ماكرون يحاول حشد أوروبا بشأن أوكرانيا... لكن الانقسامات عميقة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول الزعماء الأوروبيين لحضور اجتماع بشأن أوكرانيا والأمن الأوروبي في قصر الإليزيه في باريس... فرنسا 17 فبراير 2025 (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول الزعماء الأوروبيين لحضور اجتماع بشأن أوكرانيا والأمن الأوروبي في قصر الإليزيه في باريس... فرنسا 17 فبراير 2025 (رويترز)
TT

ماكرون يحاول حشد أوروبا بشأن أوكرانيا... لكن الانقسامات عميقة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول الزعماء الأوروبيين لحضور اجتماع بشأن أوكرانيا والأمن الأوروبي في قصر الإليزيه في باريس... فرنسا 17 فبراير 2025 (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول الزعماء الأوروبيين لحضور اجتماع بشأن أوكرانيا والأمن الأوروبي في قصر الإليزيه في باريس... فرنسا 17 فبراير 2025 (رويترز)

سعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإضفاء صورة من الوحدة الأوروبية بدعوة عدد صغير من القادة الأوروبيين المختارين بعناية إلى قصر الإليزيه، في حين مضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب قدماً في المفاوضات مع روسيا بشأن الحرب في أوكرانيا. ولكن تحت الاستعراض الدبلوماسي الذي قاده ماكرون، كان من الصعب تجاهل الشقوق في الإجماع الأوروبي حول هذه المسألة، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

صورة ملتقطة في 17 فبراير 2025 في قصر الإليزيه بباريس تظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يرحّب برئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين قبل قمة القادة الأوروبيين (د.ب.أ)

ماكرون يسعى لتولي زمام المبادرة

باستضافته القمة الأوروبية الاثنين في قصره الباريسي، يحاول ماكرون أن يصبح الصوت المهيمن في موضوع أوكرانيا والأمن الأوروبي. ومع ضعف المستشار الألماني أولاف شولتس سياسياً واحتمال خروجه من منصبه قريباً، ومع كون المملكة المتحدة (بريطانيا) أصبحت خارج الاتحاد الأوروبي، وميل إيطاليا نحو ترمب، برز ماكرون كزعيم فعلي للكتلة الأوروبية في دفعها نحو الاستقلال الاستراتيجي.

وقالت مصادر دبلوماسية، اليوم (الثلاثاء)، إن فرنسا تعتزم استضافة اجتماع ثان غدا الأربعاء لمناقشة الوضع الأمني في أوروبا وأوكرانيا، لكنها دعت هذه المرة كندا ودولا أوروبية لم تشارك في الاجتماع الأول.

وذكر مصدران دبلوماسيان أن الدول المدعوة هي النرويج وكندا ودول البلطيق الثلاث (ليتوانيا وإستونيا ولاتفيا) وجمهورية التشيك واليونان وفنلندا ورومانيا والسويد وبلجيكا.

وقال اثنان من المصادر إن بعض الدول قد تشارك عبر الفيديو.

مع ولاية رئاسية حتى عام 2027 وترسانة فرنسا النووية التي تجعلها القوة الذرية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي، وضع ماكرون نفسه باعتباره السياسي الوحيد الذي يتمتع بالطموح والسلطة للتصرف. اقتراحه بإنشاء قوة أمنية بقيادة أوروبية في أوكرانيا، حتى بدور تدريبي ولوجيستي محدود، يتناسب مع دفعه الأوسع من أجل قارة أقل اعتماداً على واشنطن.

لكن التوصل إلى توافق في الآراء مع نظرائه الأوروبيين يثبت أنه صعب: ألمانيا تقاوم طرحه، وتم استبعاد الدول الرئيسية في الاتحاد الأوروبي من القمة، يضاف إلى ذلك عدم القدرة على التنبؤ بمواقف ترمب وما يضفيه ذلك من غموض بشأن مستقبل الأمن في أوروبا.

يقول المحلل السياسي الفرنسي جان إيف كامو: «سعى ماكرون إلى فرض نفسه كرجل قوي في أوروبا».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قبل قمة القادة الأوروبيين لمناقشة الوضع في أوكرانيا والأمن الأوروبي في قصر الإليزيه الرئاسي في باريس... 17 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

استراتيجية ستارمر «الطريق الثالث»

يرسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مساراً مختلفاً عن ماكرون، حيث يضع نفسه كحلقة وصل رئيسية بين أوروبا وأميركا - مع الحفاظ على موقف حازم مؤيد لأوكرانيا.

بعد أن التقى ستارمر ترمب قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية - قال ترمب: «يعجبني كثيراً»، في إشارة إلى ستارمر. ومن المقرر أن يسافر رئيس الوزراء البريطاني إلى واشنطن الأسبوع المقبل فيما يراه البعض جهداً لسد الفجوة بين الولايات المتحدة وأوروبا، وإشارة لسمة مميزة لـ«العلاقة الخاصة» التي تربط بين بريطانيا والولايات المتحدة.

وبينما يتحرك ترمب نحو خفض التصعيد في أوكرانيا، يضاعف ستارمر دعمه لكييف، مشيراً إلى أن بريطانيا «مستعدة وراغبة» في إرسال قوات بريطانية إلى أوكرانيا إذا لزم الأمر. يتناقض هذا الموقف مع نهج ماكرون وشولتس الأكثر حذراً بشأن إرسال قوات إلى أوكرانيا.

وقرار ستارمر المفاجئ بعدم التوقيع على إعلان دولي رئيسي بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي الأسبوع الماضي، في خطوة اصطف فيها ستارمر مع الولايات المتحدة بدلاً من الاتحاد الأوروبي، أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت بريطانيا تقترب من واشنطن بشأن القضايا الجيوسياسية الأوسع نطاقاً.

قال أناند سوندار، المستشار الخاص في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: «المملكة المتحدة (بريطانيا) فريدة من نوعها، لأنها عملياً الحليف الرئيسي الوحيد الذي لم يعاده ترمب عمداً منذ تنصيبه».

يقترح بعض المحللين أن ستارمر يضع نفسه في وضع «الهامس» الأوروبي لترمب، القادر على التأثير على البيت الأبيض مع مواكبته أوروبا.

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تصل إلى قمة القادة الأوروبيين لمناقشة الوضع في أوكرانيا والأمن الأوروبي في قصر الإليزيه الرئاسي في باريس... 17 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

ميلوني توازن خطواتها

وصلت رئيس الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، حليفة ترمب والزعيمة الوحيدة لاقتصاد أوروبي كبير التي حضرت تنصيب الرئيس الأميركي في يناير (كانون الثاني)، متأخرة إلى قمة باريس وغادرت دون الإدلاء ببيان عام - وهي خطوات عدها المراقبون علامات على التشكك في الاجتماع الأوروبي.

وبحسب وكالة الأنباء الإيطالية «أنسا»، تساءلت ميلوني عن سبب عقد القمة في باريس بدلاً من بروكسل، مركز صنع القرار الطبيعي للاتحاد الأوروبي، وانتقدت استبعاد دول الخط الأمامي للاتحاد مثل دول البلطيق والسويد وفنلندا.

وفي القمة، رفضت ميلوني نشر قوات أوروبية في أوكرانيا، ووصفته بأنه «الخيار الأكثر تعقيداً والأقل فعالية» - خاصة من دون ضمانات أمنية ثابتة لكييف.

ولاحظ المراقبون أن ميلوني رددت بعض الانتقادات التي صرّح بها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس لاعتماد أوروبا على الحماية الأميركية. وقالت، وفقاً لوكالة «أنسا»: «لا ينبغي لنا أن نسأل عما يمكن للأميركيين أن يفعلوه من أجلنا، بل ما يجب أن نفعله لأنفسنا».

وعلى الرغم من تشككها، لا تزال ميلوني منخرطة في المحادثات، حيث طرحت مخاوف إيطاليا بشأن الالتزامات العسكرية الأوروبية طويلة الأجل في أوكرانيا على طاولة البحث.

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بودابست... المجر 17 فبراير 2025 (رويترز)

غياب أوربان

كان من اللافت غياب رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، وهو حليف وثيق لترمب ومنتقد متكرر لسياسات الاتحاد الأوروبي، عن محادثات باريس.

في حين لم يتم تقديم سبب رسمي لعدم حضوره، رأى بعض المراقبين أنه رسالة واضحة من باريس وحلفائها الأوروبيين حول حدود التعامل مع القادة الذين يُنظر إليهم على أنهم قريبون جداً من رؤية ترمب للعالم.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يرحّب بالمستشار الألماني أولاف شولتس لدى وصوله لحضور اجتماع مع زعماء أوروبيين بشأن أوكرانيا والأمن الأوروبي في قصر الإليزيه في باريس... فرنسا 17 فبراير 2025 (رويترز)

شولتس منزعج

في القمة، رفض المستشار الألماني أولاف شولتس اقتراح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإنشاء قوة أمنية بقيادة أوروبية في أوكرانيا، ووصفه بأنه «سابق لأوانه تماماً» و«غير مناسب للغاية» نظراً للحرب الجارية.

لم يخف شولتس إحباطه، قائلاً إنه «منزعج قليلاً» من مناقشة قوات حفظ السلام في أوكرانيا «في الوقت الخطأ». وأصر على أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) - وليس القوة الأوروبية المستقلة - يجب أن يظل أساس الأمن الأوروبي.

نظراً لإرثها التاريخي من الحروب العالمية، يرى بعض المراقبين أن ألمانيا كانت دائماً على استعداد للتنازل عن قيادة الأمن الأوروبي لصالح فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، وهو الدور الذي سعى الفرنسيون إلى لعبه منذ عهد الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول.

وتشتد المناقشة حول الإنفاق العسكري لدول «الناتو»، حيث يؤكد مسؤولو الحلف أن الهدف المتمثل في 2 في المائة للإنفاق الدفاعي من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة عضو بالحلف، أصبح الآن خط الانطلاق (بمعنى الحد الأدنى المطلوب) وليس الحد الأقصى.


مقالات ذات صلة

اتهامات باريس بدعم انفصاليي «أزواد» تعيد الجدل حول دور فرنسا في مالي

أفريقيا متمردون من الطوارق يجرون دوريات بشوارع كيدال في مالي (أ.ف.ب - أرشيفية)

اتهامات باريس بدعم انفصاليي «أزواد» تعيد الجدل حول دور فرنسا في مالي

أعاد الهجوم الذي شنّته «جبهة تحرير أزواد» وسيطرتها على مدينة كيدال شمال مالي أواخر أبريل (نيسان)، الجدل حول العلاقة بين فرنسا والحركات الانفصالية الطوارقية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا طائرة هليكوبتر تابعة للجيش الألماني وجنود في مانشينغ بمقاطعة بافاريا جنوب ألمانيا 20 مايو 2026 (أ.ف.ب)

وفاة جندي ألماني متأثراً بإصابته أثناء تدريب لإزالة الألغام

أعلنت البحرية الألمانية وفاة جنديها الذي أصيب بانهيار خلال تدريب على الغوص الخاص بإزالة الألغام البحرية.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق سياح يمرون أمام بائع هدايا تذكارية أمام ساعة بيغ بن خلال موجة حرّ في لندن 25 مايو 2026 (رويترز)

بريطانيا تسجّل حرارة قياسية لشهر مايو بلغت 33.5 درجة

سجّلت بريطانيا، الاثنين، أعلى درجة حرارة لشهر مايو (أيار)، وفقاً لهيئة الأرصاد الجوية الوطنية، بعدما وصلت إلى 33.5 درجة قرب لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا عناصر شرطة خلال تدريب طوارئ في باد سوبرنهايم بغرب ألمانيا 23 مايو 2026 (أ.ف.ب)

تقرير: ألمانيا تواجه تصاعداً في شبكات التجسس الصينية والروسية

تشهد ألمانيا تصاعداً ملحوظاً في قضايا التجسس المرتبطة بالصين وروسيا، في ظل ازدياد المخاوف الأمنية من محاولات اختراق المؤسسات العلمية والعسكرية والسياسية.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا نايجل فاراج زعيم حزب «الإصلاح» البريطاني (ريفورم يو كيه) يلقي كلمة خلال المؤتمر الوطني للحزب في برمنغهام... بريطانيا 20 سبتمبر 2024 (رويترز) p-circle

بريطانيا أمام مشهد سياسي جديد مع تراجع ثنائية «العمال» و«المحافظين»

تشهد بريطانيا تحولاً سياسياً متسارعاً يضعف هيمنة النظام التقليدي القائم على التنافس بين حزبَيْ العمال والمحافظين، وقد تبيّن ذلك في انتخابات مايو (أيار) الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

وفاة جندي ألماني متأثراً بإصابته أثناء تدريب لإزالة الألغام

طائرة هليكوبتر تابعة للجيش الألماني وجنود في مانشينغ بمقاطعة بافاريا جنوب ألمانيا 20 مايو 2026 (أ.ف.ب)
طائرة هليكوبتر تابعة للجيش الألماني وجنود في مانشينغ بمقاطعة بافاريا جنوب ألمانيا 20 مايو 2026 (أ.ف.ب)
TT

وفاة جندي ألماني متأثراً بإصابته أثناء تدريب لإزالة الألغام

طائرة هليكوبتر تابعة للجيش الألماني وجنود في مانشينغ بمقاطعة بافاريا جنوب ألمانيا 20 مايو 2026 (أ.ف.ب)
طائرة هليكوبتر تابعة للجيش الألماني وجنود في مانشينغ بمقاطعة بافاريا جنوب ألمانيا 20 مايو 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت البحرية الألمانية وفاة جنديها الذي أصيب بانهيار خلال تدريب على الغوص الخاص بإزالة الألغام البحرية.

وقال سلاح البحرية إن الجندي، الذي تعرّض للحادث يوم الأربعاء الماضي، توفي اليوم الاثنين رغم تلقيه رعاية طبية مكثفة للغاية، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال مفتش (رئيس أركان) البحرية الألمانية، نائب الأدميرال يان كريستيان كاك، إن التدريب على الغوص الخاص بالألغام يعد من أكثر التدريبات صعوبة في البحرية الألمانية. وأضاف أن هذا التدريب يهدف إلى حماية الأرواح، وضمان أمن ألمانيا في البحار، مؤكداً أن «هذا الحادث المأساوي يلزمنا أكثر من أي وقت مضى بكشف ملابساته بشكل كامل».

وكان الجندي يتلقى العلاج منذ يوم الأربعاء، بعدما نُقل في حالة طبية طارئة من قاعة السباحة التابعة للبحرية في مدينة إكرنفورده إلى وحدة العناية المركزة. وبحسب البحرية، فقد تعرّض الجندي، المنتمي إلى الكتيبة البحرية، لإصابات خطيرة أثناء التدريب.

وأوضحت البحرية أنه تم فتح تحقيقات لكشف الملابسات الدقيقة للحادث.

وقال الأدميرال كاك: «وفاة هذا الجندي الشاب تملأ البحرية كلها بحزن عميق». وأضاف أن الجندي اختار بإرادته خدمة شديدة الصعوبة، والمسؤولية، وتتطلب الشجاعة، والتفاني، وأعلى درجات الاحترافية، مؤكداً أنه يستحق أكبر قدر من الاحترام.

وأضاف: «في هذه الساعات الصعبة، تتجه أفكارنا إلى عائلته وأصدقائه وزملائه وزميلاته». وتابع: «نحن في البحرية نقف متكاتفين، ونشاطرهم آلامهم».

ويتطلب التدريب على إزالة الألغام البحرية -شأنه شأن المهمة العسكرية نفسها- قدرات عالية من الناحيتين البدنية، والتقنية. فهو يستلزم توافر لياقة بدنية تفوق المعدل الطبيعي، إضافة إلى القدرة على التعامل الآمن مع الطائرات المسيّرة تحت الماء، والمواد المتفجرة. وتشمل مهام الغواصين أيضاً التخلص من الذخائر، والمتفجرات، وعمليات الإنقاذ، وحماية السفن، ومرافق الموانئ من التخريب، والهجمات.


أرمينيا أمام اختيار صعب: «الشقيقة الكبرى» أو «الإغراء الأوروبي»

رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان يلقي خطاباً في يريفان يوم 5 مايو 2026 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان يلقي خطاباً في يريفان يوم 5 مايو 2026 (أ.ف.ب)
TT

أرمينيا أمام اختيار صعب: «الشقيقة الكبرى» أو «الإغراء الأوروبي»

رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان يلقي خطاباً في يريفان يوم 5 مايو 2026 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان يلقي خطاباً في يريفان يوم 5 مايو 2026 (أ.ف.ب)

تتكرر في موسكو؛ كثيراً هذه الأيام، عبارة مفادها بأن «أرمينيا تقترب من لحظة الحقيقة».

تقف الجمهورية السوفياتية السابقة الصغيرة أمام اختيار صعب، وهي تحاول أن تحدد مساراتها المستقبلية، بعد هزات كبرى تعرضت لها، وهزائم عسكرية وسياسية متلاحقة، منذ «حرب كاراباخ الثالثة» في 2023. ويبدو أن الكرملين؛ الذي صعّد لهجته في تحذير يريفان من تبني «خيارات خاطئة» عبر الاقتراب أكثر من أوروبا والانخراط في مسارات تضع البلد القوقازي الأشد فقراً ضمن لائحة «الأعداء»، يُعِدّ خياراته هو الآخر، ويستعد للتعامل مع أسوأ السيناريوهات.

قطيعة

وكانت العلاقات الروسية - الأرمينية، التي وُصفت دائماً في السنوات التي أعقبت تفكك الدولة السوفياتية بأنها وثيقة للغاية وتقترب من أن تكون تحالفاً متيناً على الصعد العسكرية والأمنية والاقتصادية، قد شهدت تراجعاً متواصلاً منذ وصول رئيس الوزراء، نيكول باشينيان، إلى السلطة في عام 2018. ولا يقتصر الأمر على أنه جاء خلفاً للحكم الموالي لموسكو عقب ثورة شعبية ضد الفساد، بل إنه رفع منذ البداية شعارات التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» و«تنويع الخيارات». وقد قادت سياسته البلاد إلى دفع ثمن باهظ عندما ماطلت موسكو في التدخل لوقف «حرب كاراباخ الثانية 2020» وتخفيف الضغط عن يريفان... ثم رعت وقفاً هشاً للنار لم يلبث أن انهار بعد 3 سنوات، عندما تجرعت أرمينيا هزيمة مريرة إثر عملية عسكرية أذرية خاطفة مكنت باكو بمساعدة تركية من استعادة السيطرة على كاراباخ وفرض تسوية مهينة ليريفان.

ومنذ ذلك الوقت، ومع تصاعد «خيبة الأمل» في أرمينيا حيال العلاقات بموسكو، اتخذ مسار تعزيز الاتصالات مع «الاتحاد الأوروبي» منحى متسارعاً، بالتزامن مع توسيع العلاقات بالولايات المتحدة التي رعت في وقت لاحق اتفاق سلام بين أرمينيا أذربيجان سمح لأول مرة في التاريخ بوجود عسكري مباشر للولايات المتحدة في منطقة جنوب القوقاز. لكن التدهور الأكبر في العلاقات تصاعد خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً أن مسار التقارب مع أوروبا كان قد شهد تطورات داخلية في أرمينيا، تُوجت في فبراير (شباط) الماضي بإقرار البرلمان المحلي مشروع قانون لبدء إجراءات الانضمام إلى «الاتحاد الأوروبي».

قادة ومسؤولون بينهم الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء الأرميني خلال مشاركتهم في «حوار يريفان» يوم 5 مايو 2026 (أ.ف.ب)

وجاء عقد أول قمة أوروبية - أرمينية بداية الشهر في يريفان ليفاقم الوضع. وبالنسبة إلى موسكو، كان الأسوأ من حضور 27 زعيماً أوروبياً وعقد لقاءات وفعاليات متعددة، أن يُدعى الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، للمشاركة في مستويين مهمين من اللقاءات؛ الأول اجتماع «المجموعة السياسية الأوروبية»، والثاني «القمة الأرمينية - الأوروبية»، وحضر زيلينسكي الفعاليتين وأدلى بتصريحات عنيفة ضد موسكو من قلب العاصمة الأرمينية أثارت بشدة غضب الكرملين. وانتقدت الرئاسة الروسية عدم مسارعة باشينيان إلى «موازنة» حديث زيلينسكي ضد روسيا. ووصف محللون الحدث في يريفان بأنه إعلان رسمي عن الطلاق النهائي بين موسكو ويريفان وتدشين مسار انضمام أرمينيا إلى «الاتحاد الأوروبي».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع له مع فيتالي خوتسينكو حاكم منطقة أومسك... في الكرملين الاثنين (رويترز)

الكرملين يحذر

ولم يتأخر الكرملين في إصدار تحذير قوي ليريفان من خطورة هذا المسار وتداعياته على العلاقة مع روسيا. وأطلق الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أول إشارة قوية في هذا الشأن عندما أبلغ رئيس الوزراء الأرميني، الذي كان قد زار موسكو في أبريل (نيسان) الماضي، بأن على أرمينيا أن تختار إما الاندماج مع أوروبا وإما مواصلة التقارب مع روسيا. ورأى أنه لا يمكن استمرار عضوية أرمينيا في «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي» إذا أبرمت أي اتفاقات شراكة مع أوروبا.

كان التهديد واضحاً ومباشراً للغاية. ورغم أن أرمينيا تجنبت إعلان موقف تجاهه واكتفى باشينيان بتأكيد أنه سوف يلجأ إلى استفتاء شعبي لتحديد المسار المقبل لبلاده، فإن تعمده عدم المشاركة في احتفالات «عيد النصر» على النازية إلى جانب بعض قادة الجمهوريات السوفياتية السابقة شكّل، وفق محللين، رسالة غير مباشرة بطبيعة الاختيار الأرميني، فضلاً عن أنه استقبل قادة أوروبا تحديداً في وقت كانت فيه موسكو تستكمل تحضيراتها للاحتفالات.

خسائر لأرمينيا

وجدد الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف، الاثنين، التحذير بأن انضمام يريفان إلى «الاتحاد الأوروبي» سيؤدي إلى فقدان «شروط التعاون المواتية مع موسكو». ولمح الناطق إلى الفوائد التي تجنيها أرمينيا من علاقاتها بموسكو؛ بما في ذلك على صعيد منحها أسعاراً تفضيلية للغاز والنفط. والجديد في اللهجة الروسية هو التلويح بأن لدى موسكو أنصاراً داخل أرمينيا. وتحدث بيسكوف عن وجود «قوى سياسية في أرمينيا تدعم التوجه التنموي الروسي وعمليات التكامل التي تشمل روسيا». واللافت أن حديث بيسكوف جاء قبل يوم واحد من وصول وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، إلى أرمينيا في زيارة يلتقي خلالها نظيره الأرميني أرارات ميرزويان. وتوقعت أوساط روسية أن تتخلل الزيارة «تصريحات معادية لروسيا».

وقبل أيام، نبّه وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بأن «هناك محاولات لجر أرمينيا إلى المعسكر المعادي لروسيا بهدف إلحاق الضرر بها قدر الإمكان». كما صرح نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، ديميتري ميدفيديف، بأن صبر روسيا بدأ ينفد.

ورصد خبراء الخسائر المحتملة لأرمينيا جراء هذه الخطوة إذا اكتملت، لا سيما في مجالات الزراعة والصناعات التحويلية والهجرة والرسوم الجمركية. وبين ذلك أن موسكو تبيع الغاز لأرمينيا بسعر 177.50 دولار لكل ألف متر مكعب. بينما يشتري الأوروبيون الغاز الروسي بسعر 600 دولار لكل ألف متر مكعب. وبين النجاحات الاقتصادية التي ترى موسكو أنها ساعدت يريفان في تحقيقها أنه منذ انضمام أرمينيا إلى «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي» عام 2015، ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في أرمينيا من 3850 دولاراً إلى 8500 دولار عام 2024. وبلغ حجم التبادل التجاري مع روسيا ذروته عام 2024، مسجلاً 11.7 مليار دولار. وبحلول عام 2025، انخفض إلى 6.4 مليار دولار. بينما بلغ حجم التبادل التجاري لأرمينيا مع «الاتحاد الأوروبي» خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، 2.23 مليار دولار.

سيناريو أوكرانيا

وإلى جانب حسابات الربح والخسارة الاقتصادية، حملت التحذيرات الروسية لأرمينيا أبعاداً أعلى حساسية وتلميحات أشد خطورة. وترى أوساط روسية أن تسارع تقارب أرمينيا مع «الاتحاد الأوروبي» يضعها في خانة «الأعداء»؛ إذ «يُعلن (الاتحاد الأوروبي) صراحةً استعداده للحرب مع روسيا، لذا؛ فإن التودد للعدو يُنظر إليه بوضوح تام هنا»؛ كما كتب محلل سياسي مقرب من الكرملين أخيراً. كذلك في ظل التعقيدات المستجدة بالعالم، يكتسب جنوب القوقاز دوراً متفرداً، خصوصاً عند ملتقى طرق الشمال والجنوب والشرق والغرب. وهذا ما يفسر رغبة يريفان في تنويع الخيارات ومحاولة اكتساب فوائد، لكنه في الوقت ذاته، يشكل سلاحاً يهدد موسكو بقوة التي تخشى أكثر من أي وقت مضى انحسار نفوذها في منطقة جنوب القوقاز بشكل متسارع. ودفع ذلك خبراء وسياسيين في روسيا إلى التنويه بأن موسكو لن تقف مكتوفة الأيدي، وأن «أرمينيا تنتهج الأخطاء نفسها التي ارتكبتها أوكرانيا، والعواقب قد تكون قاسية». وقال عالم السياسة عضو «المجلس الرئاسي الروسي للعلاقات بين الأعراق»، بوغدان بيزبالكو، لوكالة «نوفوستي»، إن «رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، وحلفاءه يُخاطرون بفقدان استقلال بلادهم عبر محاولتهم إعادة توجيه أنفسهم نحو الغرب». ورأى أنه «من الصعب التنبؤ بالعواقب المستقبلية على أرمينيا، ولكن إذا انسحبت من منظمة (معاهدة الأمن الجماعي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي)، أو حاولت الانضمام إلى أي اتحادات أو منظمات أو مشروعات أوروبية، فستخسر دون شك جزءاً من ناتجها المحلي الإجمالي وسيادتها». ويعدّ هذا إشارةٌ واضحة ومباشرة. في مقابلها، يقول بعض المحللين إن أرمينيا قد تكون مثل أوكرانيا وجورجيا وأذربيجان التي قد تجاوزت فكرة الخضوع لـ«الشقيق الأكبر»، وإن مفعول «الحنين إلى الاتحاد السوفياتي» قد استُنفد، وإن «أجيالاً نشأت في الدول المجاورة لروسيا لم تعرف الاتحاد السوفياتي قط، وبالنسبة إليهم، فقد أصبح هذا المفهوم غريباً».


تقرير: ألمانيا تواجه تصاعداً في شبكات التجسس الصينية والروسية

عناصر شرطة خلال تدريب طوارئ في باد سوبرنهايم بغرب ألمانيا 23 مايو 2026 (أ.ف.ب)
عناصر شرطة خلال تدريب طوارئ في باد سوبرنهايم بغرب ألمانيا 23 مايو 2026 (أ.ف.ب)
TT

تقرير: ألمانيا تواجه تصاعداً في شبكات التجسس الصينية والروسية

عناصر شرطة خلال تدريب طوارئ في باد سوبرنهايم بغرب ألمانيا 23 مايو 2026 (أ.ف.ب)
عناصر شرطة خلال تدريب طوارئ في باد سوبرنهايم بغرب ألمانيا 23 مايو 2026 (أ.ف.ب)

تشهد ألمانيا تصاعداً ملحوظاً في قضايا التجسس المرتبطة بقوى أجنبية، في ظل ازدياد المخاوف الأمنية من محاولات اختراق المؤسسات العلمية والعسكرية والسياسية. وفي أحدث هذه القضايا، أوقفت السلطات الألمانية في مدينة ميونيخ زوجين يحملان الجنسية الألمانية للاشتباه في تعاونهما مع جهاز استخبارات صيني، وفق تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

وتشير التحقيقات إلى أن المشتبه بهما عملا على بناء شبكة علاقات مع باحثين وعلماء ألمان متخصصين في مجالات حساسة، من بينها الطيران وعلوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي. كما يُشتبه في أنهما استدرجا بعض هؤلاء الباحثين إلى الصين عبر دعوات مدفوعة للمشاركة في مؤتمرات قيل إنها مدنية، قبل أن يتبين أن حضورها شمل ممثلين عن شركات تسليح حكومية صينية.

وتعكس القضية المخاوف المتزايدة في برلين بشأن حماية الأبحاث العلمية والتكنولوجيا المتقدمة من محاولات الاستحواذ أو النقل غير المشروع إلى الخارج، مع الحرص في الوقت نفسه على عدم تقييد حرية البحث العلمي والتعاون الأكاديمي الدولي.

صورة ملتقطة 20 مايو 2026 تُظهر عناصر شرطة يرافقون شخصاً إلى المحكمة الاتحادية العليا في كارلسروه جنوب غربي ألمانيا (أ.ف.ب)

قضايا صينية سابقة

لا تُعد هذه الحادثة الأولى من نوعها. ففي سبتمبر (أيلول) 2025، أُدين الألماني من أصل صيني جيان غو، وهو مساعد سابق للنائب اليميني المتطرف ماكسيميليان كراه، بالسجن لأربع سنوات وتسعة أشهر بعد إدانته بالتجسس لصالح بكين. كما طالت الشبهات كراه نفسه في تحقيقات مرتبطة بالفساد وغسل الأموال على خلفية علاقات مع الصين.

وفي قضية أخرى، حُكم على موظف مدني سابق في قاعدة عسكرية أميركية داخل ألمانيا بالسجن بعد محاولته تسليم معلومات عسكرية حساسة إلى أجهزة استخبارات صينية.

نشاط روسي متزايد

بالتوازي مع القضايا المرتبطة بالصين، تواجه ألمانيا موجة متصاعدة من قضايا التجسس المنسوبة إلى روسيا. وخلال الأشهر الأخيرة أُدين عدد من المواطنين الألمان من أصول روسية بتهم تتعلق بنقل معلومات أو العمل لصالح أجهزة استخبارات روسية، فيما تتواصل محاكمات أخرى في فرانكفورت ومدن ألمانية مختلفة.

كما أوقفت السلطات امرأة ألمانية أوكرانية الأصل بتهمة مساعدة دبلوماسي روسي على حضور فعاليات سياسية بهوية مزيّفة وبناء شبكة اتصالات تخدم الاستخبارات الروسية. وردّت موسكو على الاتهامات باعتبارها محاولة لتشويه سمعة بعثتها الدبلوماسية.

يزداد في ألمانيا الخوف بشأن حماية الأبحاث العلمية والتكنولوجيا المتقدمة من محاولات الاستحواذ أو النقل غير المشروع للخارج لا سيما إلى الصين (رويترز)

توتر دبلوماسي وأمني

تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقات الألمانية الصينية توتراً متزايداً بسبب الخلافات التجارية واتهامات المنافسة غير العادلة. كما تعزز القضايا المتكررة المرتبطة بروسيا والصين قناعة السلطات الألمانية بضرورة تشديد الرقابة الأمنية على القطاعات الاستراتيجية، وسط تحذيرات رسمية من أن أي أنشطة تجسسية على الأراضي الألمانية ستُواجَه بإجراءات قانونية وسياسية صارمة.