مصر: واقعة عنف طلابي بـ«مدارس أثرياء» تعيد الحديث عن «منظومة التربية»

وزير التربية والتعليم المصري خلال زيارات تفقدية للمدارس (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)
وزير التربية والتعليم المصري خلال زيارات تفقدية للمدارس (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)
TT

مصر: واقعة عنف طلابي بـ«مدارس أثرياء» تعيد الحديث عن «منظومة التربية»

وزير التربية والتعليم المصري خلال زيارات تفقدية للمدارس (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)
وزير التربية والتعليم المصري خلال زيارات تفقدية للمدارس (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

تجددت التساؤلات في مصر حول العنف المدرسي، عقب مشاجرة طالبات داخل إحدى «مدارس الأثرياء» بالقاهرة، والتي عكست أن العنف ليس مقتصراً على مدارس أو فئات اجتماعية معينة، وأعادت الحديث عن «منظومة التربية».

وشهدت إحدى المدارس الدولية (الإنترناشيونال) بمنطقة التجمع الخامس (شرق القاهرة)، واقعة شجار جرت بين طالبة وثلاث طالبات أخريات، ويُظهر الفيديو جانباً من المعركة بين الطالبات، وإطلاق الشتائم بألفاظ نابية، في حين يقف زملاؤهن في حلقة مكتفين بمشاهدة المشاجرة.

وتتنوع المدارس في مصر بين الحكومية والخاصة والدولية والتجريبية، وتبرز من بينها المدارس الدولية (الإنترناشيونال)، بتعليمها المميز ومصروفاتها مرتفعة الثمن، وتطبق منهجاً دولياً معترفاً به عالمياً، ومعتمداً من وزارة التربية والتعليم المصرية.

وزير التربية والتعليم المصري خلال زيارات تفقدية للمدارس (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

وكرد فعل سريع، اتخذت المدرسة إجراء بالفصل النهائي للطالبات الثلاث اللاتي اعتدين على الطالبة الضحية التي كُسر أنفها نتيجة الاعتداء، وفق التقرير الطبي الخاص بها، في حين أعلنت وزارة التربية والتعليم توجّه لجنة، الأحد، إلى المدرسة للتحقيق في الواقعة وكشف ملابساتها.

وعلق شادي زلطة، المتحدث الرسمي لوزارة التربية والتعليم، في تصريحات متلفزة، مساء السبت، واصفاً الواقعة بأنها «مؤسفة للغاية»، مؤكداً أن مثل تلك الوقائع تتحرك فيها الوزارة بشكل عاجل، سواء كانت المدرسة خاصة أو حكومية، مبيناً أن أي مدرسة على أرض جمهورية مصر العربية تخضع للقوانين المصرية وإشراف كامل من الوزارة.

وشغلت الواقعة أحاديث المصريين خلال الساعات الماضية، لا سيما على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات من جانبهم حول أسباب وصول العنف للمدارس الخاصة التي يحظى فيها الطلبة والطالبات بتعليم متميز ذي طابع دولي؛ كونهم ينتمون إلى طبقة ميسورة.

ويبلغ إجمالي عدد المدارس الخاصة في مصر 10 آلاف و450 مدرسة، يدرس بها نحو مليونين و800 ألف طالب وطالبة، في حين ارتفع عدد المدارس الدولية من 168 مدرسة عام 2011 إلى 785 مدرسة في عام 2020 وفق كتيب «مصر في أرقام 2024» الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بمصر في مارس (آذار) الماضي.

إلى ذلك، استمعت النيابة العامة إلى أقوال والد الطالبة المجني عليها الذي اتهم خلال التحقيقات المدرسة بالإهمال وعدم تدخل أي من المشرفين الموجودين للدفاع عن ابنته، بالإضافة لتصوير الواقعة من قبل الطلاب دون التدخل لفض المشاجرة، لافتاً إلى أن ابنته تعاني من حالة نفسية سيئة.

كما استدعت النيابة مسؤولاً إدارياً بالمدرسة لسماع أقواله، وأمرت كذلك بالتحفظ على مقطع فيديو متداول يُظهر واقعة التعدي على الطالبة، وتفريغ كاميرات المراقبة داخل المدرسة وحولها، لتحديد المسؤولين عن الحادث.

وأرجع أستاذ علم الاجتماع السياسي، الدكتور سعيد صادق، هذه الواقعة لعدة أسباب، «أبرزها غياب التربية والرقابة في المدارس الخاصة التي يكون شاغلها الأكبر المكسب المادي؛ لذا لا تلعب دورها الموكل لها، ولا تأخذ موقفاً جاداً تجاه هذه الوقائع أو غيرها، ولا تعاقب المخطئ»، مشيراً لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «ما قامت به المدرسة من فصل الطالبات المعتديات جاء فقط لتهدئة الرأي العام».

كما يلفت «صادق» إلى سبب آخر يتعلق بالأسر، والتي «تربّي أطفالها على أخذ حقوقهم بأيديهم إذا حدث لهم اعتداء، وبالتالي يقرر الطالب الحصول على حقه بنفسه، دون الرجوع للمعلم أو إدارة المدرسة»، وفق قوله.

وكان وزير التربية والتعليم المصري، محمد عبد اللطيف، أكد في تعليق للوزارة على واقعة الطالبات تعامل وزارته بحسم مع مثل هذه الظواهر، مشدداً على أن «الدور التربوي للمدرسة يأتي في مقدمة الأولويات، ولا ينفصل عن تقديم منظومة تعليمية جيدة».

وتوضح الدكتورة داليا الحزاوي، الخبيرة التربوية والاجتماعية، مؤسسة «ائتلاف أولياء أمور مصر»، أن «انتشار العنف بين أبناء البيئات الراقية تتداخل فيه عدة عوامل، منها التفكك الأسري الذي قد يدفع الأبناء إلى السلوك العدواني»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «قد ينشغل الوالدان بشكل دائم، فيحدث غياب للدور التربوي والتوجيهي، وفي بعض الأحيان يتم الاعتماد على الخادمات لتربية الأبناء؛ مما يشعرهم بالبرود العاطفي وفقدان الدفء الأسري، ويزيد من السلوكيات العدوانية لديهم، ويدفعهم للعنف لإثبات الوجود ولفت الانتباه».

وزير التربية والتعليم المصري خلال زيارات تفقدية للمدارس (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

وتتابع: «قد يعتبر الوالدان التدليل الزائد للأبناء تعويضاً عن غيابهما، ولكن للأسف يؤدي ذلك لنتائج عكسية، كذلك يشعر بعض أبناء الطبقات الراقية أنهم محصنون ضد العقوبات بسبب نفوذ أسرهم؛ مما يدفعهم للتجاوز دون التفكير في عواقب تلك الأفعال».

عودة إلى أستاذ علم الاجتماع السياسي الذي يفسر مشهد تصوير الواقعة من قبل الطلاب دون التدخل لفض المشاجرة، قائلاً: «المشهد يدل على الإدمان الشديد للهواتف الذكية، وارتباطهم بشاشات هواتفهم، فينسون اللحظات الحقيقية التي يعيشونها، فالهدف فقط هو التقاط صورة أو فيديو ونشرها على (السوشيال ميديا)، كما أنه يعكس مدى السلبية واللامبالاة التي يعيشها هذا الجيل».

هنا، تشير الخبيرة التربوية والاجتماعية إلى سبب آخر لانتشار العنف المدرسي، قائلة: «نجد في البيئات الراقية استخداماً مفرطاً للأجهزة الإلكترونية، وممارسة الألعاب الإلكترونية العنيفة التي تعد أحد أسباب السلوك العدواني والدموي، ومع عدم الرقابة على المحتوى من قبل الوالدين تتفاقم العدوانية لديهم».

وتبيّن داليا أن «انتشار مقطع الفيديو الذي يرصد واقعة الاعتداء أغضب بشدة أولياء الأمور وأثار مخاوفهم، مطالبين باتخاذ إجراءات صارمة حتى لا تتكرر هذه الواقعة»، لافتة إلى أن «ظاهرة العنف بالمدارس تحتاج إلى تضافر الجهود للقضاء عليها بين الأسرة والمدرسة والإعلام؛ فالأسرة يجب أن تقوم بالدور المنوط بها بالرعاية والرقابة، والمدرسة بتنفيذ لائحة الانضباط المدرسية بكل حزم، والإعلام بتجنب عرض الأعمال المشجعة على العنف الجسدي واللفظي، وتلك التي تُظهر الشخص البلطجي على أنه شخص ناجح أو نموذج يحظى بالإعجاب».


مقالات ذات صلة

في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

علوم الأدوات الذكية تدخل المدارس

في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الطلاب بحاجة إلى تعلّم كيفية استخدامه، وتحليل وظائفه، ووضع إرشادات للاستخدام الشخصي له، وتصميم سياسات سلامة مثالية.

ناتاشا سينغر (نيويورك)
علوم استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

أظهرت دراسة جديدة أجراها «مركز بيو للأبحاث» أن أكثر من نصف المراهقين في الولايات المتحدة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في واجباتهم المدرسية. تضاعف…

ناتاشا سينغر (نيويورك)
يوميات الشرق الثقة في التعليم تتصدّع مع أول كذبة (غيتي)

سقوط «معلّم كامبريدج» الزائف... شهادة مزوَّرة تُنهي مسيرته التعليمية

شُطب معلّم سابق في مدرسة خاصة من السجل النقابي بعدما تبيَّن أنه كذب بشأن حصوله على شهادة من جامعة كامبريدج وعمله موظفاً قضائياً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص التحول الرقمي الحقيقي لا يتحقق بالاستثمار في البنية التحتية وحدها، بل ببناء القدرات البشرية والمهارات الرقمية (بيكسلز)

خاص التعليم الرقمي كبنية تحتية… هل هو الرهان الحاسم لعقد الذكاء الاصطناعي؟

التحول الرقمي يبدأ ببناء المهارات والتعليم لا بالبنية التحتية وحدها والفجوة الرقمية تهدد الابتكار والتنافسية والتنويع الاقتصادي.

نسيم رمضان (لندن)
العالم العربي رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

دعا رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية (LAU) الدكتور شوقي عبد الله الأكاديميين في الجامعات اللبنانية ليكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتفاعلوا معه

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
TT

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)

ودّع الوسط الفني في مصر، الخميس، الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق، الرئيس الأسبق للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الذي قدم العديد من الأعمال المسرحية المهمة على مدى تاريخه الفني الذي بدأ منتصف الثمانينات من القرن الماضي، كما شارك في العديد من الأعمال الدرامية لتي قدم فيها أداءً متميزاً.

ونعت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، الفنان القدير ياسر صادق، الذي وافته المنية، الخميس، «بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإبداع، قدّم خلالها نموذجاً للفنان المثقف الملتزم بقضايا مجتمعه، فأسهم بإخلاص في إثراء الحركة المسرحية والفنية في مصر، سواء من خلال أعماله الإبداعية أو إدارته للمؤسسات الثقافية، تاركاً بصمة واضحة في وجدان جمهوره وتلاميذه ومحبيه»، وفق بيان للوزارة.

ونعت نقابة المهن التمثيلية الفنان الراحل، وقالت في بيان: «رحل الفنان القدير بعد مسيرة فنية مشرفة قدّم خلالها العديد من الأعمال التي تركت أثراً واضحاً في الساحة الفنية، وكان مثالاً للفنان الملتزم صاحب الحضور الهادئ والروح الطيبة».

ونعى المخرج هشام عطوة، رئيس قطاع المسرح في وزارة الثقافة، الفنان، قائلاً في بيان: «فقدنا اليوم شخصية فنية جادة، قدمت العديد من الأعمال الفنية الناجحة»، مشيراً إلى ما قدمه الفنان القدير ياسر صادق من جهود مخلصة بالوزارة أثْرت العمل الثقافي.

الفنان ياسر صادق (وزارة الثقافة)

وقدم الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق العديد من الأعمال في التلفزيون والسينما والمسرح، وحصل على جوائز عديدة بالمسرح الجامعي منذ بداية دخوله مجال الفن، منها مخرج أول جامعة القاهرة وممثل أول الجامعة، ثم ممثل أول الجامعات المصرية عام 1985، والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل والإخراج وتخرج فيه عام 1994، وشغل منصب مدير عام المسرح الحديث، ثم رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.

ونعى رئيس دار الأوبرا المصرية، الدكتور علاء عبد السلام، صادق وقال إن «الراحل ترك بصمات واضحة في الساحة الإبداعية بأعمال بارزة، كما شارك بجهود دؤوبة ورؤية فريدة فى إثراء ميدان الثقافة المصرية».

ونعى المخرج عادل حسان، مدير المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الفنان الراحل، وقال: «لقد كان الراحل رئيساً للإدارة المركزية للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية لمدة أربع سنوات، قدم خلالها العديد من الإنجازات الإدارية الملموسة داخل هذا الصرح الفريد بوزارة الثقافة، كما أثرى الساحة الفنية المصرية بأعمال خالدة، وترك بصمة مميزة في وجدان الجمهور وذاكرة الفن المصري، وتميز الفقيد بإخلاصه لفنه».

وبالإضافة إلى شهرته في التمثيل والإخراج المسرحي، حيث قدم العديد من الأعمال من بينها «لكع ابن لكع» في مسرح الجامعة، ومسرحية «سي علي وتابعه قفة» و«حوش بديعة»، فقد شارك الفنان الراحل في العديد من الأعمال السينمائية والدرامية وعرف بأدواره البارزة في المسلسلات التاريخية مثل «أبو حنيفة النعمان»، و«عصر الأئمة» و«القضاء في الإسلام» و«ابن حزم»، وأحدث أعماله التاريخية كان ضمن مسلسل «الحشاشين»، وشارك في مسلسل «المداح» و«عهد أنيس» في السنوات الأخيرة، كما شارك في العديد من الأفلام من بينها «امرأة هزت عرش مصر» و«دانتيلا» و«بالألوان الطبيعية».


هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
TT

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام؛ نظراً لصيام ساعات طويلة يليها تناول وجبات دسمة بعد الإفطار.

ويسعى كثير من الناس خلال الإفطار لتعويض الطاقة المفقودة بسرعة، وغالباً ما يكون البروتين جزءاً كبيراً من وجبات الإفطار والسحور، سواء من اللحوم الحمراء أو البيضاء، أو منتجات الألبان.

ويؤكد خبراء التغذية أن البروتين عنصر أساسي لبناء العضلات، وصيانة الأنسجة، ودعم جهاز المناعة. وتحتوي اللحوم، والأسماك، والدواجن، والبيض، على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، في حين يمكن الحصول على البروتين النباتي من مصادر مثل البقوليات والمكسرات. والسؤال هنا: هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان مفيد أو ضار للصحة؟

تشير الدكتورة فينا في، أخصائية التغذية السريرية في الهند، إلى أن البروتين الحيواني يمتصه الجسم بكفاءة أكبر مقارنة بالمصادر النباتية، ويمنح شعوراً بالشبع لفترة أطول، ما يساعد على التحكم في الشهية خلال الإفطار بعد يوم طويل من الصيام، حسب شبكة «إنديا تي في» الهندية.

وتضيف أن قوائم الإفطار غالباً ما تركز على اللحوم، ويمكن أن يكون ذلك مفيداً إذا تم اختيارها بعناية، موضحة أن تناول البروتين باعتدال يبطئ امتصاص الكربوهيدرات، ويساعد على استقرار مستويات السكر في الدم.

وتوصي الدكتورة فينا باختيار مصادر بروتين منخفضة الدهون، وطهيها بطريقة صحية، مثل الدجاج المشوي، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب القلي الذي يزيد من الدهون غير الصحية ويؤدي إلى شعور بالكسل بعد الوجبة.

ووفق الدكتورة روزماي تراوت، أستاذة علوم الغذاء في جامعة دريكسل الأميركية، فإن اللحوم مصدر غني بالبروتين الكامل الذي يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، إضافة إلى فيتامين «B12»، والحديد، والزنك، وفق صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

في حين تشير اختصاصية التغذية الأميركية لورين مانكر إلى أن تناول اللحوم يومياً ممكن إذا كانت طازجة وغير مصنعة وبحصص معتدلة، مع دمجها بالخضراوات والألياف لتحقيق توازن غذائي صحي.

مخاطر الإفراط في البروتين

رغم فوائد البروتين العديدة، يشير خبراء التغذية إلى أن الإفراط في تناوله بشكل يومي، خصوصاً خلال رمضان، قد يؤدي إلى عدة مشاكل صحية؛ فاللحوم الغنية بالدهون تحتوي على كولسترول ودهون مشبعة قد ترفع مستويات الكولسترول الضار في الدم، مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب.

عبء إضافي

كما أن تناول كميات كبيرة من البروتين يفرض عبئاً إضافياً على الكلى والكبد، خصوصاً لدى من لديهم مشاكل صحية سابقة. إضافة إلى ذلك، فإن اللحوم المصنعة مثل النقانق واللحم المقدد، تحتوي على ملح وسكر ودهون إضافية، وهي غير مناسبة للاستهلاك اليومي، وقد يرهق الإفراط في البروتين بعد صيام طويل الجهاز الهضمي، مسبباً شعوراً بالثقل أو الانتفاخ أو الإمساك، خصوصاً إذا قل تناول الألياف والخضراوات.

ولتجنب هذه المخاطر، ينصح خبراء التغذية بالاعتدال في حصص البروتين، بحيث لا تتجاوز الوجبة الواحدة 3 إلى 4 أونصات، مع مزج البروتين الحيواني بمصادر نباتية مثل الفاصوليا والمكسرات.

كما يُفضل اختيار البروتين الصحي، مثل الدجاج الأبيض، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب اللحوم المصنعة والمقلية.

ويُنصح أيضاً بتوزيع البروتين على وجبتَي الإفطار والسحور لتقليل الضغط على الجهاز الهضمي، والحفاظ على مستويات الطاقة طوال اليوم، مع التركيز على تناول الخضراوات والألياف التي تساعد على الهضم وتحافظ على صحة الأمعاء، وشرب الماء بانتظام لتعويض السوائل اللازمة لترطيب الجسم بعد الصيام.

أما بالنسبة للكميات الموصى بها، فالجرعة اليومية من البروتين تبلغ 0.8 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم، وقد تختلف حسب مستوى النشاط البدني. ووفقاً لإرشادات النظام الغذائي الأميركي، يُنصح بتناول نحو 26 أونصة؛ أي نحو 736 غراماً، من اللحوم والدواجن والبيض أسبوعياً.


«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

في الفيلم الأرجنتيني «قطار النهر»، لا يبدأ كلُّ شيء من لحظة الهروب، بل من لحظة الشكّ الأولى؛ تلك اللحظة الخفية التي يُدرك فيها طفلٌ أن العالم أكبر من حدود قريته، وأن الصورة التي رسمها في خياله عن المدينة قد تكون أوسع من قدرته على احتوائها.

هنا، لا تبدو المغادرة فعلاً بطولياً ولا نزوة عابرة، بل سؤالاً داخلياً ينمو بصمت حتى يصير قراراً. الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى في الدورة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، كتب السيناريو الخاص به وأخرجه الثنائي الأرجنتيني الشاب لورينزو فيرو ولوكاس فينيالي. لا يتعامل العمل مع الرحلة بوصفها مغامرةً طفولية، بل بوصفها عتبة عبور بين مرحلتين: براءةٍ تعتقد أن الحلم وحده يكفي، ووعيٍ يتعلّم تدريجياً أن الطريق إلى الحلم ليس كما تصوّره الأفلام.

ومن هذه المسافة بين الصورة والواقع، تتشكّل حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتحوّل تدريجياً إلى تأمّل بصري وإنساني في معنى الحرية الأولى، وفي الثمن الصامت الذي يدفعه الإنسان حين يقرر أن يختبر العالم وحده.

مخرجا الفيلم الأرجنتيني (الشركة المنتجة)

تدور القصة حول «ميلو»، الطفل الذي يعيش في قرية أرجنتينية نائية، ويتدرّب يومياً على رقصة المالامبو تحت إشراف والده، ضمن إطار عائلي واضح التوقعات والملامح. ترى الأسرة فيه امتداداً لتقاليدها، بينما يرى هو في نفسه شيئاً آخر لم تتضح ملامحه بعد.

العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيرس، ليست بالنسبة إليه مجرد مدينة؛ إنها صورة تعلّمها من السينما والتلفزيون، مساحة افتراضية للحرية والانطلاق. وحين يقرر أن يستقل القطار ويرحل، فإن الرحلة لا تقوده فقط من الريف إلى العاصمة، بل من طفولة ساكنة إلى تجربة أكثر تعقيداً.

يقول لورينزو فيرو لـ«الشرق الأوسط» إن الدافع الأول وراء «قطار النهر» كان الرغبة في العودة إلى سؤال الطفولة بوصفها أرضاً أولى نفقدها ولا نتوقف عن الحنين إليها، مشيراً إلى أن ما جذبه إلى شخصية «ميلو» هو هذا التناقض الحاد بين الجسد الصغير والحلم الكبير، وبين انضباط التدريب اليومي الصارم ورغبة داخلية في الانفلات واختبار المجهول.

ويضيف أن الطفل في السينما يمتلك قدرة استثنائية على كشف الحقيقة، لأن نظرته لم تُثقل بعد بالحسابات أو المجاملات، ولأنه يعيش اللحظة بعفوية كاملة. وبالنسبة إليه، لم يكن الهدف أن يروي قصة صبي هارب، بل أن يتتبع لحظة وعي تتكوّن ببطء؛ لحظة يبدأ فيها الإنسان الصغير في إدراك أن العالم لا يشبه تماماً ما تخيّله.

ويشير فيرو إلى أن فكرة القطار لم تكن عنصراً سردياً فحسب، بل هي رمز للحركة المستمرة، وللرغبة في تجاوز المألوف حتى من دون ضمانات. فالقطار، في نظره، هو المسافة بين ما نعرفه وما نظن أننا نريده، بين البيت بوصفه أماناً والمدينة بوصفها احتمالاً.

ويؤكد أن «الفيلم يتعمد ترك مساحات صمت طويلة، لأن الصمت ليس فراغاً، بل زمن داخلي يتشكل فيه الإدراك. لحظات الانتظار على الرصيف، والمشي في شوارع لا يعرفها الطفل، والتحديق في وجوه الغرباء؛ كلها ليست تفاصيل عابرة، بل جوهر التجربة»، مشيراً إلى أن «الكاميرا كانت مطالَبة بأن تصبر، وأن تمنح الزمن حقه، لأن التحول الحقيقي لا يحدث في لحظة صاخبة، بل في تراكم لحظات صغيرة لا تكاد تُرى».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في برلين (إدارة المهرجان)

أما لوكاس فينيالي فيؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم يقوم على مفارقة دقيقة تتعلق بـ«ميلو» نفسه؛ فهو يعتقد أنه يهرب من ضغط العائلة وتوقعاتها، لكنه يكتشف أن ما يرافقه في الرحلة ليس مجرد حقيبة صغيرة، بل خوفه وحيرته ورغبته العميقة في أن يُعترف به.

ويقول فينيالي إن الحرية، كما يتناولها الفيلم، ليست شعاراً سهلاً ولا حالة رومانسية، بل وضعية معقّدة؛ فهي تمنح الإنسان مساحة للاختيار، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام مسؤولية هذا الاختيار. ويشير إلى أن الإيقاع البطيء للفيلم كان قراراً مسبقاً اتخذه مع فيرو، لأن التجربة الإنسانية، وخصوصاً في الطفولة، لا تحدث في انفجار درامي واحد، بل في تراكم لحظات صغيرة قد تبدو عابرة.

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

ويؤكد فينيالي أن «منح الزمن حقه داخل الكادر يسمح بظهور تفاصيل لا يمكن كتابتها في السيناريو: نظرة مترددة، وابتسامة خافتة، وخطوة متباطئة فوق رصيف محطة. هذه التفاصيل، في رأيه، هي التي تصنع صدق التجربة».

ويلفت إلى أن «العمل لا يسعى إلى تقديم رسالة مباشرة أو خاتمة مطمئنة، بل إلى خلق حالة شعورية تدعو المشاهد إلى أن يعيش الرحلة مع ميلو، لا أن يكتفي بتفسيرها من الخارج».