تركيا متمسكة بالتحرك ضد «قسد»... ومحاولات أميركية لمنعها

أنقرة تعلن عودة نحو 53 ألف سوري إلى بلدهم خلال شهر

عناصر من الفصائل الموالية لتركية تشارك في الاشتباكات مع «قسد» بشرق حلب (أ.ف.ب)
عناصر من الفصائل الموالية لتركية تشارك في الاشتباكات مع «قسد» بشرق حلب (أ.ف.ب)
TT

تركيا متمسكة بالتحرك ضد «قسد»... ومحاولات أميركية لمنعها

عناصر من الفصائل الموالية لتركية تشارك في الاشتباكات مع «قسد» بشرق حلب (أ.ف.ب)
عناصر من الفصائل الموالية لتركية تشارك في الاشتباكات مع «قسد» بشرق حلب (أ.ف.ب)

أظهرت تركيا عبر تصريحات لمسؤولين سياسيين وعسكريين تمسكاً بعملية عسكرية شمال سوريا ضد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) وأكبر مكوناتها «وحدات حماية الشعب الكردية» التي تصنفها أنقرة إرهابية، وفي المقابل كثفت واشنطن من مساعيها لإقناع أنقرة بالعدول عن التصعيد، وأوفدت مبعوثاً للتباحث مع المسؤولين الأتراك حول الأمر.

واتهمت تركيا «قسد» باستخدام المدنيين دروعاً بشرية في المعارك الدائرة على محور «سد تشرين» (شرق حلب)، وقال مسؤول بوزارة الدفاع التركية إن تنظيم «وحدات حماية الشعب الكردية» (أكبر مكونات «قسد») يستخدم «المدنيين الأبرياء دروعاً بشرية في منطقة (سد تشرين)، ويرسل مجموعات إرهابية إلى المنطقة».

خط الدفاع الأخير

وشدد المسؤول العسكري التركي، خلال إفادة صحافية أسبوعية لوزارة الدفاع، الخميس، على أنه «مع مراعاة احترام وحدة أراضي سوريا، فإن القوات المسلحة التركية عازمة على مواصلة عملياتها عبر الحدود ما لم تلقِ المجموعات الإرهابية (الوحدات الكردية - «قسد») أسلحتها».

وقال إن سد تشرين على نهر الفرات، الذي يعدّ نقطة استراتيجية مهمة من حيث موارد المياه وإنتاج الطاقة والأمن الإقليمي في سوريا، تعدّه «قسد» خط الدفاع الأخير بالنسبة لها، مؤكداً أن القوات التركية عازمة على منع جهود «التنظيم الإرهابي» الرامية لزعزعة استقرار المنطقة باستخدام مثل هذه البنى التحتية الاستراتيجية.

قصف تركي على محور سد تشرين في شرق حلب (المرصد السوري)

وأفاد «المرصد السوري» بمقتل ما لا يقل عن 322 شخصاً على مدى 29 يوماً من القتال بين الفصائل و«قسد».

وقال «المرصد» في بيان، إن «5 مدنيين بينهم امرأة قُتلوا، وأُصيب 14 آخرون، جراء قصف نفذته طائرات مسيّرة تركية استهدف سيارة إسعاف وسيارة مدنية ضمن قافلة شعبية قرب سد تشرين، حيث يعتصم مدنيون جاءوا من عين العرب (كوباني) ومناطق أخرى احتجاجاً على تصعيد القوات التركية والفصائل».

وفي الوقت ذاته، قُتل جندي من القوات التركية وأصيب آخر بجروح متفاوتة، جراء استهداف مسيرة تابعة لـ«قسد» قاعدة «العريشة» الواقعة ضمن منطقة «نبع السلام» بريف رأس العين جنوب شرقي الحسكة.

ووقعت اشتباكات بين الجانبين بالأسلحة الثقيلة في عين عيسى وتل أبيض، وقرى في شمال غربي الحسكة.

عملية عسكرية تركية

ومع استمرار الاشتباكات الجارية على محوري «سد تشرين»، و«قره قوزاق»، وكذلك جنوب وجنوب شرقي منبج، التي سيطرت عليها الفصائل في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ظهرت مؤشرات قوية على استعداد تركيا لشن عملية عسكرية جديدة ضد مناطق سيطرة «قسد» في شمال وشمال شرقي سوريا.

مستشار العلاقات العامة والإعلام بوزارة الدفاع التركية زكي أكتورك خلال إفادة صحافية الخميس على إحدى السفن الحربية المشاركة في مناورة «الوطن الأزرق» في تركيا (الدفاع التركية)

وقال مستشار العلاقات العامة والإعلام بوزارة الدفاع التركية وكي أكتورك، خلال الإفادة الأسبوعية للوزارة، الخميس، إننا «نرحب بالعملية الجديدة التي نشأت في جارتنا سوريا، سنستمر في الوقوف إلى جانب الشعب السوري وسنعمل على إرساء الأمن والاستقرار الدائمين في المنطقة، بالتعاون الوثيق مع الإدارة الجديدة وبصورة أقوى».

وأضاف: «نؤكد مرة أخرى أننا لن نسمح مطلقاً لأي تنظيم إرهابي سواء (داعش) أو (الوحدات الكردية) بفرض أمر واقع في المنطقة».

وشدد على أن «القوات المسلحة التركية عازمة على مواصلة عملياتها عبر الحدود، بحزم، من أجل ضمان أمن بلدنا وحدودنا، مع احترام وحدة أراضي سوريا، وستواصل قواتنا المسلحة حربها ضد الإرهاب في مصدره عبر عمليات متواصلة وشاملة، وإجراءات وقائية وتدميرية وهدامة، بتصميم لا يتزعزع وإصرار متزايد ما دام لم يلق الإرهابيون أسلحتهم».

استعدادات مكثفة

ونقلت صحيفة «حرييت» القريبة من الحكومة التركية عن مصادر عسكرية أن القوات المسلحة التركية، وُضعت في حالة تأهب قتالي تحسباً لعملية محتملة ضد المسلحين الأكراد في سوريا، لافتة إلى أن الدبلوماسية نجحت حتى الآن في كسب الوقت، لكن العد العكسي للعملية العسكرية قد بدأ.

وأشارت الصحيفة إلى أن قيادات «حزب العمال الكردستاني»، وكذلك «وحدات حماية الشعب» تسعى للمفاوضات. لكن الإدارة السورية الجديدة، وتركيا «ترفضان إجراء أي مفاوضات».

وكان الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، أكد، الأحد الماضي، أن القيادة السورية الجديدة عاقدة العزم على اجتثاث «الانفصاليين»، وتظهر موقفاً حازماً للغاية في الحفاظ على وحدة أراضي البلاد وهيكلها الموحد.

قوات تركية عقب دخولها مناطق في شمال شرقي سوريا خلال عملية «نبع السلام» العسكرية عام 2019 (أرشيفية - الدفاع التركية)

وأرسلت أنقرة إلى «الجيش الوطني السوري» (الموالي لتركيا)، أسلحة ثقيلة إلى خطوط الجبهة مع «قسد» في منطقة عملية «نبع السلام» في شمال شرقي سوريا.

كما توجه مقاتلون مع عربات ودبابات أرسلتها «القوة المشتركة» للجيش الوطني السوري، إلى الخطوط الأمامية المطلة على مدينة عين العرب (كوباني) بمحافظة حلب، وبلدة عين عيسى بالرقة، وبلدة تل تمر بالحسكة.

ونقلت وكالة «الأناضول» التركية عن قائد «القوة المشتركة» للجيش الوطني السوري في مدينة رأس العين بمنطقة عملية نبع السلام، أبو عبد الله محمد، أنهم رفعوا الجاهزية الكاملة، وأرسلوا تعزيزات إلى جميع الجبهات.

مساعٍ أميركية

في المقابل، تسعى الولايات المتحدة، التي ترى القوات الكردية حليفاً أساسياً في الحرب على «داعش» في سوريا، إلى إقناع تركيا بالعدول عن العملية العسكرية.

وبدأ نائب وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية، جون باس، الخميس، مباحثات تستمر على مدار يومين، مع نائبي وزير الخارجية التركي، نوح يلماظ، وبرهان الدين دوران، تركز بشكل خاص على التطورات في سوريا والمنطقة، إلى جانب العلاقات التركية - الأميركية.

نائب وزير الخارجية التركي نوح يلماظ خلال استقبال نظيره الأميركي جون باسا بأنقرة في سبتمبر الماضي لمباحثات حول سوريا (الخارجية التركية)

وقالت مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط» إن باس «سيعرض خلال المباحثات وجهة نظر أميركا بشأن سوريا، وستركز المباحثات على تقييم متعدد الأوجه للوضع في سوريا، وعلى الخطوات التي يمكن اتخاذها لضمان الاستقرار والأمن في سوريا ودعم إنشاء حكومة وحدة وطنية وإدارة شاملة».

وقدّرت المصادر أن «الجانب التركي سيؤكد، مرة أخرى بقوة، على ضرورة تطهير سوريا من التنظيمات الإرهابية التي تهدد استقرارها واستقرار المنطقة، ووقف الدعم الأميركي لوحدات حماية الشعب الكردية بدعوى دورها في الحرب على تنظيم (داعش)».

ولفتت إلى أن «المباحثات تركز أيضاً على توسيع نطاق الإعفاءات المقدمة لتسهيل بعض المعاملات التجارية لدمشق، وضمان تقديم الخدمات العامة الأساسية عبر تخفيف العقوبات على سوريا».

وذكر بيان للخارجية الأميركية، أن باس سيؤكد على أهمية الانتقال السياسي السلمي والشامل بقيادة وملكية سورية، استناداً إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، وأهمية الاستقرار الإقليمي، ومنع استخدام سوريا قاعدةً للإرهاب، وضمان الهزيمة الدائمة لتنظيم «داعش».

وطالبت تركيا، مراراً، أميركا، حليفتها في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بوقف دعمها «وحدات حماية الشعب الكردية» التي تسيطر على مساحات شاسعة في شمال سوريا، وشنَّت ضدها عدداً من العمليات العسكرية.

جنود أميركيون يتجولون في القامشلي بمحافظة الحسكة (أ.ف.ب)

«دور فرنسي»

بدورها، قالت الرئيس المشارك لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية (الكردية) بشمال شرقي سوريا، إلهام أحمد، إننا مستعدون لأن تتولى أميركا وفرنسا مسؤولية تأمين المنطقة الحدودية في شمال سوريا.

وأضافت أحمد في حديث إلى قناة «تي في5 موند» مساء الأربعاء: «نطلب من فرنسا إرسال قوات إلى هذه الحدود لتأمين المنطقة منزوعة السلاح، لمساعدتنا في حماية المنطقة وإقامة علاقات جيدة مع تركيا، بمجرد أن تتمكن فرنسا من إقناع تركيا بقبول وجودها على الحدود، عندها يمكننا أن نبدأ عملية السلام، نأمل أن تتم تسوية كل شيء في الأسابيع المقبلة».

وأكد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، منذ أيام أن بلاده لن تتخلى عن «قسد»، وقال وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، أثناء زيارته لدمشق، الجمعة الماضي، حيث التقى قائد الإدارة السورية أحمد الشرع، إنه يجب أن يكون للأكراد دور في بناء سوريا الجديدة.

عودة اللاجئين

على صعيد عودة اللاجئين السوريين في تركيا إلى بلادهم، قال وزير الداخلية التركي، علي يرلي كايا، إن 52 ألفاً و622 سورياً عادوا إلى بلادهم خلال شهر من سقوط نظام بشار الأسد في سوريا.

وزير الداخلية التركي علي يرلي كايا خلال مؤتمر صحافي أمام معبر جليوا غوزو (باب الهوى) (حسابه في إكس)

وقال يرلي كايا، خلال زيارته معبر جيلوا غوزو في بلدية الريحانية في ولاية هطاي جنوب تركيا (يقابله باب الهوى في الجانب السوري) إنهم بدأوا تطبيق نظام «المهاجر الرائد» منذ الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي، لأولئك الذين يريدون التحقق من أراضيهم ومنازلهم وحالة عملهم في سوريا قبل اتخاذ القرار النهائي بالعودة».

وشرح أن نظام «المهاجر الرائد» يعني «السماح لأحد أفراد العائلة بالدخول والخروج 3 مرات خلال 6 أشهر»، وأفاد بأنه تم «إرسال 1766 مهاجراً رائداً منذ بداية الشهر الحالي».

وقال كايا: «رغبتنا هي إرساء بيئة آمنة في سوريا في أقرب وقت ممكن، وسنقدم الدعم اللازم للإدارة السورية الجديدة في دمشق من أجل تحقيق هذا الهدف».

من جانبه، قال وزير النقل والبنية التحتية، عبد القادر أورال أوغلو، إن تركيا إن أنقرة تعتزم بدء تسيير رحلات طيران إلى مطار دمشق الدولي في الأيام المقبلة بعد تشغيل أنظمة الرادار.

وأضاف، في مقابلة تلفزيونية، الخميس: «عندما يتم الربط بين دمشق وإسطنبول، سنكون قد لبّينا احتياجاً كبيراً».


مقالات ذات صلة

هدوء حذر في الحسكة... وتخصيص هاتف يسهل شكاوى الأهالي

المشرق العربي محافظ الحسكة مع المسؤول الأمني مروان العلي يتفقدون الحواجز في المدينة (مديرية إعلام الحسكة)

هدوء حذر في الحسكة... وتخصيص هاتف يسهل شكاوى الأهالي

انتشرت دوريات للأمن الداخلي، فجر الأحد، في حي الصالحية بمدينة الحسكة، بهدف تعزيز الأمن والاستقرار وضبط أي مخالفات محتملة للحفاظ على السلامة العامة.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي شهدت مدينة الحسكة مراسم رفع علم الجمهورية العربية السورية بحضور رسمي تقدمه محافظ الحسكة وقائد الأمن الداخلي ونائب المحافظ إلى جانب عدد من الشخصيات الرسمية والبارزة (محافظة الحسكة)

العلم السوري يرفع وسط الحسكة للمرة الأولى

شهدت ساحة الحرية وسط مدينة الحسكة، اليوم الخميس، رفع العلم الوطني السوري على أعلى سارية، بحضور شعبي ورسمي غفير.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي نساء يسرن داخل مخيم «روج» للاحتجاز المُخصَّص لأقارب مشتبه بكونهم متطرفين في شمال شرقي سوريا يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

2200 شخص من عائلات متطرفين ما زالوا في مخيم يديره الأكراد في سوريا

يضم مخيم روج 2200 شخص من عائلات مقاتلي «داعش»، غالبيتهم أجانب، وتستمر إدارته الكردية فيما تؤكد دمشق أن نقل إدارته سيستغرق وقتاً.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
العالم العربي طفلتان تبدو عليهما بهجة العودة إلى بيتهما في رأس العين/ سري كانية (مركز رأس العين الإعلامي)

قافلة ثالثة من مخيمات الجزيرة السورية الى رأس العين

وصلت عائلات القافلة الثالثة للنازحين في الجزيرة السورية، اليوم الاثنين، إلى مناطقها الأصلية في الريف الجنوبي لرأس العين/ سري كانيه (شمال غربي محافظة الحسكة).

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي انتشار لقوى الأمن الداخلي السورية خلال مظاهرات يوم الجمعة في الحسكة (مديرية الإعلام في الحسكة)

الحسكة: «المكوّن العربي» يشكو استمرار «هيمنة قسد»

أكد نائب محافظ الحسكة السورية، أحمد الهلالي، السبت، أن مطالب الأهالي، خلال المظاهرات التي خرجت الجمعة، «مشروعة»، نافياً سيطرة «قسد» على المحافظة.

موفق محمد (دمشق)

تردّد سياسي لبناني حول إعادة النظر في قانون مقاطعة إسرائيل

علمان لبناني وإسرائيلي في موقع تذكاري قرب الحدود بين إسرائيل ولبنان خارج مستوطنة المطلة في إسرائيل (أ.ب)
علمان لبناني وإسرائيلي في موقع تذكاري قرب الحدود بين إسرائيل ولبنان خارج مستوطنة المطلة في إسرائيل (أ.ب)
TT

تردّد سياسي لبناني حول إعادة النظر في قانون مقاطعة إسرائيل

علمان لبناني وإسرائيلي في موقع تذكاري قرب الحدود بين إسرائيل ولبنان خارج مستوطنة المطلة في إسرائيل (أ.ب)
علمان لبناني وإسرائيلي في موقع تذكاري قرب الحدود بين إسرائيل ولبنان خارج مستوطنة المطلة في إسرائيل (أ.ب)

أعاد الإخبار المقدَّم بحق السفيرة اللبنانية في واشنطن، ندى حمادة معوض، على خلفية تواصلها مع السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، فتح ملف القوانين اللبنانية الناظمة للعلاقة مع إسرائيل، في وقت تتواصل فيه المفاوضات بين البلدين وسط ضغوط أميركية لإزالة ما تعدّه واشنطن «معوقات قانونية أمام مسار السلام» الذي تدفع باتجاهه.

وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية إن وزير الخارجية ماركو روبيو أثار، خلال اتصاله بالرئيس اللبناني جوزيف عون، الخميس، مسألة قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955، عادّاً أنه «يُستخدم بصورة متكررة في ملاحقات قضائية مسيّسة تعرقل اتخاذ خطوات باتجاه السلام»، ومشدداً على أن «هذا القانون غير عملي».

كذلك، قال السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، إن هذا القانون «لا معنى له في ظل محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية». وردّاً على سؤال بشأن إمكانية موافقة رئيس مجلس النواب نبيه بري على إدراج القانون على جدول أعمال إحدى جلسات البرلمان، قال عيسى: «دائماً تتحدثون عن بري، هل هو وحده مَن يقرر؟ يجب أن ننتهي من هذه القضية».

وزير الخارجية ماركو روبيو يصافح سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة عقب توقيع اتفاق الإطار في يونيو 2026 في «الخارجية الأميركية» (أرشيفية - أ.ب)

ورغم الضغوط الأميركية، لا تبدو معظم القوى السياسية اللبنانية مستعدة لفتح نقاش جدّي في الوقت الراهن حول تعديل القوانين الناظمة للعلاقة مع إسرائيل أو إلغائها، مفضّلةً ربط أي خطوة في هذا الاتجاه بالتوصل إلى تفاهم سياسي ينهي حالة الحرب، ويضع حدّاً للاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية.

الواقع القانوني

ويوضح الخبير الدستوري الدكتور سعيد مالك أن علاقة لبنان بإسرائيل تحكمها مجموعة من التشريعات، أبرزها قانون مقاطعة إسرائيل الصادر في 23 يونيو (حزيران) 1955، والمرسوم رقم «12562» الصادر في 19 أبريل (نيسان) 1963، والمتعلق بتنظيم «مكتب مقاطعة إسرائيل»، إضافة إلى قانون العقوبات اللبناني الذي ينص على «معاقبة مَن يتعامل مع عدو لبنان»، من دون أن يسمّي إسرائيل صراحةً.

ويلفت مالك، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «قانون مقاطعة إسرائيل يمنع أي تواصل مع تل أبيب بأي شكل من الأشكال، لكن الظروف المستجدة والتطورات السياسية باتت تستدعي إما تعديل القانون وإما العمل على إلغائه. ولا يمكن أن يجري ذلك إلا من خلال إصدار قانون جديد ينص على إلغاء القانون القائم، مع ربط الأسباب الموجبة بالمفاوضات الجارية».

ويشير إلى أن «هذه الخطوة تقع على عاتق الحكومة، من خلال تبنّي مشروع قانون بهذا الخصوص وإحالته إلى مجلس النواب، أو عن طريق اقتراح قانون يقدّمه نائب أو أكثر، أو كتلة نيابية أو أكثر، بهدف إلغاء القانون، على أن يُقدَّم بصيغة معجّل مكرّر، ليُطرح على الهيئة العامة في أول جلسة نيابية، ويُصوَّت عليه بالغالبية العادية».

ورأى مالك أن «التطورات الحاصلة ومسار التفاوض الذي أعلنه رئيس الجمهورية والحكومة اللبنانية مع إسرائيل، يجعلان التوجّه نحو إلغاء القانون أمراً واجباً»، عادّاً أن «الظروف التي كانت قائمة عام 1955، واستمرت حتى العامين الماضيين، تختلف جذرياً عن الظروف الراهنة التي اتجهت نحو التفاوض بين لبنان وإسرائيل».

«القوات» و«الكتائب»

في المقابل، لا تبدو القوى السياسية اللبنانية، على اختلاف توجهاتها، متحمسة لاتخاذ خطوات لتغيير الواقع القانوني القائم، بما فيها الأحزاب المعارضة بشدة لـ«حزب الله». فعلى الرغم من رفض حزب «القوات اللبنانية» القاطع ملاحقة السفيرة ندى حمادة معوض قضائياً بتهمة التواصل مع إسرائيل، أو ملاحقة أي شخصية أخرى يكلّفها رئيس الجمهورية بالتفاوض، لا يبدو الحزب في وارد تقديم اقتراح لإلغاء «قانون مقاطعة إسرائيل» النافذ. وتقول مصادره لـ«الشرق الأوسط»: «الموضوع حساس، ونحن نسير مع ما يرتئيه الرئيس عون، وسندعمه ونسانده فيه».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون في البيت الأبيض في يوليو 2026 (أرشيفية - د.ب.أ)

كذلك، يرى النائب عن حزب «الكتائب اللبنانية»، الدكتور سليم الصايغ، أن «الأهم هو ما في النفوس وليس ما في النصوص». ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نطالب بالسلام مع إسرائيل وإنهاء حالة الحرب، لكن ذلك لا يعني أن التطبيع الاقتصادي سيحصل فوراً وبكبسة زر، إذ إن إزالة النوايا العدوانية هي الأساس اليوم. وعندما يحين الانتقال إلى مرحلة بناء الثقة على الحدود وغيرها، يُبحث في هذه المسألة. ففي ظل الحرب القائمة والنكبة التي يعيشها الجنوب اللبناني، لا بد من البدء بالمسار السياسي - الأمني، بوصفه جزءاً من الجهود الرامية إلى إنهاء حالة الحرب، على أن يأتي تعديل القوانين في مرحلة لاحقة».

وفيما يستبعد الصايغ توافر أغلبية نيابية مؤيدة لتعديل القوانين قبل التوصل إلى اتفاق سياسي، يشدد على أن «السفيرة ندى حمادة معوض تتمتع بتفويض واضح من الدولة اللبنانية، ممثلة برئيس الجمهورية، لمتابعة المفاوضات في واشنطن بين الأطراف الثلاثة، ومن ثم فإن التواصل مع المفاوضين يقع في صلب مهمتها. لذلك، يجب حماية تحركاتها، ولا نرى ضرورة لإعادة النظر في التشريعات التي تحظر التواصل مع العدو، ما دامت السفيرة تعمل في إطار التفويض الممنوح لها».

الأولويات في مكان آخر

وفيما يرفض «الثنائي الشيعي»، ممثلاً بـ«حزب الله» و«حركة أمل»، مجرد الخوض في هذا الموضوع، ويتمسك برفضه بصورة قاطعة، يرى النائب عن «التيار الوطني الحر»، جيمي جبور، أن «تعديل القوانين الناظمة للعلاقة مع إسرائيل لا يمكن طرحه بوصفه خطوة منفصلة عن المسار السياسي العام، بل ينبغي أن يكون نتيجة مسار طويل من المفاوضات والتفاهمات. وبالتالي، فإن هذا التعديل ليس مطروحاً للنقاش إطلاقاً في ظل الظروف والوقائع الراهنة».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، يوضح جبور أن «الموقف يتمحور حول ضرورة تحديد موقع هذا التعديل ضمن المسار الجاري، وما إذا كان سيأتي نتيجة اتفاق سياسي واضح، أم سيُطرح مسبقاً في إطار ضغوط خارجية، وفي سياق التنازلات القائمة، من دون تحديد أي مقابل ستقدمه إسرائيل».

«التقدمي الاشتراكي» والمستقلون

كذلك، يرى النائب عن «كتلة اللقاء الديمقراطي»، الممثلة لـ«الحزب التقدمي الاشتراكي»، الدكتور بلال عبد الله، أن البحث في هذا الموضوع «سابق لأوانه»، مشدداً على أن «الأولوية اليوم تتمثل في وقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب من كامل الأراضي اللبنانية، واستعادة الأسرى، وإعادة إعمار ما دمّرته الحرب، بما يضمن استعادة الاستقرار في الجنوب».

ويؤكد عبد الله، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «مناقشة هذا الملف لا يمكن أن تتم قبل تحقيق هذه الشروط»، مشيراً إلى أنه «بعد الانسحاب الإسرائيلي وتوقيع اتفاق عدم اعتداءات شبيه باتفاق الهدنة، يمكن طرح الموضوع على طاولة النقاش في مجلسي الوزراء والنواب».

من جهته، قال النائب وضاح الصادق، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «لا شك في أن القوانين باتت بحاجة إلى توضيح وتعديل، في ظل المفاوضات الجارية مع إسرائيل، لكننا لا نزال في حالة حرب واحتلال للأراضي اللبنانية. وبالتالي، لن يكون لدى النواب حالياً توجه للخوض في نقاش قد يتسبب في أزمة داخلية كبيرة، وإن كان عدد كبير منهم مقتنعاً بأن هذا الملف يحتاج إلى نقاش واسع ومعمّق».


قيادي بارز في «حماس» يكشف لـ«الشرق الأوسط» عن إصابة علي العامودي بهجوم إسرائيلي

القيادي في «حماس» علي العامودي (المركز الفلسطيني للإعلام التابع لـ«حماس»)
القيادي في «حماس» علي العامودي (المركز الفلسطيني للإعلام التابع لـ«حماس»)
TT

قيادي بارز في «حماس» يكشف لـ«الشرق الأوسط» عن إصابة علي العامودي بهجوم إسرائيلي

القيادي في «حماس» علي العامودي (المركز الفلسطيني للإعلام التابع لـ«حماس»)
القيادي في «حماس» علي العامودي (المركز الفلسطيني للإعلام التابع لـ«حماس»)

 

كشف قيادي بارز في حركة «حماس» أن علي العامودي، مسير المكتب السياسي للحركة في قطاع غزة، قد أصيب في الهجوم الإسرائيلي الذي استهدفه بشقة سكنية في منطقة الميناء غرب مدينة غزة، في 3 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وقتل خلاله 5 فلسطينيين.

وقال القيادي الذي فضل عدم ذكر هويته، خلال حديث في وقت متأخر من مساء الجمعة لـ«الشرق الأوسط»، إن العامودي أصيب بجروح متوسطة، وتعرض للكسر في أطرافه إثر الغارة التي استهدفته، مؤكداً أنه كان داخل الشقة السكنية أثناء استهدافها، ولحسن الحظ كان في مكان جانبي بالشقة، الأمر الذي أدى إلى نجاته.

ولم يفصح القيادي عن أي تفاصيل أخرى عن الحادثة، مكتفياً بالتأكيد على أن العامودي يتمتع بصحة جيدة بعد الهجوم، وأنه يتلقى العلاج في مكان آمن.

وهذا أول إقرار من مسؤول في «حماس» يؤكد أن العامودي كان في الشقة السكنية وقت الهجوم، حيث نفت وجوده عدة مصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط» في الأيام الأخيرة، مؤكدةً أنه نجا.

روايات سابقة

وقالت 3 مصادر من الحركة، قبل أيام، إن تقريراً استخباراتياً مستعجلاً وصل إلى العامودي، وذلك قبل نحو 3 ساعات من الهجوم، دفعه لمغادرة المكان الذي كان يوجد به، لكن هذا التقرير لم يكن يحمل تأكيداً على أن هناك عملية ستستهدفه شخصياً بشكل مباشر.

وأوضحت المصادر حينها في إفادات منفصلة متطابقة أن العامودي كان في الشقة السكنية المستهدفة، وأنه أخذ ما ورد في التقرير الاستخباراتي على محمل الجد؛ ولذلك غادر المكان إلى مكان آخر آمن.

وبينت المصادر آنذاك أن عنصرين من «سلاح الجو» التابع لـ«كتائب القسام»، الجناح المسلح لـ«حماس»، رصدا نهار الثاني من أكتوبر الحالي تحليقاً مكثفاً لطائرتين مسيرتين إسرائيليتين من طراز استخباري معروف بتقنياته الخطيرة لدى الجهات الأمنية الفلسطينية، وكان يدور بشكل دائري في محيط المبنى، ومنطقة الميناء غرب مدينة غزة.

ووفقاً للمصادر، فإن الطائرات المسيرة التي كانت تحلق بأجواء المنطقة تحمل تقنيات استخباراتية خطيرة، وتعتمد على الذكاء الاصطناعي، وغيرها من التقنيات التي تساعد في تحديد الأهداف بدقة، مبينةً أن العنصرين اللذين تمكنا من رصدهما بشكل واضح وعلى مدار ساعات توقعا حصول عملية اغتيال لشخصية كبيرة موجودة في المنطقة؛ ولذلك توجهوا لجهات أمنية أعلى بإبلاغهم بالتقرير المستعجل، والذي وصل لجهات مسؤولة عن حماية الشخصيات الكبيرة في «حماس»، ومنهم العامودي.

وأوضحت المصادر أنه عندما تلقى الشخص الوحيد المسؤول عن أمن العامودي، ويعرف المكان، التقرير، توجه فوراً له، وأبلغه بما يجري، واتخذ القيادي في «حماس» قراراً فورياً بمغادرة الشقة السكنية من دون تأخير، أو تأجيل، مرجحاً أن يكون هو الهدف بنفسه، وهذا ما تبين لاحقاً بعد نحو ساعة أو أكثر باستهداف الشقة بصواريخ موجهة خطيرة، وكذلك بطائرة أو طائرتين انتحاريتين.

ورفض القيادي البارز الذي كشف عن إصابة العامودي تأكيد أو نفي تلك المعلومات، لكنه اكتفى بتأكيد أن هناك تقارير استخباراتية باستمرار تنقل لقيادات من مختلف المستويات من قبل نشطاء ميدانيين يتابعون تحركات الطائرات المسيرة الإسرائيلية في سماء القطاع، والتي قد تشير لإمكانية وقوع عمليات اغتيال، أو عمليات محددة في أماكن معينة تحلق الطائرات في سمائها.

وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع مصادرها حول تأكيدات إصابة العامودي، وعدم مغادرته للشقة السكنية قبل قصفها، دون الحصول على رد من اثنين من المصادر، فيما قال ثالث إن معلوماته حصل عليها بموجب تقرير داخلي، دون أن يقدم توضيحات أكثر.

وقد تكون «حماس» حاولت إخفاء معلومات عن إصابة العامودي حتى عن قياداتها، أو شخصيات فصائلية، وغيرها، وذلك في إطار الحرب الاستخباراتية التي تقودها لإظهار فشل إسرائيل بأي هجمات، ولفرض حالة من الحيرة لدى الجهات الأمنية الإسرائيلية التي تؤكد بعض التقارير العبرية أنها تحقق في أسباب إخفاق العملية حينها.

شخصية محورية

ويعرف داخل «حماس» عن العامودي أنه من الشخصيات الأمنية ذات التفكير الاستراتيجي، وهذا ما أوصله لهرم قيادة الحركة في الآونة الأخيرة، وتوليه مسؤوليات عديدة منذ الإفراج عنه من السجون الإسرائيلية.

وكان العامودي مقرباً جداً من قائد «حماس» السابق يحيى السنوار، داخل وخارج السجون الإسرائيلية، حيث كانا معتقلين معاً، قبل أن يفرج عنهما، وقد حُرّر في صفقة الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، والتي أطلقت عليها الحركة اسم «وفاء الأحرار».

والعامودي عضو مكتب سياسي في «حماس»، وكان مسؤولاً عن الدائرة الإعلامية للحركة قبل الحرب، وأصبح في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مسيراً لأعمال مكتبها السياسي في قطاع غزة، بعدما تم تكليفه وعدد من المقربين من يحيى السنوار بإدارة الحركة في القطاع، وغالبيتهم ممن يقطنون في خان يونس جنوب القطاع، قبل أن يرفض بعض قيادات الحركة هذا التكليف، والتزكية، باعتبارهما طريقة التفافية على القوانين الداخلية للحركة.

وقبل محاولة اغتياله بأيام، وأسابيع، خاض العامودي جولة انتخابات داخلية لرئاسة «حماس» بغزة، ولم يحسمها أمام منافسه نزار عوض الله، لتجري جولة إعادة تم وقفها بسبب الطعن بها.

ويعد العامودي شخصية مركزية داخل الحركة في قطاع غزة، وخارجها، وذات تأثير في العديد من القرارات التي تتخذ بالحركة.


العراق إلى مراجعة الدستور الدائم


عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم - 15 أكتوبر 2005 (أرشيفية - أ.ف.ب)
عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم - 15 أكتوبر 2005 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق إلى مراجعة الدستور الدائم


عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم - 15 أكتوبر 2005 (أرشيفية - أ.ف.ب)
عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم - 15 أكتوبر 2005 (أرشيفية - أ.ف.ب)

دعا رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق إلى مراجعة أحكام الدستور «بما ينسجم مع القانون»، ما فسّره خبراء في القانون على أنه دعوة لتشكيل لجنة تأسيسية تقود إلى «عقد اجتماعي جديد للبلاد».

وقال القاضي فائق زيدان، في بيان صحافي، مساء الخميس، بمناسبة ذكرى الاستفتاء على الدستور عام 2005، إن البرلمان العراقي «أمام مسؤولية وطنية وتاريخية لمراجعة الأحكام وإجراء التعديلات اللازمة بما ينسجم مع القانون وإرادة الشعب».

وذكر زيدان أن «التجربة السياسية كشفت عن إشكالات في التطبيق والتفسير، أسهمت في تعطيل استحقاقات دستورية، أبرزها ما يتعلق بالأغلبيات البرلمانية، وانتخاب رئيس الجمهورية، وتحديد الكتلة النيابية (الأكثر عدداً)». وشدد على أن «احترام الدستور والتمسك به يقتضيان معالجة مواطن الخلل وتحديث بعض نصوصه، بعد مرور أكثر من عقدين على صياغته في ظروف انتقالية دقيقة وحساسة».