المديونية المصرية «ثقيلة» في 2026... لكن السداد «ممكن»

البنك المركزي المصري (رويترز)
البنك المركزي المصري (رويترز)
TT

المديونية المصرية «ثقيلة» في 2026... لكن السداد «ممكن»

البنك المركزي المصري (رويترز)
البنك المركزي المصري (رويترز)

تنتظر مصر في عام 2026 سداد نحو 38 مليار دولار على الأقل، بحسب تقديرات للبنك الدولي، والقيمة تبدو للوهلة الأولى «ثقيلة»، لكن بحسب تقديرات خبير مصرفي تحدث لـ«الشرق الأوسط»: «يمكن لمصر الوفاء بالسداد كسابق عهدها».

وأشار إلى «اقتطاع جزء كبير كودائع خليجية تتجاوز 12 مليار دولار على الأقل ستجدد تلقائياً»، وقال إنه «تم سداد أرقام ضخمة من قبل، ولم تتأخر مصر يوماً واحداً طيلة تاريخها، ولديها من المصادر التقليدية أو في وقت الأزمات ما يكفي للسداد».

وتحدثت بيانات للبنك الدولي، الأحد، عن الالتزامات الخارجية على مصر، والمتمثلة في سداد أقساط القروض وفوائدها، وتبلغ نحو 38.65 مليار دولار خلال فترة تمتد لتسعة أشهر، تبدأ من أبريل (نيسان) الجاري وحتى نهاية عام 2026، فيما تتضمن هذه الالتزامات نحو 12.7 مليار دولار تمثل ودائع لدى البنك المركزي المصري لصالح دول الخليج.

وبحسب البيانات «تنقسم التزامات الديون الخارجية حتى نهاية العام إلى نحو 34 مليار دولار في صورة أقساط، إضافة إلى نحو 4.64 مليار دولار كونها فوائد».

ومن المقرر أن تسدد مصر نحو 16 مليار دولار خلال الربع الثاني «أبريل - يونيو (حزيران)» من عام 2026، وقرابة 10.6 مليار دولار في الربع الثالث «يوليو (تموز) - سبتمبر (أيلول)»، إضافة إلى 12 مليار دولار خلال الربع الأخير «أكتوبر (تشرين الأول) - ديسمبر (كانون الأول)» من العام نفسه.

كما أظهرت البيانات تراجع الدين الخارجي للبنك المركزي بنحو 300 مليون دولار خلال الربع الأخير من العام الماضي، ليصل إلى 36.96 مليار دولار مقارنة بـ37.29 مليار دولار.

وفي ديسمبر 2024 أكد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، التزام القاهرة بسداد التزاماتها الدولية، مشيراً إلى سداد نحو 38.7 مليار دولار من الديون الخارجية خلال عام 2024.

الخبير المصرفي المصري، محمد عبد العال، قال إن «الدولة المصرية لم تتأخر يوماً واحداً في تاريخها في سداد أي قسط أو فائدة مستحقة حتى الآن، ومبلغ الـ38.6 مليار دولار الذي كشف عنه البنك الدولي يمثل الجزء المتبقي من التزامات مصر خلال عام 2026».

وأشار إلى أن «هذا المبلغ لا يمثل رقماً مقطوعاً واجب السداد في يوم واحد، بل هو موزع على مدار شهور العام وفق جدول التدفقات النقدية الداخلة والخارجة، والتخطيط المالي يضمن جاهزية المبالغ المطلوبة قبل موعد استحقاقها».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

وخلال الأيام الماضية صدرت دعوات من إعلاميين وبرلمانيين مصريين بالتبرع أو تخصيص صندوق لمواجهة ديون البلاد الخارجية. ودعا عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، الإعلامي مصطفى بكري، السبت، إلى فتح حساب بنكي حكومي يخصص لجمع تبرعات من المواطنين الراغبين لسداد ديون الدولة وتخفيف العبء عنها... وتلك هي ثاني دعوة برلمانية من نوعها خلال فترة قصيرة بعد دعوة عضو مجلس النواب، محمد سمير بلتاجي، إلى تبرعات بمليون جنيه (نحو 20 ألف دولار) من الأثرياء لسداد ديون الدولة.

وجاءت تلك الدعوات، بعدما أثارت أخيراً حسابات مُعرّفة بأسماء عربية على منصات التواصل الاجتماعي، قضية انتهاء أمد «الودائع الخليجية» في مصر، وبخاصة الودائع الكويتية، وإمكانية استردادها.

وهو ما رد عليه السفير الكويتي بالقاهرة، غانم صقر الغانم، في تصريحات الشهر الجاري بقوله إن «الودائع مستمرة وقائمة منذ 13 عاماً وتُجدد بشكل تلقائي، والهدف منها دعم الاقتصاد المصري، ولا تتأثر بأحاديث السوشيال ميديا»، منوهاً «إلى وجود مقترح بتحويل الودائع الكويتية في مصر لاستثمارات، غير أن هذا الأمر لا يزال قيد الدراسة من قبل الجهات الاقتصادية في البلدين».

وارتفع الدين العام للحكومة إلى نحو 15 تريليون جنيه بنهاية العام المالي الماضي المنتهي في يونيو 2025، وفق بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، فيما ارتفع الدين الخارجي لـ161 مليار دولار بنهاية يونيو الماضي، بحسب بيانات البنك المركزي المصري.

وبشأن السداد المتوقع، أشار عبد العال، إلى المصادر التي تعتمد عليها الدولة في تجميع هذه المبالغ، مثل حصيلة الصادرات، وعوائد السياحة، وتحويلات العاملين بالخارج، لافتاً إلى «وجود فائض في صافي أصول النقد الأجنبي لدى الجهاز المصرفي يقدر بنحو 27 مليار دولار، وهو ما يؤخذ في الاعتبار عند السداد».

ونبه إلى أن جزءاً من المبالغ المقررة في سداد الديوان يمثل ودائع خليجية، وهي ودائع تجدد بصفة مستمرة، ما يؤدي فعلياً إلى خفض القيمة الإجمالية للمبالغ المطلوب سدادها نقداً.

ولفت إلى أنه في حال لم تكف المصادر التقليدية نتيجة الظروف الإقليمية، فإن مصر تمتلك القدرة على إصدار سندات في الأسواق الدولية أو صكوك سيادية بما يعادل قيمة العجز لتوفير السيولة اللازمة، وبخلاف ذلك لدينا احتياطي نقدي.

وأشار الخبير المصرفي إلى أن «مصر تمتلك احتياطياً نقدياً يبلغ 53 مليار دولار، وهو مخصص لحالات الطوارئ القصوى، كما حدث إبان الأزمة الروسية - الأوكرانية حين تم استخدامه جزئياً لمواجهة خروج الأموال الساخنة قبل استردادها لاحقاً»، مؤكداً أن «الدولة استوعبت الدرس جيداً، حيث لا تدخل الأموال الساخنة الآن ضمن الاحتياطي النقدي ولا تستخدم في سداد القروض، ما يجعل الاحتياطي صمام أمان قوياً يلجأ إليه في الأزمات فقط». وشدد على أن مصر تتبع حالياً استراتيجية واضحة تهدف إلى تقليل وتيرة الاقتراض بشكل مستمر، والتحول من القروض قصيرة الأجل إلى القروض طويلة الأجل.


مقالات ذات صلة

لماذا لا تُقلل اكتشافات الغاز المصرية فجوة الاستهلاك؟

شمال افريقيا وزير البترول كريم بدوي خلال تفقد أحد حقول الغاز بـ«المتوسط» يونيو الماضي (وزارة البترول المصرية)

لماذا لا تُقلل اكتشافات الغاز المصرية فجوة الاستهلاك؟

أثار تكرار الإعلان عن اكتشافات جديدة للغاز في مصر تساؤلات بشأن عدم انعكاس ذلك على تراجع فجوة الاستهلاك وزيادة الإنتاج المحلي.

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية في العاصمة الجديدة شرق القاهرة (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

مصر تطالب إيران مجدداً بـ«المرونة» لتجنب «المواجهة العسكرية»

أكد بدر عبد العاطي «أهمية تغليب الحلول الدبلوماسية وإبداء جميع الأطراف القدر اللازم من الانفتاح، بما يتيح الوصول لتسوية سياسية للأزمة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شؤون إقليمية وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال مؤتمر صحافي في موسكو يوم 3 أبريل 2026 (رويترز)

وزيرا خارجية مصر وإيران يبحثان مستجدات الأوضاع الإقليمية

أجرى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، اتصالاً هاتفياً مع نطيره الإيراني عباس عراقجي، الخميس، تناول آخر المستجدات الإقليمية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا عناصر من الجيش المصري (رويترز - أرشيفية)

مقتل ضابطين بالجيش المصري في حملة لمكافحة التنقيب عن الذهب على الحدود الجنوبية

قال المتحدث العسكري، الخميس، إن ضابطين في الجيش المصري قُتلا خلال حملة عسكرية تستهدف عمليات تنقيب غير قانونية عن الذهب على الحدود الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على هامش «القمة الأفريقية - الروسية» في 2019 (الرئاسة المصرية)

النهر ليس مقابل البحر... رفض مصري لـ«المقايضة الإثيوبية»

وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا طالب مصر بالمساهمة في بناء السدود الجديدة التي تعتزم بلاده إقامتها على روافد النيل

هشام المياني (القاهرة )

معارك طاحنة بين الجيش السوداني و«الدعم السريع» في كردفان

رجل يتفقد الدمار في منزله عقب غارة على ضاحية تقع شرق مطار الخرطوم يوم 20 أكتوبر 2026 (أ.ب)
رجل يتفقد الدمار في منزله عقب غارة على ضاحية تقع شرق مطار الخرطوم يوم 20 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

معارك طاحنة بين الجيش السوداني و«الدعم السريع» في كردفان

رجل يتفقد الدمار في منزله عقب غارة على ضاحية تقع شرق مطار الخرطوم يوم 20 أكتوبر 2026 (أ.ب)
رجل يتفقد الدمار في منزله عقب غارة على ضاحية تقع شرق مطار الخرطوم يوم 20 أكتوبر 2026 (أ.ب)

تصاعدت حدة المعارك العنيفة في غرب السودان لليوم الثاني على التوالي، بعدما شنّ الجيش، الخميس، هجوماً متزامناً على مناطق تقع تحت سيطرة «قوات الدعم السريع» في شمال وغرب إقليم كردفان، في وقت تضاربت فيه الأنباء بشأن مدى تقدُّم الطرفَين على الأرض.

وبينما لم ينشر الجيش السوداني تفاصيل رسمية بشأن تلك المعارك، قال المتحدث باسم «القوة المشتركة» (المتحالفة مع الجيش)، الرائد متوكل علي وكيل: «نفذت (القوة المشتركة) والقوات المسلحة السودانية عمليات عسكرية واسعة في محور كردفان، واستردت مناطق أم صميمة وكازقيل والحمادي وأبو قعود، وألحقت خسائر فادحة في الأرواح والعتاد بـ(قوات الدعم السريع)».

وأضاف في بيان صحافي: «تمكنت قواتنا من تدمير 40 عربة قتالية والاستيلاء على 43 عربة أخرى بكامل عتادها، وتواصل مطاردة القوات التي فرَّت من ساحة المعركة».

وأكد أن «القوة المشتركة» ماضية في العمليات العسكرية بالتنسيق مع الجيش والقوات المساندة في استعادة كل الأراضي التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع».

ولم يتسنّ التحقق بصورة مستقلة من بيان «القوة المشتركة» بشأن السيطرة على تلك المناطق.

وتتكون القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح، التي انضمت في وقت سابق للقتال في صفوف الجيش السوداني ضد «قوات الدعم السريع»، من قوات «حركة العدل والمساواة»، بقيادة جبريل إبراهيم، و«حركة/جيش تحرير السودان» بزعامة حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي.

رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال زيارته الأخيرة لموسكو في 30 أكتوبر (إ.ب.أ)

في المقابل، أفادت منصات إعلامية موالية لــ«قوات الدعم السريع» بأن قواتها نصبت كمائن للقوة المهاجمة، وقتلت أعداداً كبيرة منهم، واستولت على عربات قتالية بكامل عتادها العسكري، كما استعادت السيطرة على المناطق مرة أخرى.

ورجحت انسحاب الجيش إلى مدينة الأبيّض عاصمة ولاية شمال كردفان بعد الضربات التي تلقاها في محاور كردفان المختلفة.

وعادة لا يعترف طرفا الحرب بخسارة أي منطقة، إلا بعد أن يعلن أحدهما السيطرة الكاملة عليها.

وتأتي هذه التطورات العسكرية بعد أن استطاعت قوات الجيش والقوات المساندة لها في الأشهر الماضية استرداد مناطق مهمة في ولاية شمال كردفان، وفي الوقت نفسه تحاول التقدم للسيطرة على ولاية غرب كردفان الغنية بالنفط.

ومنذ عدة أيام، تواترت أنباء عن أن الجيش يمهد لشن هجمات مضادة واسعة النطاق لاستعادة الأراضي التي سيطرت عليها «قوات الدعم السريع» في غرب كردفان.

وفي وقت سابق، تبادل كل من الجيش و«الدعم السريع» السيطرة على بلدتَي «كازقيل» و«الحمادي»، أكثر من مرة.

ولم يعلن الجيش رسمياً عن تحركاته، لكن قادته تحدثوا في وقت سابق عن معارك مرتقبة في عدة محاور لاسترداد المناطق التي يسيطر عليها «الدعم السريع»، مشيرين إلى أن الهدف استعادة مدن ولاية غرب كردفان، لفتح الطريق أمام إقليم دارفور، غرب البلاد.


الرئيس الموريتاني يتعهد حماية البلاد «من الفساد والمفسدين»

الرئيس الموريتاني أعلن عن توجه حكومي لتحسين ظروف معيشة المواطنين (أ.ب)
الرئيس الموريتاني أعلن عن توجه حكومي لتحسين ظروف معيشة المواطنين (أ.ب)
TT

الرئيس الموريتاني يتعهد حماية البلاد «من الفساد والمفسدين»

الرئيس الموريتاني أعلن عن توجه حكومي لتحسين ظروف معيشة المواطنين (أ.ب)
الرئيس الموريتاني أعلن عن توجه حكومي لتحسين ظروف معيشة المواطنين (أ.ب)

أكد الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني أن موارد البلد «ستُرشّد وتُحمى من الفساد والمفسدين»، بما يجعلها كافية لتحقيق تطلعات المواطنين.

وقال الغزواني، خلال لقائه أطر ووجهاء وفاعلي ولاية نواكشوط الجنوبية مساء الخميس، إن تحسين أوضاع العاصمة لا يقتصر على تشييد الطرق والمنشآت، بل يتطلب تعاون الجميع، من حكومة ونخب ومواطنين، للمساهمة في رفع مستوى الوعي، وتغيير بعض السلوكيات. مشدداً على أن «الدولة وحدها لا تستطيع تحقيق ذلك»، ودعا إلى تضافر الجهود والعمل المشترك من أجل بلوغ الأهداف المنشودة، وخلال اللقاء أعلن الرئيس الموريتاني عن توجه حكومي لتكثيف الجهود الرامية إلى تحسين ظروف الحياة في العاصمة نواكشوط، من خلال تعزيز خدمات المياه والصحة والتعليم، وتطوير شبكة الطرق والمرافق العمومية. وأوضح أن المرحلة المقبلة ستركز على معالجة نقص المياه، وتوسيع التغطية الصحية، ودعم المستشفيات بالاختصاصيين، إلى جانب تحسين المؤسسات التعليمية وتوسعة الطرق نحو المناطق الطرفية. وأكد أن تنفيذ المطالب الخدمية «سيتم وفق الإمكانات المتاحة وبشكل تدريجي»، مشدداً على ضرورة منح العاصمة عناية تتناسب مع مكانتها بوصفها واجهة البلاد.

وتأتي هذه التوجهات بالتزامن مع إطلاق الشطر الثاني من البرنامج الاستعجالي لتنمية نواكشوط بميزانية ضخمة. ويتضمن البرنامج مشاريع في قطاعات الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والطرق، فضلاً عن المنشآت الرياضية وتأهيل الفضاءات العامة.

في سياق ذلك، أكد رئيس الجمهورية أن طموح الدولة لولاية نواكشوط الجنوبية يتمثل في الارتقاء بمستوى الخدمات والبنية التحتية، وتوفير مقومات العيش الكريم لجميع الأسر. مبرزاً أن الهدف هو أن تستعيد الولاية مكانتها وتصبح عاصمة تليق بسكانها، عبر توفير المرافق الأساسية والمنشآت الضرورية لمختلف الأنشطة الشبابية.

وأشار الغزواني إلى أن الولاية شهدت تحولات مهمة في البنية التحتية والخدمات الأساسية، وحصلت على النصيب الأكبر من تدخلات البرنامج الاستعجالي لتنمية مدينة نواكشوط. موضحاً أن زيارته للولاية تهدف إلى التواصل المباشر مع المواطنين، والاستماع إلى انشغالاتهم، والاطلاع على ظروفهم المعيشية، وتبادل الآراء بشأن القضايا التي تهمهم.

كما شدد الغزواني على أهمية توجيه الاستثمارات نحو تنشيط الاقتصاد المحلي، وتحسين الظروف المعيشية، وتعزيز الخدمات الأساسية، مؤكداً أن سكان جميع ولايات العاصمة يستحقون الاستماع إلى مطالبهم، دون استثناء.


مساعٍ صينية مكثفة لـ«التهدئة» بين دول القرن الأفريقي

ضابط شرطة يسير أمام عَلَمي إثيوبيا وإريتريا قبل زيارة الرئيس الإريتري إلى أديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)
ضابط شرطة يسير أمام عَلَمي إثيوبيا وإريتريا قبل زيارة الرئيس الإريتري إلى أديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)
TT

مساعٍ صينية مكثفة لـ«التهدئة» بين دول القرن الأفريقي

ضابط شرطة يسير أمام عَلَمي إثيوبيا وإريتريا قبل زيارة الرئيس الإريتري إلى أديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)
ضابط شرطة يسير أمام عَلَمي إثيوبيا وإريتريا قبل زيارة الرئيس الإريتري إلى أديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)

تحركات صينية مكثفة لخفض التصعيد في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مع زيارات يقوم بها حالياً أكثر من مبعوث صيني للمنطقة، تشمل إريتريا وإثيوبيا ومصر وجيبوتي.

تلك الجهود الصينية يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها تبلور وساطة قد تنجح في «تجميد الصراع» وليس تقديم تسوية نهائية.

واندلع تصعيد في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بدأته إثيوبيا منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مع إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية، وتبادل طرد دبلوماسيين مع مصر، وصولاً إلى غلق قنصلية سودانية قبل أيام، وسط مخاوف من اندلاع حرب إثيوبية - إريترية، بسبب النزاع في إقليم تيغراي بعد اتهامات إثيوبية لأسمرة بـ«دعم التمرد».

وأعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، في وقت سابق، أن الممثل الخاص للحكومة الصينية للشؤون الأفريقية ليو شيان فا سيزور إثيوبيا وجيبوتي ومصر خلال النصف الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، فيما سيزور المبعوث الخاص لوزارة الخارجية الصينية لشؤون القرن الأفريقي تشانغ تشون، إريتريا.

وبالفعل عقد ليو شيان فا اجتماعاً مع وزير الخارجية الإثيوبي جيديون تيموثيوس، وعبّر عن أمل بكين «في أن يهدأ الوضع في القرن الأفريقي في أقرب وقت ممكن»، مبدياً استعداد الصين «للعمل مع جميع الأطراف للاضطلاع بدور بنّاء في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة»، وفق بيان لـ«الخارجية الصينية»، الخميس.

ومساء الخميس، التقى رئيس إريتريا أسياس أفورقي، المبعوث الخاص الصيني لشؤون القرن الأفريقي، وركَّزت المحادثات الواسعة على العلاقات الثنائية والتطورات الجارية في المنطقة، فيما كرر المبعوث الصيني، موقف بكين «من أهمية احترام سيادة إريتريا وسلامة أراضيها»، حسب ما ذكره وزير الإعلام الإريتري يماني قبر مسقل عبر حسابه بمنصة «إكس».

ويرى الخبير الصيني في العلاقات الدولية، يحيى تشو شيوان، أن هذا التحرك «يعكس حرص الصين على القيام بدور بنّاء في تهدئة التوترات ومنع مزيد من التصعيد في منطقة القرن الأفريقي، في ظل تمتعها بعلاقات صداقة وتعاون مع كل من إثيوبيا وإريتريا، وهي تؤكد باستمرار احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وتدعو إلى معالجة الخلافات عبر الحوار والتشاور، بعيداً عن استخدام القوة أو التهديد بها».

ويعتقد أن «نجاح الجهود الدبلوماسية لا يتوقف على التحرك الصيني وحده الذي سيساعد في منع التصعيد، بل يعتمد بالدرجة الأولى على الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية واستعدادها للعودة إلى الحوار»، ويؤكد أن «مصر وجيبوتي دولتان مهمتان في هذه المعادلة، بحكم موقعهما الجغرافي ودورهما الإقليمي، ولذلك فإن التشاور معهما يُساعد على فهم مختلف الشواغل، وتعزيز الجهود الرامية إلى خفض التوترات».

ويرى المحلل السوداني المختص بالشأن الأفريقي محمد شمس الدين، أن «بكين تستشعر الخطر الاستراتيجي الذي قد ينجم عن أطماع إثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر». ويلفت إلى أن «الصين تسعى إلى سد الفراغ الدبلوماسي الغربي الذي غاب بصورة لافتة عن قضايا منطقة القرن الأفريقي؛ حيث تراجع الدور الأميركي في أسمرة وفي أديس أبابا»، مشيراً إلى أن «بكين تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها ضامناً أمنياً موثوقاً يحترم سيادة الدول، ولا يتدخل في شؤونها الداخلية».

ويتابع: «يتضح ذلك في حرصها على إيفاد مبعوثين للقاء القيادتين، في وقت متزامن لتأكيد وقوفها على مسافة واحدة من الطرفين ولعب دور ناقل الرسائل الموثوق سعياً منها لتخفيف حدة الاستقطاب».

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا يوليو 2018 (رويترز)

والتقى رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، الجمعة، رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف على هامش «القمة الثانية للأحزاب السياسية الأفريقية» التي تستضيفها أديس أبابا حالياً، وناقشا الحوكمة القارية والعمليات السياسية الشاملة وأولويات التنمية طويلة المدى وتعزيز قيادة أفريقيا والقضايا الرئيسية التي تُشكل مستقبل القارة، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الإثيوبية»، دون تفاصيل أكثر.

وأثارت إثيوبيا مخاوف أفريقية عقب إعلان تسلّم صفقة تضم مبدئياً 12 مقاتلة من طراز «سوخوي-35» من الجيل الرابع المطور «4++»، وقال رئيس وزراء إثيوبيا نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إنها تُعزز «قدرة إثيوبيا على الردع الاستراتيجي».

ويرى تشو شيوان، أن «الموقف الصيني يقوم على مبدأ أن الحلول يجب أن تنطلق من دول المنطقة نفسها، مع دعم دور الاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية»، متوقعاً أن «تكون الأولوية في المرحلة الحالية هي تهيئة الظروف للحوار، ووقف التصعيد، تمهيداً للتوصل إلى حل أشمل للأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر».

ووفق شمس الدين، فإن «بكين تتمتع بأوراق ضغط ومزايا تجعلها قادرة على إحداث اختراق لإنجاح هذه الوساطة المحفوفة بعدد من التحديات الإقليمية، وأبرز تلك الأوراق النفوذ والثقل الاقتصادي الواسع، كون طاولة الحوار الصينية أكثر قبولاً من المنابر الغربية»، على حد قوله.

ويرجح أن تنجح بكين في «تجميد الصراع» ومنع انزلاقه لمواجهة عسكرية مباشرة عبر إرساء قواعد اشتباك جديدة، لكنها «ستجد صعوبة بالغة في تحقيق تسوية نهائية تلبي الطموحات الجيوسياسية لإثيوبيا وإريتريا».