وزير الاقتصاد السعودي: إعادة تشغيل محركات النمو العالمي تستلزم دليلاً اقتصادياً جديداً

وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي مشاركاً في إحدى جلسات دافوس العام الماضي (المنتدى)
وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي مشاركاً في إحدى جلسات دافوس العام الماضي (المنتدى)
TT

وزير الاقتصاد السعودي: إعادة تشغيل محركات النمو العالمي تستلزم دليلاً اقتصادياً جديداً

وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي مشاركاً في إحدى جلسات دافوس العام الماضي (المنتدى)
وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي مشاركاً في إحدى جلسات دافوس العام الماضي (المنتدى)

دعا وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي فيصل الإبراهيم إلى إعادة كتابة قواعد اللعبة الاقتصادية، من أجل إطلاق محركات جديدة للنمو. وقال إن التحول الاجتماعي والاقتصادي الذي تشهده السعودية في إطار «رؤية 2030» يقدم نموذجاً للحراك الذي حوَّل أكبر التحديات التي تواجهنا إلى فرص غير مسبوقة، مشدداً على أن رأس المال البشري هو القلب النابض لأي تحول.

هذا ما جاء في مقال كتبه الإبراهيم الموجود في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ونُشر على الصفحة الرسمية للمنتدى.

يبدأ المنتدى الاقتصادي العالمي اجتماعه السنوي (دافوس 2025)، في دورته الـ55، مساء يوم الاثنين تحت شعار: «التعاون من أجل العصر الذكي»، حاملاً معه آمالاً وتطلعات جديدة في ظل تحديات اقتصادية عالمية متزايدة.

وسيجمع المنتدى هذا العام أكثر من 3 آلاف من قادة الحكومات، ورواد الأعمال، والخبراء، وممثلي المجتمع المدني في مدينة دافوس السويسرية، لتبادل الرؤى وتنسيق الجهود الرامية إلى تحقيق تنمية مستدامة وشاملة.

عمال يسيرون في الردهة الرئيسية لمركز المؤتمرات قبل اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (إ.ب.أ)

ونصَّ مقال الوزير الإبراهيم على الآتي:

«لم تكن الحاجة إلى الاستقرار العالمي أكبر من أي وقت مضى. فمع الاستقطاب الجيوسياسي المتزايد في المشهد الجيوسياسي والاقتصاد العالمي المجزأ للغاية، يواجه العالم احتمالات نمو بطيء ومنخفض ومستقبل مديونية مرتفعة.

ومن المتوقع أن يصل النمو العالمي إلى مستويات متواضعة تتراوح بين 2.7 في المائة و3.2 في المائة في عام 2025. وفي الوقت نفسه، تستمر مخاطر الاقتصاد الكلي، مثل التضخم والديون والتعافي غير المتكافئ. وعلاوة على ذلك، فإن الروابط التجارية المتصدِّعة، والاضطرابات التكنولوجية في أسواق الأعمال والعمالة، وتعقيدات التحول في مجال الطاقة، تعيد تشكيل الأسس التي يقوم عليها النمو تقليدياً.

ومع تصادم طموحات النمو المرتفع مع الحقائق الصعبة للمشهد الجغرافي الاقتصادي، نحتاج إلى مسار واضح لا رجعة فيه نحو نمو شامل ومستدام ومرن.

لنكن واضحين: هذه ليست دعوة للنمو بأي ثمن؛ بل هي دعوة إلى الإشراف على النمو العالمي الواعي لتكاليف التقاعس عن العمل؛ على الناس والكوكب وازدهارنا المشترك.

دليل اقتصادي جديد

ولم نستغل بشكل كامل الفرص المتاحة لإعادة بناء نماذج التنمية الاقتصادية، وإعادة تصورها في أعقاب الأزمة المالية العالمية في عام 2008، والتعافي من جائحة «كوفيد-19». والآن، أصبحنا مجبرين على تصحيح المسار. ولن نتمكن من صياغة دليل اقتصادي جديد ناجح إلا إذا ضاعفنا جهودنا في التعاون العالمي، وليس إذا ابتعدنا عنه.

يجب أن توفر صفحات هذا الدليل إرشادات حول كيفية قيام الدول والاقتصادات والمجتمعات بما يلي: كسر الصوامع وتعزيز الحوارات العالمية؛ وكيف يمكنها السيطرة على الاضطراب وتحويله إلى قوة إيجابية للابتكار؛ وكيف يمكنها توجيه التحولات المستدامة التي لا تترك أحداً متخلفاً عن الركب، مع إطلاق العنان للقدرات البشرية.

وتأتي هذه المبادئ في الوقت المناسب وبالغة الأهمية. فعلى الرغم من الحديث عن إزالة العولمة، لم يكن العالم أكثر ترابطاً من أي وقت مضى. فعلى مدار تاريخ التنمية الاقتصادية العالمية، رأينا أن الانفتاح والتكامل يدفعان عجلة التقدم، بينما تؤدي العزلة إلى تخلُّف الناس عن الركب. وفي عالم اليوم شديد الترابط، لا يمكن لأي دولة أن تزدهر وتتقدم بمفردها.

فالمخاطر التي تهدد التماسك الاقتصادي، والمتانة المالية، وأوجه عدم المساواة المستمرة والوصول إلى الطاقة، ليست غير مترابطة وتؤثر علينا جميعاً. وبالتالي، فإن معالجتها تتطلب إجراءات وحلولاً جريئة وتعاونية.

نهج المملكة العربية السعودية

في هذا السياق، يقدم التحول الاجتماعي والاقتصادي الذي تشهده السعودية في إطار (رؤية 2030) نموذجاً للحراك الذي حوَّل أكبر التحديات التي تواجهنا إلى فرص غير مسبوقة.

واليوم، تشكل الأنشطة غير النفطية أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسعودية، وهو أعلى مستوى في تاريخها. ومع توقع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.6 في المائة ونمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 4.8 في المائة لعام 2025، فإن المملكة في طريقها لتكون واحدة من أسرع الاقتصادات الكبرى نمواً، مما يثبت قوة التنويع.

لقد أظهرت رحلة التحول في المملكة أن الاستقرار والازدهار لا يتعارضان؛ بل إن الاستقرار شرط أساسي للنمو والازدهار. من خلال البناء على أسسنا المستقرة، كان نهج المملكة في التحول هو نهج التخطيط بثقة، والإنجاز بتفاؤل. وهذه الفلسفة هي الركيزة الأساسية لاستراتيجية تهدف إلى تعزيز المرونة وزيادة الإنتاجية وتعزيز التكامل مع الاقتصاد العالمي.

لكن تركيزنا يتعدى المرونة المحلية، فقد أصبحت المملكة العربية السعودية نقطة التقاء للحوارات العالمية التي تعزز التعاون بين القطاعات المختلفة.

عندما استضافت السعودية الاجتماع الخاص للمنتدى الاقتصادي العالمي حول التعاون العالمي والنمو والطاقة من أجل التنمية، في الرياض، في أبريل (نيسان) 2024، تحوَّل المجتمع الدولي إلى منصة النمو العالمي في السعودية للتفكير الجريء والحلول المبتكرة. وقد اتضح من هذا الاجتماع أنه لكي تزدهر الاقتصادات في عالم اليوم سريع التطور، يجب على الاقتصادات الابتكار والتكيف مع المتغيرات أو تخاطر بالانجراف نحو الاندثار. إن الاستفادة من إمكانات هذا الاضطراب تعني الاستثمار بشكل حاسم في التقنيات المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي، لتأمين ودفع عجلة النمو في المستقبل.

ومن الأمثلة على ذلك مركز «غوغل» الجديد للذكاء الاصطناعي في السعودية، والذي من المتوقع أن يساهم بمبلغ 71 مليار دولار في الاقتصاد المحلي، من خلال إنشاء تطبيقات محلية. وتوضح الشراكات العالمية في مجال التكنولوجيا والابتكار مثل هذه، كيف تعمل المملكة العربية السعودية بشكل استباقي على قيادة الابتكارات الخلاقة؛ حيث نسعى إلى أن نصبح رواداً عالميين في مجال الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية الناشئة.

ويُعد الاقتصاد الرقمي في السعودية الذي يمثل بالفعل 14 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، حجر الزاوية في تحوُّلها. وقد صُممت المبادرات الأخيرة -بما في ذلك الإطار التنظيمي الرقمي المبسط- لزيادة مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، لضمان انتشار فوائد التقدم التكنولوجي في كل قطاع من قطاعات الاقتصاد، ودعم النمو المستدام طويل الأجل.

في الوقت نفسه، لم تكن الحاجة العالمية لتوجيه التحولات المستدامة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. لا يوجد حل سحري للأزمات المناخية التي نواجهها، ولكن من خلال الاستثمار في حلول الطاقة المتجددة والنظيفة والمنخفضة الكربون، يمكننا توجيه العالم نحو المستقبل الذي نحتاج إليه بشكل عاجل.

إن السعودية جادة في المساهمة في تلبية هذه الحاجة العالمية، وقيادة الاستجابة لها. في إطار «مبادرة السعودية الخضراء»، زادت قدرة الطاقة المتجددة في المملكة بنسبة 300 في المائة منذ عام 2022. ومن خلال الاستثمار في تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه ومبادرات مرونة الغذاء والمياه، تتخذ السعودية نهجاً عملياً ومنصفاً لحماية الناس والكوكب والموارد.

ولمواجهة التحدي المناخي المتنامي، فإن إطلاق العنان للفرص المستدامة لمزيد من الناس لتحقيق إمكاناتهم ضرورة عالمية.

إطلاق العنان للإمكانات البشرية

رأس المال البشري هو القلب النابض لأي تحول. فمن دون تمكين الناس لن ينطلق التغيير والابتكار والتقدم. فإذا ما منحنا الناس الأدوات والمهارات اللازمة؛ ليس فقط للإبحار في مستقبل الاقتصاد العالمي بل لقيادة مستقبل الاقتصاد العالمي، يمكن للنمو الشامل أن يحلق إلى آفاق جديدة.

من خلال الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا وتطوير المهارات لتسخير طاقة سكاننا الشباب، وفي الوقت نفسه تلبية احتياجات سكاننا المسنين، من خلال الابتكارات في مجال الرعاية الصحية والتعاون بين الأجيال، يمكن للسياسات المهتمة بالناس أن تطلق العنان لإمكانات بشرية هائلة.

إن تحديات التنمية البشرية، والاضطراب التكنولوجي، والتحولات المستدامة، والتجزئة الجغرافية الاقتصادية توضح أن من واجبنا، بوصفنا مجتمعاً عالمياً، الالتزام بالتعاون الثابت، واتخاذ إجراءات جريئة وحاسمة، والمشاركة في تصميم حلول مبتكرة تستجيب للتحديات التي نواجهها اليوم.

لدينا فرصة فريدة لإعادة كتابة قواعد اللعبة الاقتصادية، وتشغيل محركات جديدة للنمو العالمي الشامل. وإذا ما اغتنمنا هذه الفرصة، فسوف نحوِّل هذه الحقبة التي تتسم بعدم اليقين والتشرذم إلى حقبة من الاستقرار والمرونة والازدهار المشترك».


مقالات ذات صلة

المنتدى الاقتصادي العالمي يرصد 5 تحديات للعام المقبل

الاقتصاد شعار المنتدى الاقتصادي العالمي (رويترز)

المنتدى الاقتصادي العالمي يرصد 5 تحديات للعام المقبل

رصد المنتدى الاقتصادي العالمي 5 ملفات رئيسية مرشحة للبقاء في صدارة المشهد الاقتصادي خلال الفترة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الاقتصاد سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)

خبراء «دافوس»: الجيوسياسة تبقي النمو العالمي رهينة عدم اليقين

يبدو الاقتصاد العالمي أكثر استقراراً مما كان عليه قبل أشهر، ولكن هذا التحسن لا يزال محاطاً بدرجة مرتفعة من عدم اليقين، في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا جانب من المؤتمر الصحافي الذي كشف فيه المنتدى عن تقرير «الفجوة العالمية بين الجنسين» في لندن 16 سبتمبر (الشرق الأوسط)

«المنتدى الاقتصادي»: الفجوة الاقتصادية بين الجنسين تضيق عالمياً

تبدو الفجوة بين الجنسين أكثر وضوحاً في الذكاء الاصطناعي، إذ تمثل النساء أقل من خُمس مهندسي هذا القطاع، ويتركز حضورهن في وظائف توصيف البيانات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد لاغارد تتحدث إلى وسائل الإعلام عقب اجتماع مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (أ.ب)

لاغارد مرشحة لرئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي في 2027

قالت صحيفة «إن زد زد» السويسرية، الأحد، إن رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، قد تتولى رئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي في وقت ما من عام 2027.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)
الاقتصاد رئيس الوزراء الصيني يلقي كلمة في حفل افتتاح المنتدى الاقتصادي العالمي في داليان (أ.ف.ب)

الذكاء الاصطناعي والجغرافيا السياسية يتصدران «دافوس الصيفي» في الصين

تتصدر الذكاء الاصطناعي والتوترات الجيوسياسية جدول أعمال اجتماعات «دافوس الصيفي» في مدينة داليان الصينية.

«الشرق الأوسط» (داليان، الصين)

«المركزي» التركي: سنواصل التشديد النقدي لحماية مسار خفض التضخم

متسوقون في سوق بإسطنبول (رويترز)
متسوقون في سوق بإسطنبول (رويترز)
TT

«المركزي» التركي: سنواصل التشديد النقدي لحماية مسار خفض التضخم

متسوقون في سوق بإسطنبول (رويترز)
متسوقون في سوق بإسطنبول (رويترز)

قال محافظ البنك المركزي التركي فاتح قره خان، الجمعة، إن البنك سيواصل سياسة التشديد النقدي، وسيتمسك بالحذر؛ لحماية المكاسب التي تحققت في مسار خفض التضخم.

وفي تصريحات أدلى بها في أنقرة، أضاف أن سياسة التشديد النقدي حدّت من تأثير صدمات الإمدادات على التضخم في الآونة الأخيرة، رغم أن التحسن الذي كان مأمولاً في توقعات التضخم لم يتحقق بعد.


نمو الوظائف الأميركية يتجاوز التوقعات في أكتوبر... والبطالة تتراجع إلى 4.1 %

مطعم يعلن عن حاجته إلى موظفين في مدينة كمبردج بولاية ماساتشوستس الأميركية (أرشيفية - رويترز)
مطعم يعلن عن حاجته إلى موظفين في مدينة كمبردج بولاية ماساتشوستس الأميركية (أرشيفية - رويترز)
TT

نمو الوظائف الأميركية يتجاوز التوقعات في أكتوبر... والبطالة تتراجع إلى 4.1 %

مطعم يعلن عن حاجته إلى موظفين في مدينة كمبردج بولاية ماساتشوستس الأميركية (أرشيفية - رويترز)
مطعم يعلن عن حاجته إلى موظفين في مدينة كمبردج بولاية ماساتشوستس الأميركية (أرشيفية - رويترز)

ارتفع عدد الوظائف في القطاعات غير الزراعية بالولايات المتحدة بأكثر من المتوقع في أكتوبر (تشرين الأول)، في حين تراجع معدل البطالة إلى 4.1 في المائة، في مؤشر إلى استمرار صمود سوق العمل، ما يمنح مجلس الاحتياطي الفيدرالي مجالاً أوسع للتركيز على التضخم الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط.

وقفز عدد الوظائف بواقع 165 ألف وظيفة الشهر الماضي، بعد زيادة معدلة بالرفع بلغت 60 ألف وظيفة في سبتمبر (أيلول)، وفقاً لما أفاد به مكتب إحصاءات العمل التابع لوزارة العمل يوم الجمعة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاع عدد الوظائف بـ65 ألفاً، بعد زيادة سابقة أُعلن عنها بلغت 29 ألف وظيفة في سبتمبر.

وتراوحت التقديرات بين 35 ألفاً و125 ألف وظيفة. وقدّر الاقتصاديون أن الاقتصاد يحتاج إلى استحداث ما لا يقل عن 40 ألف وظيفة شهرياً لمواكبة نمو السكان في سن العمل. وتراجعت نقطة التعادل، المعروفة بهذا الاسم، من نحو 150 ألف وظيفة في عام 2024، نتيجة تقلص حجم القوى العاملة.

وانخفض معدل البطالة من 4.2 في المائة في سبتمبر.

وأدى انخفاض عمليات التسريح لمستويات تاريخية، إلى جانب الزيادة الأخيرة في الوظائف الشاغرة، إلى تعزيز احتمالات تشديد أوضاع سوق العمل. لكن الاقتصاديين ومسؤولي البنك المركزي الأميركي أكدوا أن سوق العمل لا تشكل مصدراً لمخاطر التضخم. ويرى بعض الاقتصاديين أن تقلص المعروض من العمالة، في ظل تشديد القيود على الهجرة وإحالة أعداد من العاملين إلى التقاعد، هو المحرك الرئيسي لانخفاض معدل البطالة نسبياً.

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة ضمن نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة. ويتوقع اقتصاديون رفع أسعار الفائدة في ديسمبر (كانون الأول). ومن الممكن أن يقدم تقرير التضخم الاستهلاكي لشهر أكتوبر، المقرر صدوره يوم الثلاثاء المقبل، مؤشرات إضافية بشأن مسار السياسة النقدية في مطلع عام 2027.

وعلى الرغم من صمود سوق العمل، لا تزال مكاسب الوظائف متأخرة عن وتيرة النمو الاقتصادي؛ إذ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بمعدل سنوي بلغ 3.4 في المائة خلال الربع الثالث، مدفوعاً بقوة الإنفاق الاستهلاكي والزيادة الكبيرة في استثمارات الشركات في مجال الذكاء الاصطناعي.

وقال اقتصاديون إن أصحاب العمل ربما بالغوا في التوظيف بعد جائحة «كوفيد-19»، وإن بعض الشركات لا تزال غير متأكدة من احتياجاتها من الموظفين في ظل دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في عملياتها. وأضافوا أن حالة عدم اليقين الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران، التي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة، تزيد أيضاً من تردد أصحاب العمل في زيادة أعداد موظفيهم.

وأدت محدودية فرص العمل إلى صعوبة عثور الشباب والخريجين الجدد من الجامعات وبعض العاطلين عن العمل على وظائف.

كما أسهم الاستياء من الأوضاع الاقتصادية، إلى جانب الغضب من الصراع في الشرق الأوسط، الذي دخل الآن شهره التاسع، في فقدان الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس دونالد ترمب السيطرة على الكونغرس، بعدما حقق الديمقراطيون أداء قوياً في انتخابات التجديد النصفي التي جرت هذا الأسبوع.


مؤشرات «ناسداك» ترتد مع تعافي أسهم الرقائق بعد موجة بيع حادة

شاشة تعرض بيانات التداول أمام مقر بورصة «ناسداك» في نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض بيانات التداول أمام مقر بورصة «ناسداك» في نيويورك (رويترز)
TT

مؤشرات «ناسداك» ترتد مع تعافي أسهم الرقائق بعد موجة بيع حادة

شاشة تعرض بيانات التداول أمام مقر بورصة «ناسداك» في نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض بيانات التداول أمام مقر بورصة «ناسداك» في نيويورك (رويترز)

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك» في تعاملات الجمعة، مع استعادة أسهم شركات الرقائق بعض مكاسبها، عقب موجة بيع حادة قادتها أسهم التكنولوجيا، محت نحو 3 تريليونات دولار من القيمة السوقية لشركات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، وسط مخاوف من أن تؤدي سيطرة الحزب الديمقراطي على الكونغرس الأميركي إلى تشديد القيود التنظيمية على الذكاء الاصطناعي.

وكان مؤشر «ناسداك» المجمع قد سجل، الخميس، أكبر تراجع يومي له منذ 19 شهراً، ليدخل رسمياً منطقة التصحيح، كما اتجه نحو تسجيل خسائر للأسبوع الرابع على التوالي، وفق «رويترز».

وقالت جين غيبونز، استراتيجية الأسهم لدى شركة «جيفريز»: «ننظر إلى موجة البيع التي شهدتها الأسواق الخميس باعتبارها رد فعل على التطورات، لا تحولاً جوهرياً في الأساسيات، إذ جاءت نتيجة تداخل المخاوف المتعلقة بالإنفاق على الذكاء الاصطناعي والسياسات الاقتصادية والتضخم».

وجاءت الخسائر الحادة عقب فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي، في وقت سابق من الأسبوع، بما في ذلك بعض الولايات الرئيسية التي تستضيف مراكز بيانات، الأمر الذي أثار مخاوف من تباطؤ التوسع في إنشاء مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي. وكان التفاؤل بالنمو السريع لهذا القطاع قد دفع أسواق الأسهم إلى تسجيل مستويات قياسية خلال العام الحالي.

وسجل مؤشر التقلبات في بورصة شيكاغو «فيكس»، المعروف بمؤشر الخوف في «وول ستريت»، أكبر قفزة يومية له منذ نحو 19 شهراً خلال جلسة الخميس، قبل أن يتراجع قليلاً الجمعة إلى 26.70 نقطة.

وحتى الساعة 6:24 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» الصناعي 471 نقطة، أو 0.91 في المائة، فيما ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.29 في المائة، وصعدت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بنسبة 1.41في المائة.

وتباين أداء أسهم الشركات التكنولوجية العملاقة وأسهم النمو، فيما ارتفع سهم «إنفيديا» بنسبة 4.5 في المائة في تداولات ما قبل افتتاح السوق، بعدما تكبد في الجلسة السابقة أسوأ خسارة يومية له منذ يناير (كانون الثاني) 2025، حين أثار ظهور نموذج الذكاء الاصطناعي الصيني منخفض التكلفة «ديب سيك» اضطراباً في «وول ستريت».

كما صعدت أسهم شركات الرقائق الأخرى، بما فيها «إيه إم دي» و«إنتل» و«برودكوم» و«ميكرون تكنولوجي»، بنسب تراوحت بين 4.6 في المائة و8.2 في المائة.

وامتد التعافي إلى شركات تشغيل مراكز البيانات، مثل «آيرين» و«أبلايد ديجيتال»، وشركات البنية التحتية السحابية المتخصصة، مثل «كور ويف» و«نيبيوس غروب»، إلى جانب شركات المرافق وموردي المعدات المرتبطين بقطاع الذكاء الاصطناعي، ومن بينهم «جي إي فيرنوفا» و«كونستليشن إنرجي»، بعدما تكبدت هذه الأسهم خسائر حادة في الجلسة السابقة.

وارتفع سهما «تسلا» و«سبيس إكس»، بقيادة إيلون ماسك، بنسبة 2 في المائة و4 في المائة على التوالي، بعد تراجعهما بقوة خلال الجلستين السابقتين.

وكان الارتفاع الحاد في أسعار النفط الخام، الخميس، قد شكل ضغطاً إضافياً على الأسهم، في ظل مخاوف من تأجيج التضخم بفعل تكاليف الطاقة، وما قد يترتب على ذلك من اتجاه البنوك المركزية العالمية إلى رفع أسعار الفائدة. واستقرت العقود الآجلة لخام برنت إلى حد كبير خلال تعاملات الجمعة.

ورغم ارتفاع أسعار النفط في الجلسة السابقة، فإنها كانت تتجه نحو تسجيل تراجعات أسبوعية حادة، ما يضع مؤشر قطاع الطاقة ضمن «ستاندرد آند بورز 500» على مسار خسارة تتجاوز 11 في المائة خلال الأسبوع.

في المقابل، كان المؤشر الأوسع نطاقاً «ستاندرد آند بورز 500» يتجه نحو تسجيل أسوأ أداء أسبوعي له منذ مارس (آذار) 2025، حين أثارت المخاوف المرتبطة بالسياسات الجمركية لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب اضطرابات واسعة في الأسواق العالمية.

ويتجه اهتمام المستثمرين إلى تقرير الوظائف الأميركي لشهر أكتوبر (تشرين الأول)، المقرر صدوره عند الساعة 8:30 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، بحثاً عن مؤشرات بشأن المسار المقبل لأسعار الفائدة. ووفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، تسعّر الأسواق احتمالاً يتجاوز 65 في المائة لرفع أسعار الفائدة في ديسمبر (كانون الأول).

وعلى صعيد تحركات الأسهم الفردية، هبط سهم شركة البرمجيات «أتلاسيان» بنسبة 14.1 في المائة عقب إعلان نتائجها للربع الأول، في حين قفز سهم منصة تأجير أماكن الإقامة «إير بي إن بي» بنسبة 12.2 في المائة، بعدما رفعت الشركة توقعاتها لنمو الإيرادات خلال عام 2026.