توقيع ميثاق لـ«المصالحة» الليبية بأديس أبابا في غياب بعض أطرافه

واكبته انتقادات وتساؤلات حول فحواه والخطوات المرتقبة لتنفيذه

أبو سبيحة خلال التوقيع على ميثاق لـ«المصالحة» الليبية (متداولة)
أبو سبيحة خلال التوقيع على ميثاق لـ«المصالحة» الليبية (متداولة)
TT

توقيع ميثاق لـ«المصالحة» الليبية بأديس أبابا في غياب بعض أطرافه

أبو سبيحة خلال التوقيع على ميثاق لـ«المصالحة» الليبية (متداولة)
أبو سبيحة خلال التوقيع على ميثاق لـ«المصالحة» الليبية (متداولة)

أثمرت جهود الاتحاد الأفريقي عن إقناع بعض الأطراف الليبية بالتوقيع على ميثاق لـ«المصالحة الوطنية» في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في إجراء واكبته انتقادات واسعة، وتساؤلات حول فحوى هذا الميثاق والخطوات المرتقبة لتنفيذه.

وفد المصالحة الليبي في إثيوبيا قبيل توقيع الميثاق (متداولة)

ووقع وفد ليبي يمثل بعض الأطراف السياسية على ميثاق «المصالحة»، بحضور رئيس جمهورية الكونغو، ورئيس اللجنة رفيعة المستوى للاتحاد الأفريقي بشأن ليبيا، دينيس ساسو نغيسو، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فكي. وكان من بين الموقعين أيضاً على الميثاق بعض الممثلين لنظام الرئيس الراحل معمر القذافي.

وأعلن مجلس السلم والأمن بالاتحاد الأفريقي، اليوم الجمعة، توقيع ميثاق السلام والمصالحة في ليبيا بين عدة أطراف ليبية فاعلة، دون أن يوضح في البيان، الذي نشر على منصة «إكس»، الأطراف الموقعة على هذا الميثاق، إلا أنه وصف التوقيع بأنه «خطوة رئيسية» في جهود الاتحاد لدعم السلام والمصالحة في ليبيا.

فريق سيف القذافي يوقع على الميثاق (متداولة)

وقال موسى إبراهيم، القيادي السابق بنظام القذافي، عبر حسابه على «فيسبوك»، صباح الجمعة، إن لجنة المصالحة الوطنية الليبية وصلت أديس أبابا «لتوقيع ميثاق المصالحة الليبية الشامل تحت رعاية الاتحاد الأفريقي».

ومنذ رحيل نظام الرئيس معمر القذافي عام 2011، شهدت ليبيا اشتباكات وخلافات مناطقية، بعضها يرتبط بتصفية حسابات مع النظام السابق، وبعضها الآخر كرّسه الانقسام السياسي الذي عرفته البلاد منذ بداية 2014.

من جهته، انتقد موسى الكوني، نائب المجلس الرئاسي، عدم حضور بعض الأطراف الليبية للتوقيع على الميثاق، قائلاً: «وإذ أُحمل تقاعس القيادات السياسية، شرقاً وغرباً، عن الحضور اليوم لتوقيع ميثاق المصالحة الوطنية في أديس أبابا، مسؤولية تأخر ليبيا عن موعدها مع الصلح ولمّ الشمل، وكأن ذلك القصد. أشدد على أنه كان ينتظر الوطن عرساً تاريخياً للتصالح، ألتف حوله قادة أفريقيا والعالم... ذلكم يبقى الهدف والأمانة».

وفد المصالحة التابع للمرشح الرئاسي سيف الإسلام معمر القذافي

وحظي التوقيع على الميثاق بانتقادات واسعة وتساؤلات ليبية عدة، إذ قال الصحافي الليبي بشير زعبية، رئيس تحرير موقع وجريدة «الوسط»: «كلنا نأمل في مصالحة وطنية واقعية قابلة للتطبيق والصمود، لكن التوقيع أطلق مجموعة من التساؤلات المتعلقة بفحوى مشاريع هذه المصالحات، وبين من؟ ومن ستكون؟ وكيف سيجري تحقيقها على الأرض؟ ومن سيديرها ويشرف على تنفيذها؟ وما هي الضمانات التي ستقدم إلى المتصالحين؟».

وخلال العامين الماضيين، احتضنت مدن ليبية كثيرة اجتماعات اللجنة التحضيرية لمؤتمر المصالحة، التي رعاها «المجلس الرئاسي». وظلت المساعي تُبذل على أمل عقد «مؤتمر وطني جامع للمصالحة» بمدينة سرت في 28 أبريل (نيسان) الماضي، لكنها تعثرت بعد تفاقم الخلافات.

وفد المصالحة التابع للمرشح الرئاسي سيف الإسلام معمر القذافي (متداولة)

وضم الوفد الليبي إلى إثيوبيا 18 شخصية، من بينهم عضو مجلس النواب ميلود الأسود، بالإضافة إلى 4 شخصيات تمثل سيف الإسلام القذافي هم: إبراهيم، وفرج بلق، ومحمد دبدوب، وعلي أبو سبيحة، رئيس الفريق الممثل لسيف الإسلام معمر القذافي، رئيس المجلس الأعلى لقبائل ومدن الجنوب.

وبحسب تصريح اللواء فوزي المنصوري، مدير إدارة الاستخبارات العسكرية التابعة للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني» لـ«الشرق الأوسط» فإنه «لم يشارك أي ممثلين عن شرق ليبيا، سواء القيادة العامة أو الحكومة المكلفة من البرلمان، في التوقيع على ميثاق المصالحة».

وقبيل الإعلان عن توقيع ميثاق المصالحة، انتقد عدد من السياسيين والنشطاء القيام بهذه الخطوة، دون التطرق إلى عملية «جبر الضرر»، ونقلت وسائل إعلام محلية عن الناشطة السياسية وعضوة مجلس سياسات سابق بـ«الحزب الديمقراطي»، سهيلة الفلاح، قولها إن «المصالحة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون قول الحقيقة، وجبر الضرر، وتعويض الضحايا، ومحاسبة المتهمين بارتكاب الجرائم».

واستبقت لقاء الوفد الليبي إلى أديس أبابا، أحديث رسمية عن قرب التوقيع على الميثاق الخاص بالمصالحة، وهو ما عكسه مفوض الاتحاد الأفريقي للشؤون السياسية والسلام والأمن، بانكولي أديوي، خلال لقاء جمعه مع وزير خارجية جمهورية الكونغو برازافيل، جان كلود جاكوسو، لمناقشة الاستعدادات لتوقيع الميثاق، الذي يجرى على هامش اجتماعات القمة الأفريقية، حسب منشور للمسؤول الأفريقي عبر حسابه على منصة «إكس».

المنفي لدى وصوله إلى أديس أبابا (المكتب الإعلامي لرئيس المجلس الرئاسي)

ووصل محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، بعد ظهر اليوم (الجمعة)، إلى العاصمة الإثيوبية، مقر الاتحاد الأفريقي، للمشاركة في أعمال الدورة العادية الـ38 لمؤتمر قمة الاتحاد الأفريقي. وأشار المكتب الإعلامي لرئيس المجلس الرئاسي، في بيان مقتضب، إلى إجراء مراسم رسمية لاستقبال المنفي.

وسبق أن تلقى القائد العام لـ«الجيش الوطني»، المشير خليفة حفتر، دعوة في 27 يناير (كانون الثاني) الماضي من رئيس اللجنة الأفريقية رفيعة المستوى بشأن ليبيا، رئيس الكونغو برازافيل، دينيس ساسو نغيسو، لحضور قمة الاتحاد الأفريقي.

خلال استقبال المنفي في إثيوبيا (المجلس الرئاسي)

ولم تحدد القيادة العامة ما إذا كان حفتر سيحضر القمة، أو أنه سيكلف أحداً نيابة عنه. علماً أن نجله الصديق تم تكليفه بمهام الهيئة الوطنية لمشايخ وأعيان ليبيا ولجان المصالحة الوطنية، بالإضافة إلى اللجنة التنسيقية لحراك لمّ الشمل وتوحيد الصف الوطني، وفق قرار صادر عن «القيادة العامة».


مقالات ذات صلة

تحركات أممية وأميركية لدفع المسار السياسي في ليبيا

شمال افريقيا الزادمة نائب رئيس حكومة «الوحدة» خلال لقائه خوري نائبة المبعوثة الأممية لدى ليبيا (مكتب الزادمة)

تحركات أممية وأميركية لدفع المسار السياسي في ليبيا

تكثف الأمم المتحدة تحركاتها في ليبيا لدفع التوافق الوطني والتمهيد للانتخابات، عبر توحيد المؤسسات السياسية والأمنية والاقتصادية بالتنسيق مع الشركاء الدوليِّين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا صورة عامة لحقل الشرارة النفطي في ليبيا (رويترز - أرشيفية)

مؤسسة النفط الليبية: قد نضطر لإعلان حالة القوة القاهرة بعد إغلاق حقول

علّقت ليبيا الإنتاج والعمليات في ثلاثة حقول نفطية بعد إغلاق غير قانوني لخط رئيسي، محذرة من إعلان القوة القاهرة إذا استمر التعطيل.

«الشرق الأوسط» (طرابلس)
العالم العربي وزير العمل المصري حسن الرداد يلتقي نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية في القاهرة أمس الاثنين (وزارة العمل الليبية)

مباحثات ليبية - مصرية لتطوير برامج التأهيل وتنظيم استقدام العمالة

بحث وزيرا العمل في مصر وليبيا تنظيم أوضاع العمالة المصرية وتسهيل إجراءات دخولها، إلى جانب تعزيز التعاون في مجالات التشغيل والتأهيل والربط الإلكتروني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
رياضة عربية المغربي سفيان بوفال إلى الاتحاد الليبي (نادي الاتحاد)

المغربي سفيان بوفال إلى الاتحاد الليبي

أعلن نادي الاتحاد المنافس في الدوري الليبي لكرة القدم الاثنين تعاقده مع لاعب الوسط الهجومي المغربي سفيان بوفال.

«الشرق الأوسط» (طرابلس (ليبيا))
شمال افريقيا خلال إخماد النيران التي اندلعت في الطائرة بعد هبوطها في مطار مصراتة الليبي يوم الاثنين (وسائل إعلام محلية)

تحطّم طائرة تركية خاصة بمطار مصراتة يثير هواجس المؤامرة في ليبيا

أثار تحطم طائرة خاصة بمطار مصراتة تساؤلات حول أسباب الحادث، فيما أرجعت السلطات الواقعة إلى خروجها عن المدرج؛ ونجا أفراد طاقم الطائرة الثلاثة.

جمال جوهر (القاهرة)

تحركات أممية وأميركية لدفع المسار السياسي في ليبيا

الزادمة نائب رئيس حكومة «الوحدة» خلال لقائه خوري نائبة المبعوثة الأممية لدى ليبيا (مكتب الزادمة)
الزادمة نائب رئيس حكومة «الوحدة» خلال لقائه خوري نائبة المبعوثة الأممية لدى ليبيا (مكتب الزادمة)
TT

تحركات أممية وأميركية لدفع المسار السياسي في ليبيا

الزادمة نائب رئيس حكومة «الوحدة» خلال لقائه خوري نائبة المبعوثة الأممية لدى ليبيا (مكتب الزادمة)
الزادمة نائب رئيس حكومة «الوحدة» خلال لقائه خوري نائبة المبعوثة الأممية لدى ليبيا (مكتب الزادمة)

كثَّفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تحركاتها السياسية والأمنية خلال الأيام الأخيرة، في مسعى لدفع مسار التوافق بين الأطراف الليبية، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية، بالتزامن مع بحث ملفات الأمن، والتنمية، والهجرة غير النظامية.

وفي أحدث هذه التحركات، بحث سالم الزادمة، نائب رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، مع نائبة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، ستيفاني خوري، مستجدات الوضع السياسي، وجهود البعثة الأممية، إلى جانب المبادرات والمسارات السياسية المطروحة، ونتائج اجتماعات خطة «4 + 4»، وما أسفرت عنه من توصيات ومخرجات.

الزادمة نائب رئيس حكومة «الوحدة» مع خوري (مكتب الزادمة)

وشدَّد الزادمة خلال اللقاء، بحسب بيان أصدره مكتبه، على أهمية حضور مختلف المناطق الليبية في الأطر والمسارات السياسية، مؤكداً «ضرورة إشراك فزان بصورة فاعلة في أي مسار سياسي موحد، وضمان حصولها على حقوقها في التمثيل السياسي، بما يعكس مكانتها ودورها في المشهد الوطني».

كما تناول اللقاء عدداً من الملفات المتعلقة بالمنطقة الجنوبية، من بينها دعم جهود التنمية، وتحسين مستوى الخدمات، بما يسهم في تعزيز، والاستجابة لتطلعات المواطنين في فزان ومختلف مناطق الجنوب.

وأكد الجانبان أهمية استمرار الحوار والتنسيق ودعم الجهود، الرامية إلى تحقيق الاستقرار والسلام في ليبيا، والتَّوصُّل إلى حلول سياسية توافقية تراعي مصالح مختلف المناطق والمكونات الليبية.

كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

ووقَّع أعضاء لجنة «4 + 4» على الاتفاق النهائي برعاية أممية في نهاية الشهر الماضي، في خطوة تهدف إلى دفع المسار الانتخابي؛ بينما كانت واشنطن تعمل على «مبادرة أميركية»، تقول إنها تستهدف إنهاء الانقسام السياسي والعسكري والأمني في ليبيا.

غير أن مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية، قال: «إن المبادرتين الأميركية والأممية مكملتان لبعضهما». وأضاف خلال مشاركته في قمة الإعلام العربي في دبي الثلاثاء: «شجعنا ونسقنا الاتفاق الأخير بإشراف الأمم المتحدة»، في إشارة إلى ما نتج عن «4 + 4». وأوضح أن المبادرة الأميركية في ليبيا ستتركز أساساً على «كيفية إدارة مرحلة السنتين اللتين ستمهدان للانتخابات». وقال بهذا الخصوص: «نعمل مع الأتراك ومصر والإمارات وقطر وغيرهم على إنجاح توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية؛ فليبيا من أغنى البلدان العربية والأفريقية، وشعبها يستحق العيش في رفاهية».

وينصُّ الاتفاق على تعديلات في الإطار الانتخابي، من بينها إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ظلِّ سلطة تنفيذية موحدة، والتزام الأطراف بالعمل على إجراء الانتخابات خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً. كما ينصُّ على عرض الاتفاق على مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لاعتماده خلال شهر، وإنشاء آلية متابعة لدعم تنفيذ بنوده.

وتشير التسريبات إلى مقترح يقضي بتولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي خلفاً لمحمد المنفي، مقابل استمرار رئيس حكومة «الوحدة»، عبد الحميد الدبيبة، على رأس حكومة موحدة.

والتقت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، سفير بنغلاديش لدى ليبيا، محمد حبيب الله، مساء الاثنين، حيث ناقشا التطورات السياسية، بما في ذلك خريطة الطريق التي تيسرها البعثة، إلى جانب قضايا الهجرة غير النظامية. وأشاد السفير بالجهود التي أفضت إلى توقيع اتفاق الاجتماع المصغر، معرباً عن دعم بلاده لجهود الأمم المتحدة، الرامية إلى تعزيز الاستقرار السياسي في ليبيا.

المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في ليبيا خلال لقائها سفير الجامعة العربية لدى ليبيا الشيخ المختار محمد محمود (البعثة الأممية)

كما بحثت تيتيه مع سفير الهند لدى ليبيا، حفيظ الرحمن، التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية في البلاد، بما في ذلك العملية السياسية، التي تيسرها الأمم المتحدة، والاتفاق الذي توصَّل إليه الاجتماع المصغر.

وعلى المسار الأمني، التقت تيتيه، رفقة نائبتها ستيفاني خوري، مساء الاثنين، أعضاء لجنة الترتيبات الأمنية بالمنطقة الغربية، برئاسة الفريق مصطفى يحيى، رئيس اللجنة وعضو اللجنة العسكرية المشتركة «5 + 5». واستعرض الاجتماع التقدم المحرز في تنفيذ الترتيبات الأمنية بمنطقة الساحل الغربي، والجهود الرامية إلى تعزيز التنسيق بين الجهات الأمنية المختلفة، ودعم تنفيذ التدابير المتفق عليها لتعزيز الاستقرار.

في سياق متصل، بحثت نائبة الممثلة الخاصة للأمين العام والمنسقة المقيمة للأمم المتحدة في ليبيا، أولريكا ريتشاردسون، مع سفير جامعة الدول العربية لدى ليبيا، الشيخ المختار محمد محمود، فرص تعزيز التعاون لدعم أولويات التنمية في البلاد.

وركز اللقاء، بحسب البعثة الأممية، الثلاثاء، على الحوكمة الاقتصادية وتعزيز المؤسسات الوطنية، ودفع التنمية الاقتصادية الشاملة، إلى جانب بحث الاستفادة من تجارب الدول العربية المجاورة في مواجهة الاقتصاد غير المشروع، وشبكات الاتجار بالبشر والتهريب، بما يدعم وحدة أراضي ليبيا وتنميتها المستدامة.

كما ناقش الجانبان تحديات الهجرة التي تواجهها ليبيا، وجهود الأمم المتحدة في دعم السلطات الوطنية لمواجهتها، في ضوء الحوادث الأخيرة التي استهدفت مقار الأمم المتحدة.

وجدَّدت ريتشاردسون التأكيد على أن الأمم المتحدة لم تشارك في أي وقت، ولا تشارك حالياً، في إعادة توطين المهاجرين أو الأجانب في ليبيا، مؤكدة التزام المنظمة بمواصلة العمل مع الشركاء الإقليميِّين والدوليِّين، ومن بينهم جامعة الدول العربية؛ دعماً للسلام والاستقرار والحوكمة الفعالة في البلاد.

وتعكس هذه التحركات تعدد المسارات، التي تعمل عليها البعثة الأممية في ليبيا، بين دفع العملية السياسية، وتعزيز الترتيبات الأمنية ودعم التنمية والحوكمة، بالتوازي مع استمرار المشاورات مع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية؛ بهدف بناء توافق، يمهِّد لإجراء انتخابات وطنية وتحقيق استقرار مستدام.


مصر تنتقد مساعي فرض «البروتوكول الإضافي» على الأنشطة النووية السلمية

وزير الكهرباء المصري محمد عصمت يلقى كلمة أمام المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية (وزارة الكهرباء)
وزير الكهرباء المصري محمد عصمت يلقى كلمة أمام المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية (وزارة الكهرباء)
TT

مصر تنتقد مساعي فرض «البروتوكول الإضافي» على الأنشطة النووية السلمية

وزير الكهرباء المصري محمد عصمت يلقى كلمة أمام المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية (وزارة الكهرباء)
وزير الكهرباء المصري محمد عصمت يلقى كلمة أمام المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية (وزارة الكهرباء)

أكدت مصر رفضها القاطع لأي مساعٍ من شأنها اعتبار الانضمام إلى «البروتوكول الإضافي» شرطاً مسبقاً للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وشددت في الوقت نفسه على التزامها بأعلى معايير الأمن والأمان في برنامجها النووي.

جاء ذلك خلال إلقاء وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، محمد عصمت، بيان مصر أمام المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في دورته السبعين، والمنعقد خلال الفترة من 14 إلى 18 سبتمبر (أيلول) الحالي بالعاصمة النمساوية فيينا، وفق بيان لوزارة الكهرباء المصرية، الثلاثاء.

وأوضح عصمت خلال كلمته أن الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية حقٌ أصيل لجميع الدول بموجب معاهدة عدم الانتشار، وأن بلاده تواصل أنشطة البحث والتطوير في مجالات الاستخدامات السلمية للطاقة والتطبيقات النووية بما يتوافق مع «رؤية مصر 2030».

ولم تنضم مصر إلى «البروتوكول الإضافي» الذي يمنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية حقوقاً موسَّعة للحصول على المعلومات والدخول إلى المواقع في الدول.

وبدءاً من مارس (آذار) 2023، أصبحت «البروتوكولات الإضافية نافذةً مع 141 دولة، ووقَّعت 13 دولة أخرى على بروتوكول إضافي، لكنها لم تُدخلها بعد حيّز النفاذ»، بحسب الموقع الرسمي للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

جانب من العمل في محطة الضبعة النووية (هيئة الاستعلامات المصرية)

واستعرض وزير الكهرباء المصري جهود التعاون بين بلاده والوكالة الدولية بشأن معايير أمان المشروع النووي المصري، وأشار إلى مشاركة مصر في المؤتمر الاستعراضي لاتفاقية الأمان النووي في أبريل (نيسان) 2026 عقب تقديم تقريرها الوطني المفصل، إلى جانب استضافتها في يوليو (تموز) الماضي بعثة خدمة المراجعة الرقابية المتكاملة التابعة للوكالة.

وأوضح أن فريق المراجعة الدولي خلص إلى أن مصر تمتلك منظومة رقابية شاملة وراسخة للأمان النووي والإشعاعي، تغطي جميع المنشآت والأنشطة النووية والإشعاعية، مشيراً إلى أنها أصبحت مركزاً إقليمياً لدعم الأمن النووي، وتلعب دوراً ملموساً وفعالاً في أنشطة التوعية والتدريب على مستوى منطقتي الشرق الأوسط والقارة الأفريقية.

وأكد الوزير التزام بلاده، في ممارسة جميع أنشطتها النووية السلمية، بالشفافية الكاملة في إطار التزاماتها القانونية بموجب «معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية» و«اتفاق الضمانات الشاملة».

وشدد في الوقت نفسه على «الطبيعة الطوعية للبروتوكول الإضافي»، وقال إن مصر «ترفض رفضاً قاطعاً أية مساعٍ من شأنها فرض الانضمام لهذا البروتوكول الطوعي كشرط مسبق للتعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية، أو الربط بينه وبين الالتزامات القانونية بموجب معاهدة عدم الانتشار».

التفتيش والسيادة

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، قال نائب رئيس هيئة المحطات النووية المصرية الأسبق، علي عبد النبي، إن مصر تعد من الدول التي شاركت في صياغة «معاهدة عدم الانتشار النووي»، ووقَّعت عليها منذ ستينيات القرن الماضي، لكنها لم توقع على «البروتوكول الإضافي» الذي يسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تفتش مواقع عسكرية، وهو أمر تعده الدول التي ترفض التوقيع «تعدياً على السيادة».

وأضاف: «البروتوكول الإضافي يحمل صفة طوعية لمن يريد الانضمام إليه، والموقف المصري الحالي هو تأكيد رفض أي محاولات للربط بين التوقيع عليه وبين التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن الأنشطة النووية السلمية، وأن الأساس هو التوقيع على معاهدة حظر الانتشار النووي والالتزام بها».

ولفت إلى أن الموقف المصري ركز أيضاً على حق جميع الدول في تخصيب اليورانيوم للاستخدامات السلمية، وفق ما جاء في «معاهدة عدم الانتشار النووي»، مشيراً لوجود تنسيق مستمر مع الوكالة الدولية بشأن «محطة الضبعة» النووية واشتراطاتها الأمنية، خصوصاً في ظل انتظام خطوات إنشاء المشروع في وقت تلتزم فيه الجهات المسؤولة عن بناء المحطة بالجدول الزمني المحدد.

جانب من تركيب مكون الحماية الجافة للمفاعل الثالث (هيئة الاستعلامات المصرية)

محطة الضبعة

استعرض وزير الكهرباء والطاقة المتجددة المصري في كلمته آخر التطورات التي يشهدها المشروع النووي المصري السلمي لتوليد الكهرباء من خلال «محطة الضبعة»، مشيراً إلى أن المشروع شهد تقدماً نوعياً في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تمثل في تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الأولى، بمشاركة الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والروسي فلاديمير بوتين عبر تقنية «الفيديو كونفرانس»، إلى جانب توقيع أمر شراء الوقود النووي.

وأضاف أنه خلال عام 2026، اكتمل تصنيع معدات نووية رئيسية للوحدة الأولى، تشمل التوربينات ومثبت الضغط ومولدات البخار؛ كما تم في التاسع من يوليو تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الثانية بحضور المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وأوضح أن الأعمال تتواصل في الوحدات الأربع بالتوازي مع التقدم في الحصول على وسيلة اختبارات ما قبل التشغيل للوحدة الأولى وحيازة المواد النووية تمهيداً لاستقبال الشحنة الأولى من الوقود النووي.

وأكد عصمت على محورية دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية بوصفها الجهة الوحيدة المعنية بالتحقق النووي، ومتابعة تنفيذ اتفاق الضمانات الشاملة، مطالباً الدول الأعضاء والمدير العام وأمانة الوكالة بتكثيف الجهود لتحقيق عالمية الاتفاق.

وكشف أن مصر ستطرح مجدداً خلال العام الحالي مشروع قرار تطبيق ضمانات الوكالة في الشرق الأوسط، بوصفه خطوة أساسية لإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في المنطقة.

وقال إن تلك الخطوة أصبحت أكثر إلحاحاً في ضوء التطورات الخطيرة التي تشهدها المنطقة، داعياً الدول المُحبة للسلام إلى دعم القرار.


تحذيران أمميان من انفجار الأزمة الإنسانية في السودان

سودانية خُطف زوجها منذ أكثر من عام ولا تزال تبحث عنه (أرشيفية - أ.ب)
سودانية خُطف زوجها منذ أكثر من عام ولا تزال تبحث عنه (أرشيفية - أ.ب)
TT

تحذيران أمميان من انفجار الأزمة الإنسانية في السودان

سودانية خُطف زوجها منذ أكثر من عام ولا تزال تبحث عنه (أرشيفية - أ.ب)
سودانية خُطف زوجها منذ أكثر من عام ولا تزال تبحث عنه (أرشيفية - أ.ب)

ازدادت مؤشرات اقتراب السودان من انفجار أزمة إنسانية غير مسبوقة تُعدُّ الأشد خطورةً، بعدما أطلقت منظمتان تابعتان للأمم المتحدة تحذيرَين متزامنين من أن يؤدي النقص الحاد في التمويل إلى تقليص المساعدات الغذائية، وانهيار نظام رئيسي لإيصال مواد الإغاثة خلال أسابيع، في وقت يعاني فيه نحو 20 مليون شخص من الجوع الحاد.

وحذَّرت المنظمة الدولية للهجرة، الاثنين، من أن النظام الذي تديره لإيصال المساعدات الإنسانية إلى السودان، وتستخدمه أكثر من 100 منظمة غير حكومية محلية ودولية، قد ينهار «خلال أسابيع» إذا لم يتوفر تمويل جديد.

تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (يونيسف)

وقالت المديرة العامة للمنظمة، آمي بوب، في بيان صدر في جنيف: «قد ينهار النظام الإنساني بأكمله خلال أسابيع إن لم نتحرَّك الآن... من دون تمويل جديد لن نتمكَّن من إيصال المساعدات إلى حيث تتعاظم الحاجة إليها».

وفي تحذير متزامن، قال القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، كارل سكاو، إن البرنامج قد يضطر إلى تقليص عملياته في السودان بصورة كبيرة خلال الأسابيع المقبلة؛ بسبب نقص التمويل، رغم أن البلاد تواجه ما وصفها بأنها «أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم».

وأدلى سكاو بتصريحاته للصحافة من مسقط في سلطنة عُمان، عقب زيارة إلى السودان استمرَّت 8 أيام، شملت الخرطوم والأبيض والفاشر وطويلة، وقف خلالها على أوضاع النازحين، والجوع، وصعوبات وصول المساعدات إلى مناطق النزاع.

سودانية تقوم بزرع البذور في حقل زراعي بولاية القضارف شرق السودان (أ.ف.ب)

وقال إن نحو 20 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد، بينما يبلغ عدد النازحين 14 مليوناً، ويواجه نحو 5 ملايين شخص مستوى «الطوارئ» من انعدام الأمن الغذائي، وفق المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، بينما يوجد نحو 200 ألف في المرحلة الخامسة، وهي أشد المستويات خطورة.

ويصل برنامج الأغذية العالمي إلى ما بين 4 و5 ملايين شخص شهرياً، بينهم ما بين مليونَين، ومليونين ونصف المليون في المناطق التي يصعب الوصول إليها، لكن سكاو قال إن التمويل أصبح العقبة الرئيسية أمام استمرار هذه العمليات.

وأضاف سكاو: «عملياتنا تعاني نقصاً شديداً في التمويل، وهناك خطر بأن نضطر إلى تقليصها بصورة كبيرة خلال الأسابيع القليلة المقبلة، ما لم يتوفر مزيد من التمويل».

ويتقاطع تحذير برنامج الأغذية العالمي مع أزمة مماثلة تواجه المنظمة الدولية للهجرة، التي تدير «خط الإمداد الإنساني المشترك»، وهو نظام لوجستي يمكِّن أكثر من 100 منظمة غير حكومية من إدخال المساعدات غير الغذائية، بما فيها الخيام ومستلزمات الإيواء والصرف الصحي والأدوات المنزلية الطارئة.

الدخان يتصاعد فوق المباني بعد قصف جوي في الخرطوم بالسودان عام 2023 (رويترز)

ووصلت المساعدات عبر هذا النظام إلى نحو مليونين و840 ألف شخص منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، لكن تراجع التمويل أدى إلى انكماش حاد في نطاق المستفيدين، من أكثر من مليون شخص عام 2024 إلى 330 ألفاً فقط خلال العام الحالي.

وحذَّرت المنظمة الدولية للهجرة من أنه، من دون دعم فوري من المانحين، يتوقع أن تنفد مخزونات الملاجئ ومواد الصرف الصحي والأدوات المنزلية المخصصة للإغاثة الطارئة بحلول نهاية سبتمبر (أيلول) الحالي، مشيرة إلى أنَّ التَّعرُّض الطويل للظروف الجوية القاسية والأمراض وانعدام الأمن قد يزيد مخاطر العنف.

تجربة مروعة

وتظهر آثار نقص التمويل بالفعل في بلدة «طويلة» بشمال دارفور، التي يقترب عدد الموجودين فيها من مليون شخص. وقال سكاو إن برنامج الأغذية العالمي يقدِّم المساعدات إلى نحو 950 ألف شخص شهرياً هناك، لكنه لا يستطيع توفير سوى نصف الحصة الغذائية.

الحرب شرَّدت ملايين السودانيين بين نزوح بالداخل ولجوء في الخارج (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقال: «نحن نوفر لهم الطعام الذي يكفيهم لأسبوعين فقط، ويتم ذلك كل شهر»، مشيراً إلى أن المنطقة تضم أعداداً كبيرة من الأسر التي تعيلها نساء، فقدت الكثيرات منهن أزواجهن وأبناءهن، وسط نقص في المأوى والرعاية الصحية والتعليم والخدمات الأساسية.

وفي الفاشر، وصف سكاو مشاهداته بأنها «تجربة مروعة». وقال إن المدينة التي كانت تضم نحو مليون شخص، لم يبقَ فيها سوى عشرات الآلاف، وإنه شاهد منازل مثقوبة بالرصاص، وسيارات محترقة، وغياباً شبه كامل للأسواق والنشاط الاقتصادي.

ويقدِّم البرنامج مساعدات غذائية منقذة للحياة لنحو 20 ألف شخص في المدينة. وقال سكاو إن هذه المساعدات هي «الشيء الوحيد الذي يعتمد عليه الأشخاص الذين ما زالوا هناك».

أما مخيم زمزم للنازحين، الذي مرَّ به المسؤول الأممي في طريقه من الفاشر إلى طويلة، فوصفه بأنه «مكان مهجور بالكامل»، بعد تدمير الأكواخ والمنازل الصغيرة وخلوه من السكان.

وفي كردفان، حيث قال سكاو إن القتال يتصاعد، وإن مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان تواجه ضغطاً متزايداً جراء استمرار تدفق النازحين، مشيراً إلى تضاعف عدد سكان المدينة تقريباً مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، بينما تجاوزت مخيمات النزوح الـ8 الموجودة فيها فيها طاقتها الاستيعابية.

طوابير من النساء والأطفال لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزَّع في مخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأبيض بمنطقة جنوب كردفان (أ.ف.ب)

وبسبب نقص الموارد، قال سكاو إن برنامج الأغذية العالمي أصبح مضطراً إلى إعطاء الأولوية للنازحين الجدد، مقابل وقف المساعدات عن بعض الذين نزحوا قبل 3 سنوات، رغم عدم قدرتهم على العودة إلى مناطقهم أو العثور على فرص عمل.

ولا تقتصر المخاطر على الحرب ونقص التمويل، إذ حذَّر المسؤول الأممي من جفاف في دارفور قال إن الإقليم لم يشهد مثله منذ عام 1984، وسط مخاوف من تأثيره في الزراعة والثروة الحيوانية، وبالتالي زيادة الضغط على مصادر الغذاء.

ورغم استمرار الصعوبات الأمنية والقيود على عبور خطوط القتال، قال سكاو إن البرنامج أصبح يمتلك قدرةً ميدانيةً على العمل وإيصال الغذاء إلى دارفور عبر تشاد والكاميرون، وإلى كردفان من بورتسودان والخرطوم، إلا أن نقص الأموال يمنعه من الاستفادة الكاملة من هذه القدرة، بقوله: «لدينا الآن القدرة، ولدينا الوجود، لكننا لا نستفيد بصورة كاملة من هذه المساحة بسبب نقص التمويل».

وتضع التحذيرات المتزامنة من برنامج الأغذية العالمي والمنظمة الدولية للهجرة منظومة الإغاثة أمام أسابيع حاسمة، إذ يهدِّد نقص التمويل في وقت واحد إمدادات الغذاء والمأوى والصرف الصحي والمواد الأساسية، بينما تتسع الاحتياجات بفعل النزوح والقتال والجفاف.

ودعا سكاو إلى تحرُّك سياسي لإنهاء الحرب، وإلى توفير التمويل اللازم لاستمرار المساعدات الإنسانية، قائلاً: «لا يمكننا الاستمرار في خذلان هؤلاء الناس. علينا أن نوفر لهم الأساسيات».