «رغم الارتباك الذي بدا أول الأمر عند التعامل مع قضيتهم، سرعان ما تم اتخاذ إجراءات بشأنهم، وخضع للاختبار التقييمي، وانتظم في الدراسة في العام نفسه الذي كان يدرس فيه بأوكرانيا»، مؤكداً امتنانه لاستكمال دراسته في مصر رغم أنها «أصعب من نظيرتها في أوكرانيا»، لكنها «تُخرج طبيباً قادراً على المنافسة في أي مكان».

على النقيض، لم يجد الطالب المصري محمد مصطفى، الذي كان يدرس بالسودان، صعوبة في دخول جامعة مصرية بعد استحالة العودة إلى السودان عند اندلاع الحرب، حيث كان في زيارة لعائلته بمصر.

يقول والده المحامي مصطفى مسعود لـ«الشرق الأوسط» إن نجله خضع لامتحان تحديد المستوى، ودخل كلية الطب في جامعة «بنها الأهلية» في العام الدراسي ذاته الذي كان فيه عند اندلاع الحرب، وهو الصف الثاني، مؤكداً أن الدراسة هنا أفضل من حيث المصاريف الأقل والقرب من عائلته.


مقالات ذات صلة

الفساد بسوريا تراجع لكن لم يتوقف... والأمل في «أجيال النزاهة»

المشرق العربي حضور طلابي واسع في تدشين حملة «أجيال النزاهة» من على مدرج جامعة دمشق (سانا)

الفساد بسوريا تراجع لكن لم يتوقف... والأمل في «أجيال النزاهة»

رغم الجهود الحثيثة من «الهيئة العامة للرقابة والتفتيش» بسوريا لمعالجة تركة الفساد الهائلة التي خلفها النظام السابق بالمؤسسات الحكومية، فإن الظاهرة لم تنته بعد.

سعاد جرَوس (دمشق)
شؤون إقليمية قوات من الشرطة التركية تتدخّل خلال اعتصام المعلمين (اتحاد نقابات المعلمين - «إكس»)

تركيا: إصابة واعتقال عشرات المعلمين في صدام مع الشرطة

وقعت صدامات عنيفة بين الشرطة التركية ومعلمين حاولوا عقد مؤتمر صحافي أمام مقر البرلمان في أنقرة، ما أسفر عن إصابة عدد منهم، واعتقال عشرات آخرين.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا إحدى لجان امتحانات الثانوية العامة في مصر عام 2024 (وزارة التربية والتعليم)

أزمة «التسريبات» تطغى على امتحانات الشهادات المصرية

قبل أيام من انطلاق امتحانات الثانوية العامة في مصر، طفت أزمة تسريب الامتحانات على السطح بعد وقائع تداول الامتحانات إلكترونياً خلال اختبارات الشهادة الإعدادية.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا حميدتي يقرع جرس الامتحانات الموازية في مدينة نيالا صباح الأحد (إعلام «تأسيس»)

امتحانات موازية في السودان تُعمّق مخاوف الانقسام

انطلاق امتحانات الشهادة الثانوية في مناطق سيطرة «تأسيس» بدارفور وكردفان يثير مخاوف من ترسيخ الانقسام الإداري والسياسي في السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا نواب البرلمان المصري في أثناء عرض برنامج الحكومة (مجلس الوزراء المصري)

مصر لزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم... هل استوفت الاستحقاقات الدستورية؟

أقرت الحكومة المصرية زيادات بموازنة قطاعي التعليم والصحة للعام المالي الجديد، التي يبدأ العمل بها مطلع يوليو (تموز) المقبل.

أحمد جمال (القاهرة)

انتشال جثث 16 مهاجراً كانوا على متن قارب انقلب قبالة سواحل ليبيا

أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)
أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)
TT

انتشال جثث 16 مهاجراً كانوا على متن قارب انقلب قبالة سواحل ليبيا

أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)
أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)

أعلنت جهات الإنقاذ البحري الليبية مساء الجمعة العثور على 16 جثة وإنقاذ 10 مهاجرين أحياء عقب غرق قارب هجرة غير نظامية كان يقل 61 شخصا قبالة الساحل الشرقي للبلاد، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا خلال الساعات المقبلة.

وقال مكتب الإنقاذ البحري بأمن السواحل طبرق ومؤسسة العابرين لمساعدة المهاجرين، بحسب وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، إن عمليات البحث لا تزال مستمرة، محذرين من احتمال وصول المزيد من الجثث إلى المنطقة الساحلية الممتدة من شاطئ العقيلة شرقا إلى عين الغزالة شرق ليبيا نتيجة الحادث.

وفي حادث منفصل غرب البلاد، تمكنت فرق الإنقاذ من إنقاذ 15 مهاجرا بعد انقلاب قاربهم قبالة سواحل مدينة الخمس، في عملية استجابة سريعة شارك فيها صيادون محليون وخفر السواحل الليبي.

وبحسب المصادر، بادر الصيادون المتواجدون بالقرب من موقع الحادث إلى انتشال المهاجرين من المياه وتقديم المساعدة الأولية لهم قبل وصول وحدات خفر السواحل التي استكملت عملية الإنقاذ ونقلت الناجين إلى الشاطئ.

وأوضحت السلطات أن المهاجرين الذين تم إنقاذهم تلقوا الرعاية الطبية اللازمة، فيما يبرز الحادثان مجددا المخاطر الكبيرة التي تواجه المهاجرين غير النظاميين خلال رحلات العبور عبر البحر المتوسط انطلاقا من السواحل الليبية.


الأُبَيِّض مهددة بمصير الفاشر

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
TT

الأُبَيِّض مهددة بمصير الفاشر

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)

لم تمض ساعات على الدعوات التي وجهتها الأمم المتحدة و29 دولة في جنيف يوم الخميس، إلى «قوات الدعم السريع» لوقف هجومها على مدينة الأُبَيِّض، حتى غرقت عاصمة ولاية شمال كردفان في الظلام بعد استهداف محطة الكهرباء الرئيسية بطائرة مسيّرة، في أحدث حلقات الهجمات التي تتعرض لها المدينة منذ أيام، أدت لقتل العشرات.

وتزداد المخاوف من تكرار سيناريو الفاشر التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع» العام الماضي بعد أشهر من الحصار.

ودعت الأمم المتحدة، و29 دولة خلال اجتماع للجنة حقوق الإنسان بجنيف الخميس، «قوات الدعم السريع» إلى وقف «هجوم وشيك» تعتزم شنّه على المدينة، محذّرةً من عواقب كارثية على المدنيين. وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن «قلقه» إزاء التقارير عن نشر «قوات الدعم السريع» تعزيزات عسكرية كبيرة حول المدينة، «ما قد يشير إلى هجوم بري وشيك»، وفق ما أفاد المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك.


الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
TT

الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)

لم تمض ساعات على الدعوات التي وجّهتها الأمم المتحدة وعدد من الدول الغربية، لـ«قوات الدعم السريع» لوقف هجومها على مدينة الأبيض، حتى غرقت عاصمة ولاية شمال كردفان في الظلام بعد استهداف محطة الكهرباء الرئيسية بطائرة مسيرة، في أحدث حلقات الهجمات التي تتعرض لها المدينة منذ أيام.

وأفادت مصادر محلية بأن مسيرة استراتيجية تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، قصفت المحطة التحويلية للكهرباء في وقت متأخر من ليل الخميس، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي بالكامل عن المدينة، قبل أن يتجدد القصف صباح الجمعة على مواقع أخرى داخل الأبيض.

وبالنسبة لسكان المدينة، المعروفة سودانياً باسم «عروس الرمال»، لم يكن انقطاع الكهرباء سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الضغوط التي تعيشها الأبيض منذ أسابيع، فخلال الأيام الماضية تعرضت لهجمات مكثفة بالطائرات المسيرة. أسفرت، بحسب مصادر محلية، عن مقتل أكثر من 40 مدنياً وإصابة العشرات، كما استهدفت محطات الوقود وشاحنات الإمداد ومواقع مدنية وعسكرية، ما أدى إلى حالة متزايدة من القلق والخوف بين السكان.

استهداف منازل في مدينة الأبيض (متداولة على منصات التواصل الاجتماعي)

وبحسب الشهود المحليين، لا تزال الطائرات المسيرة تحلق بصورة مستمرة في سماء المدينة، الأمر الذي جعل الترقب جزءاً من الحياة اليومية. ويقول مواطنون إنهم باتوا يتابعون حركة المسيرات وأصواتها أكثر من متابعتهم للأخبار في التلفزيون وشاشات الجوالات الذكية، فيما فضّل بعض السكان تقليص تحركاتهم أو البقاء داخل المنازل خشية التعرض لهجمات مفاجئة، خاصة بعد تكرار استهداف مواقع مدنية وخدمية خلال الأيام الأخيرة.

مخاوف من سيناريو الفاشر

وتزداد هذه المخاوف بسبب ما حدث في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع» العام الماضي، بعد أشهر من الحصار والاستنزاف العسكري، ومنذ ذلك الوقت، بات اسم الفاشر حاضراً في كل نقاش يتعلق بمصير الأبيض، خاصة مع تصاعد الهجمات واستمرار الضغوط على المدينة.

وتقع الأبيض على بعد نحو 411 كيلومتراً من الخرطوم، وتشكل حلقة الوصل الرئيسية بين إقليم دارفور ووسط السودان، كما تضم مقر الفرقة الخامسة مشاة «الهجانة» (أخذت اسمها من كون الجنود كان يستخدمون الإبل أو الهجن في العمليات العسكرية)، وتعدّ إحدى أهم الوحدات العسكرية التابعة للجيش السوداني. غير أن أهمية الأبيض لا تنبع من موقعها العسكري فحسب، بل من مكانتها الاقتصادية والسياسية واللوجستية أيضاً، فالمدينة تقع في قلب السودان تقريباً، وتشكل نقطة التقاء بين أقاليم دارفور وكردفان ووسط البلاد، ما جعلها عبر عقود مركزاً رئيسياً للتجارة والنقل وحركة البضائع.

وتشتهر الأبيض بأنها تضم أكبر سوق للصمغ العربي في العالم، كما تعد أكبر سوق للحبوب الزيتية في السودان، الأمر الذي منحها ثقلاً اقتصادياً يتجاوز حدود ولاية شمال كردفان.

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (رويترز)

كما ترتبط المدينة بشبكة طرق وسكة حديدية وخطوط إمداد حيوية تربط غرب البلاد بشرقها، ما يجعلها مركزاً مهماً لحركة التجارة والتموين والنقل. وإلى جانب ذلك، تمثل الأبيض مركزاً إدارياً وسياسياً بارزاً في إقليم كردفان، وتحتفظ برمزية تاريخية جعلتها واحدة من أكثر المدن تأثيراً في غرب السودان. وتفسر هذه الأهمية سبب تحول المدينة إلى هدف رئيسي في المعارك الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع». فبالنسبة للجيش، تمثل الأبيض قاعدة رئيسية لأي عمليات عسكرية حالية أو مستقبلية في كردفان ودارفور، كما تشكل خط الدفاع الأهم عن وسط السودان.

الأبيض لن تسقط

وفي هذا السياق، قال رئيس هيئة الأركان السابق للجيش السوداني، الفريق أول هاشم عبد المطلب، لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات الدعم السريع» تسعى من خلال هجماتها إلى تعطيل الجيش ومنعه من التقدم نحو إقليم دارفور، لكنه يستبعد أن تنجح المسيرات في تحقيق هذا الهدف، مؤكداً أن «الأبيض لن تسقط».

ويذهب الجيش إلى أبعد من ذلك في نفي وجود خطر مباشر على المدينة، فالعقيد الباشا حكيم، قائد المدرعات بالفرقة الخامسة مشاة «الهجانة»، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات الدعم السريع» بعيدة عن تخوم الأبيض، وإن الحديث عن حصارها مجرد شائعات، ويؤكد أن الخطط العسكرية تسير وفق ما هو مرسوم لها، وأن القوات المهاجمة تكبدت خسائر كبيرة، مضيفاً أن الجيش والقوات المشتركة والقوات المساندة تعمل وفق تنسيق كامل، وأن السكان سيسمعون «أخباراً سارة» قريباً.

لكن هذه التطمينات لا تبدد جميع المخاوف، فالخبير العسكري صالح عبد الله يرى في إفادته «الشرق الأوسط» أن ما يجري في الأبيض يحمل أوجهاً من الشبه مع التكتيكات التي استخدمتها «قوات الدعم السريع» في الفاشر، المتمثلة في الضغط المستمر والاستنزاف وإضعاف الخدمات وفتح ممرات للراغبين في مغادرة المدينة.

ويعزز استهداف البنية التحتية هذه المخاوف، فقد تحولت محطات الوقود إلى أهداف متكررة للهجمات، كما تعرضت شاحنات الوقود على الطرق المؤدية إلى المدينة للاستهداف. الأمر الذي تسبب في أزمة مواصلات حادة خلال الأيام الماضية، وأثّر بصورة مباشرة على حركة المواطنين والخدمات.

صورة متداولة تبين الدمار الذي حل بمبنى التلفزيون في مدينة الأُبيّض بعد استهدافه بمسيرة

ويقول سكان إن الوقود أصبح جزءاً من المعركة الدائرة حول الأبيض، إذ أدّى تكرار استهدافه إلى إرباك حركة النقل وارتفاع تكلفة التنقل داخل المدينة.

ورغم ذلك، فإن الصورة داخل الأبيض ليست قاتمة بالكامل، فالصحافي زهير هاشم، المقيم في المدينة، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن الحياة ما زالت تسير بصورة طبيعية في معظم الأحياء، مشيراً إلى أن أزمة المواصلات الأخيرة ارتبطت باستهداف 5 محطات وقود في يوم واحد، ما أدى إلى خروج بعضها عن الخدمة، أكثر من ارتباطها بانهيار شامل للخدمات أو الحياة العامة.

ويعتقد المحلل السياسي عثمان ميرغني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الموقع العسكري للأبيض يجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة مما يتصور كثيرون، ويشير إلى أن وجود الفرقة الخامسة مشاة وما تملكه من عتاد وقوات يمنحان المدينة قدرة دفاعية كبيرة، مستبعداً سقوطها أو اقتراب خطر السقوط منها في الوقت الراهن.

من استهداف سابق لشاحنات إغاثة في شمال كردفان (متداولة)

وبحسب ميرغني، فإن «قوات الدعم السريع» تدرك أهمية الأبيض باعتبارها أقوى خطوط دفاع الجيش غرب أم درمان، ولذلك تلجأ إلى استخدام الطائرات المسيّرة لإحداث ضغط نفسي على السكان، ودفع بعضهم إلى النزوح، أكثر من سعيها إلى حسم المعركة عسكرياً في الوقت الحالي.

ومع ذلك، فإن القلق لم يعد محلياً فقط، فقد دفعت التطورات الأخيرة الأمم المتحدة وعدداً من الدول الغربية إلى التحذير من التصعيد العسكري حول المدينة والدعوة إلى وقف الهجوم عليها، في مؤشر على تنامي المخاوف من تدهور الوضع الإنساني، إذا استمرت العمليات العسكرية بالوتيرة الحالية.

وبين تطمينات الجيش وتحذيرات المجتمع الدولي، ومخاوف السكان الذين يعيشون تحت أصوات المسيرات وانقطاع الخدمات، تبدو الأبيض اليوم واحدة من أكثر مدن السودان حساسية في هذه المرحلة من الحرب.

فإذا كانت الفاشر قد تحولت إلى نموذج يستحضره الجميع عند الحديث عن الحصار والسقوط، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في عروس الرمال هو ما إذا كانت المدينة قادرة على تفادي ذلك المصير، أم أن الحرب تدفعها تدريجياً إلى السيناريو نفسه، وإن اختلفت الأدوات والظروف.