الذكاء الاصطناعي يحدد جينات محتملة مسؤولة عن خطر مرض باركنسون

بعد توظيفه في إدماج البيانات الجينية والبروتينية والدوائية وسجلات المرضى

الذكاء الاصطناعي يحدد جينات محتملة مسؤولة عن خطر مرض باركنسون
TT

الذكاء الاصطناعي يحدد جينات محتملة مسؤولة عن خطر مرض باركنسون

الذكاء الاصطناعي يحدد جينات محتملة مسؤولة عن خطر مرض باركنسون

في دراسة رائدة، استخدم باحثون من مركز «كليفلاند كلينك» للجينوم، في ولاية أوهايو الأميركية، تقنيات متقدمة للذكاء الاصطناعي، للكشف عن عوامل جينية مرتبطة بتطور مرض باركنسون، كما حددوا أدوية مُعتمدة من قِبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية محتملة، يمكن إعادة استخدامها لعلاج هذا الاضطراب العصبي التنكسي، ما يمنح أملاً جديداً لملايين المرضى حول العالم.

البيولوجيا النظامية لفهم «باركنسون»

اعتمد الفريق البحثي على منهجية مبتكرة تُسمى البيولوجيا النظامية (systems biology) التي تدمج وتحلل أشكالاً متعددة من البيانات الجينية والبروتينية والدوائية وسجلات المرضى، باستخدام الذكاء الاصطناعي؛ حيث تتيح هذه الطريقة للباحثين تحديد أنماط وارتباطات قد لا تكون واضحة عند تحليل كل مجموعة بيانات على حدة.

ونُشرت الدراسة في مجلة «npj Parkinson's Disease» في 22 يناير (كانون الثاني) 2025، برئاسة فيكسيونغ تشينغ، مدير مركز «كليفلاند كلينك» للجينوم. ورغم أن مرض باركنسون هو ثاني أكثر الاضطرابات التنكسية العصبية شيوعاً بعد الخرف؛ فليس هناك –حالياً- علاجات لإيقاف أو إبطاء تقدمه.

وكان هدف فريق البحث هو إيجاد علاجات تُعدِّل مسار المرض، وتغيير واقع هذه الحالة المُنهكة، كما تقول ليجون دو من مركز «جينوم كليفلاند كلينيك» ومعهد «الطب الجينومي»، والمؤلفة الأولى للدراسة.

كشف الألغاز الجينية لمرض باركنسون

وكان أحد التحديات الرئيسية في أبحاث باركنسون، هو تحديد الطفرات الجينية المسببة للأعراض. فكثير من الطفرات المرتبطة بالمرض توجد في مناطق غير مشفرة من الحمض النووي (دي إن إيه- DNA)، ما يُصعِّب تحديد الجينات المتأثرة. وكما أوضحت الدكتورة دو، فإن المتغيرات في المناطق غير المُشفرة يمكن أن تؤثر على وظيفة الجينات؛ لكن تحديد الجينات المتأثرة في مرض باركنسون هو عقبة كبيرة.

دمج البيانات الجينية والدوائية

وبناء على ذلك، استخدم الباحثون الذكاء الاصطناعي لدمج وتحليل البيانات الجينية والبروتينية والدوائية، وبيانات المرضى، وكشفوا عن أنماط قد لا ترصدها طرق البحث التقليدية.

ثم قام الفريق بمقارنة المتغيرات الجينية المرتبطة بمرض باركنسون مع قواعد بيانات خاصة بالحمض النووي (دي إن إيه) والتعبير الجيني في الدماغ. وهو ما مكَّنهم من تحديد الجينات في الدماغ التي تتأثر بالمتغيرات غير المُشفرة، ثم دمجوا هذه النتائج مع بيانات البروتينات والتفاعلات الجينية لتحديد جينات خطر محتملة، مثل «SNCA» و«LRRK2» التي تُسبب التهابات في الدماغ عند اختلالها.

إعادة استخدام الأدوية الحالية

ومع قيام فريق البحث بتحديد جينات الخطر، حوَّل الفريق انتباهه إلى البحث عن أدوية موجودة يمكنها استهداف هذه الجينات؛ حيث إن تطوير أدوية جديدة من الصفر عملية طويلة ومكلفة، وقد تستغرق حتى 15 عاماً للحصول على الموافقة. وحسبما أفاد به تشينغ، فإن مرضى باركنسون لا يستطيعون الانتظار هذه المدة كلها؛ لكن إعادة استخدام أدوية مُعتمدة قد تُقلص الوقت اللازم لتقديم خيارات علاجية جديدة.

ومن خلال قواعد البيانات الدوائية حدد الباحثون أدوية مرشحة، منها دواء «سيمفاستاتين- simvastatin» الخافض للكولسترول. وبتحليل السجلات الصحية الإلكترونية وجدوا أن الأفراد الذين يتناولون هذا الدواء كانوا أقل عُرضة للتشخيص بمرض باركنسون. كما تضمنت القائمة أدوية مُثبطة للمناعة ومضادة للقلق، ستخضع لمزيد من الاختبارات المعملية.

تسريع الاكتشاف بالذكاء الاصطناعي

وعادة ما تستغرق الطرق التقليدية لتحديد الجينات والبروتينات والأدوية وقتاً طويلاً، وتستهلك موارد كثيفة؛ لكن النهج القائم على الذكاء الاصطناعي سمح للفريق بتبسيط العملية.

وقد استخدم الفريق التحليلات القائمة على «الشبكات التكاملية integrative network-based analyses» (هو نهج متعدد التخصصات يستخدم لدراسة الأنظمة المعقدة من خلال تمثيلها كشبكات من العناصر المترابطة، ويوفر إطاراً لفهم بنية وسلوك وديناميكيات الأنظمة المختلفة من التفاعلات إلى العمليات البيولوجية والبنية التحتية التكنولوجية). وهذه العملية سَرَّعت الاكتشاف بشكل كبير، مما زاد من فرص إيجاد حلول فعالة للمرضى.

أما الخطوة التالية فهي اختبار عقار «سيمفاستاتين» مع أدوية واعدة أخرى مثبطة للمناعة ومضادة للقلق، في دراسات مختبرية، لتقييم فعاليتها في علاج باركنسون. وقد ساهم النهج القائم على الذكاء الاصطناعي في تسريع تحديد العلاجات المحتملة، وإذا نجحت فقد تُقدِّم هذه الأدوية أملاً جديداً بإبطاء أو إيقاف تقدم المرض.

إمكانات تحويلية ذكية

تسلط هذه الدراسة الضوء على الإمكانات الثورية للذكاء الاصطناعي في البحث الطبي؛ خصوصًا في الأمراض المعقدة مثل باركنسون. ومن خلال الجمع بين البيولوجيا النظامية والذكاء الاصطناعي، تمكن الباحثون من الكشف عن الأسس الجينية وتسريع تطوير علاجات مُلحَّة.

ومع ازدياد شيوع الأمراض التنكسية العصبية بسبب تقدم السكان في العمر، تُقرِّبنا مثل هذه الابتكارات من مستقبل يمكن فيه إدارة هذه الأمراض أو حتى علاجها. وتقدم نتائج هذه الدراسة منارة أمل للمرضى وعائلاتهم، وتُظهر كيف يمكن للتكنولوجيا المتطورة تمهيد الطريق لتقدمات طبية غير مسبوقة.


مقالات ذات صلة

تطورات «كريسبر»: من قصّ الجينات إلى قراءة عقل الخلية

علوم خطوات محورية في دراسة السرطان واضطرابات المناعة

تطورات «كريسبر»: من قصّ الجينات إلى قراءة عقل الخلية

خطوات محورية في دراسة السرطان واضطرابات المناعة... حيث تتفاعل مسارات جينية متعددة لإحداث المرض

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم أداة حاسوبية جديدة تكشف عن الروابط الخفية بين الجينات وأدوية السرطان

أداة حاسوبية جديدة تكشف عن الروابط الخفية بين الجينات وأدوية السرطان

تسرع اكتشاف علاجات مخصّصة لكل مريض بشكل أكثر دقة وكفاءة

د. وفا جاسم الرجب
يوميات الشرق امرأة تبيع البطاطس في سوق بمدينة ليما في بيرو (رويترز)

كيف أثّر الاعتماد على البطاطس في جينات بعض البشر عبر الأجيال؟

تكشف الأبحاث الحديثة أن الاعتماد الطويل على هذا الغذاء النشوي لم يترك أثراً ثقافياً فحسب، بل امتد ليُحدث تغييرات عميقة في التركيبة الجينية البشرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم الجينات تحدد فاعلية خياراتنا اليومية في مواجهة الشيخوخة

الجينات تحدد فاعلية خياراتنا اليومية في مواجهة الشيخوخة

توظيف النظام الغذائي الصحي والنشاط البدني يختلف في تأثيراته بحسب الاستعداد الجيني لكل فرد

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم هل طولك يحدد صحتك؟

هل طولك يحدد صحتك؟

أدلة جديدة بشأن العلاقة المعقدة بين طول القامة والإصابة بأمراض خطيرة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)

حين تتحدث الدموع... الذكاء الاصطناعي يقترب من أسرار الدماغ

حين تتحدث الدموع
حين تتحدث الدموع
TT

حين تتحدث الدموع... الذكاء الاصطناعي يقترب من أسرار الدماغ

حين تتحدث الدموع
حين تتحدث الدموع

لطالما ارتبطت الدموع في الوعي الإنساني بالحزن والفرح والخوف والحنين، وظلت لقرون تُفهم بوصفها لغة صامتة للمشاعر الإنسانية. لكن هذه القطرات الشفافة بدأت اليوم، داخل مختبرات الطب والذكاء الاصطناعي، تكتسب معنى مختلفاً تماماً.

فالدمعة التي كانت تُقرأ عاطفياً، أصبحت تُدرس علمياً باعتبارها نافذة بيولوجية دقيقة قد تكشف مبكراً عن أمراض خطيرة داخل الدماغ والجهاز العصبي، حتى قبل ظهور الأعراض الواضحة على المريض.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال، لم يعد العلماء ينظرون إلى الدموع على أنها مجرد سائل تفرزه العين، بل بوصفها «خريطة بيانات حيوية» تحمل إشارات خفية عن صحة الإنسان، وربما عن اضطرابات لم تبدأ أعراضها السريرية بعد.

وفي عالم يتجه بسرعة نحو الطب التنبؤي، أصبحت الخوارزميات تحاول اليوم قراءة ما تخفيه الدموع بصمت، بحثاً عن أولى الهمسات البيولوجية للمرض قبل أن يتحول إلى حقيقة سريرية كاملة.

العين امتداد للدماغ

علمياً، لا تُعدّ العين عضواً منفصلاً عن الدماغ، بل هي امتداد حي للجهاز العصبي المركزي، ولهذا يعتقد الباحثون أن بعض الاضطرابات العصبية قد تترك بصماتها المبكرة في العين والدموع قبل ظهور الأعراض السريرية الواضحة بوقت طويل.

• الدموع ومرض ألزهايمر. في فبراير (شباط) 2026، نشرت الباحثة الإسبانية إينيس لوبيز-كوينكا (Inés López-Cuenca) وفريقها من معهد رامون كاستروفييخو لأبحاث طب العيون (Ramón Castroviejo Institute for Ophthalmic Research) في جامعة كومبلوتنسي بمدريد، بالتعاون مع معهد البحوث الصحية في مستشفى سان كارلوس الجامعي؛ مراجعة علمية موسعة بعنوان: «الدموع بوصفها نافذة على مرض ألزهايمر» (Tears as a Window to Alzheimer’s Disease).

وأشارت الدراسة إلى أن الدموع ليست مجرد سائل لحماية العين، بل تحتوي على مؤشرات حيوية دقيقة، مثل البروتينات المرتبطة بالأمراض العصبية، والحمض النووي الريبي الميكروي (microRNA)، والحويصلات الخلوية المجهرية (Extracellular Vesicles)، وهي جزيئات قد تعكس تغيرات بيولوجية تحدث داخل الدماغ في المراحل المبكرة من مرض ألزهايمر، حتى قبل ظهور اضطرابات الذاكرة الواضحة.

من الدموع إلى العدسات الذكية... العين تتحول إلى منصة تشخيص حية

• دور الذكاء الاصطناعي. التحدي الحقيقي لم يكن يوماً في جمع الدموع، بل في فهم اللغة البيولوجية المعقّدة المختبئة داخلها.

فالدمعة الواحدة قد تحتوي على آلاف الإشارات الجزيئية الدقيقة التي يصعب على الإنسان ربطها أو تفسيرها بالطرق التقليدية، خصوصاً عندما تكون الفروق بين الطبيعي والمرضي شديدة الدقة والتداخل.

هنا يظهر دور الذكاء الاصطناعي، القادر على تحليل كميات هائلة من البيانات الحيوية واكتشاف أنماط خفية قد لا تستطيع العين البشرية ملاحظتها.

وفي دراسة منشورة عام 2026 في مجلة «تقنيات النانو الحيوية» (Journal of Nanobiotechnology)، قدم الباحث الصيني تشينغفو زو (Qingfu Zhu) وفريقه البحثي نظاماً ذكياً يحمل اسم «إيه بي إل إي دي إكس» (ABLEDx)، يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل الحويصلات الخلوية الموجودة في الدموع، بهدف الكشف المبكر عن الأمراض العصبية المزمنة والمتقدمة، مثل ألزهايمر وباركنسون.

وشارك في المشروع العالم لوك بي لي (Luke P. Lee)، المعروف بأبحاثه الرائدة في تقنيات الاستشعار الحيوي والأنظمة الطبية الدقيقة.

ويعتمد النظام على مقارنة الأنماط البيولوجية الموجودة داخل الدموع بقاعدة بيانات ضخمة، ما يسمح للخوارزمية بالتعرف على الإشارات المرتبطة بالأمراض العصبية في مراحلها المبكرة جداً، أحياناً قبل ظهور الأعراض السريرية الواضحة.

بمعنى آخر، لم يعد الذكاء الاصطناعي ينتظر ظهور المرض... بل يحاول الإصغاء إلى همساته الأولى.

• الدموع ومرض باركنسون. الأبحاث الحديثة لم تتوقف عند مرض ألزهايمر، بل امتدت إلى أمراض عصبية أخرى يصعب اكتشافها مبكراً، وفي مقدمتها مرض باركنسون.

ففي فبراير 2026 أعلن المركز الألماني لأبحاث الأمراض العصبية (German Center for Neurodegenerative Diseases – DZNE) في مدينة دريسدن مشروعاً بحثياً جديداً بقيادة البروفسور بيورن فالكينبورغر (Björn Falkenburger)، يهدف إلى البحث عن مؤشرات مرض باركنسون داخل الدموع بدلاً من الاعتماد على الفحوصات العصبية الأكثر تعقيداً وتدخلاً.

ويركز الباحثون على بروتين «ألفا سينوكلين» المشوّه (Alpha-Synuclein)، وهو من أهم العلامات البيولوجية المرتبطة بمرض باركنسون، إذ يعتقد العلماء أن تغيراته قد تبدأ داخل الجسم قبل سنوات من ظهور الارتعاش واضطرابات الحركة المعروفة.

ويأمل الفريق البحثي أن يسمح تحليل الدموع مستقبلاً بالكشف المبكر عن المرض عبر اختبار بسيط وغير مؤلم، وهو ما قد يغيّر طريقة تشخيص الأمراض العصبية المزمنة، التي تُكتشف غالباً بعد أن يكون الضرر العصبي قد بدأ بالفعل.

الذكاء الاصطناعي يقرأ الدموع لكنه لا يفهم الإنسان

تقنيات وخوارزميات

• من الدموع إلى العدسات الذكية. هذا التقدم العلمي فتح الباب أمام جيل جديد من التقنيات الطبية القابلة للارتداء، حيث تعمل شركات التكنولوجيا الحيوية حالياً على تطوير عدسات ذكية وأجهزة استشعار دقيقة تستطيع مراقبة المؤشرات الحيوية الموجودة داخل الدموع بشكل مستمر، ثم إرسال البيانات مباشرة إلى أنظمة تحليل تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

والفكرة الأساسية تقوم على تحويل العين من عضو للرؤية فقط إلى نافذة صحية قادرة على نقل معلومات بيولوجية لحظية عن الجسم.

وقد لا يقتصر استخدام هذه التقنيات مستقبلاً على الأمراض العصبية وحدها، بل قد يمتد إلى مراقبة السكري، والالتهابات، واضطرابات المناعة، والإجهاد العصبي، وربما بعض الاضطرابات النفسية المرتبطة بالتغيرات الكيميائية داخل الجسم.

ومع هذا التطور المتسارع، قد تتحول العين تدريجياً إلى منصة تشخيص رقمية حية تعمل بصمت على مدار الساعة، ترصد التغيرات الصحية الدقيقة قبل أن يشعر بها الإنسان نفسه.

• هل تستطيع الخوارزميات فهم الإنسان؟ ورغم هذا التقدم العلمي المذهل، تبقى هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: فالذكاء الاصطناعي قد يستطيع تحليل البيانات الحيوية بدقة هائلة، لكنه لا يفهم المشاعر الإنسانية بالطريقة التي يفهمها البشر. فالخوارزمية قادرة على اكتشاف تغير بروتيني أو إشارة مرضية دقيقة داخل الدموع، لكنها لا تشعر بالخوف الذي يرافق المريض، ولا تدرك المعنى الإنساني المختبئ خلف دمعة واحدة.

ولهذا يرى كثير من الباحثين أن مستقبل الطب لن يكون صراعاً بين الطبيب والآلة، بل شراكة أكثر توازناً: الذكاء الاصطناعي يقرأ الإشارات الخفية داخل الجسم، والطبيب يقرأ الإنسان بكل تعقيداته النفسية والإنسانية.

وربما تكمن المفارقة الأعمق في أن الدموع، التي ظلّت عبر التاريخ رمزاً للمشاعر الإنسانية، قد تتحول قريباً إلى واحدة من أكثر أدوات الطب التنبؤي دقةً في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تحاول الخوارزميات اليوم فهم ما يقوله الجسد... قبل أن ينطق به الإنسان.


اكتشاف سبب جيني جديد لاضطراب حركي نادر

اكتشاف سبب جيني جديد لاضطراب حركي نادر
TT

اكتشاف سبب جيني جديد لاضطراب حركي نادر

اكتشاف سبب جيني جديد لاضطراب حركي نادر

في تطور علمي واعد، تمكن فريق من الباحثين في ألمانيا من فك طلاسم لغز طبي طال أمده مرتبط باضطراب حركي نادر وراثي؛ ليكتشفوا أن الجين المسؤول عن هذه الحالة لم يكن معروفاً بدوره في الجهاز العصبي من قبل، بل كان معروفاً فقط بوظائفه المناعية.

هذا الاكتشاف الذي نُشر في دورية Nature Communications بتاريخ 14 فبراير(شباط) 2026 تحت إشراف الدكتور توبياس هاك، من معهد علم الوراثة الطبية وعلم الجينوم التطبيقي جامعة توبنغن الألمانية، لا يقدم إجابات للأسر المتضررة فحسب، بل يفتح أيضاً آفاقاً جديدة لفهم أمراض عصبية أخرى معقدة.

فشل الاختبارات الجينية

• فشل الاختبارات الجينية في تقديم الإجابات. لطالما شكلت اضطرابات الحركة النادرة مثل الترنح التشنجي المرتبط بالكروموسوم «إكس» X، والذي يتسم بضعف التنسيق الحركي وتصلب العضلات، حيرة كبيرة للأطباء والعلماء على حد سواء. فعلى الرغم من التقدم الهائل في تقنيات تسلسل الجينات، ظلت الكثير من هذه الحالات دون تفسير جيني واضح؛ ما يترك المرضى وعائلاتهم في حالة من الضياع وعدم اليقين. لكن دراسة جديدة تُعدّ من أكبر الدراسات من نوعها حتى الآن تقدم إجابة حاسمة.

• كيف تم تحديد الجين «المختبئ»؟ قاد الدكتور توبياس هاك، من معهد علم الوراثة الطبية وعلم الجينوم التطبيقي في جامعة توبنغن بألمانيا، فريقاً بحثياً موسعاً، حيث شرعوا في فحص بيانات أكثر من ألفين و800 مريض يعانون مجموعة من اضطرابات الحركة الوراثية، بما في ذلك الترنح (فقدان التوازن)، والشلل التشنجي وخلل التوتر العضلي. ومن خلال استخدام تشخيصات جينومية دقيقة للغاية ظهر نمط واضح ومتكرر لدى المرضى الذين يعانون الترنح التشنجي المرتبط بالكروموسوم «إكس» بوجود طفرات ضارة في جين يحمل اسم CD99L2.

هذا الكشف كان بمثابة حلقة الوصل الأولى في السلسلة، لكن السؤال الأكبر بقي دون تفسير. كيف يمكن لطفرات في هذا الجين أن تؤدي إلى خلل في الجهاز العصبي والحركة؟ هنا جاء دور التعاون العلمي المحوري مع فريق آخر في جامعة بوخوم الألمانية بقيادة الدكتور المشارك بالدراسة جوناز فيبر، المتخصص في تحويل البيانات الجينومية فهماً وظيفياً على المستوى الخلوي.

جين مناعي يتحكم بالأعصاب

• جين بدور جديد. ما وجده الباحثون في بوخوم كان مفاجئاً من العيار الثقيل. إذ إن جين CD99L2 كان معروفاً في الأوساط العلمية سابقاً بدوره الحصري في تنظيم جهاز المناعة، ولم يكن أحد يتوقع وجود أي صلة له بالدماغ أو الخلايا العصبية. لكن التجارب المختبرية الدقيقة كشفت عن دور جديد وغير متوقع لهذا الجين، فقد تبين أن البروتين الذي ينتجه يعمل شريكاً منشطاً حيوياً لإنزيم آخر يُدعى CAPN1، وهو إنزيم معروف بالفعل بأن طفراته تسبب أنواعاً مشابهة من الاضطرابات الحركية.

يقول الدكتور فيبر موضحاً: «الطفرات التي اكتشفناها في جين CD99L2 تؤدي إلى تعطيل إنتاج البروتين الخاص به، وبالتالي تمنع التفاعل الحيوي بينه وبين إنزيم CAPN1. وقد أظهرت الخلايا المأخوذة من المرضى اضطرابات واضحة في العمليات المشبكية، أي في طريقة تواصل الخلايا العصبية مع بعضها بعضاً. وإن انخفاض تنشيط إنزيم CAPN1 بسبب هذه الطفرات يؤدي إلى فوضى في نقل الإشارات العصبية؛ وهو ما يترجم سريرياً إلى المشكلات الحركية التي يعانيها المرضى».

التقاء علم الوراثة بعلم الأعصاب، نهج متكامل يحصد ثماره. ولا يمثل هذا الاكتشاف مجرد إضافة إلى جين جديد في قائمة الجينات المسببة للأمراض، بل هو بمثابة جسر يربط بين عالمين علميين كان يُنظر إليهما غالباً على أنهما منفصلان، هما علم الوراثة من جهة وعلم الأعصاب الوظيفي من جهة أخرى. ويشدد الدكتور فيبر على هذه النقطة بقوله: «نتائجنا تظهر بوضوح أن التشخيص الجيني المتقدم وعلم الأعصاب الوظيفي ليسا مجالين متعارضين، بل إن التعاون الوثيق بينهما هو السبيل الوحيد للوصول إلى آليات مرضية موثوقة ودقيقة».

كما أن تداعيات هذا الاكتشاف تتجاوز بكثير حدود هذا الاضطراب النادر. فمن الناحية العملية المباشرة، يوفر تحديد جين CD99L2 سبباً للمرض، للأطباء هدفاً جديداً يمكن إضافته إلى لوحات الاختبارات الجينية؛ ما يعني أن الكثير من الأسر التي ظلت تبحث عن إجابة لتشخيص طفلها بالترنح أو التشنج غير المبرر قد تحصل أخيراً على إجابة قاطعة تضع حداً لسنوات من الاستشارات الطبية المتضاربة.

• آفاق المستقبل. أما على المستوى العلمي الأوسع، فهذا الاكتشاف يفتح الباب أمام استكشاف مسار الإشارات الحيوية (CD99L2–CAPN1) بوصفه آلية محتملة قد تكون متورطة في اضطرابات عصبية أخرى لم تحل ألغازها بعد، خاصة تلك المرتبطة باختلال توازن الكالسيوم داخل الخلايا العصبية، أو بخلل في الوظائف المشبكية. ويأمل العلماء أن هذا الفهم العميق للآلية الجزيئية للمرض سيمهد الطريق في المستقبل لتطوير استراتيجيات علاجية جديدة تهدف إلى تصحيح هذا الخلل أو تعويضه لتعيد الوظيفة العصبية الطبيعية.

وهكذا، فإن ما بدأ رحلةً بحثيةً للعثور على إجابة في عينة كبيرة من المرضى انتهى بتقريب الصورة عن شبكة جزيئية معقدة في الدماغ، وكشف عن أن جيناً كان يُعتقد أنه يؤدي دوراً هامشياً في المناعة هو في الحقيقة لاعب أساسي في استقرار الخلايا العصبية.

القصة إذن هي انتصار للمقاربة العلمية متعددة التخصصات، وتذكير بأنه حتى الجينات الأكثر دراسة قد تخفي في طياتها أسراراً غير متوقعة تنتظر من يقرأها بعيون تجمع بين دقة الوراثة وعمق علم الأعصاب. وكل لغز جيني يتم حله بهذه الطريقة هو خطوة كبيرة تقرب الطب من هدفه النهائي، ليس فقط اكتشاف الطفرات، بل فهم تأثيرها العميق والعمل على تصحيحه داخل الدماغ الحي.


هل يبدأ سر حماية القلب من الأمعاء؟

هل يبدأ سر حماية القلب من الأمعاء؟
TT

هل يبدأ سر حماية القلب من الأمعاء؟

هل يبدأ سر حماية القلب من الأمعاء؟

أظهرت دراسة حديثة من جامعة كارديف البريطانية أن بكتيريا الأمعاء قد تحول مركبات موجودة في فاكهة الرمان إلى نواتج حيوية قادرة على تقليل الالتهاب المرتبط بتصلب الشرايين، والمساهمة في استقرار اللويحات المتراكمة داخل الأوعية الدموية؛ ما قد يفتح باباً جديداً للوقاية من أمراض القلب مستقبلاً.

الباحثة دانية رفقي

الرمان: من الأمعاء إلى القلب

وتتناول الدراسة العلاقة المتنامية بين صحة الأمعاء وصحة القلب، وتحديداً الدور الذي قد تلعبه بكتيريا الأمعاء في تحويل بعض المركبات الغذائية الطبيعية إلى عناصر أكثر فاعلية داخل الجسم. وركز البحث على الرمان، المعروف باحتوائه على مركبات بوليفينولية ارتبطت سابقاً بفوائد صحية متعددة، إلا أن الآليات البيولوجية المسؤولة عن هذه التأثيرات لم تكن مفهومة بشكل كافٍ.

وانطلقت الدراسة من فرضية علمية مفادها أن مركب البونيكالاجين (Punicalagin)، وهو من أبرز المركبات النشطة في الرمان، لا يكون بالضرورة المسؤول المباشر عن الأثر الصحي داخل الجسم؛ نظراً لانخفاض امتصاصه نسبياً. وبدلاً من ذلك، تفترض الدراسة أن بكتيريا الأمعاء تقوم بتحويله مركبات أصغر وأكثر قدرة على الامتصاص تُعرف باسم اليوروليثينات (Urolithins)، والتي قد يكون لها الدور الأهم في التأثيرات الوقائية المرتبطة بالقلب والشرايين.

وتكشف الدراسة كيف يقوم «الميكروبيوم المعوي» داخل الجهاز الهضمي بتحويل مركبات الرمان عناصر قادرة على كبح الالتهابات التي تحدث في الأوعية الدموية المصاحبة لتصلب الشرايين وتثبيت اللويحات المتصلبة داخل الشرايين؛ ما يقلل احتمالية حدوث الجلطات.

وأنجز هذا البحث العلمي بجامعة كارديف البريطانية، ضمن مشروع دكتوراه للباحث الدكتور سليمان العلوي من وزارة الصحة بسلطنة عمان، وتحت إشراف البروفسور ديباك رامجي وبمشاركة الباحثة السعودية دانية رفقي وباحثين من المملكة المتحدة سُلّط الضوء على دورٍ محوري ومهم لمشتقات فاكهة الرمان.

ونشرت الدراسة في مجلة Antioxidants (2026).

دوافع الدراسة وجديدهاوفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» قدمت الباحثة السعودية دانية رفقي، إجابات حول العلاقة بين الرمان والميكروبيوم وصحة القلب.

> ما هو الدافع لدراسة علاقة الرمان بصحة القلب من زاوية بكتيريا الأمعاء؟

- الدافع وراء هذه الدراسة هو أن مركبات الرمان، رغم ارتباطها المعروف بالفوائد الصحية، فإن امتصاص بعضها في الجسم يكون محدوداً نسبياً. لذلك؛ أردنا دراسة ما إذا كانت الفوائد المرتبطة بصحة القلب ناتجة من هذه المركبات بشكل مباشر، أم عن نواتج تتحول داخل الجسم نتيجة تفاعلها مع بكتيريا الأمعاء، وما إذا كانت هذه النواتج هي المسؤولة عن التأثيرات الوقائية المحتملة على الشرايين.

ويعدّ مركب اليورولثين إيه Urolithin A أحد أهم هذه النواتج الذي أظهر قدرة واضحة على التأثير في مسارات الالتهاب والإجهاد التأكسدي المرتبطة بتطور تصلب الشرايين؛ ما يعزز فهم الآليات الوقائية المحتملة لبعض المركبات النباتية، ويفتح المجال أمام أبحاث مستقبلية في هذا الاتجاه.

> ما الجديد الذي تقدمه هذه الدراسة؟

- الجديد هو التركيز على «التحول الحيوي» داخل الأمعاء، حيث أظهرت النتائج أن التأثير الأقوى لا يأتي من الرمان نفسه، بل من نواتج ينتجها الميكروبيوم بعد هضم المركبات النباتية.

واعتمد فريق البحث على دمج الدراسات الخلوية والحيوانية والتحليلات الجزيئية لتقديم فهم أكثر شمولاً للتأثيرات المحتملة لمستقلبات الرمان على تصلب الشرايين.

> ما أهم النتائج المتعلقة بتأثير اليوروليثين إيه على تصلب الشرايين؟

- أظهرت النتائج أن اليوروليثين إيه أسهم في خفض مؤشرات الإجهاد التأكسدي، وتقليل التعبير الجيني المرتبط بالالتهاب، إضافة إلى التأثير في حركة الخلايا المناعية، والحد من امتصاص الكولسترول الضار المؤكسد داخل الخلايا؛ وهو ما يعكس تأثيراً وقائياً متعدد المسارات.

آليات علاج تصلب الشرايين

> هل تشير نتائج الدراسة إلى آليات جديدة لعلاج تصلب الشرايين تتجاوز عملية خفض الكولسترول؟

- نعم، وهذا من الجوانب المهمة في الدراسة. فقد لاحظنا أن التحسن في حالة الشرايين لم يكن مرتبطاً بانخفاض كبير في مستويات الكولسترول، بل بدا أنه مرتبط بشكل أكبر بتقليل الالتهاب والإجهاد التأكسدي وتحسين استقرار اللويحات داخل الأوعية الدموية. وهذا يشير إلى أن فهم وعلاج تصلب الشرايين قد لا يعتمد فقط على خفض الكولسترول، وإنما أيضاً على استهداف الالتهاب والعوامل الأخرى المرتبطة بتطور المرض.

> ما الخطوة التالية؟

- نعمل حالياً على دراسة مركبات اليوروليثينات على نطاق أوسع وبشكل أعمق، سواء على مستوى النماذج الخلوية أو الحيوانية؛ بهدف فهم آليات تأثيرها بشكل أدق على العمليات المرتبطة بتصلب الشرايين، وأيضاً للتأكد من سلامة هذه المركبات وملاءمتها الحيوية قبل التفكير في أي تطبيقات محتملة على البشر.

وتمثل هذه النتائج خطوة مهمة في فهم الآليات المعقدة لتصلب الشرايين، وقد تفتح المجال مستقبلاً لتطوير استراتيجيات علاجية جديدة تعتمد على نواتج الميكروبيوم المعوي، إلا أن هذه الفرضيات لا تزال في حاجة إلى دراسات بشرية موسعة قبل الوصول إلى تطبيقات سريرية.