بزشكيان يتحدى ترمب: الضغوط لن تركِّع إيران

قال إن واشنطن تخشى وحدة الإيرانيين وتريد ترسيخ ضعف بلاده لتوجيه ضربة عسكرية

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يلقي خطاباً خلال مراسم ذكرى ثورة 1979 في ميدان آزادي وسط طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يلقي خطاباً خلال مراسم ذكرى ثورة 1979 في ميدان آزادي وسط طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)
TT

بزشكيان يتحدى ترمب: الضغوط لن تركِّع إيران

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يلقي خطاباً خلال مراسم ذكرى ثورة 1979 في ميدان آزادي وسط طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يلقي خطاباً خلال مراسم ذكرى ثورة 1979 في ميدان آزادي وسط طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)

هاجم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الولايات المتحدة بأشد العبارات، متهماً خصوم بلاده بالسعي لتركيعها وترسيخ فكرة ضعف إيران بهدف توجيه ضربة عسكرية.

وانتقد بزشكيان، مذكرة وقَّعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لإعادة استراتيجية «الضغوط القصوى» على إيران بما في ذلك تشديد العقوبات النفطية.

وقال بزشكيان في كلمة ألقاها في الذكرى السادسة والأربعين لثورة 1979 التي أطاحت نظام الشاه: «إذا كانت الولايات المتحدة صادقة بشأن المفاوضات، فلماذا فرضت عقوبات علينا؟».

ويقول المحللون إن المؤسسة الحاكمة في طهران ليس لديها خيارات أخرى سوى التوصل إلى اتفاق مع ترمب في ظل الانتكاسات لنفوذ طهران الإقليمي بعد تفكك حلفائها أو إضعافهم بشكل خطير منذ اندلاع الحرب بين حركة «حماس» الفلسطينية وإسرائيل في قطاع غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وكذلك ازدياد السخط بين الكثير من الإيرانيين بسبب وضع الاقتصاد.

ووجَّهت الضربات إلى جماعة «حزب الله» اللبنانية، الموالية لإيران، وكذلك سقوط بشار الأسد في سوريا في ديسمبر (كانون الأول)، وهو حليف حيوي لطهران، ضربة إلى «محور المقاومة»، وهو شبكة من الجماعات المسلحة الإقليمية والمسلحين والدول المتحالفة مع إيران لمواجهة إسرائيل والولايات المتحدة.

وذكر بزشكيان في كلمة نقلها التلفزيون من ساحة آزادي (الحرية) في طهران: «يريدون ترسيخ فكرة ضعف إيران لدى الرأي العام، وأن هذا هو أفضل وقت لضربها... لكنهم سيأخذون أحلامهم معهم إلى القبر... هذه الأوهام ستذهب أدراج الرياح بفضل قيادة مرشد الثورة وبوجود الشعب الإيراني في الساحة». كما اتهم «أعداء» بلاده بمحاولة «تحديد هوية علمائنا واغتيالهم».

إيرانيون يرددون هتافات في ذكرى الثورة بينما يُعرَض صاروخ باليستي بالقرب من ساحة آزادي (رويترز)

وتكتسي ذكرى الثورة الإيرانية هذا العام طابعاً خاصاً بعد عودة ترمب إلى البيت الأبيض. فخلال فترة ولايته الأولى، اتبع الرئيس الأميركي سياسة «الضغوط القصوى» لإجبار طهران على توقيع اتفاق شامل يعالج برنامجها النووي ويلجم أنشطتها الإقليمية وبرنامجها للصواريخ الباليستية.

وفي الصباح، تجمعت الحشود في أماكن عامة في كل أنحاء إيران، على وقع أغانٍ شعبية وأناشيد وطنية للاحتفال بذكرى إطاحة الشاه محمد رضا بهلوي، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

ورفع المشاركون في المسيرات التي تنظمها السلطات سنوياً، وبينهم كثير من طلاب المدارس وموظفي الدوائر الحكومية ومنتسبي الأجهزة العسكرية، أعلام إيران ورايات الفصائل الموالية لها، بما في ذلك «حزب الله» في لبنان، بالإضافة إلى صور المرشد علي خامنئي.

وخرجت الحشود إلى الشوارع في شيراز وبندر عباس (جنوب) ورشت (شمال) ومشهد (شرق) وكرمانشاه وسنندج (غرب)، مرددين شعارات معادية لأميركا وإسرائيل، حسب صور تلفزيونية.

رجل دين إيراني خلال مسيرة ذكرى الثورة في ميدان آزادي وسط طهران (إ.ب.أ)

من جهتهم، توجّه سكان طهران إلى مكان التجمع الرئيسي حول برج آزادي («الحرية» بالفارسية) في غرب العاصمة، للاستماع إلى كلمة الرئيس، وكان لافتاً أن قوات «الحرس الثوري» استعرضت عدة صواريخ باليستية.

ونشرت وسائل إعلام رسمية صورة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وترمب، يرتديان زي السجن ويقفان داخل قفص معدني. وأظهرت صورة أخرى بعض المشاركين في المسيرة وهم يعلقون دمية على شكل ترمب بحبل مشنقة، حسب «رويترز».

وقال بزشكيان: «نحن لا نسعى إلى الحرب»، وأضاف في جزء من تصريحاته: «إنهم يستهدفون علماءنا، يسعون للتعرف عليهم واغتيالهم، لأنهم لا يطيقون وجود أي إنسان حر في هذا البلد. إما أن يشتروا هؤلاء العقول وإما أن يغتالوها، هذه هي خطتهم. إنهم يستهدفون بعض العقول في بلدنا ليجعلوها تشعر بأن إيران لم تعد تناسبها، ويصورون الأمر كأن الغرب قد فرش لهم السجاد الأحمر ليهاجروا خارج الحدود».

واستأنف ترمب، الثلاثاء الماضي، حملة لممارسة «الضغوط القصوى» على إيران، بما في ذلك إجراءات تؤدي لخفض صادراتها النفطية حتى تتوقف تماماً؛ لمنع طهران من حيازة أسلحة نووية.

ولدى توقيعه على المذكرة الرئاسية، وصفها بأنها «قاسية»، وقال إنه كان متردداً في اتخاذ الخطوة. وأضاف أنه منفتح على التوصل إلى اتفاق مع إيران، وعبَّر عن استعداده للتحدث مع بزشكيان الذي قال الأسبوع الماضي إنه سيكون من السهل التحقق مما إذا كانت إيران تطور أسلحة نووية.

وقال المرشد علي خامنئي، الجمعة، إن المحادثات مع الولايات المتحدة «ليست من الفطنة أو الحكمة أو الشرف»، في تصريحات تفسَّر في الفضاء السياسي الإيراني بأنها أوامر لحظر أي محادثات المباشرة مع إدارة ترمب.

وقال بزشكيان: «ترمب يتحدث عن رغبته في التفاوض مع إيران، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن المؤامرات التي يحيكها ضدنا بتوقيعه على قرارات عدائية. يدَّعي أن إيران هي التي تزعزع استقرار المنطقة، بينما الحقيقة أن إسرائيل، بدعم من أميركا، هي التي قتلت الأبرياء في فلسطين، ولبنان، وسوريا، وغزة، وحتى إيران، وهي التي تقصف أي مكان تريده دون رادع».

وأضاف بزشكيان: «أميركا تظن أنها قادرة على تركيع الشعب الإيراني عبر إثارة الانقسامات بين أبنائه. تزعم أنها تريد التفاوض، لكن ماذا عن هذه الأفعال؟ تقول إنها لا ترغب في التصعيد، لكنها تغلق كل الطرق أمامنا، حتى في الدواء، والغذاء، والمياه. لكنها تجهل أن هذه السياسات لم تفلح معنا يوماً، فقد اعتدنا عليها لعقود طويلة».

وعدَّ بزشكيان اغتيال رئيس حركة «حماس» إسماعيل هنية في طهران، نهاية يوليو (تموز) الماضي، محاولة «من أعداء النظام والثورة لبث الفرقة وإثارة النزاعات» في الداخل الإيراني، «لأنهم يخشون وحدة وتلاحم الإيرانيين».

ودعا الإيرانيين إلى الوحدة، وقال: «لا شك أننا إذا اتحدنا فسنتمكن من حل جميع المشكلات. أعدكم بأننا من خلال الوحدة والتلاحم سنتمكن من إزالة كل العقبات، لكنهم يحاولون جاهدين منعنا من تحقيق هذه الوحدة الداخلية».

وأشار إلى أن «كل مخططاتهم تهدف إلى خلق الانقسامات بين الإيرانيين ليستغلوا الوضع لتحقيق أهدافهم الخبيثة، لكننا، بفضل توجيهات مرشد الثورة، لن نسمح لهم بذلك. لقد أثبت قائدنا أننا سنمضي قدماً بقوة، وسنعمل على بناء علاقات أخوية قائمة على الاحترام المتبادل مع جيراننا». وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، للتلفزيون الرسمي: «لا تتفاوض أي دولة تحت الضغط والإكراه ما لم تكن تنوي الاستسلام، خصوصاً عندما نتذكر تاريخاً من الوعود التي لم توفِ بها واشنطن».

وأظهرت بيانات موقع الصرف الأجنبي (الآن جند دوت كوم) أن العملة الإيرانية هبطت اليوم إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق عند 932500 ريال للدولار في السوق غير الرسمية مقارنةً مع 869500 ريال يوم الجمعة.

إيرانية تنظر إلى لافتة في مدخل مكتب لصرف العملات بينما تتراجع قيمة الريال الإيراني في طهران الأحد (رويترز)

وقال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، الشهر الماضي، إن إيران تُسرّع عمليات تخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء تصل إلى 60 في المائة، وهو ما يقترب من المستوى اللازم لصنع الأسلحة، والبالغ 90 في المائة تقريباً.

وتمتلك إيران حالياً ما يكفي لتطوير 4 إلى 5 قنابل نووية إذا قرّرت رفع التخصيب إلى مستوى الأسلحة.

وتقول الدول الغربية إنه لا يوجد مبرر لتخصيب اليورانيوم إلى هذا المستوى العالي، في إطار أي برنامج مدني موثوق به، وإنه لا توجد دولة وصلت إلى هذا المستوى من التخصيب، دون أن تُنتج قنابل نووية.


مقالات ذات صلة

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

شؤون إقليمية رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

شجع رضا بهلوي، الإيرانيين على النزول إلى الشوارع مرة أخرى نهاية هذا الأسبوع، وذلك بعدما تم خنق الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد بعد مقتل أكثر من 2600 متظاهر.

شؤون إقليمية عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)

مؤتمر ميونيخ للأمن يسحب دعوته لوزير الخارجية الإيراني

سحب مؤتمر ميونيخ للأمن الدعوة الموجهة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، على خلفية الحملة الأمنية التي شنّتها حكومة طهران على ‌الاحتجاجات.

«الشرق الأوسط» (برلين)
شؤون إقليمية محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)

تباين بشأن حصيلة قتلى الاحتجاجات الإيرانية

أسفرت موجة الاحتجاجات التي هزّت إيران في الأسابيع الأخيرة عن مقتل الآلاف، وفقاً لمنظمات حقوقية، وتشير بعض التقديرات إلى أنه قد يصل إلى 20 ألفاً.

«الشرق الأوسط» (باريس)
تحليل إخباري مظاهرة في روما الجمعة تأييداً لرضا بهلوي ابن شاه إيران الساعي للعب دور في الحراك الحالي والرغبة في العودة إلى طهران (رويترز)

تحليل إخباري كيف تقرأ باريس الأزمة الإيرانية والسيناريوهات المحتملة؟

رغم تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن خططه لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران، ترى باريس أن جميع السيناريوهات لا تزال مفتوحة.

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

هدوء حذر في إيران وسط أجواء أمنية «فائقة»

تواجه إيران تشديداً أمنياً واسعاً بعد حملة اعتقالات وانتشار مكثف للقوات بطهران ومدن أخرى، في حين تراجعت الاحتجاجات إلى حد كبير بفعل القبضة الأمنية.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)
رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)
TT

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)
رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)

شجع رضا بهلوي، نجل شاه إيران المخلوع، الإيرانيين على النزول إلى الشوارع مرة أخرى في نهاية هذا الأسبوع، وذلك بعدما تم خنق الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد بعد مقتل أكثر من 2600 متظاهر على يد قوات الأمن الإيرانية.

وفي منشور على منصة «إكس»، حث نجل شاه إيران المخلوع «مواطنيه الشجعان» على «رفع أصوات غضبهم واحتجاجهم» من السبت إلى الاثنين.

وقال في المنشور، إن «العالم يرى شجاعتكم وسيقدم دعماً أوضح وأكثر عملية لثورتكم الوطنية».

وجاءت تصريحات بهلوي بعدما عادت إيران إلى الهدوء المشوب بالحذر بعد موجة من الاحتجاجات التي أدت إلى حملة قمع دموية وتحذيرات من عمليات إعدام جماعية لآلاف المعتقلين في جميع أنحاء البلاد.

سيارات تسير في وسط العاصمة الإيرانية طهران يوم أمس الجمعة (ا.ب)

وبدأت التظاهرات في إيران في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي بإضراب لتجار بازار طهران على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية، لكنها تحوّلت إلى حركة احتجاج واسعة النطاق رُفعت فيها شعارات سياسيّة من بينها إسقاط الحُكم الممسك بمقاليد البلاد منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979.وبحسب الأرقام الصادرة عن منظمة «حقوق الإنسان في إيران» التي تتّخذ من النروج مقراً، قُتل ما لا يقلّ عن 3428 متظاهراً في الاحتجاجات. لكن المنظمة نبّهت لإمكان أن يكون عدد القتلى أكبر من ذلك بكثير.

إيرانيون يسيرون في طهران بجوار لوحة إعلانية كُتب عليها بالفارسية «اعرفني.. أنا إيران» (ا.ب)

وأفادت منظمات حقوقية بأن السلطات نفذت حملات اعتقال واسعة على خلفية التظاهرات، مع تقديرات بأن عدد الموقوفين قد يصل الى 20 ألفاً.وأفادت قناة المعارضة «إيران إنترناشونال» التي تبث من الخارج، بمقتل 12 ألف شخص على الأقل، نقلاً عن مصادر حكومية وأمنية رفيعة المستوى.

وكان ترمب توعّد إيران مراراً بتدخّل عسكري أميركي في حال قتلت محتجين، وشجّع المتظاهرين الإيرانيين على السيطرة على المؤسسات الحكومية، قائلاً إن «المساعدة في طريقها» إليهم.لكن بعد مرور أسبوعين على عرضه المساعدة لأول مرة، وبعدما قتلت القوات الإيرانية، وفق تقديرات، آلاف المتظاهرين، لم يسجّل أي تحرّك أميركي، لا بل شكر ترمب الجمعة إيران على إلغائها «كل عمليات الإعدام المقرّرة» بحق متظاهرين.


تحرك روسي لكبح التوتر الإيراني ــ الإسرائيلي

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
TT

تحرك روسي لكبح التوتر الإيراني ــ الإسرائيلي

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

كثفت موسكو تحركاتها الدبلوماسية لخفض التوتر الإيراني – الإسرائيلي، بالتوازي مع تراجع المخاوف من تصعيد أميركي وشيك، وفي وقت صعَّدت السلطات الإيرانية الإجراءات الأمنية المشددة لمنع تجدد الاحتجاجات.

وأعلن الكرملين، أمس، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أجرى اتصالين هاتفيين منفصلين مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عارضاً مواصلة دور الوساطة وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لمنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة مباشرة.

جاء ذلك في وقت وصل مدير جهاز الموساد الإسرائيلي ديفيد برنياع إلى واشنطن لإجراء محادثات مع المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف.

وشكر ترمب، الجمعة، الحكومة الإيرانية لإلغائها «كل عمليات الإعدام الـ800 المقررة الأربعاء» بحق متظاهرين.

وقال البيت الأبيض إن التحذيرات لطهران لا تزال قائمة، في حين يواصل الجيش الأميركي تعزيز جاهزيته في المنطقة تحسباً لأي تطور. وأفاد موقع «أكسيوس» عن مسؤولين إسرائيليين بأنهم يتوقعون ضربة عسكرية أميركية لإيران خلال أيام رغم إعلان تأجيلها.

ويأتي هذا في حين خفّت حدّة القلق من ضربة أميركية بعد تصريحات للرئيس ترمب أفادت بتراجع عمليات القتل المرتبطة بقمع الاحتجاجات، مع تأكيد البيت الأبيض في الوقت نفسه إبقاء «كل الخيارات على الطاولة»؛ ما أبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متباينة بين خفض التصعيد واستمرار الضغوط.


ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
TT

ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)

انحسرت المخاوف الإقليمية من هجوم أميركي على إيران، بعد أن قال الرئيس دونالد ترمب إن طهران أكدت له أن المحتجين لن يتم إعدامهم، وبالرغم من ذلك قال البيت الأبيض إنه يبقي «جميع خياراته على الطاولة».

ونفّذت إسرائيل والولايات المتحدة آخر الهجمات الكبيرة على إيران في يونيو (حزيران) الماضي، واستهدفت بشكل أساسي المنشآت النووية الرئيسية.

ما هي المواقع النووية التي ​قصفت؟

تعرضت 3 محطات إيرانية لتخصيب اليورانيوم للقصف، محطتان في نطنز، وثالثة داخل جبل في فوردو، إضافة إلى مجمع واسع في أصفهان يضم منشآت مرتبطة بدورة الوقود النووي، ومنطقة تحت الأرض يقول دبلوماسيون إن جزءاً كبيراً من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب كان مخزناً فيها.

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر حُفَراً في منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم عقب الضربات الأميركية (أرشيفية - رويترز)

ما حجم الضرر الذي وقع؟

لم يسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي كانت تجري عمليات تفتيش منتظمة على المنشآت النووية قبل الهجوم، بما في ذلك نطنز وفوردو، بالوصول إلى تلك المواقع منذ قصفها.

مدخل منشأة فوردو في ضواحي مدينة قم (أرشيفية - أرنا)

وأجرت الوكالة عمليات تفتيش في منشآت أخرى لم تتضرر، لكن الحالة الدقيقة للمواقع التي تعرضت للقصف تبقى غير معروفة.

وفي تقريرها الفصلي عن إيران، الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني)، قالت الوكالة إن 7 منشآت نووية معروفة «تأثرت بالهجمات العسكرية»، بينما لم تتأثر 13 منشأة أخرى. ولم توضح هذه التقارير حجم الأضرار التي لحقت بالمواقع المتضررة.

وبعد ‌القصف، قالت الوكالة ‌الدولية للطاقة الذرية إن أصغر محطات التخصيب الثلاث، وهي محطة التخصيب التجريبية للوقود في ‌نطنز الواقعة فوق ​الأرض، دمرت.

ورجحت ‌الوكالة أن تكون المنشآت الأكبر تحت الأرض في نطنز وفوردو قد تعرضت لأضرار بالغة على الأقل.

أما حجم الانتكاسة التي تعرض لها البرنامج النووي الإيراني فهو محل جدل. وبينما أكد ترمب مراراً أن المنشآت النووية الإيرانية دمرت، قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، في يونيو، إن إيران قد تستأنف تخصيب اليورانيوم على نطاق محدود خلال أشهر.

أجهزة طرد مركزي في صالة لتخصيب اليورانيوم بمنشأة «نطنز» قبل تعرضها لهجوم أميركي يونيو 2025 (المنظمة الذرية الإيرانية)

ماذا حدث لليورانيوم الإيراني المخصب؟

مصير اليورانيوم المخصب ليس واضحاً تماماً. فبعضه دمر في الغارات الجوية، لكن إيران لم تقدم بعد تقريراً إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول ما حدث لمنشآتها التي تعرضت للقصف، ومخزون اليورانيوم المخصب، وذلك بالرغم من تأكيد الوكالة على أن ذلك أمر عاجل وتأخر. ولا يمكن للوكالة الدولية للطاقة الذرية التحقق من ذلك إلا عندما تقدم إيران التقرير.

وقال غروسي، لوكالة «رويترز»، في سبتمبر (أيلول): «أعتقد أن هناك فهماً عاماً بأن المواد لا تزال موجودة بشكل عام. ولكن، بالطبع، يجب التحقق منها. وقد يكون ‌البعض منها قد فقد». ويقول دبلوماسيون إن الوضع لم يتغير كثيراً على ما يبدو منذ ذلك الحين.

وأضاف غروسي: «ليست لدينا مؤشرات تقودنا إلى الاعتقاد بحدوث نقل كبير للمواد».

صورة أرشيفية لمركز «نطنز» للأبحاث النووية الإيرانية على بُعد 270 كيلومتراً جنوب طهران (أ.ف.ب)

وكانت إيران تخصب اليورانيوم بدرجة نقاء تصل إلى 60 في المائة قبل وقوع الضربات. ويمكن بسهولة رفع نقاء هذا اليورانيوم إلى نحو 90 في المائة تقريباً، وهي الدرجة المطلوبة لصنع الأسلحة النووية.

وتقدر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران كان لديها 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب إلى هذا المستوى عندما بدأ القصف. ويكفي هذا نظرياً، وفقاً لمقياس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لصنع 10 أسلحة نووية، في حالة رفع درجة النقاء بشكل أكبر. ولدى إيران أيضاً يورانيوم مخصب بمستويات أقل.

ولا تعلن الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن مكان تخزين إيران لتلك المواد. ​ويقول دبلوماسيون إن إحدى منشآت التخزين الرئيسية تحت الأرض في أصفهان يبدو أنها لم تتضرر، باستثناء قصف مدخل النفق المؤدي إليها.

مفتش من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» يجري فحصاً داخل محطة «نطنز» النووية يوم 20 يناير 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ما هي المخاوف المتبقية؟

كان أحد الأسباب التي قدّمتها الولايات المتحدة وإسرائيل لتبرير القصف هو أن إيران كانت تقترب كثيراً من القدرة على إنتاج سلاح نووي. وإذا جرى تخصيب اليورانيوم إلى درجة تسمح بصنع أسلحة، يمكن استخدام اليورانيوم لصنع نواة قنبلة نووية. كما يمكن استخدامه لتغذية محطات الطاقة النووية بمستويات تخصيب مختلفة.

وتقول القوى الغربية إنه لا يوجد مبرر مدني معقول لتخصيب إيران لليورانيوم إلى هذا المستوى الانشطاري العالي. وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن ذلك يثير قلقاً بالغاً. ولم تقدم أي دولة أخرى على ذلك دون أن تتجه لإنتاج أسلحة نووية في نهاية المطاف.

وفي الوقت نفسه، وقبل الهجمات، قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنها ليس لديها أي مؤشر موثوق على وجود برنامج منسق لامتلاك أسلحة نووية في إيران، وكان هناك كثير من الجدل حول المدة التي ستستغرقها إيران لتطوير قنبلة نووية إذا قررت الاتجاه لذلك.

وتنفي طهران سعيها لامتلاك أسلحة نووية. وبصفتها طرفاً في معاهدة حظر الانتشار النووي، يحقّ لها تخصيب اليورانيوم لأغراض إنتاج الطاقة والأبحاث، ما دامت لا توجه هذه العملية نحو تطوير سلاح نووي.

منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم كما تبدو من الداخل في وسط محافظة أصفهان (رويترز)

وتمتلك إيران عدداً غير معروف من أجهزة الطرد المركزي، وهي الآلات التي يمكنها تخصيب اليورانيوم، مخزنة في مواقع غير معروفة. ولأن حجم مخزونها من اليورانيوم المخصب غير معروف الآن، فهناك خطر من أن ‌تتمكن إيران من دمج الاثنين معاً سرّاً وإنتاج يورانيوم من الدرجة التي يمكن استخدامها في صنع الأسلحة، في انتهاك لالتزاماتها بموجب معاهدة منع الانتشار النووي.

وفي الوقت الحالي، يبدو من المرجح أن عملية البحث عن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب ستستمر لبعض الوقت.