جنين «مدينة أشباح» مع تواصل العملية العسكرية الإسرائيلية

مركبة عسكرية إسرائيلية تشارك في العملية في جنين (رويترز)
مركبة عسكرية إسرائيلية تشارك في العملية في جنين (رويترز)
TT

جنين «مدينة أشباح» مع تواصل العملية العسكرية الإسرائيلية

مركبة عسكرية إسرائيلية تشارك في العملية في جنين (رويترز)
مركبة عسكرية إسرائيلية تشارك في العملية في جنين (رويترز)

حوّلت العملية العسكرية الإسرائيلية في جنين بالضفة الغربية مخيم اللاجئين بالمدينة إلى ما وصفه سكان وبعض المسؤولين بأنه مدينة أشباح، إذ لحق به دمار على نطاق لم تشهده المنطقة منذ ما يزيد على 20 عاماً.

ويقول الجيش الإسرائيلي إن الهجوم واسع النطاق يهدف إلى القضاء على الجماعات المسلحة المدعومة من إيران في جنين الواقعة في شمال الضفة الغربية المحتلة.

وبعد أسبوعين من بدء العملية العسكرية، صارت جنين شبه مهجورة بعد أن غادر آلاف الفلسطينيين منازلهم، وليس معهم سوى ما تيسر حمله، تنفيذا لأمر إسرائيلي بالمغادرة عبر طائرات مسيرة مزودة بمكبرات صوت، وفق «رويترز».

وبعد تدمير الطرق ومرافق البنية التحتية الأخرى، هدمت القوات الإسرائيلية العديد من المباني مطلع هذا الأسبوع فيما أحدث انفجارات مدوية.

وقال خليل حويل (39 عاماً)، وهو أب لأربعة أطفال يسكن في مخيم جنين هو ووالده وإخوته في بيت من خمس شقق، «ظلينا في البيت إلى حين ما إجت الدرون (الطائرة المسيرة) علينا وصارت تنادي أخلوا البيت وأخلوا الحي لأنه بدنا نفجر».

أفراد من الجيش الإسرائيلي يسيرون خلال العملية في جنين (رويترز)

وأضاف «طلعنا في ملابسنا الشخصية ما قدرنا نحمل شي. ممنوع تحمل شي... ولا حد ظل في المخيم... المخيم خالي من السكان بتاتاً».

وقال إنه بعد نشر الجرافات والمركبات المدرعة بالقرب من منزله، سار السكان بصعوبة على طرق يلمؤها الركام إلى نقطة تجمع كانت تنتظرهم فيها سيارات تابعة للهلال الأحمر.

وقال الجيش الإسرائيلي إنه دمر 23 مبنى وإنه «سيواصل العمل من أجل القضاء على الإرهاب حيثما كان ذلك ضرورياً».

ومن أعلى تل يطل على المخيم، لم يكن بالإمكان رؤية شيء سوى سحب الدخان والجنود وهم يتحركون بين جدران المنازل المحترقة.

وبدأت العملية، وهي المرحلة الأحدث من هجوم بدأ الشهر الماضي، في أعقاب دخول اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بين إسرائيل وحركة «حماس» حيز التنفيذ.

جنود إسرائيليون يسيرون على طول الطريق أثناء عملية عسكرية في مخيم جنين للاجئين الفلسطينيين في شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

«مدينة أشباح»

وقالت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إن عمليات الهدم في جنين «تقوض وقف إطلاق النار الهش الذي تم التوصل له في غزة، وتهدد بتصعيد جديد». وذكرت أن جنين «أصبحت مدينة أشباح».

وتعرض مخيم جنين لللاجئين، الذي كان لفترة طويلة معقلاً للجماعات المسلحة بما في ذلك حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، لمداهمات متكررة على مر السنين، ليس فقط من الجيش الإسرائيلي، وإنما من السلطة الفلسطينية.

وفي أثناء الانتفاضة الثانية عام 2002، هدمت القوات الإسرائيلية مئات المنازل، مما أدى إلى تهجير نحو ربع سكان المخيم.

فلسطينيون يفحصون الأضرار أمام مباني الـ«أونروا» في غزة (د.ب.أ)

وقال محافظ جنين كمال أبو الرب إن العملية الأحدث لم تترك في المخيم سوى نحو 100 شخص من أصل 3490 أُسرة كانت موجودة فيه قبل العملية.وقال لـ«رويترز»: «الوضع أسوأ مما جرى في عام 2002 لأنه عدد النازحين كان أقل».

«غزة مصغرة»

إلى ذلك، تواصل إسرائيل أيضا اجتياح مناطق أخرى من الضفة الغربية، بما في ذلك مدينتي طوباس وطولكرم.

وفي بداية عملية جنين، قال يسرائيل كاتس وزير الدفاع الإسرائيلي إن الجيش سوف يطبق الدروس المستفادة من الحرب في قطاع غزة الذي يبعد أكثر من 100 كيلومتر إلى الجنوب.

وقال أبو الرب عن الدمار في جنين «لو أنه ما كتبنا أنه هذا مخيم جنين على الصور هذا المشهد بنفكره في قطاع غزة. نفس الصورة ولكن المكان يختلف».

وأبرز هجوم على موقع عسكري إسرائيلي بالقرب من طوباس اليوم الثلاثاء، حالة التوتر في الضفة الغربية حيث قُتل مئات الفلسطينيين، منهم مسلحون ومدنيون، وعشرات الإسرائيليين منذ بدء الحرب في غزة.

وقالت وزارة الصحة الفلسطينية إن 70 فلسطينيا قُتلوا في الضفة الغربية هذا العام، بما في ذلك 38 قتيلاً في جنين.

ويقول المسؤولون الإسرائيليون إن الضفة الغربية جزء من حملة متعددة الجبهات تنفذها إيران على إسرائيل عن طريق حلفائها مثل «حماس» في غزة و«حزب الله» في جنوب لبنان. ودأب المسؤولون الإسرائيليون على القول إن جنين تواجه خطر التحول إلى «غزة مصغرة».

ويرى الفلسطينيون أن العملية الإسرائيلية، والتي بدأت بعد أن حظرت إسرائيل عمل الأونروا في مقرها في القدس الشرقية، هي محاولة لتهجير الفلسطينيين من الأراضي التي يرون أنها أساس الدولة المستقبلية في تكرار لأحداث «نكبة» عام 1948.

وقال نبيل أبو ردينة، المتحدث باسم الرئاسة الفلسطينية، إن العملية جزء من جهود أوسع تهدف إلى «تهجير المواطنين والتطهير العرقي» اكتسبت زخما جديدا منذ أن اقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن تستقبل مصر والأردن الفلسطينيين. ومن المقرر أن يلتقي ترامب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اليوم.ووما زال سكان جنين الذين أُجبروا على مغادرة المخيم صامدين.وقال خليل حويل «رح نرجع على بيتونا لن ترجع‭ ‬النكبة لن نتهجر إلى منطقة ثانية، (سواء) هدوا البيت (أو) قصفوا إحنا رح نرجع على بيوتنا»


مقالات ذات صلة

«لا غنى عنها»... مصر ترفض الاستهداف الإسرائيلي الممنهج لـ«الأونروا»

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نائب وزير الخارجية الأميركي للإدارة والموارد مايكل ريغاس (الخارجية المصرية)

«لا غنى عنها»... مصر ترفض الاستهداف الإسرائيلي الممنهج لـ«الأونروا»

رفضت مصر ما وصفته بـ«الاستهداف الإسرائيلي الممنهج» لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي رجل فلسطيني مكبل اليدين يُحتجز من قبل ضباط شرطة الحدود الإسرائيلية خلال عملية للجيش في مخيم قلنديا للاجئين في الضفة الغربية (أ.ب)

بن غفير يعلن بدء إخلاء مركز تدريب تابع لـ«الأونروا» في القدس الشرقية

أعلن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير أن الشرطة التي يشرف عليها تعمل، الثلاثاء، على «إزالة» مركز تدريب مهني تديره وكالة «الأونروا».

«الشرق الأوسط» (القدس)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده بعد الانتهاء من كلمته في الأمم المتحدة بنيويورك 23 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

أميركا تعتزم سداد 725 مليون دولار من المستحقات المتأخرة عليها للأمم المتحدة

أظهر إخطار من الكونغرس أن إدارة ‌الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدأت إجراءات تحويل مبلغ 725 مليون دولار من مستحقات متأخرة إلى الأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - جنيف)
الخليج مكتب «الأونروا» في الضفة الغربية والقدس أكتوبر 2024 (د.ب.أ)

السعودية تجدد دعمها لـ«الأونروا» وتدعو إلى سد عجزها المالي

جددت السعودية تأكيد دعمها الثابت لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، مؤكدة أن الوكالة تمثل ركيزة أساسية في تقديم خدمات التعليم…

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية جرافات إسرائيلية تهدم مبنى يتبع وكالة «الأونروا» في حي الشيخ جراح بالقدس يناير الماضي (إ.ب.أ)

إسرائيل تنشئ مجمعاً دفاعياً على أنقاض مقر سابق لـ«الأونروا»

وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي أمس على خطة لبناء مجمع دفاعي في موقع كان سابقاً مقراً لـ«الأونروا» وجرى هدمه مؤخراً في القدس الشرقية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

العراق: إقليم كردستان يعلن رسمياً توحيد قوات «البيشمركة»

رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خلال كلمة في مراسم توحيد «البيشمركة» (رئاسة الإقليم)
رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خلال كلمة في مراسم توحيد «البيشمركة» (رئاسة الإقليم)
TT

العراق: إقليم كردستان يعلن رسمياً توحيد قوات «البيشمركة»

رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خلال كلمة في مراسم توحيد «البيشمركة» (رئاسة الإقليم)
رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خلال كلمة في مراسم توحيد «البيشمركة» (رئاسة الإقليم)

جرت بمقر رئاسة إقليم كردستان في أربيل، الاثنين، مراسم الإعلان الرسمي عن توحيد قوات «البيشمركة» المنقسمة إلى قوتين منذ أكثر من 3 عقود، في خطوة من شأنها توحيد الصف الكردي المنقسم أمنياً وسياسياً.

وأقيمت المراسم بإشراف رئيس الإقليم، نيجيرفان بارزاني، بصفته القائد العام لقوات «البيشمركة»، وبمشاركة رئيس الحكومة، مسرور بارزاني، ونائب رئيس الحكومة وزير شؤون «البيشمركة»، وعدد من المسؤولين الأكراد، إلى جانب ممثلين عن «التحالف الدولي» والبعثات الدبلوماسية. كما جرت المراسم بحضور مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية، عبد الأمير الشمري.

ويعود الانقسام في صفوف قوات «البيشمركة» إلى منتصف تسعينات القرن الماضي، إبان ما باتت تُعرف بـ«حرب الأخوة» أو الحرب الأهلية بين الحزبين الرئيسيين وقتذاك، «الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني، و«الاتحاد الوطني» بزعامة الرئيس الراحل جلال طالباني. وانقسمت «البيشمركة» التي كانت تحارب ضد نظام الرئيس الراحل صدام حسين، إلى قوتين؛ هما: «القوة 80 (الصفراء)» التابعة للحزب «الديمقراطي» وتتمركز في مناطق نفوذها بمحافظتي أربيل ودهوك، و«القوة 70 (الخضراء)» التابعة لحزب «الاتحاد الوطني» وتتمركز في محافظة السليمانية ومنطقة حلبجة.

وطبقاً للمصادر الكردية، فإن المراسم تمثّل تتويجاً لمسار إصلاحي طويل استهدف توحيد قوات «البيشمركة» وإعادة تنظيمها ضمن هيكل عسكري مؤسساتي يخضع لوزارة شؤون «البيشمركة».

وبموجب مرسوم جديد، فإنه بدءاً من 21 سبتمبر (أيلول) الحالي، فلن تبقى أي قوة من «البيشمركة» خارج إطار الوزارة، وفق رئاسة الإقليم.

وبدأ مسار الاندماج بين القوتين منذ سنوات وبدعم وإلحاح من قوات «التحالف الدولي»، خصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، ودول أوروبية أخرى. وكان مسار الاندماج أحد شروط الإبقاء على وصول المعونات العسكرية واللوجستية من تلك الدول إلى قوات «البيشمركة».

عناصر من «البيشمركة» يتموضعون تحت صورة لمسعود بارزاني في كركوك (أرشيفية - إ.ب.أ)

ورغم عدم ورود اسم «البيشمركة» في نص الدستور العراقي، فإن «المادة 121 - خامساً» منه تنص على أن «تختص حكومة الإقليم بكل ما تتطلبه إدارة الإقليم، وبوجه خاص إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي للإقليم كالشرطة والأمن وحرس الإقليم». وتعدّ سلطاتُ الإقليم قواتِ «البيشمركة» داخلةً ضمن تصنيف «حرس الإقليم».

قوة لشعب كردستان

وأكد رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، خلال كلمة في مراسم التوحيد، أنه «لم تعد هناك أي قوة خارج مظلة قوات (البيشمركة)، ويجب أن تكون فوق الحسابات الحزبية بوصفها قوة كردستانية».

وقال إن «(البيشمركة) قوة شعب كردستان، ومهمتها حماية جميع أبناء الإقليم؛ من الكرد والتركمان والمسيحيين والإيزيديين والعرب وجميع المكونات».

وأشار بارزاني إلى أن «(البيشمركة) جزء من منظومة الدفاع العراقية، وتعزيز قدراتها وتنسيقها وتعاونها مع القوات الاتحادية يمثل قوة لجميع العراق».

ولفت إلى أن «حضور مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية، عبد الأمير الشمري، مراسم الإعلان عن توحيد القوات يؤكد أهمية هذا التنسيق».

وشدد بارزاني على أن «وحدة (البيشمركة) يجب أن تنعكس على التدريب والواجبات والحقوق والترفيع والعقيدة العسكرية، وأن المؤسسة العسكرية يجب ألا تكون ساحة لتصفية الحسابات الحزبية والسياسية».

وأضاف أن «الأحزاب تتنافس في الانتخابات، ولديها مواقف ورؤى مختلفة، وهذه مسألة طبيعية في جميع المنظومات الديمقراطية، لكن (البيشمركة) يجب أن تكون أعلى وفوق هذه الحسابات الحزبية؛ لأنها ليست قوة حزبية، بل قوة كردستانية».

وجدد بارزاني شكره الولايات المتحدة و«التحالف الدولي» والدول التي دعمت إقليم كردستان والعراق خلال الحرب ضد تنظيم «داعش»، وفي مقدمها بريطانيا وألمانيا وهولندا وإيطاليا وفرنسا، وأشاد بدورها في عملية الإصلاح والتدريب وإعادة هيكلة قوات «البيشمركة».

قوات من «البيشمركة» خلال احتفال في أربيل عاصمة إقليم كردستان عام 2023 (أ.ف.ب)

وكانت واشنطن سلّمت قوات «البيشمركة»، وبموافقة الحكومة العراقية، 24 مدفعاً ثقيلاً ومتوسطاً من طراز «هاوتزر M119» عيار «105 مليمتر»، في مطلع أغسطس (آب) الماضي. وجاء ذلك ضمن خطط «التحالف الدولي» لتعزيز القدرات الدفاعية للقوات الكردية الشريكة في مواجهة بقايا تنظيم «داعش»؛ الأمر الذي أثار حفيظة بعض الفصائل وشخصيات سنية وشيعية في بغداد.

ثقة الشارع الكردي

ورغم الترحيب الكردي بإكمال مراسم توحيد قوات «البيشمركة» الكردية، فإن «شكوكاً جادة» ما زالت قائمة بشأن إمكانية توحيد الصف السياسي الكردي بعدما أخفق الأكراد في استكمال التشكيلة الوزارية رغم مرور نحو سنتين على اجراء انتخابات برلمان الإقليم. إلا إن القيادي في حزب «الاتحاد الوطني»، سوران داودي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «توحيد (البيشمركة) يمهد الطريق للتقارب السياسي بين الطرفين؛ (الديمقراطي) و(الاتحاد)، وقد بانت بعض ملامح ذلك من خلال الاجتماعات المكثفة التي يعقدها الجانبان».

وأضاف داودي أن «خطوة التوحيد إجراء روتيني، كان يفترض أن يتم منذ سنوات، والخطوة تزيد من ثقة الشارع الكردي بقوات (البيشمركة)، كما أنها خطوة صحيحة في الإطار المؤسساتي الذي ينشده المواطن الكردي».

حقائق

صفراء وخضراء

انقسمت «البيشمركة» في تسعينات القرن الماضي إلى قوتين؛ هما: «القوة 80 (الصفراء)» التابعة للحزب «الديمقراطي» وتتمركز في مناطق نفوذها بمحافظتي أربيل ودهوك، و«القوة 70 (الخضراء)» التابعة لحزب «الاتحاد الوطني» وتتمركز في محافظة السليمانية ومنطقة حلبجة.


لماذا يرفض «حزب الله» الخروج من الحكومة ويتفادى إسقاطها؟

مناصرات لـ«حزب الله» خلال تحرك احتجاجي على الأوضاع في الجنوب (أ.ب)
مناصرات لـ«حزب الله» خلال تحرك احتجاجي على الأوضاع في الجنوب (أ.ب)
TT

لماذا يرفض «حزب الله» الخروج من الحكومة ويتفادى إسقاطها؟

مناصرات لـ«حزب الله» خلال تحرك احتجاجي على الأوضاع في الجنوب (أ.ب)
مناصرات لـ«حزب الله» خلال تحرك احتجاجي على الأوضاع في الجنوب (أ.ب)

رغم أن «حزب الله» يهاجم الحكومة اللبنانية برئاسة الرئيس نواف سلام ليل نهار، ويتهمها باتخاذ قرارات تمسّ السيادة وتخدم أجندات خارجية، ويصعّد ضدها سياسياً وإعلامياً، فإنه عندما حانت لحظة الاختبار داخل مجلس النواب، لم يصوّت الحزب لسحب الثقة منها ولإسقاطها كما فعل «التيار الوطني الحر»، بل اختار نوابه الانسحاب من قاعة الجلسة قبل التصويت.

أعضاء كتلة «حزب الله» البرلمانية خلال جلسة مساءلة الحكومة في البرلمان الأسبوع الماضي ويبدو النائب علي عمار يتحدث (مجلس النواب)

فماذا يريد «حزب الله» تحديداً من هذه الحكومة؟ ولماذا يبدو حريصاً على البقاء داخلها رغم كل ما يوجهه إليها من اتهامات؟

تبريرات «حزب الله»

نُقل مؤخراً عن النائب حسين الحاج حسن، أحد أعضاء كتلة الحزب، قوله رداً على سؤال عما إذا كانوا سينسحبون من الحكومة: «يجب أن نبقى فيها»، لأن «مغادرتها ستخدم من يريد عزل الحزب، وأن الحزب لن يحقق أمنية الأميركيين» بعزله.

لا نتيجة

ويرى الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير، المطلع من كثب على موقف «حزب الله»، أنه «حتى لو صوّت (حزب الله) ضد الحكومة، فذلك لم يكن ليؤدي إلى أي نتيجة عملية، لأن الحكومة عادت ونالت الثقة، وعدد النواب المؤيدين للحكومة لا يوازي عدد معارضيها»،

ولفت قصير، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الحزب أمام لحظة سياسية دقيقة؛ فالتصويت ضد الحكومة كان سيعني عملياً تحمّل تبعات سياسية قد تصل إلى الخروج منها، وهو لا يريد الخروج من الحكومة في المرحلة الراهنة. أضف إلى ذلك أن هناك تفاهماً مع الرئيس نبيه بري على عدم الإقدام على خطوات سلبية أو تصعيدية. وبالتالي فإن قرار الانسحاب لا يتناقض مع الموقف الذي اتخذته حركة أمل، وفي الوقت نفسه أبقى على خطوط التواصل مفتوحة».

متظاهر مؤيد لـ«حزب الله» يحرق صورة رئيس الحكومة نواف سلام خلال حراك مندد بالمفاوضات الرسمية مع إسرائيل الأسبوع الماضي (أ.ب)

ويرى قصير أن «موعد إسقاط الحكومة لم يحن بعد، لا داخلياً ولا خارجياً، وأن اعتراضات الحزب لا تبدو، في هذه المرحلة، بهدف إسقاط الحكومة، بل بهدف تصويب أدائها، سواء فيما يتعلق بملف التفاوض أو بالملفات الداخلية. هو لا يريد الذهاب إلى معركة (كسر عظم) على الساحة الداخلية، وإنما يسعى إلى تصحيح المسار، من دون الانزلاق إلى معركة لإسقاط الحكومة أو إسقاط العهد».

استياء في بيئة الحزب

لكن التبريرات التي يقدمها الحزب لتفسير مواقفه المتعارضة مع قراراته، وآخرها ما حصل في جلسة مساءلة الحكومة، لم تنجح في إقناع شريحة واسعة من جمهوره. فالنقاش لم يبقَ محصوراً في الأوساط السياسية والإعلامية، بل انتقل إلى بيئته الشعبية نفسها، حيث عبّر ناشطون وشخصيات قريبة من الحزب، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عن استيائهم من أدائه، ووصل بعضهم إلى توجيه انتقادات علنية مباشرة له.

ويعكس هذا النوع من الانتقادات تحولاً لافتاً في طبيعة النقاش داخل بيئة الحزب، إذ لم يعد السؤال يقتصر على الموقف من الحكومة، بل بات يطول أداء الحزب نفسه وطريقة إدارته للمرحلة السياسية.

العلاقة مع «التيار»

وبخلاف «حزب الله»، صوّت «التيار الوطني الحر» الذي يهاجم الحكومة وينتقدها لسحب الثقة منها. إلا أنه وحسب نائب رئيس «التيار» الدكتور ناجي حايك لم يستغرب قرار الحزب الخروج من الجلسة، وليس التصويت ضد الحكومة، «لأنه تحول إلى نهج متواصل يتبعه، وأبرز محطاته ما حصل في الانتخابات الرئاسية وقبلها في الحكومات المتعاقبة»، مضيفاً: «نعلم تماماً أن لديه مصالحه وحساباته».

ويضيف حايك لـ«الشرق الأوسط»: «لا يمكن القول إن ما حصل قد يقرّبنا منه مجدداً أو يبعدنا عنه. ما يعنينا أن ما قمنا به أكد للجميع أننا الوحيدون في صفوف المعارضة، فيما البقية متفقون مع بعضهم. فرغم انتقاداتهم وخلافاتهم العلنية فإنهم في نهاية المطاف يجلسون معاً وعلى طاولة واحدة. الاتفاق الرباعي مستمر، ولم نوافق عليه في وقتها، ولن نوافق عليه اليوم».

وزراء الحكومة اللبنانية خلال الاستماع للنواب في جلسة مساءلة الحكومة في البرلمان الأسبوع الماضي (مجلس النواب)

وشنّ باسيل مؤخراً هجوماً عنيفاً على «حزب الله»، مشدداً على أن «عليه مسؤولية أكبر من الدولة اللبنانية، لأنه في حالة عجز، لكنه يستمر في سياسة تدمير البلد وفي عملية تغيير تكوين لبنان ونسيجه».

ضياع الحزب وعدائيته

ويرى الناشط السياسي والمحامي أنطوان نصر الله أن «(حزب الله) يعارض الحكومة بشراسة، شكلياً وإعلامياً، لكنه في المقابل يستفيد من وجوده داخلها، ولا سيما في ملف التعيينات». ويعتبر أن الحزب «محرج»، إذ إنه في حال سقوط الحكومة «لا أحد يعرف أي حكومة ستتشكل في ظل المعطيات الداخلية والخارجية القائمة، وحتى حصته الحالية فيها قد يخسرها».

ويضيف نصر الله لـ«الشرق الأوسط» أن «(حزب الله) اليوم ليس الحزب الذي كنا نعرفه في السابق؛ هو في حالة من الضياع، وقد تخلى عن الدبلوماسية التي كان يتمتع بها بعض قيادييه لمصلحة خطاب أكثر عدائية».

وعلى صعيد العلاقة مع «التيار الوطني الحر»، يرى نصر الله أن «أي التقاء قد يحصل اليوم أو غداً بين التيار والحزب سيكون التقاءً مصلحياً وانتخابياً»، لافتاً إلى أن «الحزبين يعانيان من مشكلة في شعبيتهما». ويشرح أن «باسيل يهاجم الحكومة كما الحزب لشد العصب المسيحي الذي خسره لمصلحة (القوات)، فيما يهاجم الحزب الحكومة لاستيعاب النقمة داخل بيئته الشيعية». ويخلص إلى أن «الطرفين يستفيدان من تلكؤ الحكومة في حسم الكثير من الملفات».


سجناء لبنان مستمرون في إضرابهم اعتراضاً على الطعن بـ«العفو العام»

لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو للإفراج عن قانون «العفو العام» (المركزية)
لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو للإفراج عن قانون «العفو العام» (المركزية)
TT

سجناء لبنان مستمرون في إضرابهم اعتراضاً على الطعن بـ«العفو العام»

لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو للإفراج عن قانون «العفو العام» (المركزية)
لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو للإفراج عن قانون «العفو العام» (المركزية)

دخل إضراب نزلاء المبنى «ب» في سجن رومية المركزي، أكبر سجون لبنان، الاثنين، يومه التاسع، متخذاً منحى تصاعدياً ينذر بتحويل أزمة السجون انفجاراً إنسانياً واجتماعياً، في حين تتسارع التحركات داخل السجون وخارجها بانتظار حسم المجلس الدستوري الطعن المقدّم بقانون العفو العام.

وبين تطمينات أمنية بأن الوضع لا يزال تحت السيطرة، وتحذيرات من تدهور صحة المضربين واحداً تلو الآخر، تتجه الأنظار إلى مصير القانون الذي يعوّل عليه مئات السجناء للخروج من خلف القضبان.

إضراب متواصل

يواصل السجناء إضرابهم المفتوح عن الطعام والشراب وتناول الأدوية، بالتزامن مع تحركات احتجاجية في الشارع، كان أبرزها المظاهرة الحاشدة التي شارك فيها المئات، الأحد، في ساحة النور بمدينة طرابلس، شمال لبنان، بدعوة من لجنة أهالي السجناء.

يحظى الإضراب باهتمام ومتابعة لدى المسؤولين عن أمن السجن والمراجع القضائية أيضاً. وأكد مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» أن المسؤولين عن أمن سجن رومية «يولون الموضوع اهتماماً كبيراً، ويتابعون أوضاع المشاركين فيه بصورة متواصلة».

سجن رومية المركزي (أرشيفية - الوكالة الوطنية)

وقال إن «السجناء ملتزمون بالإضراب، لكن الوضع لا يزال تحت السيطرة، ولم يصل حتى الآن إلى مرحلة الخطر الشديد». وأوضح أن القلق الأساسي «يتركز على السجناء الذين يعانون أمراضاً مزمنة، ولا سيما الذين امتنعوا عن تناول أدويتهم»، مشيراً إلى أن طبيب السجن «يعاين المضربين يومياً، مع إعطاء الأولوية للمرضى، ويوجّه إدارة السجن إلى كيفية التعامل مع كل حالة».

وتحسباً لأي طارئ صحي، أعلن المصدر الأمني عن «جهوزية لنقل أي سجين إلى المستشفى فور تدهور وضعه الصحي».

وعلى الرغم من هذه التطمينات، أعرب المصدر عن خشيته من «تطور الأوضاع نحو الأسوأ إذا قرر المجلس الدستوري قبول الطعن وإبطال قانون العفو، بما قد يرفع مستوى الاحتقان ويدفع السجناء إلى خطوات أشد تصعيداً».

مخاطر توسع الإضراب

الهدوء الحذر الذي يواكب الإضراب عن الطعام، لا يلغي القلق من امتداد الإضراب إلى أبنية أخرى في رومية أو إلى سجون كبرى؛ لممارسة مزيد من الضغط على المجلس الدستوري للبت بالقانون بسرعة. أكد الناطق باسم سجناء لبنان، الشيخ عمر الأطرش، أن الإضراب «يتخذ منحى تصاعدياً، في حين تتدهور الأوضاع الصحية للسجناء واحداً تلو الآخر»، كاشفاً عن تدهور حالة سجينين، الأحد، ونقلهما إلى المستشفى».

وحذّر الأطرش في تصريح لـ«الشرق الأوسط » من أن التصعيد «قد يصل خلال الأيام المقبلة إلى إضراب عام يشمل جميع السجناء»، محمّلاً رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل وفريقه السياسي «المسؤولية الأخلاقية والإنسانية عن التداعيات»، على خلفية تقديم الطعن بقانون العفو العام.

وقال الأطرش إن مقدّمي الطعن «طعنوا بخاصرة الوطن قبل أن يطعنوا بقانون العفو»، عادَّاً أنهم «يتحملون المسؤولية عن حياة كل سجين قد يفارق الحياة نتيجة الإضراب». كما دعا الدولة ومؤسساتها إلى «الإسراع في بتّ الطعن وإعادة تفعيل القانون»، محذراً من أن استمرار المماطلة «سيقود إلى كارثة إنسانية وانفجار داخل السجون، سرعان ما سيتحول أزمة وطنية واجتماعية».

لا تراجع

بدوره، قال أحد نزلاء رومية لـ«الشرق الأوسط» إن الحالة الصحية للمضربين تشهد تدهوراً سريعاً، وإن حياة المصابين بأمراض مزمنة باتت مهددة، مؤكداً أن السجناء «لن يتراجعوا قبل تثبيت قانون العفو ونشره في الجريدة الرسمية».

عائلات السجناء الإسلاميين يرفعون صور الشيخ المتشدد أحمد الأسير ويطالبون بالعفو العام في مظاهرة أمام سجن رومية (أرشيفية - إ.ب.أ)

وتواكب المراجع القضائية تطورات هذا الإضراب؛ كون أن العدالة أول المعنيين بملفات السجناء. وأوضح مصدر قضائي مطلع أن النيابات العامة تتابع، بالتنسيق مع إدارة سجن رومية، الأوضاع الصحية للمضربين، وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن الدوائر والمحاكم المختصة «كانت بدأت تحضير الملفات تمهيداً لتطبيق قانون العفو في حال لم يقرر المجلس الدستوري إبطاله؛ وذلك كسباً للوقت وتجنباً لتأخير الإجراءات بحق المستفيدين منه». وأضاف: «المحاكم باشرت خطوات استباقية لتسريع الإفراج عن المستفيدين فوراً بعد صدور قرار المجلس الدستوري في حال أثبت نفاذ القانون وليس رده؛ وذلك لتجنب إطالة أمد توقيفهم».

ويأتي التصعيد غداة التحرك الذي شهدته مدينة طرابلس، الأحد، حيث أكد المحتجون أن ملف العفو «لم يعد يحتمل التأخير»، محذّرين من أن الشارع «لن ينتظر طويلاً، وأن وتيرة التحركات قد تتقدم على الحلول السياسية والقضائية إذا لم يُحسم مصير القانون سريعاً».