بنما «المستاءة» من تعليقات ترمب تبدأ التدقيق في شركة تدير القناة

سفينة حاويات «سنغافورة ميرسك تورس» تمر عبر أقفال كوكولي في قناة بنما (رويترز)
سفينة حاويات «سنغافورة ميرسك تورس» تمر عبر أقفال كوكولي في قناة بنما (رويترز)
TT

بنما «المستاءة» من تعليقات ترمب تبدأ التدقيق في شركة تدير القناة

سفينة حاويات «سنغافورة ميرسك تورس» تمر عبر أقفال كوكولي في قناة بنما (رويترز)
سفينة حاويات «سنغافورة ميرسك تورس» تمر عبر أقفال كوكولي في قناة بنما (رويترز)

بدأت حكومة بنما يوم الاثنين تدقيقاً في شركة «هونغ كونغ» التي تدير المواني على طرفي القناة، بعد أن حذر الرئيس الأميركي دونالد ترمب من أنه يريد استعادة الممر المائي بسبب النفوذ الصيني المزعوم.

وفي خطاب تنصيبه يوم الاثنين، كرر ترمب الانتقادات التي وجهها في الأسابيع الأخيرة بشأن قناة بنما التي تتعامل مع نحو 3 في المائة من التجارة العالمية المنقولة بحراً كل عام.

ورداً على ذلك، نشر مكتب المراقب المالي العام في بنما مقطع فيديو على منصة «إكس» لنحو 10 رجال ونساء يرتدون بدلات رسمية وهم يتوجهون من حافلة إلى المكاتب المحلية لشركة «هاتشيسون» للمواني ومقرها هونغ كونغ لبدء عملية التدقيق، في خطوة اعتُبرت إشارة إلى ترمب، وفق صحيفة «فايننشال تايمز».

وقال مكتب المراقب المالي العام على «إكس»: «وصل مدققو الحسابات اليوم إلى (الشركة) لبدء تدقيق شامل يهدف إلى ضمان الاستخدام الفعال والشفاف للموارد العامة».

وقد فازت الشركة لأول مرة بامتيازات تشغيل ميناءين، أحدهما في كل طرف من القناة في عام 1997، وهو العام الذي عادت فيه هونغ كونغ إلى الحكم الصيني من قبل المملكة المتحدة. وتم تجديد الامتيازات في عام 2021.

تدير شركة «مواني هاتشيسون»، وهي الذراع المينائية لشركة «سي كي هاتشيسون هولدنغز» المدرجة في بورصة هونغ كونغ، 53 ميناءً في 24 دولة بما في ذلك المملكة المتحدة وألمانيا وهونغ كونغ.

وتدير شركة «سي كي هاتشيسون هولدنغز»، التي تسيطر عليها عائلة لي كا شينغ - إحدى أغنى العائلات في آسيا - محفظة واسعة من البنية التحتية العالمية بما في ذلك شركة «نورثومبريان ووتر» في المملكة المتحدة وشبكات الغاز الأسترالية.

لا تسيطر الصين على القناة، لكن بعض المسؤولين في واشنطن يشعرون بقلق متزايد من وجود الشركات الصينية في المنطقة. وقد أصبحت حكومة هونغ كونغ أكثر تقارباً مع الصين منذ حملة القمع ضد المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية في عام 2019 وإدخال قانون جديد صارم للأمن القومي.

وكانت الولايات المتحدة قد أشرفت على بناء القناة التي افتتحت في عام 1914، لكنها أعادت السيطرة الكاملة على القناة إلى الدولة الواقعة في أميركا الوسطى في عام 1999. وقد وصف ترمب هذه الخطوة بـ«الخطأ» وندد بالرسوم المرتفعة.

وقد ارتفعت رسوم عبور القناة، التي تستخدم المياه العذبة لتشغيل أقفالها، بشكل كبير منذ أن أدى الجفاف الكبير في عام 2023 إلى فرض قيود وتغييرات لاحقة في كيفية تخصيص الفتحات.

قال ترمب: «لقد عوملنا بشكل سيئ للغاية من هذه الهدية الحمقاء التي ما كان ينبغي أن تُمنح لنا. نحن لم نعطها للصين، بل أعطيناها لبنما ونحن نستعيدها».

لطالما كانت بنما واحدة من أقرب حلفاء الولايات المتحدة في أميركا الوسطى، وكانت تحاول وقف الهجرة المتجهة إلى الولايات المتحدة عبر ثغرة دارين. وقد قطعت البلاد علاقاتها مع تايوان للاعتراف بالصين خلال فترة رئاسة ترمب الأولى في عام 2017.

ونشر رئيس بنما خوسيه راؤول مولينو - وهو محافظ على القانون والنظام - يوم الاثنين بياناً شديد اللهجة «يرفض فيه تماماً» كلمات ترمب ويقول إن القناة ستبقى بنمية. وقال إنه لا توجد دولة تتدخل في إدارة القناة، وإن الحوار هو أفضل طريقة لحل المشكلات التي ذكرها ترمب. كما اختلف أيضاً مع توصيف ترمب لإعادة الولايات المتحدة القناة إلى بنما.

وكتب على منصة «إكس»: «القناة لم يمنحها أحد، بل كانت نتيجة صراع أجيال بلغ ذروته في عام 1999».


مقالات ذات صلة

استمرار تباطؤ الملاحة عبر «هرمز» مع غموض مصير الممر الحيوي

الاقتصاد سفن شحن تُرَى في خليج عُمان بالقرب من مضيق هرمز (أ.ب)

استمرار تباطؤ الملاحة عبر «هرمز» مع غموض مصير الممر الحيوي

استمر تباطؤ حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الأربعاء، مع تجنب معظم مالكي السفن الممر المائي الحيوي.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

السعودية تضيف خدمة «آي آر إف» لميناء جدة لربطه بموانئ السخنة وسفاجا المصرية

أعلنت الهيئة العامة للموانئ السعودية (موانئ)، إضافة خدمة الشحن «آي آر إف» التابعة لشركة «بي آي إل» العالمية إلى ميناء جدة الإسلامي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي ميناء دمياط البحري شمال مصر (هيئة الميناء)

استهداف ميناء دمياط في مصر... تكهنات متضاربة ومسؤولية غامضة

فَتَح أول استهداف يطول ميناءً مصرياً، منذ اندلاع الحرب الإيرانية-الأميركية نهاية فبراير (شباط) الماضي، باب التأويلات على مصراعيه، مع عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

السعودية تضيف خدمة «تشاينا إكسبرس» لدعم حركة التجارة مع الصين

عززت الهيئة العامة للموانئ الربط الملاحي بين السعودية والصين بإضافة خدمة الشحن «تشاينا سعودي إكسبرس» (CSE) التابعة لشركة «هايزون غروب» إلى ميناء جدة الإسلامي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد حاويات بميناء شيتاغونغ في بنغلاديش (موقع الموانئ)

تشغيل محطة ميناء شيتاغونغ في بنغلاديش باستثمار سعودي قيمته 170 مليون دولار

تدشن «بوابة البحر الأحمر» محطة حاويات شيتاغونغ في بنغلاديش باستثمار 170 مليون دولار، وترفع الطاقة الاستيعابية إلى 600 ألف حاوية سنوياً.

«الشرق الأوسط» (دكا)

«الكريبتو» في البيت الأبيض... ترمب يدعم صناعة تعزز ثروة عائلته

ترمب يلقي كلمةً برفقة رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية بول أتكينز ورئيس لجنة تداول السلع الآجلة مايكل سيليغ ومستشار العملات الرقمية باتريك ويت ومسؤولين من جمعيات تجارية وممثلين عن شركات في قاعة روزفلت (رويترز)
ترمب يلقي كلمةً برفقة رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية بول أتكينز ورئيس لجنة تداول السلع الآجلة مايكل سيليغ ومستشار العملات الرقمية باتريك ويت ومسؤولين من جمعيات تجارية وممثلين عن شركات في قاعة روزفلت (رويترز)
TT

«الكريبتو» في البيت الأبيض... ترمب يدعم صناعة تعزز ثروة عائلته

ترمب يلقي كلمةً برفقة رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية بول أتكينز ورئيس لجنة تداول السلع الآجلة مايكل سيليغ ومستشار العملات الرقمية باتريك ويت ومسؤولين من جمعيات تجارية وممثلين عن شركات في قاعة روزفلت (رويترز)
ترمب يلقي كلمةً برفقة رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية بول أتكينز ورئيس لجنة تداول السلع الآجلة مايكل سيليغ ومستشار العملات الرقمية باتريك ويت ومسؤولين من جمعيات تجارية وممثلين عن شركات في قاعة روزفلت (رويترز)

يعود الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى واجهة المشهد في قطاع العملات المشفرة، داعياً الكونغرس إلى إقرار تشريع واسع يمنح الصناعة إطاراً تنظيمياً أكثر ملاءمة، في وقت تتزايد فيه ارتباطات عائلته التجارية بهذا القطاع وتتصاعد الانتقادات بشأن تضارب المصالح المحتمل بين أعماله الخاصة ومسؤولياته في البيت الأبيض.

واجتمع ترمب، الأربعاء، في البيت الأبيض مع مجموعة من أبرز مسؤولي شركات العملات المشفرة، في فعالية قُدمت رسمياً باعتبارها انطلاقة للجنة استشارية جديدة معنية بالابتكار، تقدم المشورة إلى لجنة تداول العقود الآجلة للسلع، إحدى الجهات التنظيمية الرئيسية للقطاع، وفق صحيفة «نيويورك تايمز».

لكن الاجتماع سلّط الضوء في الوقت نفسه على العلاقة المتشابكة بين الإدارة الأميركية وصناعة العملات المشفرة، التي أصبحت مصدراً كبيراً للثروة لعائلة ترمب. ووفقاً للصحيفة، حققت أعمال العملات المشفرة المرتبطة بالرئيس 1.4 مليار دولار العام الماضي.

ترمب يُبدي ردة فعل خلال مؤتمر صحافي مع مسؤولين تنفيذيين في مجال العملات المشفرة في غرفة روزفلت بالبيت الأبيض (رويترز)

ومن بين الحاضرين سيرغي نازاروف، الشريك المؤسس لشركة «تشين لينك»، التي أبرمت شراكة مع شركة «وورلد ليبرتي فاينانشال» التابعة لعائلة ترمب، إلى جانب مايك بيلشي، الرئيس التنفيذي لشركة «بيت غو»، الشريكة أيضاً مع الشركة العائلية. كما حضر براين أرمسترونغ، مؤسس «كوين بيس»، وأرجون سيتي، الرئيس التنفيذي لـ«كراكن»، وهما منصتان تتيحان تداول عدد من العملات الرقمية التي أطلقتها عائلة ترمب.

«كلاريتي»... المعركة التشريعية المقبلة

وتأتي تحركات ترمب في وقت تسعى فيه صناعة العملات المشفرة إلى دفع الكونغرس لإقرار قانون «كلاريتي» (Clarity Act)، الذي يهدف إلى وضع إطار تنظيمي شامل للعملات الرقمية ويمنح الشركات العاملة في القطاع قواعد أكثر وضوحاً وملاءمة للأعمال.

وكان مجلس النواب قد أقر نسخة من القانون بدعم من الحزبين، لكن التشريع يواجه عقبات في مجلس الشيوخ، حيث يطالب الديمقراطيون بإضافة قيود تمنع المسؤولين الحكوميين، بمَن فيهم الرئيس، من الاستفادة من بيع الأصول الرقمية.

ودعا ترمب خلال الاجتماع إلى إقرار القانون، واصفاً إياه بأنه تشريع قوي من شأنه أن يحافظ على تقدم الولايات المتحدة على الصين في مجال التكنولوجيا.

ترمب يتحدث بجوار الرئيس التنفيذي لشركة بورصة إنتركونتيننتال جيفري سي سبريتشر في غرفة روزفلت بالبيت الأبيض (رويترز)

من التشكيك إلى تبني العملات المشفرة

ويمثل موقف ترمب تحولاً كبيراً مقارنة بموقفه السابق من العملات المشفرة، إذ كان من المشككين في القطاع قبل أن يجعل دعمه له محوراً رئيسياً في حملته الانتخابية عام 2024، ثم يتحول لاحقاً إلى أحد مكونات أعمال عائلته.

وخلال العام الماضي، اتخذت الإدارة الأميركية سلسلة خطوات داعمة للصناعة، من بينها توقيع ترمب قانون «جينيوس» (GENIUS Act) الذي وضع إطاراً تنظيمياً للعملات المستقرة المرتبطة بالدولار.

كما أنهت هيئة الأوراق المالية والبورصات حملة تنظيمية طويلة ضد عدد من شركات العملات المشفرة الكبرى، بينها «كوين بيس» و«كراكن».

رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية بول أتكينز يتحدث بجوار ترمب (رويترز)

ترخيص مصرفي يثير جدلاً جديداً

لكن الجدل الأكبر يتعلق بتزايد التداخل بين قرارات الإدارة ومصالح عائلة ترمب التجارية.

ففي الأسبوع الماضي، منح مكتب مراقب العملة التابع لوزارة الخزانة موافقة أولية لشركة تابعة لـ«وورلد ليبرتي فاينانشال» للحصول على ترخيص مصرفي محدود. وتمتلك عائلة ترمب حصة كبيرة في الشركة.

ومن شأن الترخيص أن يسمح للشركة بإصدار عملتها المستقرة بنفسها بدلاً من الاعتماد على «بيت غو»، ما قد يخفض تكاليفها، وإن كان الترخيص لا يسمح لها باستقبال ودائع الأفراد أو تقديم القروض.

وأثارت الخطوة انتقادات حادة من الديمقراطيين، الذين يرون فيها مثالاً على تداخل المصالح الخاصة مع المسؤوليات الحكومية. في المقابل، تنفي إدارة ترمب وجود أي تضارب، وتقول إن الرئيس يتصرف بما يخدم المصلحة العامة.

الرئيس التنفيذي لشركة «كراكن» أرجون سيثي يتحدث خلال اجتماع بين المديرين التنفيذيين في مجال العملات المشفرة وترمب في غرفة روزفلت بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

فتح أوسع لقطاع الكريبتو

وفي تطور آخر يعكس التحول التنظيمي، اقترحت هيئة الأوراق المالية والبورصات، الثلاثاء، قواعد تسمح للشركات بجمع ما يصل إلى 75 مليون دولار سنوياً من دون التسجيل لدى الهيئة، وهو ما يمنح شركات القطاع مساحة أكبر لزيادة رأس المال خارج الإطار التقليدي للرقابة الفيدرالية.

وهكذا، لا يقتصر التحول الذي تشهده صناعة العملات المشفرة في عهد ترمب على دعم سياسي مباشر، بل يمتد إلى إعادة صياغة البيئة التنظيمية والمالية المحيطة بالقطاع.

لكن في الوقت نفسه، تضع المصالح التجارية المتنامية لعائلة الرئيس هذا التحول أمام اختبار سياسي وأخلاقي صعب: إلى أي مدى يمكن للإدارة أن تعزز صناعة ترتبط بها مصالح مالية مباشرة من دون أن تتحول السياسة التنظيمية إلى مصدر جديد لتضارب المصالح؟


هل تزاحم «الخزانة» الأميركية «الفيدرالي» على النفوذ في سوق السندات؟

مبنى وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)
مبنى وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)
TT

هل تزاحم «الخزانة» الأميركية «الفيدرالي» على النفوذ في سوق السندات؟

مبنى وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)
مبنى وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)

يثير قرار وزارة الخزانة الأميركية مضاعفة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل تساؤلات جديدة حول حدود تدخلها في الأسواق، وما إذا كان تحركها لدعم العوائد قد يعقّد مهمة الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار.

يوم الأربعاء، أعلنت وزارة الخزانة مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء سندات الخزانة التي تستحق خلال 10 إلى 30 عاماً إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، في وقت ارتفعت فيه تكاليف الاقتراض طويلة الأجل إلى مستويات لم تُسجل منذ سنوات. وأسهم الإعلان في دفع عوائد السندات إلى الانخفاض، بعدما بلغت عوائد الآجال الطويلة مستويات مرتفعة أثارت قلق الأسواق.

ويطرح التحرك سؤالاً أوسع بشأن الجهة الأكثر تأثيراً في ظروف الائتمان الأميركية، إذ اعتاد المستثمرون النظر إلى الاحتياطي الفيدرالي بوصفه المؤسسة الرئيسية القادرة على التأثير في تكاليف الاقتراض طويلة الأجل من خلال أدواته النقدية وعمليات شراء الأصول، وفق «رويترز».

وقال محللون إن استمرار «الخزانة» في استخدام عمليات إعادة الشراء لدعم سوق السندات قد ينقل جزءاً من مركز الثقل في السوق من الاحتياطي الفيدرالي إلى وزارة الخزانة، خصوصاً مع تحفظ رئيس «الفيدرالي» كيفين وارش على استخدام شراء الأصول كأداة للسياسة النقدية.

متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)

تدخل «الفيدرالي» ما زال بعيداً

ورغم ذلك، لا يرى المشاركون في السوق حالياً حاجة إلى تدخل مباشر من الاحتياطي الفيدرالي لشراء السندات بهدف تهدئة السوق.

وقال محللون إن عتبة تدخل «الفيدرالي» مرتفعة، إذ لا تزال الأسواق تعمل بصورة طبيعية، كما أن البنك المركزي ما زال قادراً على التحكم في سعر الفائدة قصير الأجل، وهو الأداة الأساسية التي يعتمد عليها لتحقيق أهدافه المتعلقة بالتضخم والتوظيف.

وتكتسب المسألة أهمية خاصة لأن شراء «الفيدرالي» للسندات طويلة الأجل سيكون مختلفاً في دلالته عن تحرك الخزانة. فمثل هذا التدخل يمكن أن يخفض العوائد طويلة الأجل أو يحد من ارتفاعها، لكنه سيُنظر إليه أيضاً باعتباره تيسيراً للسياسة النقدية، وهو ما قد يتعارض مع جهود البنك المركزي لكبح التضخم الذي لا يزال أعلى من هدفه البالغ 2 في المائة.

اختلاف الأهداف

ويتمثل الفارق الأساسي في أن الخزانة تقول إن هدفها من إعادة الشراء هو تحسين السيولة في سوق السندات، وليس تحديد مستوى للعوائد أو تنفيذ سياسة نقدية.

لكن تأثير العملية يتجاوز السيولة، لأن السندات طويلة الأجل تشكل مرجعاً أساسياً لتسعير الرهن العقاري وقروض الشركات وغيرهما من تكاليف الاقتراض. ولذلك فإن انخفاض عوائدها بعد تدخل «الخزانة» يمكن أن يخفف ظروف التمويل في الاقتصاد، حتى من دون تغيير سعر الفائدة الذي يحدده «الفيدرالي».

وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه عوائد السندات ضغوطاً من عدة اتجاهات، تشمل ارتفاع توقعات التضخم، واتساع احتياجات الحكومة إلى الاقتراض، إلى جانب زيادة إصدارات الشركات لتمويل الاستثمارات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

مبنى وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)

وارش أمام معادلة أكثر تعقيداً

ويزيد موقف وارش من حساسية المسألة. فقد أبدى رئيس «الفيدرالي» منذ فترة طويلة تشككاً في الاعتماد على شراء الأصول كأداة للسياسة النقدية، كما جعل تقليص الميزانية العمومية للبنك المركزي، التي تبلغ نحو 6.8 تريليون دولار، أحد أهدافه الرئيسية.

وفي الوقت نفسه، أشار وارش إلى استعداده للعمل مع وزارة الخزانة والتنسيق معها حيثما أمكن، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول كيفية إدارة العلاقة بين المؤسستين إذا استمرت ضغوط العوائد طويلة الأجل.

ولا يعني تحرك الخزانة حتى الآن أن السياسة النقدية انتقلت إلى وزارة الخزانة، أو أن «الفيدرالي» فقد قدرته على التحكم في أسعار الفائدة. لكن استمرار عمليات الشراء وتوسعها قد يفرض واقعاً جديداً على الأسواق، تصبح فيه قرارات «الخزانة» عاملاً أكثر أهمية في تحديد تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وهنا تكمن أهمية الخطوة: فالسؤال لم يعد فقط ما إذا كانت «الخزانة» تستطيع تهدئة سوق السندات، بل ما إذا كان تدخلها المتزايد سيغيّر تدريجياً العلاقة التقليدية بين السياسة المالية والسياسة النقدية في الولايات المتحدة.


دعم «الخزانة» الأميركية للسندات ينعش الأسهم الآسيوية ويضعف الدولار

شاشة تظهر بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا في سيول بكوريا الجنوبية (إ.ب.أ)
شاشة تظهر بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا في سيول بكوريا الجنوبية (إ.ب.أ)
TT

دعم «الخزانة» الأميركية للسندات ينعش الأسهم الآسيوية ويضعف الدولار

شاشة تظهر بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا في سيول بكوريا الجنوبية (إ.ب.أ)
شاشة تظهر بيانات مالية في غرفة تداول بنك هانا في سيول بكوريا الجنوبية (إ.ب.أ)

انتعشت معظم الأسهم والعملات الآسيوية الخميس، مع تحسن شهية المخاطرة بعد تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية والدولار، في أعقاب تدخل وزارة الخزانة لتهدئة الاضطرابات في سوق السندات، بعدما أثارت القفزة الأخيرة في العوائد مخاوف بشأن تكاليف التمويل العالمية.

وارتفع مؤشر «إم إس سي آي» للأسهم الآسيوية الناشئة 2.1 في المائة، متجهاً إلى تسجيل أفضل أداء له في جلسة واحدة منذ الخامس من أغسطس (آب)، بينما صعد مؤشر «إم إس سي آي» لعملات الأسواق الناشئة بما يصل إلى 0.4 في المائة، مسجلاً مستوى قياسياً قبل أن يقلص بعض مكاسبه.

وجاء تحسن المعنويات بعد إعلان وزارة الخزانة الأميركية، الأربعاء، مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء الديون طويلة الأجل، في خطوة ساعدت على تهدئة المستثمرين بعد ارتفاع عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوى له منذ عام 2007 في وقت سابق من الأسبوع.

وتدعم عوائد الخزانة المنخفضة عادة أصول الأسواق الناشئة، لأنها تخفف ضغوط التمويل وتقلل جاذبية الاستثمارات المقومة بالدولار، بينما يمنح تراجع العملة الأميركية دعماً إضافياً للعملات الآسيوية.

كوريا تقود الارتداد

وقادت الأسهم الكورية الجنوبية مكاسب المنطقة، إذ قفز مؤشر «كوسبي» نحو 6 في المائة، بدعم من صعود سهمي «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس» بين 10 و14 في المائة.

وارتفع المؤشر الإندونيسي 1.2 في المائة، بينما صعدت أسهم تايلاند 0.7 في المائة والفلبين 0.6 في المائة وماليزيا 0.2 في المائة.

وفي المقابل، تراجع المؤشر التايواني 0.2 في المائة، بينما انخفضت الأسهم السنغافورية 0.4 في المائة تحت ضغط أسهم البنوك الكبرى، ومنها «أو سي بي سي» و«دي بي إس».

وعلى صعيد العملات، ارتفع الرينغيت الماليزي بما يصل إلى 0.4 في المائة إلى 4.038 مقابل الدولار، وهو أقوى مستوى له منذ منتصف يونيو (حزيران)، بينما صعدت الروبية الإندونيسية إلى أعلى مستوى لها في أكثر من أسبوع.

ارتداد مؤقت؟

ورغم قوة المكاسب، حذر وي لي، رئيس استثمارات الأصول المتعددة لدى «بي إن بي باريبا سيكيوريتيز» في الصين، من أن الارتداد قد يكون مجرد موجة صعود مدفوعة بالارتياح، وليس بداية لتعافٍ مستدام.

وقال إن إشارة «الخزانة» توفر أرضية مهمة لعوائد السندات، لكن الضغوط الهيكلية الأساسية لا تزال قائمة، بما في ذلك زيادة إصدارات الديون عالمياً، وارتفاع إصدارات الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وأسعار النفط المرتفعة التي تبقي مخاطر التضخم قائمة.

وأضاف أن عدم اليقين بشأن مسار السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى جانب اجتماع جاكسون هول المرتقب الأسبوع المقبل، قد يعيدان تقلبات الأسواق؛ خصوصاً إذا لم تستمر عوائد الخزانة في الانخفاض أو يظل الدولار ضعيفاً.

وبذلك، تبدو مكاسب الأسواق الآسيوية مرتبطة في الوقت الراهن بهدوء سوق السندات الأميركية أكثر من كونها تحولاً مستقلاً في اتجاه الأصول الناشئة، ما يجعل استمرار الارتفاع مرهوناً بمسار العوائد والدولار وتوقعات «الفيدرالي» خلال الأيام المقبلة.