اتفاق على «كل التفاصيل» لإنشاء قاعدة بحرية روسية في السودان

يتيح للجانب الروسي الحق في نشر سفن مقابل دعم الجيش السوداني بالأسلحة والتدريب

اتفاق على «كل التفاصيل» لإنشاء قاعدة بحرية روسية في السودان
TT

اتفاق على «كل التفاصيل» لإنشاء قاعدة بحرية روسية في السودان

اتفاق على «كل التفاصيل» لإنشاء قاعدة بحرية روسية في السودان

دشّنت موسكو والخرطوم، الأربعاء، مرحلة جديدة في العلاقات والتعاون، بإعلان التوصل إلى «تفاهم كامل» في ملف إنشاء قاعدة عسكرية بحرية روسية في مدينة بورتسودان. وتوج البلدان بذلك عملاً طويلاً تخللته جولات عدة من المفاوضات حول الموضوع استمرت لسنوات، وتعثرت أكثر من مرة، بسبب تقلبات الأوضاع في السودان. ويتيح الاتفاق، الذي ينتظر أن تتبلور ملامحه النهائية قريباً، توسيع حرية الحركة للسفن الحربية الروسية في البحر الأحمر، ويمنح موسكو الحق في نشر 300 عسكري و4 سفن في القاعدة. في المقابل تعمل روسيا على دعم الجيش السوداني بالأسلحة والمعدات الحربية اللازمة لتطويره.

وأعلن وزير الخارجية السوداني علي يوسف الشريف عن هذا التطور في ختام جولة محادثات أجراها في موسكو مع نظيره الروسي سيرغي لافروف.

وقال الوزير رداً على أسئلة الصحافيين: «اتفقت روسيا والسودان على كل شيء فيما يتعلق بإنشاء قاعدة بحرية روسية». وأكد: «توصلنا إلى تفاهم متبادل بشأن هذه القضية».

ولم يوضح الشريف تفاصيل حول بنود التفاهم الحالي، وما إذا كانت صياغة الاتفاق السابق الذي تم التوصل إليه في عام 2017 قد تعرضت لتعديلات أو توسيع. واكتفى الوزير السوداني بإشارة مقتضبة أكد فيها أن الطرفين «توصلا إلى تفاهم بشأن هذه القضية، لذا فإن السؤال بسيط للغاية. ليس لدي ما أضيفه، لقد اتفقنا، على كل التفاصيل».

اهتمام روسي بدفع التسوية

من جانبه، تجنّب لافروف خلال المؤتمر الصحافي الإشارة إلى ملف القاعدة العسكرية، لكنه قال إن الأطراف أولت خلال المحادثات اهتماماً خاصاً للحرب الدائرة في السودان. وأضاف لافروف أنه عندما يستقر الوضع في السودان ستتوفر الظروف لمزيد من تطوير العلاقات، وسيكون أحد المجالات ذات الأولوية هو المساعدة في تطوير قاعدة الموارد المعدنية للدولة الأفريقية. وزاد: «نحن مهتمون بتطبيع الوضع في دولة صديقة لنا في أقرب وقت ممكن. لقد أكدنا موقفنا المبدئي بشأن ضرورة إنهاء العمليات العسكرية بسرعة والإطلاق الموازي لحوار وطني يشمل جميع ممثلي القوى السياسية والعرقية والطائفية».

وقال لافروف إن نظيره السوداني أبلغه أن القيادة السودانية أقرت قبل أيام «خريطة طريق» من شأنها أن تدفع البلاد نحو تحقيق التوافق الوطني.

وبحسب وزير الخارجية الروسي، فإن استقرار الوضع في السودان سيخلق الظروف لمزيد من تطوير العلاقات الثنائية، ويعتبر تقديم المساعدة للسودان في تطوير قاعدة الموارد المعدنية في البلاد أحد المجالات ذات الأولوية.

الفريق البرهان لدى لقائه الوفد الروسي برئاسة بوغدانوف في بورتسودان أبريل 2024 (وكالة السودان للأنباء/ سونا)

وكان موضوع إنشاء قاعدة روسية في بورتسودان تعرض مراراً للشد والجذب وفقاً لمسار العلاقة بين البلدين التي تعرضت لهزات وفترات فتور. لكن الجانبين الروسي والسوداني أكدا، في وقت سابق، أن التفاهم الأولي حول الموضوع ما زال موضع اهتمام من الطرفين ومطروحاً على جدول المناقشات.

وفي نهاية شهر ديسمبر (كانون الأول)، وصفت السفارة الروسية في السودان تقارير تحدثت عن رفض الخرطوم استضافة مركز لوجيستي للبحرية الروسية بأنها «كاذبة».

وقبل ذلك، في يونيو (حزيران) الماضي، أفاد السفير السوداني لدى روسيا الاتحادية بأن السودان «لم يتراجع عن التزاماته ببناء قاعدة بحرية روسية في البحر الأحمر، وسيتم تنفيذ المشروع المخطط له»، مجدداً الالتزام الذي أعلن عنه في فبراير (شباط) 2023 حول أن السلطات السودانية سوف تسمح للأسطول الروسي ببناء القاعدة على البحر الأحمر.

سجالات سبقت الإعلان النهائي

وكانت موسكو والخرطوم اتفقتا في عام 2017 خلال زيارة للرئيس السوداني المخلوع عمر البشير إلى موسكو على إنشاء قاعدة بحرية في بورتسودان، لكن الاتفاق لم يتم التصديق عليه في الخرطوم. في حين سارت موسكو من جانبها خطوات لمنح الاتفاق قوة قانونية عبر المصادقة عليه في مجلس الدوما (النواب).

هل يزور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بورتسودان؟ (أ.ب)

وفي منتصف عام 2021 بعد مرور أسابيع قليلة على إعلان الخرطوم تجميد العمل باتفاقية إنشاء القاعدة العسكرية الروسية في بورتسودان، سرّعت موسكو خطواتها لتحويل الوثيقة إلى اتفاق ملزم، عبر مروره بكل آليات الإقرار القانونية التي نص عليها.

وأمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في حينها، بإحالة الاتفاقية إلى مجلس الدوما (النواب) للمصادقة عليها، في ثاني خطوات الإقرار النهائي للاتفاق بعدما صدّقت الحكومة الروسية عليها رسمياً قبل أسبوع واحد. وجاء التطور آنذاك، رغم أن القيادة السودانية أبلغت موسكو بموقفها بشكل مباشر ورسمي عبر اتصالات جرت على المستويين العسكري والدبلوماسي، وكان أبرزها زيارة وفد من وزارة الدفاع الروسية برئاسة نائب الوزير ألكسندر فومين إلى الخرطوم، وزيارة وزير الدفاع السوداني إلى موسكو، في إطار مشاركته في مؤتمر الأمن الدولي الذي نظمته وزارة الدفاع الروسية في مايو (أيار) 2021.

وأظهر التحرك الروسي أن موسكو سعت إلى الضغط على الحكومة السودانية الجديدة في ذلك الوقت، رغم تصريحات رئيس أركان القوات المسلحة محمد عثمان الحسين، الذي قال إن «الخرطوم تعتزم مراجعة اتفاق إنشاء قاعدة عسكرية روسية على البحر الأحمر»، مشيراً إلى أن «الوثيقة أقرّتها الحكومة السابقة ولم يصدّق عليها مجلس النواب».

ورغم الموقف السوداني، أعلنت وزارة الخارجية الروسية أن الاتفاق يبقى ملزماً للطرفين، لأن «هذا الاتفاق تم توقيعه في الخرطوم يوم 23 يوليو (تموز) 2019 من قبل مسؤول مكلف للمجلس العسكري الانتقالي في السودان، أي بعد تغيير النظام السياسي في السودان»، وفقاً لتعليق الناطقة باسم الوزارة ماريا زاخاروفا التي أضافت أن «الوثيقة لم تجرِ حتى الآن المصادقة عليها من قبل الطرف السوداني لأنه لا يوجد حالياً في البلاد جهاز سلطة تشريعية يتمتع بمثل هذه الصلاحيات».

في المقابل، لمّحت زاخاروفا إلى استعداد الجانب الروسي لإبداء مرونة في مراجعة نص الاتفاق، وقالت إن «موسكو مهتمة بتعزيز التعاون مع الخرطوم. ونص الوثيقة يمكن أن يتغير». وأوضحت أنه «يمكن حتى دخول الاتفاق حيز التنفيذ إجراء تغييرات جوهرية في نصه بالتنسيق بين الطرفين وفي حال وجود مبادرة لذلك من قبل أي منهما».

مضمون الاتفاق

ونص الاتفاق في صياغته الأولى التي يمكن أن تكون قد خضعت لبعض التعديلات في إطار التفاهم الجديد على منح روسيا حق استخدام مركز لوجيستي عملياتي في بورتسودان، على ألا يتجاوز الحد الأقصى لعدد أفراد المركز البحري العاملين في آن واحد 300 عسكري، كما لن يتمكن أكثر من 4 سفن حربية روسية من البقاء هناك في وقت واحد. كما نص الاتفاق على أنه يسري لمدة 25 عاماً مع إمكانية التمديد بعد انقضاء هذه الفترة.

اللافت أن التفاهم الجديد قد يكون جزءاً من اتفاقيات أوسع، كانت موسكو والخرطوم قد لمّحت إليها في وقت سابق.

مرفأ بورتسودان على البحر الأحمر (سونا)

وكان وزير الدفاع السوداني ياسين إبراهيم ياسين قد قال خلال زيارة سابقة إلى موسكو إن «الحديث في الواقع لا يدور عن اتفاقية واحدة، بل عن 4 اتفاقيات متعلقة بالتعاون العسكري بين البلدين تقضي بإنشاء ممثلية لوزارة الدفاع الروسية في السودان وتسهيل دخول السفن الحربية الروسية في الموانئ السودانية، ومن ثم الاتفاق على إنشاء مركز دعم لوجيستي روسي في السودان». ولفت إبراهيم إلى أن 3 من هذه الاتفاقيات لا تزال مستمرة، وهناك «بعض المسائل التكميلية بالنسبة لها».

 

 

كما برزت معطيات عن أن موسكو تتعهد بموجب الاتفاق بدعم قدرات الجيش السوداني. وكان المحلل السوداني عثمان الميرغني قد قال لوسائل إعلام، في وقت سابق، إن «الجيش السوداني في حاجة ماسة إلى الأسلحة والذخائر وقطع الغيار لطائراته المقاتلة روسية الصنع». ورأى أن «تقديم قاعدة بحرية لروسيا في المقابل هو الخيار الأفضل».


مقالات ذات صلة

عبد الواحد نور: لا حكم للبرهان وحميدتي بالبزة العسكرية

شمال افريقيا رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»

عبد الواحد نور: لا حكم للبرهان وحميدتي بالبزة العسكرية

رفض عبد الواحد نور، رئيس حركة وجيش تحرير السودان، مشاركة البرهان وحميدتي في الحكم بصفتيهما العسكريتين، مشترطاً لخوض السياسة التخلي عن البزة العسكرية.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا جدار مسجد انهار بعد غارة بطائرة مسيّرة في مدينة الخرطوم بحري بالسودان (رويترز) p-circle

السودان: مقتل 26 امرأة و4 أطفال في ضربة بمسيّرة تابعة لـ«الدعم السريع»

قُتلت 26 امرأة و4 أطفال بضربة بطائرة مسيّرة تابعة لـ"قوات الدعم السريع" في جنوب شرق السودان، الجمعة، بحسب ما أفاد مسؤول وشهود عيان "وكالة الصحافة الفرنسية".

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أنصار حاكم دارفور مني أركو مناوي يستقبلونه في مطار الخرطوم لدى عودته من نيويورك السبت الماضي (أ.ف.ب)

السودان: مناوي يلوّح بورقة التمرد إذا «استمرت الدولة في دعم الميليشيات»

لوح حاكم إقليم دارفور، (غرب السودان)، مني أركو مناوي، بالتمرد المسلح مجدداً احتجاجاً على ما سماه «استمرار الدولة في إنشاء المزيد من الميليشيات» في البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا كبير المستشارين الأميركيين للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ب)

مبعوث أميركي يلتقي بقائد الجيش السوداني في مصر

التقى مبعوث للرئيس الأميركي بقائد الجيش السوداني مطلع الأسبوع في مصر، حيث تسعى واشنطن ووسطاء آخرون إلى إنهاء حرب تسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا جنود في مطار الخرطوم الدولي يوم 3 أكتوبر 2026 خلال حفل استقبال حاكم إقليم دارفور قائد حركة تحرير السودان مني أركو مناوي عقب مشاركته في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ف.ب)

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة في غرب كردفان

أعلن الجيش السوداني، الاثنين، إسقاط طائرة مسيّرة معادية صينية الصنع، في شمال مدينة الخوي بولاية غرب كردفان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

النور: لا حكم للبرهان وحميدتي كعسكريّين


 عبد الواحد نور مشاركاً في اجتماعات سابقة في نيروبي (إعلام تحالف صمود)
عبد الواحد نور مشاركاً في اجتماعات سابقة في نيروبي (إعلام تحالف صمود)
TT

النور: لا حكم للبرهان وحميدتي كعسكريّين


 عبد الواحد نور مشاركاً في اجتماعات سابقة في نيروبي (إعلام تحالف صمود)
عبد الواحد نور مشاركاً في اجتماعات سابقة في نيروبي (إعلام تحالف صمود)

رفض عبد الواحد نور، رئيس حركة «جيش تحرير السودان»، مشاركة البرهان وحميدتي في الحكم بصفتيهما العسكريتين، مشترطاً لخوض السياسة التخلي عن الصفة والبزة العسكرية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

وأكد نور في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن مستقبل السودان يجب أن يكون مدنياً، وأن امتلاك القوات لا يمنح قادتها حق الحكم. وشدد على أن حركته لن تنحاز إلى أي من طرفَي الحرب، ولن تشارك في تسوية تعيد الإسلاميين إلى السلطة.

ودعا إلى حل الجيش القائم وبناء جيش قومي جديد، تخضع له جميع القوات، بما فيها قوات حركته، وفق معايير موحدة، وتقتصر مهمته على حماية الأرض والشعب والدستور.

ورفض تقسيم السودان، محذراً من امتداد تداعيات الحرب إلى دول الجوار.


العاهل المغربي يشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية

العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)
العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)
TT

العاهل المغربي يشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية

العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)
العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)

دعا العاهل المغربي، الملك محمد السادس، إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً حقيقياً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، مع تحقيق التوازن والانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية. وشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة اهتمامات السياسات العمومية.

وقال الملك، في خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى للولاية التشريعية الثانية عشرة، اليوم الجمعة، بالرباط، إن هذه الولاية تأتي في ظرفية استثنائية حافلة بالفرص التي قد لا تتكرر، لمواصلة الإنجازات في مختلف المجالات، مقدّماً تهانيه لأعضاء مجلس النواب على ثقة الناخبين.

وفي سياق حديثه عن الشباب، شدّد الملك محمد السادس على ضرورة وضع قضاياهم في صدارة اهتمامات هيئات الحكامة، من خلال تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.

وربط الخطاب الملكي هذا التوجه بتعزيز ثقة الشباب في قدراتهم على الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم، وفي الفرص التي يوفرها لهم لبناء مستقبل أفضل في ظل الحرية والكرامة والاستقرار.

وفيما يتعلق بالتدبير الترابي، أكد الملك أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة يتمثل في العمل الميداني على المستوى الترابي، من خلال الوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها.

وأوضح أن النهوض بالتنمية المندمجة، وتحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسار الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري، منبهاً إلى أن التأخير والاختلالات التي تُعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز ينعكسان سلباً على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعوق التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين.

في هذا الصدد، شدد الملك محمد السادس على أنه «لم يعد من المقبول أي تأخير، أو تماطل في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز»، بما يقتضيه ذلك من نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الأقاليم والجهات.

كما دعا إلى وضع حد للعراقيل التي تعوق عمل مؤسسات الجهة، من خلال تحديد أكثر وضوحاً للاختصاصات، والرفع من مواردها البشرية والمادية، وتنظيم العلاقات بين الدولة والجهات، ووضع آليات للتنسيق والتعاقد تتيح للجهات اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.

وعلى المستوى الاقتصادي، دعا الملك إلى تسريع المشاريع المبرمجة في البنيات التحتية، وإطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، خاصة في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. كما حثّ على الترشيد وتطوير قدرات المملكة في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية، داعياً القطاع الخاص الوطني إلى الارتقاء إلى فاعل استراتيجي في التحول التنموي، وأن يكون أكثر مبادرة وافتكاراً، وقدرة على خلق فرص الشغل والاستثمار والتصدير.

وبخصوص موضوع الهجرة والأزمة التي اندلعت مع إسبانيا، قال الملك محمد السادس إن المقاربة المتوازنة التي اعتمدها المغرب في تدبير ظاهرة الهجرة أسفرت عن نتائج ملموسة، غير أن النموذج الحالي للتعاون في هذا المجال أصبح متجاوزاً، وهو ما تؤكده الأزمات المتكررة.

وفي هذا السياق، أكد الملك أن الشراكة مع إسبانيا عرفت تطورات مهمة في مختلف المجالات، بما فيها محاربة الهجرة غير الشرعية، لكنها باتت تواجه تحديات كبيرة مرتبطة ببعض المقتضيات القانونية المتجاوزة، والقرارات القضائية البعيدة عن الواقع. وأوضح أن هذه المقتضيات والقرارات تحول، مع الأسف، دون ترحيل الأطفال القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وتُغذي أطماع الشبكات الإجرامية.

وفي معرض حديثه عن التصريحات غير المسؤولة، الصادرة عن بعض الأوساط السياسية والإعلامية، شدد الملك محمد السادس على أن الشراكة اختيار سياسي والتزام إرادي، ولن تكون أبداً محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز، مؤكداً أن المغرب سيقدم لشركائه وثيقة استراتيجية واضحة وعملية، تؤسس لوجه جديد من الشراكة، بما يعزز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية.

وفي رسالة إلى أعضاء المؤسسة التشريعية، أكد الملك محمد السادس أن الانتداب البرلماني «أمانة والتزام سياسي وتعاقد أخلاقي» يربط البرلمانيين بالمواطنين، داعياً أعضاء البرلمان إلى الاضطلاع بمسؤوليتهم الوطنية، قائلاً: «كونوا - رعاكم الله - في مستوى هذه المسؤولية الوطنية التي تتحملونها أمام الله، وأمام المواطنين، وأمام التاريخ».

كان الملك محمد السادس مرفوقاً بولي العهد الأمير مولاي الحسن، والأمير مولاي رشيد، والأمير مولاي أحمد.


عبد الواحد نور: لا حكم للبرهان وحميدتي بالبزة العسكرية

رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»
رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»
TT

عبد الواحد نور: لا حكم للبرهان وحميدتي بالبزة العسكرية

رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»
رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»

رفض عبد الواحد نور، رئيس حركة وجيش تحرير السودان، مشاركة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» في أي حكم مقبل بصفتيهما العسكريتين، مشترطاً على من يريد خوض العمل السياسي التخلي عن صفته وبزته العسكرية والاحتكام إلى الانتخابات.

وأكد نور، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن حركته لن تنحاز إلى أي من طرفي الحرب، ولن تشارك في تسوية تعيد الإسلاميين إلى السلطة، داعياً إلى بناء جيش قومي جديد تخضع له جميع القوات، بما فيها قوات حركته، وفق معايير موحدة.

ويعد عبد الواحد نور أحد أبرز قادة الحركات التي حملت السلاح في دارفور عام 2003 احتجاجاً على تهميش الإقليم. وقد رفض اتفاق أبوجا عام 2006، الذي وقعه نظام الرئيس السابق عمر البشير مع جناح من حركته بقيادة مني أركو مناوي.

السياسة بعد البزة

وربط النور موقفه من البرهان وحميدتي بمطالب ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، مؤكداً أن مستقبل الحكم يجب أن يكون مدنياً، وأن امتلاك القوات لا يمنح قادتها حق المشاركة السياسية. وقال: «من يريد تأسيس حزب أو عرض مشروع على السودانيين، يستطيع ذلك بعد مغادرة المؤسسة العسكرية، على أن تكون الكلمة للناخبين».

صورة مركبة لقائدي الجيش البرهان (يسار) و«قوات الدعم السريع» حميدتي (الشرق الأوسط)

وكانت الاحتجاجات التي اندلعت في ديسمبر 2018 قد أفضت إلى الإطاحة بنظام الإنقاذ الوطني برئاسة البشير في أبريل (نيسان) 2019، ثم تشكيل سلطة انتقالية بمشاركة المدنيين والعسكريين. غير أن انقلاب أكتوبر (تشرين الأول) 2021 الذي قاده البرهان وحميدتي، قطع مسار الانتقال المدني، قبل اندلاع الحرب بين الجيش و«الدعم السريع» في أبريل 2023، على خلفية الصراع على السلطة والخلاف بشأن ترتيبات دمج القوات.

وشدد النور على أن حركته لا تقاتل إلى جانب أي من الطرفين. وبشأن الحديث عن تفاهمات مع «الدعم السريع» في دارفور، أبدى ترحيبه بأي تفاهم يمنع المواجهة، من دون أن يؤكد وجود اتفاق أو يحدد مضمونه، مؤكداً أن حركته ستدافع عن نفسها إذا تعرضت لاعتداء من أي جهة.

وأوضح أن وجود قواته في جبل مرة، معقل حركته في دارفور، يسبق الحرب الحالية، وأنها حافظت على مواقعها رغم مواجهات الجيش والجنجويد وميليشيات وحركات منشقة عنها.

وحذر من امتداد تداعيات الحرب إلى دول الجوار، ورفض تقسيم السودان، معتبراً أن الحفاظ على وحدته يقتضي معالجة الأسباب التي تدفع بعض مكوناته إلى المطالبة بتقرير المصير أو الانفصال. واستشهد بانفصال جنوب السودان عام 2011، محذراً من تكرار التجربة إذا بقيت جذور النزاع من دون معالجة.

موجات النزوح إلى تشاد تزداد بوتيرة حادة فراراً من الحرب في كردفان والنيل الأزرق (مفوضية اللاجئين)

ودعا نور إلى عقد اجتماع يعالج قضايا الهوية والعلاقة بين الدين والدولة واحتكار السلطة، إلى جانب إدارة التنوع والموارد وشكل الحكم. وقال: «المواطنة المتساوية وسيادة القانون هما ضمان الوحدة»، مؤكداً أن الخلافات السياسية ينبغي أن تُحسم عبر الانتخابات والبرلمان.

وقال نور إن حركته خلصت، بعد اندلاع الحرب 2023، إلى أن الحياد وحده لا يكفي، فأطلقت في أكتوبر 2023 مبادرة دعت إليها الأحزاب وحركات الكفاح المسلح ومنظمات المجتمع المدني والقيادات الأهلية والشخصيات الوطنية، بهدف وقف الحرب وإنهائها، ومواجهة خطاب الكراهية، واستعادة التحول المدني الديمقراطي. وانتقلت لاحقاً إلى محاولة تشكيل جبهة للقوى المدنية الرافضة للحرب وغير المصطفة مع طرفيها، لاستعادة ثورة ديسمبر وأهدافها. واقترحت الحركة معايير لتمثيل الشباب والنساء ولجان المقاومة والمجتمع المدني والإدارات الأهلية والشخصيات القومية.

خلاف العلمانية

روى النور وجود خلاف حول العلمانية، مشيراً إلى أن حزب الأمة، يوافق على مضمون العلمانية، لكنه يتحفظ على المصطلح. وأشار إلى تشكيل لجنة برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء الانتقالي السابق، الذي تواصل مع عبد العزيز الحلو، قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان/ قطاع الشمال بشأن صياغة تنص على فصل الدين عن الدولة. وأضاف أن حزب الأمة طلب نصاً يحمل المعنى نفسه من دون استخدام المصطلحات المرتبطة بالعلمانية، ومُنح أسبوعين للتشاور داخل مؤسساته.

الرئيس الكيني ويليام روتو مع حمدوك وعبد الواحد نور رئيس «حركة تحرير السودان» خلال توقيع وثيقة نيروبي مايو 2024 (إكس)

وقال إن انقسام «تقدم» وظهور «صمود» ثم «تأسيس» جاء بعد تلك المداولات. وكانت «تقدم»، وهي تنسيقية لقوى مدنية بقيادة حمدوك، قد انقسمت في فبراير (شباط) 2025 بسبب الخلاف بشأن تشكيل حكومة موازية، وأعلن المعارضون لهذا الخيار تحالف «صمود» بقيادة حمدوك. وأكد النور أن حركته لن تستمر في المبادرة إذا انحرفت عن هدف استعادة ثورة ديسمبر والتأسيس لحكم مدني، مشدداً على رفض الالتحاق بالإسلاميين بقوله: «ما بنمشي للكيزان». و«الكيزان» تعبير سوداني شائع يُستخدم للإشارة إلى التيار الإسلامي، ولا سيما المرتبطين بنظام البشير، الذي حكم البلاد منذ انقلاب عام 1989 حتى إطاحته عام 2019.

ودعا النور إلى حل الجيش القائم وبناء جيش قومي جديد بعد وقف الحرب، على أن تخضع جميع القوات، بما فيها قوات حركته، لمعايير موحدة.

وقال: «الجيش لا يحكم، الجيش مؤسسة من مؤسسات الدولة»، معتبراً أن إعادة بنائه يجب أن تنهي احتكار قيادته وتدخله في السلطة، وتحصر مهمته في حماية الأرض والشعب والدستور.

واستند في دعوته إلى ما وصفه باستمرار البنية الموروثة من الاستعمار، متهماً نخَباً محددة بالسيطرة على القيادة واستخدام المؤسسة العسكرية لقمع مطالب مناطق أخرى.

واتهم النور الجيش بارتكاب جرائم في الجنوب والنيل الأزرق وجبال النوبة ودارفور، باستخدام أسلحة كيميائية، مستشهداً بتقرير أصدرته منظمة العفو الدولية عام 2016 بشأن جبل مرة. وكانت المنظمة قد قالت إنها جمعت أدلة ترجح استخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين، فيما نفت الحكومة السودانية آنذاك تلك النتائج ورفضت الأدلة التي استند إليها التقرير.

حمدوك وعبد الواحد محمد نور خلال لقاء سابق في باريس (الشرق الأوسط)

ووصف النور الجيش القائم بأنه «أكبر ميليشيا»، وعدّه تابعاً للإسلاميين، داعياً إلى بناء مؤسسة عسكرية تمثل قوميات السودان ومناطقه، وفق شروط واضحة للخدمة وتأهيل الضباط وتشكيل القيادة؛ وأكد أن قوات حركته لن تُستثنى من هذه العملية.

المحاسبة داخل الحركة

ورداً على اتهامات بارتكاب انتهاكات بحق أعضاء في الحركة، قال نور إن المغادرة متاحة لمن يريد، بينما يخضع من يبقون للوائح التنظيم والقانون العسكري. وأكد أن المحاسبة تشمل القيادة، بمن فيها هو، وأن للحركة مؤسسات عدلية. واتهم بعض الخارجين من الحركة باستخدام تلك الاتهامات لتبرير انتقالهم إلى النظام الذي تمردوا عليه، معلناً استعداده للمثول أمام محكمة دولية أو محاكم دولة تحترم سيادة القانون. وقال إنه موجود في كينيا ومستعد للمثول أمام محاكمها إذا قُدمت قضية ضده.

ورفض اختزال الحركة في شخصه، قائلاً: «حركة تحرير السودان ده ما حق عبد الواحد»، ومؤكداً أن بإمكانها اختيار رئيس آخر. لكنه لم يقدم، في إجابته، تفاصيل عن مصير الأعضاء الذين تناولتهم الاتهامات.

وبشأن أوضاع المدنيين، قال إن مناطق سيطرة الحركة في جبل مرة (غرب دارفور) تستقبل، وفق تقديراته، أكثر من سبعة ملايين سوداني. وأضاف أن قواته توفر لهم الأمن، لكنها تفتقر إلى الإمكانات اللازمة لتوفير الغذاء والمياه والسكن، داعياً المنظمات إلى مساعدتهم والصحافيين إلى زيارة المنطقة، كما رفض تصنيف حركته ضمن «حركات دارفور»، معتبراً أن مشروعها يتعلق بالسودان كله، وأن حصر القوى القادمة من الأقاليم في المطالب المحلية يحرمها من المشاركة في تحديد السياسات الوطنية.

التفاوض بشروط

نفى النور رفض التفاوض من حيث المبدأ، موضحاً أن حركته تفاوضت مع نظام البشير في جولتين بمدينة أبشي التشادية عام 2003، ثم شاركت في سبع جولات بأبوجا النيجيرية بين عامي 2004 و2006. وانتهت مفاوضات أبوجا إلى اتفاق في مايو (أيار) 2006 وقعه جناح مني مناوي، بينما رفضه جناح النور وحركة العدل والمساواة لعدم تلبيته مطالبهما السياسية والأمنية. وقال نور إن تلك التجربة دفعته إلى رفض العودة إلى التفاوض مع النظام، بعدما خلص إلى أنه يسعى إلى استيعاب معارضيه بالمناصب والأموال، لا إلى تحقيق السلام. وأضاف: «الثورة عمرها ما بتبقى جزء من النظام». واستشهد بعد ذلك برفضه التحالفات، وبتعاون الحركة مع حركة العدل والمساواة، ومشاركتها في التجمع الوطني الديمقراطي والجبهة الثورية و«الفجر الجديد» وإعلان باريس عام 2014.

وعزا مغادرتها الجبهة الثورية، التي جمعت حركات مسلحة معارضة للبشير، إلى تحولها، في تقديره، من جبهة لإسقاط النظام إلى جبهة تفاوض تسعى إلى «الهبوط الناعم» عبر «نداء السودان»، في إشارة إلى التوصل لتسوية مع النظام بدلاً من إسقاطه.