وزير الاقتصاد السعودي: إعادة تشغيل محركات النمو العالمي تستلزم دليلاً اقتصادياً جديداً

وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي مشاركاً في إحدى جلسات دافوس العام الماضي (المنتدى)
وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي مشاركاً في إحدى جلسات دافوس العام الماضي (المنتدى)
TT

وزير الاقتصاد السعودي: إعادة تشغيل محركات النمو العالمي تستلزم دليلاً اقتصادياً جديداً

وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي مشاركاً في إحدى جلسات دافوس العام الماضي (المنتدى)
وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي مشاركاً في إحدى جلسات دافوس العام الماضي (المنتدى)

دعا وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي فيصل الإبراهيم إلى إعادة كتابة قواعد اللعبة الاقتصادية، من أجل إطلاق محركات جديدة للنمو. وقال إن التحول الاجتماعي والاقتصادي الذي تشهده السعودية في إطار «رؤية 2030» يقدم نموذجاً للحراك الذي حوَّل أكبر التحديات التي تواجهنا إلى فرص غير مسبوقة، مشدداً على أن رأس المال البشري هو القلب النابض لأي تحول.

هذا ما جاء في مقال كتبه الإبراهيم الموجود في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ونُشر على الصفحة الرسمية للمنتدى.

يبدأ المنتدى الاقتصادي العالمي اجتماعه السنوي (دافوس 2025)، في دورته الـ55، مساء يوم الاثنين تحت شعار: «التعاون من أجل العصر الذكي»، حاملاً معه آمالاً وتطلعات جديدة في ظل تحديات اقتصادية عالمية متزايدة.

وسيجمع المنتدى هذا العام أكثر من 3 آلاف من قادة الحكومات، ورواد الأعمال، والخبراء، وممثلي المجتمع المدني في مدينة دافوس السويسرية، لتبادل الرؤى وتنسيق الجهود الرامية إلى تحقيق تنمية مستدامة وشاملة.

عمال يسيرون في الردهة الرئيسية لمركز المؤتمرات قبل اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (إ.ب.أ)

ونصَّ مقال الوزير الإبراهيم على الآتي:

«لم تكن الحاجة إلى الاستقرار العالمي أكبر من أي وقت مضى. فمع الاستقطاب الجيوسياسي المتزايد في المشهد الجيوسياسي والاقتصاد العالمي المجزأ للغاية، يواجه العالم احتمالات نمو بطيء ومنخفض ومستقبل مديونية مرتفعة.

ومن المتوقع أن يصل النمو العالمي إلى مستويات متواضعة تتراوح بين 2.7 في المائة و3.2 في المائة في عام 2025. وفي الوقت نفسه، تستمر مخاطر الاقتصاد الكلي، مثل التضخم والديون والتعافي غير المتكافئ. وعلاوة على ذلك، فإن الروابط التجارية المتصدِّعة، والاضطرابات التكنولوجية في أسواق الأعمال والعمالة، وتعقيدات التحول في مجال الطاقة، تعيد تشكيل الأسس التي يقوم عليها النمو تقليدياً.

ومع تصادم طموحات النمو المرتفع مع الحقائق الصعبة للمشهد الجغرافي الاقتصادي، نحتاج إلى مسار واضح لا رجعة فيه نحو نمو شامل ومستدام ومرن.

لنكن واضحين: هذه ليست دعوة للنمو بأي ثمن؛ بل هي دعوة إلى الإشراف على النمو العالمي الواعي لتكاليف التقاعس عن العمل؛ على الناس والكوكب وازدهارنا المشترك.

دليل اقتصادي جديد

ولم نستغل بشكل كامل الفرص المتاحة لإعادة بناء نماذج التنمية الاقتصادية، وإعادة تصورها في أعقاب الأزمة المالية العالمية في عام 2008، والتعافي من جائحة «كوفيد-19». والآن، أصبحنا مجبرين على تصحيح المسار. ولن نتمكن من صياغة دليل اقتصادي جديد ناجح إلا إذا ضاعفنا جهودنا في التعاون العالمي، وليس إذا ابتعدنا عنه.

يجب أن توفر صفحات هذا الدليل إرشادات حول كيفية قيام الدول والاقتصادات والمجتمعات بما يلي: كسر الصوامع وتعزيز الحوارات العالمية؛ وكيف يمكنها السيطرة على الاضطراب وتحويله إلى قوة إيجابية للابتكار؛ وكيف يمكنها توجيه التحولات المستدامة التي لا تترك أحداً متخلفاً عن الركب، مع إطلاق العنان للقدرات البشرية.

وتأتي هذه المبادئ في الوقت المناسب وبالغة الأهمية. فعلى الرغم من الحديث عن إزالة العولمة، لم يكن العالم أكثر ترابطاً من أي وقت مضى. فعلى مدار تاريخ التنمية الاقتصادية العالمية، رأينا أن الانفتاح والتكامل يدفعان عجلة التقدم، بينما تؤدي العزلة إلى تخلُّف الناس عن الركب. وفي عالم اليوم شديد الترابط، لا يمكن لأي دولة أن تزدهر وتتقدم بمفردها.

فالمخاطر التي تهدد التماسك الاقتصادي، والمتانة المالية، وأوجه عدم المساواة المستمرة والوصول إلى الطاقة، ليست غير مترابطة وتؤثر علينا جميعاً. وبالتالي، فإن معالجتها تتطلب إجراءات وحلولاً جريئة وتعاونية.

نهج المملكة العربية السعودية

في هذا السياق، يقدم التحول الاجتماعي والاقتصادي الذي تشهده السعودية في إطار (رؤية 2030) نموذجاً للحراك الذي حوَّل أكبر التحديات التي تواجهنا إلى فرص غير مسبوقة.

واليوم، تشكل الأنشطة غير النفطية أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسعودية، وهو أعلى مستوى في تاريخها. ومع توقع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.6 في المائة ونمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 4.8 في المائة لعام 2025، فإن المملكة في طريقها لتكون واحدة من أسرع الاقتصادات الكبرى نمواً، مما يثبت قوة التنويع.

لقد أظهرت رحلة التحول في المملكة أن الاستقرار والازدهار لا يتعارضان؛ بل إن الاستقرار شرط أساسي للنمو والازدهار. من خلال البناء على أسسنا المستقرة، كان نهج المملكة في التحول هو نهج التخطيط بثقة، والإنجاز بتفاؤل. وهذه الفلسفة هي الركيزة الأساسية لاستراتيجية تهدف إلى تعزيز المرونة وزيادة الإنتاجية وتعزيز التكامل مع الاقتصاد العالمي.

لكن تركيزنا يتعدى المرونة المحلية، فقد أصبحت المملكة العربية السعودية نقطة التقاء للحوارات العالمية التي تعزز التعاون بين القطاعات المختلفة.

عندما استضافت السعودية الاجتماع الخاص للمنتدى الاقتصادي العالمي حول التعاون العالمي والنمو والطاقة من أجل التنمية، في الرياض، في أبريل (نيسان) 2024، تحوَّل المجتمع الدولي إلى منصة النمو العالمي في السعودية للتفكير الجريء والحلول المبتكرة. وقد اتضح من هذا الاجتماع أنه لكي تزدهر الاقتصادات في عالم اليوم سريع التطور، يجب على الاقتصادات الابتكار والتكيف مع المتغيرات أو تخاطر بالانجراف نحو الاندثار. إن الاستفادة من إمكانات هذا الاضطراب تعني الاستثمار بشكل حاسم في التقنيات المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي، لتأمين ودفع عجلة النمو في المستقبل.

ومن الأمثلة على ذلك مركز «غوغل» الجديد للذكاء الاصطناعي في السعودية، والذي من المتوقع أن يساهم بمبلغ 71 مليار دولار في الاقتصاد المحلي، من خلال إنشاء تطبيقات محلية. وتوضح الشراكات العالمية في مجال التكنولوجيا والابتكار مثل هذه، كيف تعمل المملكة العربية السعودية بشكل استباقي على قيادة الابتكارات الخلاقة؛ حيث نسعى إلى أن نصبح رواداً عالميين في مجال الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية الناشئة.

ويُعد الاقتصاد الرقمي في السعودية الذي يمثل بالفعل 14 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، حجر الزاوية في تحوُّلها. وقد صُممت المبادرات الأخيرة -بما في ذلك الإطار التنظيمي الرقمي المبسط- لزيادة مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، لضمان انتشار فوائد التقدم التكنولوجي في كل قطاع من قطاعات الاقتصاد، ودعم النمو المستدام طويل الأجل.

في الوقت نفسه، لم تكن الحاجة العالمية لتوجيه التحولات المستدامة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. لا يوجد حل سحري للأزمات المناخية التي نواجهها، ولكن من خلال الاستثمار في حلول الطاقة المتجددة والنظيفة والمنخفضة الكربون، يمكننا توجيه العالم نحو المستقبل الذي نحتاج إليه بشكل عاجل.

إن السعودية جادة في المساهمة في تلبية هذه الحاجة العالمية، وقيادة الاستجابة لها. في إطار «مبادرة السعودية الخضراء»، زادت قدرة الطاقة المتجددة في المملكة بنسبة 300 في المائة منذ عام 2022. ومن خلال الاستثمار في تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه ومبادرات مرونة الغذاء والمياه، تتخذ السعودية نهجاً عملياً ومنصفاً لحماية الناس والكوكب والموارد.

ولمواجهة التحدي المناخي المتنامي، فإن إطلاق العنان للفرص المستدامة لمزيد من الناس لتحقيق إمكاناتهم ضرورة عالمية.

إطلاق العنان للإمكانات البشرية

رأس المال البشري هو القلب النابض لأي تحول. فمن دون تمكين الناس لن ينطلق التغيير والابتكار والتقدم. فإذا ما منحنا الناس الأدوات والمهارات اللازمة؛ ليس فقط للإبحار في مستقبل الاقتصاد العالمي بل لقيادة مستقبل الاقتصاد العالمي، يمكن للنمو الشامل أن يحلق إلى آفاق جديدة.

من خلال الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا وتطوير المهارات لتسخير طاقة سكاننا الشباب، وفي الوقت نفسه تلبية احتياجات سكاننا المسنين، من خلال الابتكارات في مجال الرعاية الصحية والتعاون بين الأجيال، يمكن للسياسات المهتمة بالناس أن تطلق العنان لإمكانات بشرية هائلة.

إن تحديات التنمية البشرية، والاضطراب التكنولوجي، والتحولات المستدامة، والتجزئة الجغرافية الاقتصادية توضح أن من واجبنا، بوصفنا مجتمعاً عالمياً، الالتزام بالتعاون الثابت، واتخاذ إجراءات جريئة وحاسمة، والمشاركة في تصميم حلول مبتكرة تستجيب للتحديات التي نواجهها اليوم.

لدينا فرصة فريدة لإعادة كتابة قواعد اللعبة الاقتصادية، وتشغيل محركات جديدة للنمو العالمي الشامل. وإذا ما اغتنمنا هذه الفرصة، فسوف نحوِّل هذه الحقبة التي تتسم بعدم اليقين والتشرذم إلى حقبة من الاستقرار والمرونة والازدهار المشترك».


مقالات ذات صلة

إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

الاقتصاد مدينة جدة (واس)

إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي بعد التنسيق مع وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية، إعادة جدولة الاجتماع الدولي الذي كان من المقرر عقده في جدة شهر أبريل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغه برنده (أ.ف.ب)

استقالة الرئيس التنفيذي لـ«دافوس» بعد كشف صلته بإبستين

أعلن بورغه برِندِه استقالته من رئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، بعد الكشف عن صلة له بجيفري إبستين، المُدان بجرائم جنسية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا الرئيس والمدير التنفيذي لمنتدى دافوس بورغ بريندي في مؤتمر صحافي عشية المنتدى (إ.ب.أ)

منتدى دافوس يحقق في علاقة رئيسه بجيفري إبستين

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، الخميس، أنه سيحقق في علاقة رئيسه التنفيذي مع المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين.

الخليج الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء لدى ترؤسه جلسة المجلس التي عُقدت في الرياض الثلاثاء (واس)

السعودية تجدد التزامها بدعم مهمة «مجلس السلام» في غزة

جددت السعودية، الثلاثاء، التزامها بدعم مهمة مجلس السلام في غزة بوصفه هيئة انتقالية لإنهاء النزاع في القطاع وإعادة التعمير، بما يمهد لتحقيق أمن واستقرار المنطقة.

المشرق العربي جانب من اجتماع وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان ووفد حركة «حماس» برئاسة خليل الحية في أنقرة الاثنين (الخارجية التركية)

مباحثات تركية فرنسية حول الوضع في غزة غداة لقاء فيدان وفد «حماس» في أنقرة

بحث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو التطورات في قطاع غزة غداة لقاء مع وفد من «حماس».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.