«توترات التهجير» تُخيم على اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل

إعلام أميركي ينقل عن مسؤولين تحذيرهم من «مخاطر» تهدد المعاهدة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي على هامش «الدورة 73 للجمعية العامة للأمم المتحدة» في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي على هامش «الدورة 73 للجمعية العامة للأمم المتحدة» في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)
TT

«توترات التهجير» تُخيم على اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي على هامش «الدورة 73 للجمعية العامة للأمم المتحدة» في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي على هامش «الدورة 73 للجمعية العامة للأمم المتحدة» في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)

منذ نحو نصف قرن شكلت اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل حجر أساس لتوازن دقيق؛ إلا أن غيوماً سياسية تشي بأن الاستقرار في المنطقة بات على المحك مع إصرار واشنطن على خطط تهجير الفلسطينيين وسط رفض عربي واسع.

هذه التطورات لم تتسبب في خلاف مع تل أبيب وحدها؛ بل عمّقت التباين مع الولايات المتحدة، الحليف الرئيسي لإسرائيل والضامن لاتفاقية السلام، في وقت يتمسّك الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمقترح تهجير سكان غزة، ما يهدد بتصدع التفاهمات التي حافظت على الاستقرار في الشرق الأوسط لعقود.

ومن التلويح إلى التحذير، نقل إعلام أميركي عن مسؤولين مصريين أن «معاهدة السلام معرضة للخطر جراء التوترات الحالية»، وهو ما يؤكده وكيل «لجنة العلاقات الخارجية» بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، طارق الخولي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن القاهرة «جادة» في ذلك، حال استمر التمسك الأميركي والإسرائيلي لتنفيذ مخطط التهجير وتهديد الأمن القومي لمصر وللمنطقة.

ويرجح مفكران مصريان، أحدهما عضو بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان)، في حديثين منفصلين، أن يكون هناك حرص على استمرار اتفاقية السلام من جانب الأطراف جميعاً، والقبول بحلول وسط تتجاوز مشروع التهجير الذي يهدد المنطقة.

ووسط استمرار تعثر اتفاق الهدنة في غزة، وتمسك ترمب بالتهجير، أكد مصدر مصري مطلع لقناة «القاهرة الإخبارية» المصرية، الأربعاء، أن «استمرار وقف إطلاق النار يصب في مصلحة الجميع»، محذراً من أن «انهيار الاتفاق سيؤدي إلى موجة جديدة من العنف ستكون لها تداعيات إقليمية خطيرة»، دون توضيح تلك التداعيات.

وجاء ذلك التحذير بعد ساعات من بيان صحافي لـ«الخارجية المصرية»، بشأن رفض التهجير، يتحدث عن «أهمية أن تأخذ أي رؤية لحل القضية الفلسطينية في الاعتبار، تجنب تعريض مكتسبات السلام في المنطقة للخطر»، مؤكداً عزم مصر «طرح تصور متكامل لإعادة إعمار القطاع وبصورة تضمن بقاء الشعب الفلسطيني على أرضه».

وهذا ثاني بيان يتطرق للسلام بالمنطقة لليوم الثاني على التوالي، بعد بيان لـ«الخارجية المصرية»، الاثنين، بشأن رفض التهجير أيضاً، الذي حذر من أن «تجاهل الشرعية الدولية في التعاطي مع أزمات المنطقة، إنما يهدد بنسف أسس السلام التي بذلت الجهود والتضحيات للحفاظ عليها وتكريسها على مدار عشرات السنين».

فلسطينيون خلال تجمعهم في موقع غارة إسرائيلية على منزل (رويترز)

وكانت وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية، نقلت أخيراً عن مسؤولين مصريين قولهم، إن «القاهرة أوضحت لإدارة ترمب وإسرائيل أنها ستقاوم أي اقتراح من هذا القبيل (التهجير)، وأن اتفاق السلام مع إسرائيل، الذي استمر لمدة نصف قرن تقريباً، معرض للخطر».

المفكر المصري، عضو مجلس الشيوخ، الدكتور عبد المنعم سعيد، يرى أن «أي شيء في الحياة يتعرض للتهديد قد يتغير، ومعاهدة السلام حققت استقراراً وتنمية للمنطقة، ونأت بها عن حروب مدمرة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «لكن ما نشهده حالياً يوصلنا إلى أن اتفاقية السلام مهددة».

ويلفت إلى أن «الأميركيين والأوروبيين يدركون قيمة تلك الاتفاقية في الشرق الأوسط، التي من دونها سيكون هناك إرهاب وحروب إقليمية عدة، ومصر عاقلة وتحافظ على اتفاق السلام، ولا تريد حرباً لكن حديث القلق تعبير عن كلام موضوعي، ووصف للواقع، وتنبيه لما يمكن أن يحدث حال استمرار التهديدات».

وباعتقاد المفكر المصري، الدكتور عمرو الشوبكي، فإن اتفاقية السلام تواجه تحديات هي الأكبر منذ توقيعها عام 1979، وهذا لا يحتاج إلى إعلان من مصر لأن الواقع يكشف عنه، مرجحاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن يقبل ترمب ذو العقل التجاري والصفقات، طرح مصر بإعمار غزة من دون تهجير أهلها. وقد تصل معه إلى حلول وسط تصون الحقوق المصرية والفلسطينية والعربية من دون تهديد الأمن والسلام والاستقرار بالمنطقة.

ويرى الخولي أن «الجانب المصري أكد أكثر من مرة أن أي محاولات للتهجير القسري تهدد اتفاقيات السلام والاستقرار بالمنطقة، وتدخلها في دائرة العنف وعدم الاستقرار»، مؤكداً أن «هذه المسألة جادة من الجانب المصري للحفاظ على اتفاقية السلام، وخصوصاً أن ما يصرح به الجانبان الإسرائيلي والأميركي من توجهات تدعم التهجير، تهدد الاتفاقية وتشكل مساساً بأمن واستقرار المنطقة».

وكانت مصادر مصرية قالت لقناة «القاهرة الإخبارية»، الثلاثاء، إن مصر تشدد على أن أي حلول للأزمة يجب أن تضمن بقاء سكان قطاع غزة داخل أراضيهم، موضحة أن القاهرة أعربت عن استيائها من التصريحات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين وأميركيين بشأن القضية الفلسطينية.

أطفال فلسطينيون يلعبون خارج أنقاض منزل دمرته الغارات الإسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)

ويرى عبد المنعم سعيد أن إدارة ترمب «غير معنية بالسلام حتى الآن، ولم يأتِ على لسانه منذ وصوله إلى البيت الأبيض أي حديث عنه، ولا تحدثت إدارته بشأنه، وهذا مقلق». ويعتقد الشوبكي أن مشروع التهجير الذي يتبناه ترمب وإسرائيل «مسار معاكس للسلام وينسف جهود التسوية العادلة».

في حين يرى وكيل «لجنة العلاقات الخارجية» بمجلس النواب، أن «هناك محاولات مستميتة من الجانبين الأميركي والإسرائيلي لإعادة تدوير صفقة القرن ولكن عن طريق الأمر الواقع، بديلاً عن طريقة التفاوض التي اتخذها ترمب خلال فترته الأولى. وهناك إدراك كبير في مصر بما يحدث»، مشيراً إلى أن «مصر حاسمة في هذه المسألة، وعقيدتها لن تقبل بتصفية القضية ولا تهجير الفلسطينيين، ولا المساس بالأمن القومي المصري، ولا أرض سيناء، ولذلك هي جادة».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تقرر إغلاق الضفة ومعابر غزة في ذكرى «هجوم 7 أكتوبر»

المشرق العربي جنود إسرائيليون يقومون بدورية في أحد الشوارع عقب هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون في قرية عورتا (أوسارين) جنوب نابلس بالضفة الغربية أمس (إ.ب.أ)

إسرائيل تقرر إغلاق الضفة ومعابر غزة في ذكرى «هجوم 7 أكتوبر»

قررت السلطات الإسرائيلية اليوم (الأحد)، فرض إغلاق على الضفة الغربية وإغلاق المعابر المؤدية إلى قطاع غزة يومي الاثنين والأربعاء المقبلين.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي فلسطينيون يشاركون في مراسم تأبين بمدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

«الصحة العالمية» تندد بتأخر دخول المساعدات إلى غزة

كشفت منظمة الصحة العالمية الجمعة عن أن إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة عبر إسرائيل يشهد «تأخيراً تلو الآخر»، منددة بـ«نقص مزمن» في الإمدادات الطبية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص  شقة سكنية مدمرة تظهر عقب غارة جوية إسرائيلية غرب مدينة غزة (إ.ب.أ)

خاص إسرائيل تتحدث عن محاولة اغتيال علي العامودي بغزة... و«حماس» تشكك

أفادت وسائل إعلام إسرائيلية، نقلاً عن مصادر أمنية، بوقوع غارة جوية الليلة الماضية في مدينة غزة، استهدفت القادي البارز في حركة «حماس»، علي العامودي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مستوطنون وجنود إسرائيليون في نابلس بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب) p-circle

مقتل فلسطيني برصاص مستوطنين شمال رام الله

قُتل فلسطيني برصاص مستوطنين، مساء اليوم الجمعة، في بلدة كوبر شمال رام الله بالضفة الغربية المحتلة، واحتُجز جثمانه.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي مزارعون فلسطينيون يستعدون لقطف الزيتون في بيرزيت (إ.ب.أ)

نصف مليون فلسطيني في الضفة يخشون تدمير المستوطنين والجيش لموسم الزيتون

يعدّ الزيتون المصدر الرئيسي للدخل لأكثر من نصف مليون فلسطيني من سكان المناطق الريفية في الضفة الغربية. وقد زاد اعتمادهم على الزراعة منذ اندلاع الحرب...

نظير مجلي (تل أبيب)

السيسي: مصر ترفض أي تدخلات خارجية في الشؤون الداخلية للدول الأفريقية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي في قصر الاتحادية (أرشيفية - د.ب.أ)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي في قصر الاتحادية (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

السيسي: مصر ترفض أي تدخلات خارجية في الشؤون الداخلية للدول الأفريقية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي في قصر الاتحادية (أرشيفية - د.ب.أ)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي في قصر الاتحادية (أرشيفية - د.ب.أ)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اليوم (الأحد) موقف بلاده الثابت الرافض لأي تدخلات خارجية في الشؤون الداخلية للدول الأفريقية، والداعي إلى احترام سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها، باعتبارها مبادئ أساسية؛ لا غنى عنها لاستقرار القارة.

وقال السيسي، في كلمة اليوم خلال الجلسة الافتتاحية للاجتماع التنسيقي الثامن لمنتصف العام للاتحاد الأفريقي والتجمعات الاقتصادية الإقليمية، الذي تستضيفه مصر بمدينة العلمين الجديدة، إن «مصر تؤكد أن علاقات دولنا يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل وحسن الجوار والحوار والتشاور، بعيداً عن السياسات الأحادية أو المصالح الضيقة».

وشدد السيسي على أهمية التعامل مع القضايا العابرة للحدود، باعتبارها قضايا تستوجب التعاون لا التنافس، والحوار لا المواجهة بما في ذلك إدارة واستخدام الموارد الطبيعية، والأنهار العابرة للحدود وفقاً للقانون الدولي.

وتابع قائلاً: «نجتمع اليوم في ظل مرحلة دقيقة، يمر بها عالمنا وقارتنا الأفريقية، فالتوترات الجيوسياسية، والنزاعات، والتدخلات الخارجية، والإرهاب والتطرف، والجريمة المنظمة العابرة للحدود، إلى جانب اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكلفة الطاقة والغذاء والتمويل، تفرض على دولنا ضغوطاً، تفوق قدرة أي دولة على مواجهتها منفردة».

وأضاف: «إن رسالتنا اليوم يجب أن تكون واضحة، لم يعد كافياً أن ننسق مواقفنا؛ بل يتعين أن تتكامل قدراتنا، وأن نصنع مستقبلنا بجهودنا المشتركة».

وأشار إلى أن «التكامل الذي ننشده، لا يقتصر على البعد الاقتصادي فالإدارة المستدامة للموارد المشتركة، وفي مقدمتها المياه، تمثل اختباراً حقيقياً، لقدرتنا على التكامل وتحويل المصالح المتداخلة، إلى فرص للتعاون».

وقال السيسي، في الكلمة التي نشرتها الرئاسة المصرية على صفحتها بموقع «فيسبوك»: «تدرك مصر، بحكم موقعها واحتياجات شعبها أهمية قضية المياه وتؤكد أن التعاون في إدارة الأنهار العابرة للحدود، يجب أن يستند إلى قواعد القانون الدولي ذات الصلة، وإلى التشاور والتنسيق، ومبادئ حسن الجوار وعدم الإضرار».

وأضاف أن «لكل دولة الحق في التنمية والاستفادة من مواردها الطبيعية إلا أنه في الوقت ذاته؛ يتعين أن تتم ممارسة هذا الحق بصورة مسؤولة، لا تلحق ضرراً بالدول الأخرى، وأن مصالحنا المشتركة، أكبر من خلافاتنا، وبالإمكان أن نحقق الرفاهية والازدهار لشعوبنا، متى خلصت النوايا، وغلبت لغة الحوار، والتزمنا بمبدأ تحقيق المنفعة للجميع».

وشدد على أن «التكامل الاقتصادي هو أحد أهم أدوات ترسيخ السلام، فكلما ارتبطت اقتصادات دولنا ببعضها، وتداخلت مصالح شعوبنا، وأصبحت الحدود جسوراً لحركة التجارة والاستثمار، ازدادت قدرتنا على بناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً».

ودعا السيسي إلى «التفعيل الكامل لمنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، التي دخلت حيز النفاذ في عام 2019، خلال الرئاسة المصرية للاتحاد الأفريقي، بما يفتح المجال أمام بناء سوق أفريقية حقيقية، تسهم في الاستفادة من القدرات الإنتاجية الهائلة لقارتنا، وزيادة حجم التجارة البينية، ودعم التصنيع ونقل التكنولوجيا، وزيادة فرص العمل».

ووفق المتحدث باسم الرئاسة المصرية محمد الشناوي، عقد الاجتماع بمشاركة القادة الأفارقة أعضاء هيئة مكتب الاتحاد الأفريقي للعام الحالي، ورؤساء التجمعات الاقتصادية والآليات الإقليمية الأفريقية، مشيراً إلى أنه تناول التقدم المحرز بشأن الموضوع الرئيسي للاتحاد الأفريقي لعام 2026، المتمثل في «ضمان توفر المياه بشكل مستدام وأنظمة الصرف الصحي الآمنة لتحقيق أهداف أجندة 2063».

كما تناول الاجتماع مستجدات الجهود القارية الرامية إلى تعزيز التنسيق والتكامل بين التجمعات الاقتصادية الإقليمية في أفريقيا، ودفع مسارات التطوير المؤسسي للاتحاد الأفريقي، وتفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA).

ومساء الخميس، أعلنت مصر أن «دبلوماسياً إثيوبياً في القاهرة شخص غير مرغوب فيه، ومنحته مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد»، بعد أن طردت أديس أبابا دبلوماسياً مصرياً، وفق ما نقلت وكالة «أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، عن مصدر مسؤول.

وقبل وقت قصير، قطعت إثيوبيا وإريتريا العلاقات الدبلوماسية بينهما، الخميس، وتبادل الطرفان الاتهامات بتأجيج الصراعات الداخلية في ظل استمرار القتال في شمال إثيوبيا، واتهمت أديس أبابا جارتها أسمرة بدعم «جبهة تحرير شعب تيغراي».


أحزاب بالجنوب الليبي تحذر من «تغول القبلية» في السياسة

تيتيه خلال لقاء مع أحزاب سياسية في الجنوب الليبي 24 سبتمبر الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه خلال لقاء مع أحزاب سياسية في الجنوب الليبي 24 سبتمبر الماضي (البعثة الأممية)
TT

أحزاب بالجنوب الليبي تحذر من «تغول القبلية» في السياسة

تيتيه خلال لقاء مع أحزاب سياسية في الجنوب الليبي 24 سبتمبر الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه خلال لقاء مع أحزاب سياسية في الجنوب الليبي 24 سبتمبر الماضي (البعثة الأممية)

حذرت أحزاب سياسية في جنوب ليبيا من «تغول» الاعتبارات القبلية على حساب العمل الحزبي، داعية إلى الحفاظ على مساحة أوسع للقوى السياسية في إدارة المرحلة المقبلة، وعدم تكريس نموذج يعيد توزيع النفوذ على أساس الانتماءات الاجتماعية والمناطقية.

وجاءت التحذيرات خلال لقاءات عقدها ممثلون عن أحزاب سياسية مسجلة في الجنوب الليبي، على مدار أسبوع، مع المبعوثة الأممية هانا تيتيه، والسفير الفرنسي لدى ليبيا تييري فالا، في وقت تتصاعد فيه اعتراضات حزبية على ترتيبات سياسية وتشريعية ترى هذه القوى أنها قد تحد من حضور الأحزاب وتمنح الاعتبارات القبلية والمناطقية وزناً أكبر في المشهد العام.

وقال رئيس حزب «التنمية والسلم» الليبي، أحمد حسن، أحد المشاركين في اللقاءين، لـ«الشرق الأوسط»، إن ممثلي الأحزاب والقوى السياسية في الجنوب نقلوا إلى المبعوثة الأممية والسفير الفرنسي «تحذيراً واضحاً من تجاهل الأحزاب ونظام القوائم الحزبية» في الترتيبات المنظمة للاستحقاقات التشريعية المقبلة.

وأضاف أن «قوى سياسية في الجنوب ترى أن توسيع مساحة العمل الحزبي يمكن أن يحد من هيمنة الاعتبارات المحلية والقبلية، ويفتح المجال أمام التنافس على أساس البرامج وقضايا المواطنة»، مشيراً إلى أن عكس هذا المسار قد يقود إلى «تغول الاعتبارات القبلية بشكل أوسع».

ويبين حسن أن هذا الموقف «لا يعبر عن رؤية حزب (التنمية والسلم) وحده، وإنما تتبناه أيضاً الأحزاب والقوى السياسية التي شاركت في هذه اللقاءات»، علماً بأنه ينتمي إلى قبيلة «أولاد سليمان»، إحدى أبرز القبائل العربية في ليبيا، التي تنتشر تاريخياً في مناطق من فزان (الجنوب الليبي) وسرت (شمالاً).

السفير الفرنسي لدى ليبيا خلال لقاء مع ممثلي أحزاب سياسية في الجنوب الليبي الخميس (السفارة الفرنسية)

ويعكس هذا الموقف، بحسب المشاركين في اللقاءات، مخاوف أوسع لدى أحزاب الجنوب من أن يؤدي تراجع دور التنظيمات السياسية إلى إعادة إنتاج أنماط من التنافس تقوم على الروابط الاجتماعية والمناطقية، بدلاً من بناء كتل سياسية قادرة على التعبير عن مصالح المواطنين عبر برامج ومواقف معلنة.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في جنوب ليبيا، حيث تتداخل الاعتبارات القبلية والمناطقية مع التوازنات السياسية والأمنية، بينما تسعى القوى الحزبية إلى تثبيت حضورها في أي ترتيبات سياسية مقبلة.

وكانت تيتيه قد التقت في 24 سبتمبر (أيلول) الماضي ممثلين عن عدد من الأحزاب السياسية المسجلة في جنوب ليبيا. ووفق ما أعلنته البعثة الأممية، أعرب المشاركون عن قلقهم من «تقلص دور الأحزاب السياسية»، وطالبوا البعثة بطرح المسألة مع الأطراف المعنية.

وبعد أسبوع، عقد السفير الفرنسي لقاءً مع ممثلي الأحزاب السياسية المسجلة في الجنوب، في إطار ما وصفته السفارة بالحوار المستمر مع مختلف الأطراف الليبية، بما في ذلك منطقة فزان التي تربطها بفرنسا «علاقات تاريخية وودية مهمة».

وقال حسن إن «ممثلي الأحزاب طلبوا من السفير الفرنسي دعم مطالبهم خلال مداخلة بلاده في جلسة مجلس الأمن المقبلة بشأن ليبيا، خصوصاً ما يتعلق بضمان مشاركة الأحزاب في العملية السياسية، وعدم حصر التنافس السياسي في الأفراد».

خلفيات الأزمة

وتعود جذور الاعتراضات الحالية إلى الاتفاق الذي وقعته لجنة «4+4» في نهاية أغسطس (آب) الماضي، والذي ترى أحزاب سياسية أنه يعيد العمل بإطار انتخابي سبق أن جرت على أساسه انتخابات مجلس النواب الحالي، في ظل نظام يقوم بصورة أساسية على انتخاب الأفراد.

وتقول هذه الأحزاب إن قانون الانتخابات المعدل في 2023، والذي أعد في إطار مخرجات لجنة «6+6» المشتركة بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، كان يتيح مساحة أوسع لمشاركة القوى السياسية، مقارنة بالنظام الذي تخشى أن يعيد إنتاج المنافسة الفردية.

وترى قيادات حزبية أن المشكلة لا تتعلق فقط بطريقة اختيار المرشحين، وإنما بطبيعة البرلمان المقبل وقدرته على تشكيل كتل سياسية متماسكة تتنافس على أساس برامج وطنية، بدلاً من تركيز المنافسة على الاعتبارات المحلية والاجتماعية والقبلية.

وبحسب حسن، فإن ممثلي الأحزاب سبق أن التقوا أعضاء في لجنة «4+4»، وسمعوا منهم طرحاً مفاده أن الأحزاب الليبية «ضعيفة»، معتبراً أن هذا الطرح يثير تساؤلاً بشأن كيفية تقوية الأحزاب وتنشيطها إذا جرى في الوقت نفسه تقليص مساحة مشاركتها في العملية السياسية والانتخابية.

وسبق أن دعت أحزاب سياسية المبعوثة الأممية إلى ضمان ألا تقل نسبة تمثيل الأحزاب عن 80 في المائة من مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، كما لوحت باللجوء إلى القضاء الدستوري للطعن في أي تشريع أو ترتيب انتخابي يحرمها من المشاركة عبر قوائمها ومؤسساتها وبرامجها السياسية المعتمدة.

وتضم قائمة المشاركين في لقاءات الأحزاب في الجنوب كلاً من أحمد حسين أبو بكر شكل، رئيس حزب «التنمية والسلم»، وعبد السلام غربال الشاوش، رئيس حزب «نبض الوطن»، وإبراهيم عادل أباعلي شها، رئيس حزب «الشعوب الديمقراطي». ومن بين الحاضرين أيضاً سليمان علي سليمان أدهيكيل، رئيس حزب «الرابطة الليبي»، وعلي جبريل المبروك الذهبي، الأمين العام لحزب «البركة الليبي»، ونوري علي محمد الأحول، نائب رئيس حزب «الهدى الديمقراطي».


«الدعم السريع» تستهدف منزل حاكم النيل الأزرق

عناصر من «قوات الدعم السريع» إثر تقدمهم أخيراً في ولاية النيل الأزرق (أ.ب)
عناصر من «قوات الدعم السريع» إثر تقدمهم أخيراً في ولاية النيل الأزرق (أ.ب)
TT

«الدعم السريع» تستهدف منزل حاكم النيل الأزرق

عناصر من «قوات الدعم السريع» إثر تقدمهم أخيراً في ولاية النيل الأزرق (أ.ب)
عناصر من «قوات الدعم السريع» إثر تقدمهم أخيراً في ولاية النيل الأزرق (أ.ب)

استهدفت طائرات مسيّرة منزل حاكم إقليم النيل الأزرق، الفريق أحمد العمدة، بمدينة الدمازين، في ساعة مبكِّرة من صباح السبت، في هجوم نسبه إلى «قوات الدعم السريع»، من دون توافر معلومات موثَّقة بشأن وقوع ضحايا.

وقال العمدة، في بيان نشره على صفحته الرسمية بمنصة «فيسبوك»، إن قوات الدفاع الجوي تصدَّت لهجوم نفَّذته «قوات الدعم السريع» بمسيّرات انتحارية استهدفت منزله وبعض الأعيان المدنية في الدمازين، عاصمة الإقليم. وأكد أن الاستهداف لن يثنيه عن مواصلة الدفاع عن الوطن حتى «تطهير كامل تراب الوطن من التمرد والعدوان».

ونشر حاكم الإقليم صوراً أظهرت انهيار أجزاء من جدران، وتناثر ركام في إحدى الباحات، إلى جانب آثار احتراق على مبنى آخر، وقال إنها توثِّق الأضرار الناجمة عن الهجوم.

آثار الدمار الذي لحق بمنزل حاكم النيل الأزرق (صفحته على «فيسبوك»)

ودعا العمدة سكان النيل الأزرق إلى الوحدة والتماسك وتغليب المصلحة الوطنية، والابتعاد عن الفرقة والفتن، قائلاً: «إن وحدتنا وتماسكنا هما السد المنيع في وجه العدوان»، وإن تماسك أبناء الإقليم يمثل الضمانة لحمايته والحفاظ على مكتسباته ومقدراته. كما حثَّ أبناء الإقليم وبناته على الوقوف خلف القوات المسلحة والقوات المساندة لها، والالتفاف حول مؤسسات الدولة، مجدِّداً تعهده بمواصلة أداء مسؤولياته تجاه سكان الإقليم والوطن رغم الاعتداءات.

وتعرَّضت الدمازين، الواقعة تحت سيطرة الجيش، خلال الأيام الماضية لهجمات متكرِّرة بالطائرات المسيّرة، نُسبت إلى «قوات الدعم السريع»، وأسفرت عن سقوط ضحايا وأضرار مادية في مناطق مدنية.

رئيس أركان الجيش الفريق ياسر العطا لدى لقائه حاكم إقليم النيل الأزرق في وقت سابق (فيسبوك)

وفي تطوُّر ميداني متصل، أفادت تقارير إعلامية، نقلاً عن مصادر عسكرية، بتصدي الجيش والقوات المساندة له لهجمات برية شنَّتها «قوات الدعم السريع» وحلفاؤها على بلدات مينزا، وجبل النمر، والكداولو بولاية النيل الأزرق. ولم يصدر تعليق فوري من الجيش بشأن هذه المعارك. ويشهد الإقليم، الواقع جنوب شرقي السودان والمحاذي للحدود الإثيوبية، تصاعداً في العمليات العسكرية، بعدما سيطرت «قوات الدعم السريع» قبل أشهر على مدينتَي الكرمك وقيسان، وهما من أكبر مدن الولاية. وتحدَّثت منصات إعلامية محسوبة عليها عن مواجهات مع الجيش في مواقع متفرقة بالإقليم.

الهدنة الإنسانية

وفي سياق آخر، أكد حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، أن الدولة لا ترفض الهدنة الإنسانية، قائلاً: «نريد الهدنة اليوم قبل الغد»، في حين جدَّد رفض الحكومة توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل جميع أنحاء السودان. وقال مناوي، في مؤتمر صحافي بمطار الخرطوم الدولي عقب عودته من نيويورك، إنهم سبق أن طالبوا بهدنة إنسانية قبل سقوط الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، مشيراً إلى ما شهدته المدينة من «انتهاكات مروعة» ضد المدنيين، اتهم «قوات الدعم السريع» بارتكابها.

حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي خلال زيارته مخيم نازحين بشمال السودان في 26 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

وكانت واشنطن قد جدَّدت، في الأيام الماضية، دعوتها إلى هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، وفق خريطة الطريق التي طرحتها «الآلية الرباعية»، التي تضم الولايات المتحدة، والسعودية، ومصر، والإمارات. لكن رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، رفض المقترح، متعهداً بمواصلة الحرب حتى إنهاء تمرد «قوات الدعم السريع». واتهم مناوي دولاً لم يسمّها بالتأثير على الإدارة الأميركية لعدم منح البرهان تأشيرة دخول إلى نيويورك للمشارَكة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي عُقدت أخيراً.

كما جدَّد رفض الحكومة السودانية المقترح الأميركي أمام مجلس الأمن الدولي لتوسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل البلاد بأكملها. وقال: «نحن ندافع عن أنفسنا في مواجهة جرائم التطهير العرقي والانتهاكات»، متهماً «قوات الدعم السريع» والدول الداعمة لها بالمسؤولية عن استمرارها ضد المدنيين.

ويقود مناوي حركة «جيش تحرير السودان»، أحد أبرز الفصائل المكوِّنة لـ«القوة المشتركة» في دارفور، التي انحازت إلى الجيش في مواجهة «قوات الدعم السريع» بعد نحو عام من اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023.