سكان جنوب لبنان يتوافدون إلى بلدات منكوبة إثر الانسحاب الإسرائيلي

خرابها يمنع الإقامة فيها قبل إعادة الإعمار... والدمار شُبّه بـ«هيروشيما»

رجل يسير بين ركام المنازل في كفركلا (رويترز)
رجل يسير بين ركام المنازل في كفركلا (رويترز)
TT

سكان جنوب لبنان يتوافدون إلى بلدات منكوبة إثر الانسحاب الإسرائيلي

رجل يسير بين ركام المنازل في كفركلا (رويترز)
رجل يسير بين ركام المنازل في كفركلا (رويترز)

بدأ سكان المنطقة اللبنانية الحدودية مع إسرائيل، الثلاثاء، بالتوافد إلى بلدات منكوبة مسحتها التفجيرات، وتفتقد إلى معالم الحياة، ويعيق تدمير البنى التحتية فيها أي احتمال لعودة قريبة للمتحدرين منها، وذلك بعدما سحبت إسرائيل، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار مع «حزب الله»، قواتها من جنوب البلاد، مبقية سيطرتها على 5 نقاط استراتيجية.

وكانت بلدات القطاع الشرقي، وبعض بلدات القطاع الأوسط، آخر البلدات التي أبقت إسرائيل على وجودها فيها، وواظبت على تنفيذ تفجيرات وحرائق فيها حتى يوم الاثنين، عشية التنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار. وكانت القوات «الإسرائيلية» انسحبت فجراً من القرى والبلدات التي كانت تحتلها في الجنوب، وهي: يارون، ومارون الراس، وبليدا، وميس الجبل، وحولا، ومركبا، والعديسة، وكفركلا والوزاني، في حين أبقت على وجودها في 5 نقاط رئيسية على طول الحدود.

لبنانيون يوجهون تحية للجيش اللبناني على مدخل بلدة كفركلا (رويترز)

ومنتصف الليل، استكمل الجيش انتشاره في البلدات المحررة، وباشرت فرق من فوجَي الهندسة والأشغال بإزالة السواتر الترابية ومسح الطرق الرئيسية من الذخائر والقذائف غير المنفجرة. كما سيّرت قوات «اليونيفيل» دوريات في تلك القرى، وأقامت نقاطاً عدة إلى جانب الجيش اللبناني.

وقال الجيش اللبناني إن وحداته بدأت بالانتشار في تلك القرى، موضحاً في بيان، أن الانتشار تم في بلدات العباسية، والمجيدية، وكفركلا، والعديسة، ومركبا، وحولا، وميس الجبل، وبليدا، ومحيبيب ومارون الراس والجزء المتبقي من يارون، كما انتشرت في مواقع حدودية أخرى بمنطقة جنوب الليطاني، بالتنسيق مع اللجنة الخماسية للإشراف على اتفاق وقف إطلاق النار وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، وذلك بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي.

وقال الجيش: «باشرت الوحدات المختصة إجراء المسح الهندسي وفتح الطرقات ومعالجة الذخائر غير المنفجرة والأجسام المشبوهة في هذه المناطق».

ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، شنّت إسرائيل ضربات جوية ونفذت عمليات نسف تطال منازل في قرى حدودية، أوقعت أكثر من 60 قتيلاً، نحو 24 شخصاً منهم في 26 يناير (كانون الثاني) الماضي، وهو الموعد الأول المحدد لانسحاب إسرائيل بموجب الاتفاق، أثناء محاولتهم العودة إلى بلداتهم الحدودية.

عنصر من الجيش اللبناني يواكب النازحين العائدين إلى كفركلا (أ.ف.ب)

خراب

وبدت القرى والبلدات الحدودية التي تتعرض للقصف والتفجير والنسف والتجريف منذ 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أشبه بخراب، حيث تم تدمير آلاف المنازل بالكامل، وفقدت البلدات معالم الحياة فيها، ولم تظهر الشوارع والمنشآت التي كانت في السابق. وظهرت المنازل على شكل أكوام من الركام، تمتد على مساحات واسعة.

وقالت مصادر محلية في الجنوب لـ«الشرق الأوسط»، إن معظم السكان عادوا لتفقد منازلهم، ومعاينة ما تم تدميره بعد نحو 16 شهراً على النزوح من تلك البلدات، كما عاد آخرون للبحث عن رفاة ضحايا من عائلاتهم قتلوا في الحرب.

ولفتت المصادر إلى أن الخراب في المنطقة «لا يسمح لأحد بالإقامة في تلك القرى»، موضحة أن المنطقة، وبمعزل عن المنازل المدمرة، «لا تتضمن طرقات أو شبكات مياه وكهرباء وصرف صحي واتصالات وإنترنت»، خصوصاً أن منشأتي تغذية المياه الرئيسيتين اللتين تغذيان المنطقة بمياه الشفة، وهما محطة ضخ الوزاني ومحطة آبار الطيبة، قد فجرتهما إسرائيل، مما يعني أن تغذية المنطقة بالمياه مستحيل. وأضافت المصادر أن معالم الخدمات الأخرى مثل المستشفيات والمدارس والمنشآت الحيوية أيضاً، كلها دُمرت، مما يعني أن العودة بسرعة ستكون صعبة.

وقدّرت السلطات تكلفة إعادة الإعمار بأكثر من 10 مليارات دولار، كما دفعت الحرب أكثر من مليون شخص إلى الفرار من منازلهم، ولا يزال أكثر من مائة ألف منهم في عداد النازحين، وفق الأمم المتحدة. وتزداد العودة صعوبة جراء الردميات التي تعم الشوارع، ولم تتوصل السلطات إلى حل بعدُ لإزالتها من مكانها. ويقول أحد سكان المنطقة الحدودية إن جدران وسقف منزله، دُمِّرت جراء النسف، لكن ما يعيق إعادة إنشائها فوق الأرضية الخرسانية، الردميات التي لا يعرف أين سينقلها، ولا الآلية لذلك.

متحدرون من كفركلا يتنقلون بين ركامها (رويترز)

وتزداد الأمور صعوبة في ظل التلوث القائم بالنسبة للمنازل التي لم تدمر آبارها، ويشرح أحد أبناء ميس الجيل لـ«الشرق الأوسط»، بالقول إن معظم سكان المنطقة يجمعون مياه الشتاء في خزانات أرضية، لكن حجم الفوسفور الأبيض الذي قصفته القوات الإسرائيلية، استقر على السطوح، مما يعني أنه انزلق مع مياه الأمطار إلى الخزانات والآبار، ممل يجعل إمكانية استخدام المياه مستحيلة.

كفركلا والوزاني

ولم ينتظر السكان طويلاً للعودة إلى كفركلا الحدودية التي تعرّضت لدمار هائل، حيث سار العشرات من الأهالي منذ الصباح بين حقول الزيتون متوجهين نحو قريتهم التي غادروها منذ أشهر طويلة ليعاينوا تباعاً منازل مدمّرة بالكامل. ومن بين هؤلاء، علاء الزين الذي قال متأثراً، إن «القرية منكوبة، أشبه بهيروشيما وناغازاكي، وكأن حرباً نووية شنّت على كفركلا». وعلى الرغم من الدمار الهائل، فإن «سكّان القرية جميعهم عائدون»، مضيفاً: «سننصب خيمة ونفترش الأرض». وانتظر آخرون عند أحد مداخل كفركلا برفقة الجيش اللبناني وسيارات الإسعاف التي استعدّت للدخول لانتشال جثث مقاتلين، على غرار سميرة جمعة التي جاءت بحثاً عن شقيقها المقاتل. وتقول المرأة بتأثّر: «جئت بحثاً عن أخي الشهيد في كفركلا، جاء إلى هنا مع رفاقه (...) ولا نعرف عنهم شيئاً حتى الآن، لدينا يقين أنهم استشهدوا؛ لكن نأمل في أن يظهر عنهم شيء».

مشهد عام لبلدة كفركلا المدمرة بالكامل إثر عودة السكان إليها (إ.ب.أ)

وفي حين يبحث كثر عن جثامين أبنائهم، عثر على شابين «على قيد الحياة» في القرية، الثلاثاء، «بعد فقدان الاتصال بهما منذ أكثر من 3 أشهر»، وفق الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية. وتم تداول صورة لأحدهما على مواقع التواصل على أنه قتيل من «حزب الله»، وهو يرتدي لباساً عسكرياً.

ودخل عدد كبير من أهالي بلدة الوزاني إلى بلدتهم سيراً على الأقدام. كما دخل أهالي ميس الجبل منذ ساعات الصباح الباكر، إلى بلدتهم سيراً على الأقدام وعبر الدراجات النارية. وتوجه موكب مشترك من الجيش اللبناني و«اليونيفيل» والصليب الأحمر اللبناني نحو سهل المجيدية بعد انسحاب القوات الإسرائيلية. كما تجمع أهالي حولا عند مدخل البلدة، بانتظار إذن الجيش لدخولها.

ورغم انسحابها من القرى، نفّذت القوات الإسرائيلية «تفجيراً كبيراً» في محيط بلدة كفرشوبا الحدودية، على ما ذكرت «الوكالة الوطنية». كما سقط جريحان برصاص الجيش الإسرائيلي، خلال عمليات التمشيط من مركز المنارة في اتجاه منطقة كركزان شمال شرقي بلدة ميس الجبل.

عناصر من «الدفاع المدني» يحملون رفاة قتيل في كفركلا (رويترز)


مقالات ذات صلة

تحركات مصرية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان

المشرق العربي وزير الخارجية المصري يلتقي الرئيس اللبناني في بيروت (الخارجية المصرية)

تحركات مصرية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان

في تحرك مصري لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، زار وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي، الخميس، العاصمة بيروت، معلناً مساندته للشعب اللبناني.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
المشرق العربي جنود من الجيش اللبناني يقفون في الموقع الذي سقطت فيه شظايا صاروخ تم اعتراضه بمنطقة حارة صخر بقضاء كسروان شمال بيروت 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)

انفجار صاروخ إيراني على علو مرتفع فوق لبنان

أعلن الجيش اللبناني عن سقوط أجزاء من صاروخ إيراني «على نطاق جغرافي واسع» على الأراضي اللبنانية

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عامل إنقاذ يحمل طفلاً بُعيد استهداف إسرائيلي في محيط وسط بيروت (أ.ب)

إسرائيل توسع بنك أهدافها إلى بيروت لاختبار «تماسك» الداخل اللبناني

تشير الضربات الأخيرة إلى سقوط عملي لما كان يُعرف بـ«الاستثناء البيروتي»

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي حفارة تزيل الأنقاض من موقع غارة إسرائيلية بحي زقاق البلاط وسط بيروت في أعقاب تصعيد بين «حزب الله» وإسرائيل (رويترز)

لبنان: الجيش الإسرائيلي يستهدف الجسور على نهر الليطاني

كشفت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية، اليوم الأربعاء، عن تنفيذ الجيش الإسرائيلي غارة استهدفت العبّارة الاحتياطية التي تمر فوق نهر الليطاني بمنطقة برج رحال.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحقيقات وقضايا قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر تحرك لافت للقضاء العسكري تمثل بفتح ملفات قضائية

يوسف دياب (بيروت)

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)

تبلّغ لبنان بمعلومات مصرية سلبية، تشير إلى أن الحرب الإسرائيلية مرشحة لأن تكون طويلة، في ظل غياب مؤشرات حاسمة على قرب التهدئة، وذلك في وقت استقدمت فيه إسرائيل فرقة عسكرية جديدة إلى جنوب لبنان، مؤكدةً اتجاهها نحو تصعيد ميداني متدرّج.

وبينما أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي الذي التقى مسؤولين في بيروت أن «بلاده تجري اتصالات مكثفة تشمل نقل رسائل بين إيران والولايات المتحدة، بالتوازي مع تواصلها مع الجانب الإسرائيلي، بهدف خفض التوتر ومنع توسع المواجهة في المنطقة»، وصفت مصادر مواكبة للقاءات عبد العاطي في بيروت الأجواء بـ«غير المشجعة».

وقالت المصادر لـ «الشرق الأوسط» إن المعطيات السياسية والعسكرية لا تعكس إيجابية في التعاطي مع الملف اللبناني، لا سيما من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يرفض أن تكون الحرب على لبنان ضمن المفاوضات بين أميركا وإيران، ويتشدد في موقفه لجهة «القضاء على «حزب الله»، ما يؤشر إلى أن الحرب على لبنان ستكون طويلة الأمد.


«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
TT

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

بينما تواصل فرق الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان، مثل الألغام ومخلفات الحرب التي كُشفت مع الفيضانات الأخيرة التي شهدتها المنطقة الشرقية في سوريا، خصوصاً بعد انجراف الألغام من مواقعها وظهورها على سطح التربة، ما وسّع نطاق تهديدها ووضعها في متناول السكان، وفرض واقعاً أكثر تعقيداً يتطلب استجابة عاجلة ومنظّمة.

فرق الدفاع المدني السوري تستجيب لفيضان نهر الخابور وروافده محافظة الحسكة لمنع وصول المياه لمنازل السكان (حساب فيسبوك)

وفي هذا السياق، أوضح مدير (إدارة الإزالة في المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلفات الحرب) رائد الحسون، أن الجهات المختصة تتابع من كثب تداعيات الفيضانات الأخيرة، مشيراً إلى أن السيول لم تقتصر على كشف الألغام المدفونة، بل أسهمت أيضاً في نقلها من مواقعها الأصلية، ما أدى إلى ظهور بؤر تلوث جديدة وانتشار غير متوقع لهذه المخلفات في مناطق مختلفة، بحسب «الإخبارية السورية».

وفي تعليق على المشاهد التي أظهرت أطفالاً يتعاملون مع الألغام بشكل مباشر، وصف الحسون هذه الحادثة بأنها «صادمة»، مشدداً على أن هذا الواقع يعكس حجم التحدي في مجال التوعية المجتمعية.

ودعا في هذا الإطار إلى تكاتف الجهود بين الجهات الرسمية والمجتمعات المحلية، بما في ذلك المدارس والأهالي، لنشر رسائل التحذير وتعزيز ثقافة الابتعاد عن الأجسام المشبوهة، ما يسهم في تقليل عدد الضحايا إلى الحد الأدنى.

جولة ميدانية للبحث في تجنب فيضانات في سبخة السيحة التي تشهد مخاطر متزايدة نتيجة ارتفاع منسوب المياه في إدلب (الدفاع المدني السوري)

وتعمل الوزارة بالتعاون مع المركز الوطني ضمن خطة استجابة شاملة للتعامل مع الألغام ومخلّفات الحرب على مستوى البلاد، ولفت الحسون، إلى أن المرحلة الحالية تشهد تنسيقاً مكثفاً مع الشركاء المحليين والدوليين، بهدف تعزيز الجهود الميدانية وتوجيه المنظمات المختصة نحو المناطق الأكثر تضرراً، مع السعي لتأمين الدعم اللازم لمواجهة هذا التحدي المتفاقم.

وأكد أن تحديد أولويات التدخل يتم وفق معايير واضحة تشمل الكثافة السكانية وطبيعة استخدام الأراضي، سواء كانت زراعية أو مخصّصة لإعادة تأهيل البنية التحتية، ما يسمح بتوجيه الجهود نحو المواقع الأكثر عرضة للخطر والأشد تأثيراً على حياة المدنيين.

أما على صعيد حماية المزارعين، مع اقتراب موسم الحراثة، فقد أكد مدير المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلّفات الحرب أن الإجراءات تتركز على تكثيف حملات التوعية في المناطق المتضررة، بالتوازي مع إرسال فرق المسح غير التقني لتحديد مواقع التلوث بدقة، تمهيداً للتعامل معها وفق الأولويات المعتمدة، بما يضمن تقليل المخاطر المرتبطة باستخدام الأراضي الزراعية.

جولة ميدانية للوزير السوري رائد الصالح في مركز Sinzig بمدينة بون للإطلاع على أبرز التقنيات في الاستجابة للطوارئ (سانا)

وضمن هذه الظروف الشديدة الحساسية في الكوارث الجوية التي تضرب سوريا هذه الأيام, بحث وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري رائد الصالح والوفد المرافق له، في بون بألمانيا، سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال إدارة الطوارئ والكوارث، مع الوكالة الفيدرالية الألمانية للإغاثة التقنية «THW».

واستعرض الجانبان خلال اللقاء، أمس الأربعاء، الإمكانيات والخبرات الألمانية في مجالات الاستجابة للطوارئ، وآليات التنسيق والعمل الميداني، إضافة إلى فرص تطوير التعاون الفني، وتبادل الخبرات بين الجانبين، ما يسهم في دعم قدرات الاستجابة في مواجهة الكوارث.

الصالح قال في تصريح لمراسل (سانا)، أن الزيارة شكّلت فرصة مهمة للاطلاع على التجربة الألمانية المتقدمة في إدارة الطوارئ والكوارث: «ناقشنا مع الجانب الألماني إمكانياتهم الفنية والتقنية، وسبل الاستفادة منها في تطوير عملنا، كما قمنا بزيارة ميدانية إلى مركز Sinzig التابع للوكالة الألمانية، واطلعنا على التجهيزات وآليات العمل المعتمدة لديهم».

وأشار الصالح إلى أن هذه الزيارة تمهد لمرحلة من التعاون المشترك وتبادل الخبرات بين الجانبين خلال الفترة المقبلة. واطلع الوفد المرافق لوزير الطوارئ وإدارة الكوارث خلال جولة ميدانية في مركز Sinzig بمدينة بون، على أبرز التقنيات المستخدمة في الاستجابة للطوارئ، وآليات العمل داخل المركز.


عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
TT

عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

فوق أنقاض مستوصف عسكري بغرب العراق صار ركاماً بعد غارة جوية، يقف أحمد مع اثنين من زملائه العاملين في الوحدة الطبية، غير مصدّقين أنهم نجوا من غارة خلّفت، الأربعاء، سبعة قتلى.

في قاعدة الحبّانية في محافظة الأنبار، يقول أحمد بصوت مثقل بالحزن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس: «نحن فقط من بقينا سالمين من وحدة الطبابة. الآخرون إمّا قُتلوا وإما أُصيبوا».

وأعلنت وزارة الدفاع العراقية، صباح الأربعاء، أن سبعة من عناصر الجيش قضوا في غارة على مستوصف الحبّانية العسكري وشعبة خدمات هندسية تابعة لآمرية الموقع، وذلك غداة ضربة على موقع لقوات «الحشد الشعبي» يبعد كيلومترين فقط قضى فيها 15 عنصراً من الحشد الذي اتهم واشنطن باستهدافه.

ويشير العسكري الثلاثيني إلى ما كان قبل 24 ساعة موقع عمله، قائلاً: «في ضربة أولى أُصيب عدد من زملائنا. حين هرعت الفرق لإنقاذهم من تحت الركام، استهدفهم الطيران مجدداً بشكل مباشر، ما أسفر عن مقتل المسعفين».

وأدّت الضربة إلى إصابة 23 عنصراً في الجيش بينهم ضباط، وفق ما قال مسؤول طبي في الموقع لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، تتعرّض مقار لـ«الحشد الشعبي» ولفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران لغارات تنسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما تستهدف هجمات تتبناها فصائل عراقية المصالح الأميركية. وتنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية إيرانية معارضة موجودة في شمال العراق.

عراقيون يرفعون نعش جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

واعتبرت الحكومة العراقية غارة، الأربعاء، «جريمة مكتملة الأركان تنتهك القانون الدولي»، وتسيء للعلاقة التي تجمع شعبي العراق والولايات المتحدة.

وأقرّ «البنتاغون»، الأسبوع الماضي، بأن مروحيات قتالية نفّذت غارات ضد فصائل موالية لطهران في العراق. لكن متحدثاً باسم وزارة الخارجية الأميركية نفى، ردّاً على سؤال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، أن تكون القوات الأميركية استهدفت قوات الأمن العراقية.

وخلال جولة إعلامية نظمتها وزارة الدفاع العراقية، الخميس، قال مدير مديرية الإعلام والتوجيه المعنوي في الوزارة اللواء تحسين الخفاجي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن مستوصف الحبّانية «معروف بأنه تابع لوزارة الدفاع (...) لذلك فوجئنا باستهدافه بضربة جوية».

ويروي الضابط العشريني محمّد مصطفى الذي كان على مقربة من المستوصف حين استُهدف، أنه تمكّن من إنقاذ صديقه الذي «علق بين الجدار والسقف»، قبل «الضربة الثانية التي قضت على ما تبقى».

ويقول زميله علي: «الأجساد تحوّلت إلى أشلاء خلال لحظات»، مضيفاً: «عثرنا كذلك صباح اليوم على ذراع أحد الجنود (...) ومسدّسات تحوّلت إلى كتل حديد مذاب».

«تاريخ طويل من التضحية»

في اليوم نفسه الذي قضى فيه 15 عنصراً من «الحشد الشعبي» في الأنبار، قضى ستة عناصر من قوات «البشمركة» المسلحة التابعة لحكومة كردستان العراق في هجومَين بصواريخ باليستية إيرانية على مقرّهم في مدينة سوران، في أول استهداف يخلّف قتلى في صفوف هذه القوات منذ اندلاع الحرب التي بدأت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

وأعلن رئيس الإقليم نيجرفان بارزاني، الأربعاء، أن إيران «أقرّت» بأن الهجومَين كانا «عن طريق الخطأ».

في مجلس عزاء، نُظّم الأربعاء في سوران، وعُلّقت فيه صور القتلى على أكاليل زهور ناصعة البياض، توافد عشرات الرجال، وقد ارتدى بعضهم الزي الكردي التقليدي مع الكوفية، فيما كان آخرون ببزّات عسكرية. وخيّم الحزن على المكان. في قاعة أخرى، كانت نساء بالأسود يبكين الغائبين.

بينهم فاطمة مظفّر (24 عاماً) التي قُتل شقيقها كيوان عن عمر (21 عاماً)، وقد خدم في صفوف «البشمركة» مدة ثلاثة أعوام.

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

وفيما أمسكت بها سيّدة لمؤاساتها، قالت الشابة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قبل رحيله، ودّع أخي والدتي وشقيقتَيّ اللواتي كنّ هنا لتمضية أعياد الفطر والنوروز».

التقتها «وكالة الصحافة الفرنسية» في وقت سابق في منزل العائلة حيث كانت ترتّب بزّة شقيقها العسكرية وتضمّ أحذيته إلى صدرها وتعرض صور زفافه.

في الطابق الأرضي للمنزل، يلزم والدها مظفّر قادر (55 عاماً) الفراش، إذ يعاني شللاً جرّاء إصابة لحقت به في عام 2014 خلال محاربته تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من شمال وغرب العراق حتى دحره في عام 2017.

ويقول المقاتل السابق مع «البشمركة» إنه تحدث مع ابنه عبر الهاتف فور سقوط الصاروخ الأول قرابة الثانية من فجر الثلاثاء. ويضيف: «لكن بعد بضع ثوانٍ فقط، سقط الصاروخ الثاني، فحاولت الاتصال به مجدداً، لكن هاتفه كان قد خرج من الخدمة».

ويرى الرجل الذي حارب نظام صدام حسين قبل أن يطيح به الغزو الأميركي في 2003، أن «الأكراد اعتادوا المآسي». ويتابع: «لعائلتنا تاريخ طويل من التضحية من أجل هذه الأرض».