بيرسيفال إيفيريت يقلب رواية مارك توين

«هَكلْبِري فِنْ» اتهمت باحتوائها على آراء مسيئة ومُشوِّهة للسود

بيرسيفال إيفيريت
بيرسيفال إيفيريت
TT

بيرسيفال إيفيريت يقلب رواية مارك توين

بيرسيفال إيفيريت
بيرسيفال إيفيريت

بيرسيفال إيفيريت لم يقلبْ مارك توين رأساً على عقب، كما يدَّعِي العنوان، الذي لعبت دوراً في صياغته الرغبة في أن يكون لافتاً وجاذباً، على أمل أن يغري بقراءة المقالة. أنّى وكيف لإيفيريت قلب توين دون مساعدة من آلة زمن تنقله تخييلياً، كما في الروايات والأفلام، إلى زمان ومكان كان فيهما توين على قيد الحياة. ومع ذلك، إذا كان بالإمكان وصف ما فعله إيفيريت قلباً، وهو «قلب» مجازي، فإن القلب تعرضت له رواية توين «مغامرات هَكلْبِري فِنْ»، 1885/1884، وهذا ما يفعله إيفيريت في روايته الجديدة «جيمس»، 2024، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة بوكر 2024، وفازت بجائزة الكتاب الوطني الأميركية للقص، 2024. ومن المنتظر أن تشق طريقها إلى صالات السينما بعد شراء «يونيفرسال» لحقوق ملكيتها الفكرية لترجمتها للشاشة، وسيكون المخرج ستيفن سبيلبرغ المنتج التنفيذي للفيلم، كما رُشِّح تايكا وايتيتي لإخراجه.

بول موسى يصدم جامعة شيكاغو

مبالغة أخرى صغيرة في العنوان الداخلي أعلاه، لأن بول موسى لم يصدم جامعة شيكاغو كلها؛ فالصدمة، حسب عالم السرد وين بوث، كانت صغيرة ومحصورة بين جدران قسم العلوم الإنسانية.

يستهل بوث مقدمة كتابه «The Company We Keep, 1980»، بأنه في يوم من ستينات القرن الماضي، تفاجأت هيئة تدريس العلوم الإنسانية في الجامعة، أثناء مناقشتهم الخطة الدراسية للطلاب الجدد، باحتجاج زميلهم الأسود بول موسى، أستاذ الفن المساعد، على تدريس رواية مارك توين، وبتصريحه أنه لا يستطيع الاستمرار في تدريسها، موضحاً أن طريقة تصوير توين للعبد «جيم - Jim» مسيئة وتثير غضبه لدرجة أنه يعجز عن إقناع ما وصفهم بالأطفال البيض الليبراليين بأسباب غضبه. ويضيف أنه ليس من الصواب تعريض الطلاب، السود والبيض، لما تستند إليه من آراء مسيئة ومُشوِّهة للسود. ويختم بيانه بـ: «هذا الكتاب مادة تعليم سيئة، وحقيقة إنه مكتوب بذكاء يجعله أكثر إزعاجاً لي» (ص 3).

«انصدام» هيئة التدريس من موقف موسى يثير الاستغراب؛ لأن زميلهم ليس أول شخص يعترض على تدريس «هَكلْبِري فِنْ»، ويعبر عن رفض تدريسها، وعن استيائه منها، فالاحتجاج على تدريسها في أوساط السود يعود إلى 1957، العام الذي بدأت فيه المعركة، حسب غريغ كانفيلد، حول المواقف العنصرية التي تعبر عنها الرواية، عندما أدانت الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين (NAACP) الكتاب لإهانته للسود، ضمنياً، باستخدام كلمة «زنجي - nigger». تأتي تلك الإدانة بعد ثلاث سنوات من صدور قرار المحكمة العليا إلغاء الفصل في التعليم والمدارس بين البيض والسود في 1954. يقول جيمس ليونارد وتوماس تيني في مقدمتهما للكتاب «هجاء أم مراوغة... وجهات نظر سوداء حول هَكلْبِري فِن»، 1992: «من المحتم أن يشعر الأطفال السود في الفصل مع البيض بعدم الارتياح للكلمة والكتاب الذي تظهر فيه كثيراً، وأن يرغب الآباء السود في حماية أطفالهم مما تمثله الكلمة». ويصف التربوي جون والاس الرواية بأنها أبشع مثال مكتوب على القمامة العنصرية.

رغم ذلك لم يكن الأميركان السود جبهة موحدة ضد تدريس الرواية، فكان بينهم أشد المتحمسين للدفاع عنها. وعلى الجانب الآخر، عارض عدد من البيض تدريسها. وتدريجياً، بدأ يزداد تساقط الرواية من أيدي المدرسين والمدرسات من البيض والملونين، إلى أن بلغ الأمر حد تهديد عدد كبير من المدارس الثانوية بإلغائها من خططهم الدراسية بسبب تلك الكلمة، ما دفع دار «نيوساوث بوكس» إلى أن تصدر، في عام 2012، طبعة خالية من «الكلمة-ز/N-word»، التي تتكرر 219 مرة فيها، واستبدالها بكلمة «عبد». ويوضح د. أَلَنْ غريبين محرر النسخة المتخصص في أدب مارك توين في المقدمة أن الاستياء من الطبعة الأصلية بدأ ينتشر حتى بين طلبة الجامعات والكليات.

إيفيريت يضع جيم في المركز

إزاء هذه الخلفية من الجدل على مدى عقود، يعيد إيفيريت كتابة رائعة توين، يزيح الطفل الأبيض هَكلْبِري فِنْ من مركزها، ويحل جيم محله، كما يضع اسمه «جيمس» عنواناً على الغلاف، من دون أدنى إشارة إلى مارك توين و«بطل» روايته، التي وصفها ت. س. إليوت بأنها رائعة أدبية، وعدّها إرنست هيمنغوي بلغةٍ لا تخلو من المبالغة أصلَ الأدب الأميركي الحديث: «كل الأدب الأميركي الحديث ينحدر من كتاب واحد لمارك توين يسمى (هَكلْبِري فِنْ)...».

إن مقولة هيمنغوي تنطبق على رواية إيفيريت، أكثر من انطباقها على أي رواية أخرى؛ فـ«جيمس» خرجت بالفعل من رواية توين، ولكن خرجت لتعيد كتابتها، ولتناقضها، وتقلبها رأساً على عقب. وفي نفس الوقت، تمتد جذور انتمائها إلى روايات أخرى صدرت قبل وبعد «مغامرات هكلبِري فِن» مثل «شاميلا»،1741، للروائي الإنجليزي هنري فيلدينغ، و«فو/ Foe - 1986»، للروائي الجنوب أفريقي ج. م. كوتسي؛ لكن «جيمس» إلى رواية كوتسي أقرب، وعلاقتها بها أقوى. فبينما «شاميلا» محاكاة «باروديا - parody» تستهدف بالتهكم رواية صامويل ريتشاردسون «باميلا»، 1740، فإن روايتي إيفيريت وكوتسي نموذجان لما تسميه ليندا هتشيون الـ«باروديا» الحديثة، أو الباروديا الما بعد حداثية.

باروديا من دون سخرية

تخلو الباروديا الحديثة، حسب «هتشيون»، من السخرية، مؤسسةً بذلك اختلافها الأولي عن الباروديا التقليدية التي تهدف إلى السخرية من النص المحاكى والتقليل من شأنه. وتذكر في مقالتها «باروديا بدون سخرية»،1978: «... لا يبدو أن الاستخدام الحديث للباروديا يهدف إلى السخرية أو التدمير. الباروديا تعني وجود مسافة بين النصّ الخلفية المحاكى والنصّ الجديد، مسافة عادة ما تشير إليها المفارقة» (202). وتضيف أن الباروديا الحديثة تستحضر الأصل الإيتمولوجي للكلمة، التي لا يوجد في جذرها الإغريقي ما يوحي بالحاجة إلى إحداث أثر هزلي أو ساخر، كما هو الحال في الجذر «burla» للكلمة «burlesque». وتُنظِّر في كتابها «نظرية الباروديا» أن الباروديا تعارضٌ وتناقضٌ بين نصين، محاكاة يميزها القلب المُفارق، صياغة أخرى، تكرار مع مسافة نقدية، تظهر الاختلاف لا التشابه.

الإزاحة وتجريد «هَكْ» من امتيازاته

«فو - Foe» إعادة تخيل، وإعادة حكي لرواية «روبنسون كروزو»، فيها ينتزع كوتسي «روبنسون كروزو» من مركز الحكاية، ويضع في مكانه سوزان بارتون. وبالمثل يفعل إيفيريت في روايته، فجيمس، وليس هَكلْبِري، هو المبئر والسارد بضمير المتكلم، الذي يتشكل برؤيته عالم الحكاية بشخصياته وأحداثه وكل تفاصيله. إن منح هذه الامتيازات لـ«جيمس»، وتجريد «هكلبِري» منها، يمثل القاعدة التي يبني عليها إيفيريت قلبَ ومعارضةَ روايته لرواية توين.

«جيمس» الرواية إعادة حكي لرواية توين، يسترد فيها إيفيريت لجيمس إنسانيته، وينتشل شخصيته من التسطيح وأحادية البعد، ليقدمه شخصية دائرية متعددة الأبعاد. لا يحتاج القارئ إلى التوغل في النص حتى يلمس ويرى آثار ودلالات هذا القلب، فمن الفقرة السردية الاستهلالية يبدو العالم والأشياء مختلفَين من منظور جيمس. يقول في الجملتين الأخيرتين من الفقرة نفسها: «الانتظار جزء كبير من حياة العبد، الانتظار والانتظار ليتنظر المزيد، انتظار المطالب، انتظار الطعام، انتظار نهاية الأيام، انتظار المكافأة المسيحية العادلة والمستحقة في نهاية ذلك كله» (9). ويقول في الفقرة التالية: «أولئك الصبيان الأبيضان، هَكْ وتوم، راقباني. كانا دائماً يلعبان نوعاً من لعبة التظاهر حيث أنا إما شرير أو فريسة، ولكني بالتأكيد لعبتهما... من المفيد دائماً إعطاء البيض ما يريدون، لذلك، خطوت في الفناء، وصرخت في جوف الليل» (9).

المثير أن لعبة الصبيين بسيطة، بينما هو المتظاهر الأول والأكبر في عالم الحكاية، والتظاهر والتخفي وراء الأقنعة لعبته المفضلة، يتفانى في تعليمها للعبيد الآخرين. التظاهر والتقنع أسلوب حياة بالنسبة له، آلية لحماية الذات، ومن متطلبات العلاقة بين الأسياد والمستعبدين. يتظاهر بالجهل وهو ليس كذلك، وبالأمية وهو يقرأ ويكتب. فعندما تسأله سيدته الآنسة واتسون ذات مرة عمّا إذا كان قد دخل مكتبة القاضي تاتشر، يجيبها بالنفي، ويتساءل متظاهراً بالجهل: «تقصدين تلك الغرفة المليئة بالكتب؟ ويضحك متسائلاً: «ما الذي سأفعل بكتاب؟» (12)، فتضحك الآنسة أيضاً. لكنه سيروي لاحقاً عن تسلله المتكرر إلى مكتبة القاضي تاتشر للقراءة، وعن هلوساته وأحلامه التي تدخله في مناظرات مع فولتير وجون لوك. أما الكتابة فثمرتها هذه الرواية.

خلال الرواية، يظهر جيمس ذكياً، وبارعاً في التظاهر والانتقال في حديثه من الإنجليزية «الرسمية» إلى لهجة العبيد عندما يلمح شخصاً أبيض. كما يُعَلِّم الآخرين الطريقة الصحيحة للكلام الخطأ لأن البيض يشعرون بالاطمئنان عندما تتطابق سلوكيات وتصرفات السود مع صورهم النمطية في أذهانهم (البيض). وهو أكثر من ذلك: الرجل المحب والمخلص لأسرته التي يهرب من أجل أن يعود ولديه ما يشتري به حريتهم. وقد تحقق ذلك.

أبدع إيفيريت باروديا، نصاً معارضاً لنص توين، لكنه أبقى «الكلمة-ز/الكلمة-N»؛ لأنه لا يمكن خطفها من أفواه أناس عاشوا في القرن التاسع عشر، مثلما حدث في النسخة المنقحة من رواية توين.

* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

ثقافة وفنون  منيرة العيدان

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل...

ميرزا الخويلدي (الكويت)
ثقافة وفنون يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

تعد الرواية التونسية من أبرز التجارب السردية العربية التي انشغلت بتصوير الواقع الإنساني، والاجتماعي، إذ استطاع الروائي التونسي أن يجعل من الإنسان محوراً أساسياً

إلهام بلحاج
ثقافة وفنون  لميعة عباس عمارة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

تقاسيم نباتية أموية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها.

محمود الزيباوي

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».