مؤتمر باريس لدعم سوريا مستعد للكثير مقابل تعهدات وضمانات

فرنسا ستعيد فتح سفارتها في دمشق وماكرون يدعو «قسد» للاندماج في الجيش الوطني

المشاركون في المؤتمر الدولي حول سوريا بباريس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
المشاركون في المؤتمر الدولي حول سوريا بباريس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
TT

مؤتمر باريس لدعم سوريا مستعد للكثير مقابل تعهدات وضمانات

المشاركون في المؤتمر الدولي حول سوريا بباريس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
المشاركون في المؤتمر الدولي حول سوريا بباريس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

حدد الرئيس الفرنسي في كلمته الختامية لمؤتمر دعم سوريا الذي استضافته باريس، الخميس، التحديات الأربعة التي تواجهها سوريا، واستعداد الأسرة الدولية للوقوف إلى جانبها.

وأكد إيمانويل ماكرون ما كانت قد أشارت إليه مصادر الإليزيه، الأربعاء، بـ«العودة السريعة للأنشطة الدبلوماسية» مع سوريا، ما يعني إعادة فتح السفارة الفرنسية في دمشق، وبذلك تكون باريس أول عاصمة غربية تقوم بهذا العمل، كما يعني أن عواصم غربية أخرى ستتشجع بعد الخطوة الفرنسية وتحذو حذو باريس.

وبينما عدّ ماكرون استمرار وجود «داعش» شكل مصدر خطر على كل العملية الانتقالية في سوريا، وعلى جيرانها، لا، بل على أوروبا، كما قال وزير خارجيته، فقد أعلن أن بلاده مستعدة للوقوف الى جانب سوريا، وأنها مستعدة لبذل المزيد من الجهود لمحاربة الجماعات الإرهابية، مضيفاً أنه لا ينبغي لسوريا أن تشهد مجدداً عودة الجماعات الإرهابية التابعة إيران.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث خلال المؤتمر الدولي حول سوريا بمركز المؤتمرات الوزاري في باريس (إ.ب.أ)

وفي السياق الأمني، كانت بارزة إشارة ماكرون إلى أهمية دمج «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في الجيش الوطني السوري. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن ماكرون، خلال اتصاله بأحمد الشرع، رئيس السلطة الانتقالية، شدد على تمسكه بالوقوف إلى جانب «قسد»، فيما لم تظهر بوضوح ما ستقوم به الإدارة الأميركية الجديدة إزاءها. وأضاف ماكرون، خلال مؤتمر دولي حول سوريا في باريس، إن «قوات سوريا الديمقراطية» بقيادة الأكراد والمدعومة من الغرب يجب أن تدمج في القوات الوطنية السورية. وبحسب ماكرون، فإن القتال ضد «داعش» يجب أن يتواصل.

وزيرة الخارجية الكندية ميلاني جولي تتحدث مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال المؤتمر الدولي حول سوريا في باريس (رويترز)

أما التحدي الثاني بالنسبة لماكرون، فيتمثل في قيام حوكمة «تمثل وتحترم الجميع»، وتوجه إلى السوريين قائلاً: «قدرتكم على توفير هذه الحوكمة مسألة أساسية وهي شرط الاستقرار وتخدم هدف الأمن، كما أنها شرط لعودة اللاجئين». مشيراً إلى قراره منح السوريين اللاجئين في فرنسا الفرصة للعودة إلى سوريا مؤقتاً، من غير أن يخسروا وضعيتهم بوصفهم لاجئين في فرنسا.

ومن تحدي الحوكمة، انتقل ماكرون إلى التحدي الإنساني وإيصال المساعدات الإنسانية وما يتطلبه ذلك من إجراءات من الخارج والداخل في آن واحد. وطالب ماكرون بالشفافية لتشجيع المانحين الدوليين. أما التحدي الأخير فيتناول توفير العدالة ومحاربة الإفلات من العقاب. وفي هذا المجال أيضاً، تبدي فرنسا استعداها للمساعدة.

نريد سوريا موحدة

في كلمته الافتتاحية، حرص جان نويل بارو على توضيح إطار المؤتمر، والمنتظر من الأطراف المشاركة، وأيضاً من الجانب السوري الذي مثله وزير الخارجية أسعد الشيباني. فالغرض من المؤتمر «رسم خريطة طريق متوافق عليها لدعم سوريا» التي يفترض أن تكون «موحدة، تعيش بسلام، مستقرة ومنخرطة في محيطها الإقليمي»، وهوما يشكل الرسالة الأولى. ويريد بارو، ومعه الأسرة الدولية، «ألا تبقى سوريا مُسخّرة بعد الآن لضرب الاستقرار في المنطقة».

وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يعقد مؤتمراً صحافياً عقب المؤتمر الدولي حول سوريا في بالمؤتمرات الوزاري في باريس (أ.ف.ب)

وبالمقابل، فإن المطلوب «المحافظة على الأمل الهش الذي ولد في 8 ديسمبر (كانون الأول) الماضي» مع سقوط نظام الأسد. وكي تعيش بسلام، لا بد، وفق المسؤول الفرنسي من التوصل، إلى «وقف شامل لإطلاق للنار، بما في ذلك الشمال والشمال الشرقي ووضع حد للتدخل الخارجي في جنوب البلاد»، في إشارة خجولة لما تقوم به القوات الإسرائيلية في هذه المنطقة. ودعا بارو المؤتمرين لتوفير «المناخات الضرورية» لتحقيق الهدف الأول الرئيسي.

بحاجة إلى ضمانات

بيد أن هذه الطموحات لا يمكن أن تتحقق من غير حشد جهود الأسرة الدولية وهو ما يشكل الرسالة الثانية. ولذا، فإن المطلوب «دعم سوريا في المرحلة الانتقالية»، و«التحرك سريعاً وبشكل منسق»، ما يفترض إيصال المساعدات الإنسانية وتسهيل المعاملات المالية لإعادة إعمار البلاد سريعاً. وشدد بارو على ضرورة «الرفع السريع للعقوبات أكانت أممية أو أوروبية أو على المستويات الوطنية»، بحيث لا تعود «تشكل عقبة أمام إعادة إنهاض سوريا».

أما رسالة المسؤول الفرنسي الثالثة، فموجهة للسوريين لتأكيد استعداد الأسرة الدولية للمساعدة في عملية إعادة الإعمار وتوفير العدالة الانتقالية، إذ «إنها السبيل لشفاء جراح السوريين». بيد أن الشركاء كما يقول بارو، «بحاجة إلى تطمينات من أن رسائلنا تصل إلى مسامعكم»، وأولاها أن عملية الانتقال الناجحة «يجب أن تضم كل مكونات المجتمع السوري»، منوهاً بما أعلن مؤخراً عن تشكيل الهيئة التمهيدية للحوار وتشكيل حكومة جديدة بداية مارس (آذار) المقبل. وشدد بارو على أن المؤتمرين «لا يريدون فرض منهج أو تقديم مطالب غير واقعية، لكن شركاءكم في الخارج يحتاجون لروزنامة انتقالية واضحة قد تكون بالتعاون مع الأمم المتحدة».

وبنظره، فإن الانتقال الناجح يعني «توفير الأمن لكل السوريين ولكل شركاء سوريا، بحيث تصمت الأسلحة في كل مكان وبحيث لا تعود سوريا ملاذاً للتنظيمات الإرهابية التي يمكن أن تهدد أمن جيرانكم وأمن أوروبا».

كذلك أشار وزير الخارجية الفرنسي إلى ضرورة التخلص مما تبقى من الأسلحة الكيماوية، ووقف عمليات التهريب والمخدرات، داعياً إلى قيام مؤسسات تخدم المواطنين وتوفر الخدمات الأساسية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (وسط الصورة) يتحدث بجوار وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال المؤتمر الدولي حول سوريا في مركز المؤتمرات الوزاري بباريس الخميس (إ.ب.أ)

وزيرة خارجية ألمانيا تحذر من الإخفاقات

ما قاله بارو، جارته فيه نظيرته وزيرة خارجية ألمانيا، أنالينا بايربوك، بشكل عام. بيد أن هذه الأخيرة حذرت من أن «الشيء الواضح بالنسبة لنا جميعاً، هو أن إعادة بناء سوريا ستكون مهمة ضخمة، ستشهد انتكاسات متكررة. وسندعم كل ما يعزز عملية سياسية آمنة للجميع في سوريا».

لكنها في الوقت عينه، رأت أن التعاون الوثيق بين أوروبا والدول العربية ضروري لضمان نجاح عملية الانتقال السلمي في سوريا.

وكما الرئيس الفرنسي، فقد حذرت بايربوك وغيرها من الوزراء الذين حضروا المؤتمر من الانفلات الأمني، ومرة أخرى ربطت نجاحه بالدعم المشترك الذي يمكن أن توفره الدول العربية بالاشتراك مع الاتحاد الأوروبي. كذلك نوهت بالحاجة إلى تفعيل العدالة الانتقالية التي خصص لها اجتماع خاص بعد ظهر الأربعاء في معهد العالم العربي، الذي نقل بارو تفاصيله إلى المجتمعين في جلسة العمل المشتركة.

وبالنسبة للاجئين، ومنهم مئات الآلاف الذين استقروا في ألمانيا، فإن بايربوك عدّت أنه في حال توفير مسار آمن للعملية الانتقالية، فإن ذلك سيشجع بلا شك العديد من اللاجئين على العودة إلى بلادهم.

العمل الإنساني وشروطه

صباح الخميس، نظمت الخارجية الفرنسية اجتماعاً أداره الوزير المنتدب الثاني محمد سويلحي، بحضور أسعد الشيباني، وضم الوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمفوضية الأوروبية والبنك الأوروبي للتنمية وإعادة الإعمار والصليب الأحمر وبرنامج الغذاء العالمي واليونيسيف ومنظمة الصحة الدولية، للبحث في تنسيق الجهود بين المؤسسات الدولية والسلطات الانتقالية السورية والنظر في التحديات الإنسانية في سوريا والجهود الضرورية لإعادة الإعمار وإعادة تأهيل البلاد.

وجاء في بيان للخارجية الفرنسية أن المناقشات أظهرت الرغبة في العمل المشترك من أجل ضمان الوصول الحر للمساعدات الإنسانية إلى جميع المناطق السورية وعبر الحدود وتوفير الحماية للعاملين في الحقل الإنساني.

كذلك توافق المجتمعون على «مواكبة» عملية إعادة الإعمار، خصوصاً في القطاعات الرئيسية مثل الطاقة والنقل والمياه والتعليم والصحة، والعمل على رفع العقوبات، على أن يستفيد السوريون كافة منها.

فضلاً عن ذلك، توافق المجتمعون على تسهيل عودة اللاجئين والنازحين شرط أن تكون آمنة وطوعية وكريمة.

وجاء في البيان أنه «يتعين على كل الأطراف أن تدعم جهود المفوضية العليا للاجئين لمساعدة الراغبين في العودة إلى سوريا». وبحث المجتمعون في كيفية الاستجابة لتحديات إنهاض سوريا وتنميتها بـ«التعاون الوثيق مع السلطات السورية» في القطاعات كافة.

بيد أن المجتمعين بقوا في حدود البحث والتنسيق من غير تناول الموضوع الرئيسي، أي تمويل هذه النشاطات التي بدأت تعاني بقسوة من قرار وقف المساعدات الأميركية.

لقاء فرنسي سعودي

وقبل بدء أعمال المؤتمر عقد وزيرا الخارجية الفرنسي جان نويل بارو ونظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، اجتماعاً تناولا فيه مجموعة من الملفات الخاصة بغزة ولبنان وسوريا.

وجاء في بيان صادر عن الخارجية الفرنسية أن الوزيرين «توافقا على أهمية دعم عملية انتقال سياسي عادل وشامل تلبي تطلعات الشعب السوري وتحترم حقوق جميع السوريين، وهو هدف مؤتمر باريس حول سوريا».

المؤتمر ما له وما عليه

ثمة مجموعة من الرسائل التي وجهها المؤتمرون وسعى الوزير بارو إلى طرحها في كلمته الافتتاحية للمؤتمر، حيث عدّ عنوان رسالة المؤتمر الأولى هو أن الأسرة الدولية تراقب من كثب التحولات الجارية في سوريا منذ الثامن من ديسمبر الماضي، وتريد «توفير شبكة أمان» للمرحلة الانتقالية حتى لا تنزلق في متاهات خطرة. وتريد الأسرة المشار إليها «ضمانات» ملموسة تعكس رغبة السلطات الانتقالية الجديدة، وعلى رأسها أحمد الشرع الذي أعلن رئيساً للدولة، لجهة أن تكون المرحلة الانتقالية سياسية وسلمية وجامعة.

من هنا، ترى مصادر معنية بالوضع السوري في باريس، أن توقيت الإعلان عن تشكيل حكومة جديدة مع بداية الشهر المقبل، قبل يومين من موعد المؤتمر وتسمية الهيئة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني، ومن أعضائها سيدتان، جاءا من باب طمأنة المؤتمرين في باريس وإظهار أن السلطات الجديدة تعي تطلعات ومخاوف الدول والمنظمات المهتمة بالشأن السوري.

ويكمن في لب المخاوف القلق من انحراف العملية الانتقالية عن مسارها، ومن الأحداث الأمنية المتواترة، ومن عودة «داعش»، ومن الوضع الإقليمي وانعكاساته على الوضع الداخلي السوري، ومن عدم توافر مقومات الإنهاض الاقتصادي، وملف اللاجئين والنازحين، فضلاً عن الخوف من أن تكون سوريا سبباً لمزيد من زعزعة الاستقرار في محيطها.

لذا، فإن مناقشات باريس توسلت حشد وتنسيق الجهود العربية والإقليمية والدولية من أجل عملية انتقالية سلمية الطابع وتشمل جميع الأطراف وحشد شركاء سوريا الرئيسيين لتحسين التعاون وتنسيق المساعدات للشعب السوري. ولأن سلمية العملية بأسرها تفترض تحقيق العدالة، فإن المؤتمرين تباحثوا في كيفية تحقيق العدالة الانتقالية ومكافحة الإفلات من العقاب.


مقالات ذات صلة

«داعش» يهدد بإحراق مدينة في نيجيريا

أفريقيا جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر «بجاجي» في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

«داعش» يهدد بإحراق مدينة في نيجيريا

هدّد تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» بحرق مدينة مالام فاتوري، الواقعة في أقصى شمال شرقي نيجيريا، وذلك بعد أسبوع من مقتل 75 من عناصر التنظيم الإرهابي.

الشيخ محمد (نواكشوط)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

السوداني: مهمة التحالف الدولي ضد «داعش» في العراق ستنتهي في موعدها

أكّد رئيس الوزراء العراقي، محمّد شياع السوداني، أن انتهاء مهمة التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن لمحاربة تنظيم «داعش» سيتمّ في موعده المقرر في سبتمبر (أيلول).

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية لفت تقرير لمفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إلى ضرورة إنقاذ الأطفال الموجودين في مخيم «روج» (أ.ف.ب)

تركيا تفاوض دمشق لنقل أكثر من 250 امرأة وطفلاً من عوائل «داعش» في «روج»

كشفت مصادر تركية عن مفاوضات مع دمشق لنقل أكثر من 250 امرأة وطفلاً من الجنسية التركية من مخيم «روج» في الحسكة شمال شرقي سوريا خلال الأشهر المقبلة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أفريقيا شاحنة للشرطة النيجيرية خارج السوق في مدينة مايدوغوري بعد الانفجارات الانتحارية الثلاثاء الماضي (رويترز)

نيجيريا: ضربات جوية ضد معاقل «داعش» والقضاء على عشرات الإرهابيين

أعلن الجيش النيجيري أن العمليات الجوية المستمرة في جبهات عدة تركز على حرمان الجماعات الإرهابية والإجرامية من حرية الحركة داخل البلاد.

الشيخ محمد (نواكشوط)
تحليل إخباري من العملية الأمنية في مدينة دمر وسط سوريا عقب هجوم «داعش» في ديسمبر الماضي (أرشيفية - وزارة الداخلية)

تحليل إخباري غياب التنسيق على الحدود السورية العراقية قد يدعم خلايا «داعش»

مخاوف من تحول الحدود السورية العراقية إلى مناطق هشة تتسرب منها خلايا تنظيم «داعش»

«الشرق الأوسط» (لندن)

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)

تبلّغ لبنان بمعلومات مصرية سلبية، تشير إلى أن الحرب الإسرائيلية مرشحة لأن تكون طويلة، في ظل غياب مؤشرات حاسمة على قرب التهدئة، وذلك في وقت استقدمت فيه إسرائيل فرقة عسكرية جديدة إلى جنوب لبنان، مؤكدةً اتجاهها نحو تصعيد ميداني متدرّج.

وبينما أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي الذي التقى مسؤولين في بيروت أن «بلاده تجري اتصالات مكثفة تشمل نقل رسائل بين إيران والولايات المتحدة، بالتوازي مع تواصلها مع الجانب الإسرائيلي، بهدف خفض التوتر ومنع توسع المواجهة في المنطقة»، وصفت مصادر مواكبة للقاءات عبد العاطي في بيروت الأجواء بـ«غير المشجعة».

وقالت المصادر لـ «الشرق الأوسط» إن المعطيات السياسية والعسكرية لا تعكس إيجابية في التعاطي مع الملف اللبناني، لا سيما من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يرفض أن تكون الحرب على لبنان ضمن المفاوضات بين أميركا وإيران، ويتشدد في موقفه لجهة «القضاء على «حزب الله»، ما يؤشر إلى أن الحرب على لبنان ستكون طويلة الأمد.


«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
TT

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

بينما تواصل فرق الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان، مثل الألغام ومخلفات الحرب التي كُشفت مع الفيضانات الأخيرة التي شهدتها المنطقة الشرقية في سوريا، خصوصاً بعد انجراف الألغام من مواقعها وظهورها على سطح التربة، ما وسّع نطاق تهديدها ووضعها في متناول السكان، وفرض واقعاً أكثر تعقيداً يتطلب استجابة عاجلة ومنظّمة.

فرق الدفاع المدني السوري تستجيب لفيضان نهر الخابور وروافده محافظة الحسكة لمنع وصول المياه لمنازل السكان (حساب فيسبوك)

وفي هذا السياق، أوضح مدير (إدارة الإزالة في المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلفات الحرب) رائد الحسون، أن الجهات المختصة تتابع من كثب تداعيات الفيضانات الأخيرة، مشيراً إلى أن السيول لم تقتصر على كشف الألغام المدفونة، بل أسهمت أيضاً في نقلها من مواقعها الأصلية، ما أدى إلى ظهور بؤر تلوث جديدة وانتشار غير متوقع لهذه المخلفات في مناطق مختلفة، بحسب «الإخبارية السورية».

وفي تعليق على المشاهد التي أظهرت أطفالاً يتعاملون مع الألغام بشكل مباشر، وصف الحسون هذه الحادثة بأنها «صادمة»، مشدداً على أن هذا الواقع يعكس حجم التحدي في مجال التوعية المجتمعية.

ودعا في هذا الإطار إلى تكاتف الجهود بين الجهات الرسمية والمجتمعات المحلية، بما في ذلك المدارس والأهالي، لنشر رسائل التحذير وتعزيز ثقافة الابتعاد عن الأجسام المشبوهة، ما يسهم في تقليل عدد الضحايا إلى الحد الأدنى.

جولة ميدانية للبحث في تجنب فيضانات في سبخة السيحة التي تشهد مخاطر متزايدة نتيجة ارتفاع منسوب المياه في إدلب (الدفاع المدني السوري)

وتعمل الوزارة بالتعاون مع المركز الوطني ضمن خطة استجابة شاملة للتعامل مع الألغام ومخلّفات الحرب على مستوى البلاد، ولفت الحسون، إلى أن المرحلة الحالية تشهد تنسيقاً مكثفاً مع الشركاء المحليين والدوليين، بهدف تعزيز الجهود الميدانية وتوجيه المنظمات المختصة نحو المناطق الأكثر تضرراً، مع السعي لتأمين الدعم اللازم لمواجهة هذا التحدي المتفاقم.

وأكد أن تحديد أولويات التدخل يتم وفق معايير واضحة تشمل الكثافة السكانية وطبيعة استخدام الأراضي، سواء كانت زراعية أو مخصّصة لإعادة تأهيل البنية التحتية، ما يسمح بتوجيه الجهود نحو المواقع الأكثر عرضة للخطر والأشد تأثيراً على حياة المدنيين.

أما على صعيد حماية المزارعين، مع اقتراب موسم الحراثة، فقد أكد مدير المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلّفات الحرب أن الإجراءات تتركز على تكثيف حملات التوعية في المناطق المتضررة، بالتوازي مع إرسال فرق المسح غير التقني لتحديد مواقع التلوث بدقة، تمهيداً للتعامل معها وفق الأولويات المعتمدة، بما يضمن تقليل المخاطر المرتبطة باستخدام الأراضي الزراعية.

جولة ميدانية للوزير السوري رائد الصالح في مركز Sinzig بمدينة بون للإطلاع على أبرز التقنيات في الاستجابة للطوارئ (سانا)

وضمن هذه الظروف الشديدة الحساسية في الكوارث الجوية التي تضرب سوريا هذه الأيام, بحث وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري رائد الصالح والوفد المرافق له، في بون بألمانيا، سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال إدارة الطوارئ والكوارث، مع الوكالة الفيدرالية الألمانية للإغاثة التقنية «THW».

واستعرض الجانبان خلال اللقاء، أمس الأربعاء، الإمكانيات والخبرات الألمانية في مجالات الاستجابة للطوارئ، وآليات التنسيق والعمل الميداني، إضافة إلى فرص تطوير التعاون الفني، وتبادل الخبرات بين الجانبين، ما يسهم في دعم قدرات الاستجابة في مواجهة الكوارث.

الصالح قال في تصريح لمراسل (سانا)، أن الزيارة شكّلت فرصة مهمة للاطلاع على التجربة الألمانية المتقدمة في إدارة الطوارئ والكوارث: «ناقشنا مع الجانب الألماني إمكانياتهم الفنية والتقنية، وسبل الاستفادة منها في تطوير عملنا، كما قمنا بزيارة ميدانية إلى مركز Sinzig التابع للوكالة الألمانية، واطلعنا على التجهيزات وآليات العمل المعتمدة لديهم».

وأشار الصالح إلى أن هذه الزيارة تمهد لمرحلة من التعاون المشترك وتبادل الخبرات بين الجانبين خلال الفترة المقبلة. واطلع الوفد المرافق لوزير الطوارئ وإدارة الكوارث خلال جولة ميدانية في مركز Sinzig بمدينة بون، على أبرز التقنيات المستخدمة في الاستجابة للطوارئ، وآليات العمل داخل المركز.


عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
TT

عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

فوق أنقاض مستوصف عسكري بغرب العراق صار ركاماً بعد غارة جوية، يقف أحمد مع اثنين من زملائه العاملين في الوحدة الطبية، غير مصدّقين أنهم نجوا من غارة خلّفت، الأربعاء، سبعة قتلى.

في قاعدة الحبّانية في محافظة الأنبار، يقول أحمد بصوت مثقل بالحزن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس: «نحن فقط من بقينا سالمين من وحدة الطبابة. الآخرون إمّا قُتلوا وإما أُصيبوا».

وأعلنت وزارة الدفاع العراقية، صباح الأربعاء، أن سبعة من عناصر الجيش قضوا في غارة على مستوصف الحبّانية العسكري وشعبة خدمات هندسية تابعة لآمرية الموقع، وذلك غداة ضربة على موقع لقوات «الحشد الشعبي» يبعد كيلومترين فقط قضى فيها 15 عنصراً من الحشد الذي اتهم واشنطن باستهدافه.

ويشير العسكري الثلاثيني إلى ما كان قبل 24 ساعة موقع عمله، قائلاً: «في ضربة أولى أُصيب عدد من زملائنا. حين هرعت الفرق لإنقاذهم من تحت الركام، استهدفهم الطيران مجدداً بشكل مباشر، ما أسفر عن مقتل المسعفين».

وأدّت الضربة إلى إصابة 23 عنصراً في الجيش بينهم ضباط، وفق ما قال مسؤول طبي في الموقع لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، تتعرّض مقار لـ«الحشد الشعبي» ولفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران لغارات تنسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما تستهدف هجمات تتبناها فصائل عراقية المصالح الأميركية. وتنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية إيرانية معارضة موجودة في شمال العراق.

عراقيون يرفعون نعش جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

واعتبرت الحكومة العراقية غارة، الأربعاء، «جريمة مكتملة الأركان تنتهك القانون الدولي»، وتسيء للعلاقة التي تجمع شعبي العراق والولايات المتحدة.

وأقرّ «البنتاغون»، الأسبوع الماضي، بأن مروحيات قتالية نفّذت غارات ضد فصائل موالية لطهران في العراق. لكن متحدثاً باسم وزارة الخارجية الأميركية نفى، ردّاً على سؤال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، أن تكون القوات الأميركية استهدفت قوات الأمن العراقية.

وخلال جولة إعلامية نظمتها وزارة الدفاع العراقية، الخميس، قال مدير مديرية الإعلام والتوجيه المعنوي في الوزارة اللواء تحسين الخفاجي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن مستوصف الحبّانية «معروف بأنه تابع لوزارة الدفاع (...) لذلك فوجئنا باستهدافه بضربة جوية».

ويروي الضابط العشريني محمّد مصطفى الذي كان على مقربة من المستوصف حين استُهدف، أنه تمكّن من إنقاذ صديقه الذي «علق بين الجدار والسقف»، قبل «الضربة الثانية التي قضت على ما تبقى».

ويقول زميله علي: «الأجساد تحوّلت إلى أشلاء خلال لحظات»، مضيفاً: «عثرنا كذلك صباح اليوم على ذراع أحد الجنود (...) ومسدّسات تحوّلت إلى كتل حديد مذاب».

«تاريخ طويل من التضحية»

في اليوم نفسه الذي قضى فيه 15 عنصراً من «الحشد الشعبي» في الأنبار، قضى ستة عناصر من قوات «البشمركة» المسلحة التابعة لحكومة كردستان العراق في هجومَين بصواريخ باليستية إيرانية على مقرّهم في مدينة سوران، في أول استهداف يخلّف قتلى في صفوف هذه القوات منذ اندلاع الحرب التي بدأت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

وأعلن رئيس الإقليم نيجرفان بارزاني، الأربعاء، أن إيران «أقرّت» بأن الهجومَين كانا «عن طريق الخطأ».

في مجلس عزاء، نُظّم الأربعاء في سوران، وعُلّقت فيه صور القتلى على أكاليل زهور ناصعة البياض، توافد عشرات الرجال، وقد ارتدى بعضهم الزي الكردي التقليدي مع الكوفية، فيما كان آخرون ببزّات عسكرية. وخيّم الحزن على المكان. في قاعة أخرى، كانت نساء بالأسود يبكين الغائبين.

بينهم فاطمة مظفّر (24 عاماً) التي قُتل شقيقها كيوان عن عمر (21 عاماً)، وقد خدم في صفوف «البشمركة» مدة ثلاثة أعوام.

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

وفيما أمسكت بها سيّدة لمؤاساتها، قالت الشابة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قبل رحيله، ودّع أخي والدتي وشقيقتَيّ اللواتي كنّ هنا لتمضية أعياد الفطر والنوروز».

التقتها «وكالة الصحافة الفرنسية» في وقت سابق في منزل العائلة حيث كانت ترتّب بزّة شقيقها العسكرية وتضمّ أحذيته إلى صدرها وتعرض صور زفافه.

في الطابق الأرضي للمنزل، يلزم والدها مظفّر قادر (55 عاماً) الفراش، إذ يعاني شللاً جرّاء إصابة لحقت به في عام 2014 خلال محاربته تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من شمال وغرب العراق حتى دحره في عام 2017.

ويقول المقاتل السابق مع «البشمركة» إنه تحدث مع ابنه عبر الهاتف فور سقوط الصاروخ الأول قرابة الثانية من فجر الثلاثاء. ويضيف: «لكن بعد بضع ثوانٍ فقط، سقط الصاروخ الثاني، فحاولت الاتصال به مجدداً، لكن هاتفه كان قد خرج من الخدمة».

ويرى الرجل الذي حارب نظام صدام حسين قبل أن يطيح به الغزو الأميركي في 2003، أن «الأكراد اعتادوا المآسي». ويتابع: «لعائلتنا تاريخ طويل من التضحية من أجل هذه الأرض».