زخم خارجي… وحراك داخلي لإنقاذ جلسة انتخاب الرئيس اللبناني الخميس

بري يتحدث عن «عراقيل دستورية وإجرائية» تمنع انتخاب عون… وجعجع مستعد للنظر بإمعان في التصويت له

الموفد الأميركي آموس هوكستين مع نواب من المعارضة في دارة النائب فؤاد مخزومي (صفحة مخزومي على «إكس»)
الموفد الأميركي آموس هوكستين مع نواب من المعارضة في دارة النائب فؤاد مخزومي (صفحة مخزومي على «إكس»)
TT

زخم خارجي… وحراك داخلي لإنقاذ جلسة انتخاب الرئيس اللبناني الخميس

الموفد الأميركي آموس هوكستين مع نواب من المعارضة في دارة النائب فؤاد مخزومي (صفحة مخزومي على «إكس»)
الموفد الأميركي آموس هوكستين مع نواب من المعارضة في دارة النائب فؤاد مخزومي (صفحة مخزومي على «إكس»)

يكتنف الغموض مصير الجلسة البرلمانية المخصصة لانتخاب رئيس للجمهورية في لبنان يوم الخميس المقبل، بسبب عدم وصول القوى السياسية إلى توافق على اسم الرئيس المقبل، رغم تزخيم الحراك الدولي الذي عبر عنه الموفد الرئاسي الأميركي آموس هوكستين في جولاته على المسؤولين اللبنانيين ولقاءاته مع النواب، كما مع وصول المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لو دريان للمشاركة في الجلسة، بالإضافة إلى دعوات من القيادات الدينية للنواب، لحضهم على انتخاب الرئيس «من دون إبطاء».

ولا تزال العقدة الأساس كامنة في رفض «الثنائي الشيعي»، أي حركة «أمل» و«حزب الله»، التصويت لقائد الجيش العماد جوزف عون، من خلال إعلان الحزب تمسكه بترشيح الوزير السابق سليمان فرنجية، كما من خلال مواقف مباشرة لبري رددها أمام هوكستين تحدث فيها عن «سلسلة موانع» تحول دون انتخابه؛ من بينها عدم وجود أصوات كافية للتعديل الدستوري في البرلمان، كما عدم وجود قدرة على تعديل الدستور من قبل النواب (بسبب انتهاء العقد العادي للبرلمان)، وحاجتهم لمشروع قانون من الحكومة التي هي حكومة تصريف أعمال، ولا تستطيع أن تقدمه في غياب رئيس للجمهورية.

وقالت مصادر قريبة من بري لـ«الشرق الأوسط»، إن ثمة مساعي جادة لإنجاح جلسة الانتخاب، مؤكدة أن بري يريد إنجاز الانتخابات، سواء يوم الخميس أو الجمعة أو السبت، مشيرة إلى أن بري أبلغ الذين فاتحوه بإمكانية انتخاب عون، وبأن هناك موانع دستورية وإجرائية، وأن ثمة مرشحين آخرين يمكن أن يتم التفاهم عليهم ويتمتعون بالمواصفات اللازمة.

ورسمياً، جدد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري دعوته، الثلاثاء، إلى عقد جلسة عامة للمجلس، في تمام الساعة 11:00 من قبل ظهر يوم الخميس 9 يناير (كانون الثاني)، لانتخاب رئيس جديد للبلاد، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. وتأتي هذه الدعوة مع استمرار أزمة شغور منصب الرئيس في لبنان منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، بعد نهاية ولاية الرئيس السابق ميشال عون، وفشل البرلمان مرات عدة في انتخاب رئيس جديد، بينما تواجه البلاد عدة تحديات، منها تثبيت وقف إطلاق النار مع إسرائيل.

وكرر عضو كتلة «حزب الله» النائب حسين الحاج حسن، أن «مرشح الحزب لرئاسة الجمهورية هو سليمان فرنجية»، موضحاً أن «المناقشات حول هذا الموضوع مستمرة داخل الكتل النيابية المختلفة، لا سيما مع (كتلة الوفاء للمقاومة) و(كتلة التنمية والتحرير) برئاسة رئيس مجلس النواب نبيه بري». وأضاف في حديث إلى إذاعة «سبوتنيك»: «في الأيام المقبلة، ستتبلور الأمور بشكل أكبر بناء على الاتصالات والنقاشات الجارية»، مشيراً إلى أن «موقف الحزب سيتم الإعلان عنه في الوقت المناسب». وفي سياق الانتخابات الرئاسية، شدد الحاج حسن على أن «هذا الاستحقاق هو (شأن وطني سيادي لبناني)»، مشدداً على أن «الذين ينتخبون هم نواب لبنانيون يمثلون الشعب اللبناني». وأعرب عن «احترامه لآراء الأصدقاء والشركاء ورغبتهم في مساعدة لبنان»، مؤكداً أن «القرار يبقى داخلياً وسيادياً». ورأى أن «الانتخابات عمل حر»، مؤكداً أن «كل كتلة تأخذ قرارها بناء على قناعاتها». وعدّ «الاتهامات بالتعطيل ليست في محلها»، موضحاً أنه «لا داعي للاتهامات»، لأنه «لماذا يسمى هذا انتخاباً إذا كان يتم فرض رأي واحد؟». وأشار إلى أنه «في حال عدم حصول أي مرشح على 65 أو 86 صوتاً، فإن الجميع معني بالحوار للتوصل إلى توافق حول مرشح معين، مع احترامنا لجميع المرشحين». ولفت إلى أن «كتلة (حزب الله) ليست الوحيدة المعنية بالحوار أو بتأمين النصاب»، وقال إن «النقاش حول أسماء أخرى ما زال جارياً مع حلفاء الحزب. نحن لسنا الوحيدين الذين نستطيع أن نقرر وحدنا، والقرار هو قرار الجميع». وفيما يتعلق بتفسير بعض المواد الدستورية، انتقد الحاج حسن ما وصفه بـ«المبالغة» في تفسير الدستور، «خصوصاً فيما يتعلق باعتماد 65 صوتاً في حال عدم الحصول على 86». وأكد أن «الدستور اللبناني» هو الأساس، مشدداً على أنه «يجب على أي رئيس منتخب أن يحظى بأوسع مدى من التفاهم الوطني ليتمكن من الحكم، خصوصاً في هذه الظروف».

رئيس مجلس النواب نبيه بري (أرشيفية - الوكالة الوطنية للإعلام)

جعجع: الممانعة كاذبة

وهاجم رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع فريق «الممانعة»، قائلاً في بيان أصدره: «إن لم تستحِ، فقل ما شئت»، وأضاف: «يعرف القاصي والداني ومنذ أشهر طويلة لا بل منذ سنوات، أن جماعة الممانعة لا يقبلون بأي شكل من الأشكال بالعماد جوزف عون رئيساً للجمهورية، وقد كان ذلك واضحاً وجلياً إن في التسريبات الصحافية، أو من خلال ما كان يدور في الاجتماعات السياسية المغلقة مع القوى والكتل، أو عبر ما دار ويدور مع الموفدين الدوليين، كما كان جلياً منذ أشهر؛ لا بل منذ سنوات، أن القوات اللبنانية على علاقة طيبة بالعماد جوزف عون، وعندما طُرح اسمه مرشحاً رئاسياً كانت (القوات) أول من عدّته من بين المرشحين الجديين، ولم تضع أي (فيتو) على اسمه في أي لحظة من اللحظات بانتظار مزيد من المداولات».

وأكد أنه «في الأسابيع الأخيرة، أصبح واضحاً وجلياً أن جماعة الممانعة مع التيار الوطني الحر يرفضون العماد جوزف عون في رئاسة الجمهورية، وبالتالي أسقطوا ترشيحه تلقائياً، لأنهم بعضهم مع بعض يستطيعون جمع ثلث معطل يقطع الطريق على ترشيحه».

وإذ وصف جعجع «فريق الممانعة» بأنه «فريق كاذب»، قال: «في الأحوال كافة، إذا بدّل فريق الممانعة في رأيه وبشكل علني وواضح، بإعلانه رسمياً ترشيح العماد جوزف عون، فنحن مستعدون للنظر بإمعان في هذا الأمر».

خطة المعارضة «موحدة»

وأكد النائب عن حزب «القوات اللبنانية» جورج عقيص في مؤتمر صحافي عقب اجتماع مع نواب المعارضة والتغييريين، أن «موقفنا موحد نحن والمعارضة، إن على الصعيد الاستراتيجي أو على الصعيد التكتيكي، والهدف من اللقاء مع المعارضة ترسيخ الخطة للذهاب إلى جلسة 9 يناير (كانون الثاني)»، معرباً عن أملهم في انتخاب رئيس يكون على مستوى المرحلة المقبلة.

وأضاف: «استعرضنا سيناريوهات عديدة وسنبلورها بعضنا مع بعض ومع الكتل الأخرى. والأسماء التي تطرح على الإعلام يتم التباحث فيها على الطاولة وكل السيناريوهات مطروحة».

ويجري اختيار الرئيس اللبناني من خلال تصويت في البرلمان الذي يتألف من 128 مقعداً. وليس لدى أي تحالف سياسي بمفرده ما يكفي من المقاعد لفرض اختياره، ما يعني ضرورة التوصل إلى تفاهم بين الكتل المتنافسة من أجل انتخاب مرشح.

وأكد عقيص أن «المعارضة لها مقاربة واحدة وستكون بالمرصاد لكل من يحاول إعادة انتخاب رئيس كما جرت العادة في السابق».

وفيما يتعلق بموقف المعارضة من قائد الجيش جوزف عون، أشار إلى أن «فريق الممانعة يمنع وصول العماد عون إلى سدة الرئاسة منذ طرح اسمه». وقال: «بحال كان العماد عون يمثل وفاقاً وطنياً لن نعرقل هذا الأمر، بل على العكس واجتماعاتنا مفتوحة ونرى من عنده حظوظاً أكثر».

ويتوافق السياسيون اللبنانيون حالياً على تفسير يقول إن الدستور اللبناني يؤكد ضرورة حضور نصاب من 86 نائباً من أجل التصويت للرئيس، على أن ينال 65 صوتاً ليُعدّ رابحاً من الدورة الأولى، وبالأكثرية المطلقة في الدورة الثانية.

وردّاً على سؤال عن إمكانية تطيير النصاب في الجلسة، نفى عقيص هذا الموضوع، وأجاب: «نحضر أنفسنا كأن الجلسة حاصلة وكل ما نريده الوصول إلى المسلمات التي نريدها».

ودعا مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، في تصريح، النواب، إلى «القيام بواجبهم الدستوري بانتخاب رئيس للجمهورية في 9 الشهر الحالي»، وحثهم على «التوافق فيما بينهم لانتخاب رئيس ينقذ لبنان من التخبط الذي يعيشه كي لا يغرق الوطن في مزيد من الفوضى». وحذر من «أي عرقلة تحول دون التوصل إلى انتخاب الرئيس مما يتسبب في استمرار الشغور الرئاسي الذي يعطي العدو الصهيوني فرصة لاستغلال الخلافات السياسية لضرب وحدة اللبنانيين وتضامنهم ويعرض البلاد إلى الانهيار». وأكد أن «تحصين الوحدة اللبنانية هو بانتخاب رئيس للجمهورية لتجنيب لبنان الفتن التي يستفيد منها المتربصون بلبنان شراً». ووصف المفتي دريان الجهود والمساعي «التي تقوم بها الدول العربية والصديقة بـ(البناءة)، التي تعطي الأمل بانتخاب رئيس وتشكيل حكومة وتفعيل عمل مؤسسات الدولة وإعادة بناء لبنان من جديد».

كما ناشد مجلس إدارة المجلس المذهبي الدرزي «مجلس النواب حسم الأمر بانتخاب رئيس للجمهورية، للحد من التراجع في المسار الوطني وتعثر قيام السلطة الإجرائية والخلل المؤسساتي الذي كان من أحد أهم أسبابه الشغور الحاصل في الموقع الأول وفي مواقع مؤسساتية وإدارية حساسة، ويدعو المجلس المسؤولين والنواب إلى وعي تبعات الانقسامات السياسية وخطر إهدار فرص بناء الدولة وإحياء مؤسساتها».


مقالات ذات صلة

الحكومة اللبنانية تتجنب التطرق إلى قرار طرد السفير الإيراني

المشرق العربي جانب من جلسة الحكومة برئاسة نواف سلام (رئاسة الحكومة)

الحكومة اللبنانية تتجنب التطرق إلى قرار طرد السفير الإيراني

كرّس مجلس الوزراء، في جلسة مشحونة سياسياً برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، تمسّكه بقرار طرد السفير الإيراني، في وقت غاب عنها وزراء «الثنائي الشيعي».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً الوزير المصري بدر عبد العاطي (الرئاسة اللبنانية)

غياب «المؤشرات الإيجابية» حول لبنان ورفض إسرائيلي لربطه بـ«المسار الإيراني»

جدد الرئيس جوزيف عون التأكيد على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وحصرية السلاح بيدها ضمن المبادرة التي سبق أن أطلقها للتفاوض المباشر مع إسرائيل.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي وزير الخارجية المصري يلتقي الرئيس اللبناني في بيروت (الخارجية المصرية)

تحركات مصرية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان

في تحرك مصري لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، زار وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي، الخميس، العاصمة بيروت، معلناً مساندته للشعب اللبناني.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
المشرق العربي جسر الزرارية المدمر فوق نهر الليطاني بعد تعرّضه لغارة إسرائيلية في طيرفلسيه جنوب لبنان (رويترز)

خطة إسرائيل «لمنطقة عازلة» في لبنان تعقب تاريخاً طويلاً من الاجتياحات والاحتلال

أعلنت إسرائيل عزمها السيطرة على جزء من جنوب لبنان لإنشاء «منطقة عازلة» لإبعاد مقاتلي جماعة «حزب ‌الله»؛ ما أثار مخاوف اللبنانيين من احتلال عسكري إسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي آليات عسكرية عند الحدود اللبنانية (إ.ب.أ)

معارك القنطرة ودير سريان في جنوب لبنان ترسم مسار المواجهة

تتقدّم معارك القنطرة ودير سريان إلى واجهة المشهد الميداني في جنوب لبنان مع اشتباكات مباشرة ومحاولات تقدّم متكررة على محاور حساسة قريبة من نهر الليطاني.

صبحي أمهز (بيروت)

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)

تبلّغ لبنان بمعلومات مصرية سلبية، تشير إلى أن الحرب الإسرائيلية مرشحة لأن تكون طويلة، في ظل غياب مؤشرات حاسمة على قرب التهدئة، وذلك في وقت استقدمت فيه إسرائيل فرقة عسكرية جديدة إلى جنوب لبنان، مؤكدةً اتجاهها نحو تصعيد ميداني متدرّج.

وبينما أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي الذي التقى مسؤولين في بيروت أن «بلاده تجري اتصالات مكثفة تشمل نقل رسائل بين إيران والولايات المتحدة، بالتوازي مع تواصلها مع الجانب الإسرائيلي، بهدف خفض التوتر ومنع توسع المواجهة في المنطقة»، وصفت مصادر مواكبة للقاءات عبد العاطي في بيروت الأجواء بـ«غير المشجعة».

وقالت المصادر لـ «الشرق الأوسط» إن المعطيات السياسية والعسكرية لا تعكس إيجابية في التعاطي مع الملف اللبناني، لا سيما من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يرفض أن تكون الحرب على لبنان ضمن المفاوضات بين أميركا وإيران، ويتشدد في موقفه لجهة «القضاء على «حزب الله»، ما يؤشر إلى أن الحرب على لبنان ستكون طويلة الأمد.


«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
TT

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

بينما تواصل فرق الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان، مثل الألغام ومخلفات الحرب التي كُشفت مع الفيضانات الأخيرة التي شهدتها المنطقة الشرقية في سوريا، خصوصاً بعد انجراف الألغام من مواقعها وظهورها على سطح التربة، ما وسّع نطاق تهديدها ووضعها في متناول السكان، وفرض واقعاً أكثر تعقيداً يتطلب استجابة عاجلة ومنظّمة.

فرق الدفاع المدني السوري تستجيب لفيضان نهر الخابور وروافده محافظة الحسكة لمنع وصول المياه لمنازل السكان (حساب فيسبوك)

وفي هذا السياق، أوضح مدير (إدارة الإزالة في المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلفات الحرب) رائد الحسون، أن الجهات المختصة تتابع من كثب تداعيات الفيضانات الأخيرة، مشيراً إلى أن السيول لم تقتصر على كشف الألغام المدفونة، بل أسهمت أيضاً في نقلها من مواقعها الأصلية، ما أدى إلى ظهور بؤر تلوث جديدة وانتشار غير متوقع لهذه المخلفات في مناطق مختلفة، بحسب «الإخبارية السورية».

وفي تعليق على المشاهد التي أظهرت أطفالاً يتعاملون مع الألغام بشكل مباشر، وصف الحسون هذه الحادثة بأنها «صادمة»، مشدداً على أن هذا الواقع يعكس حجم التحدي في مجال التوعية المجتمعية.

ودعا في هذا الإطار إلى تكاتف الجهود بين الجهات الرسمية والمجتمعات المحلية، بما في ذلك المدارس والأهالي، لنشر رسائل التحذير وتعزيز ثقافة الابتعاد عن الأجسام المشبوهة، ما يسهم في تقليل عدد الضحايا إلى الحد الأدنى.

جولة ميدانية للبحث في تجنب فيضانات في سبخة السيحة التي تشهد مخاطر متزايدة نتيجة ارتفاع منسوب المياه في إدلب (الدفاع المدني السوري)

وتعمل الوزارة بالتعاون مع المركز الوطني ضمن خطة استجابة شاملة للتعامل مع الألغام ومخلّفات الحرب على مستوى البلاد، ولفت الحسون، إلى أن المرحلة الحالية تشهد تنسيقاً مكثفاً مع الشركاء المحليين والدوليين، بهدف تعزيز الجهود الميدانية وتوجيه المنظمات المختصة نحو المناطق الأكثر تضرراً، مع السعي لتأمين الدعم اللازم لمواجهة هذا التحدي المتفاقم.

وأكد أن تحديد أولويات التدخل يتم وفق معايير واضحة تشمل الكثافة السكانية وطبيعة استخدام الأراضي، سواء كانت زراعية أو مخصّصة لإعادة تأهيل البنية التحتية، ما يسمح بتوجيه الجهود نحو المواقع الأكثر عرضة للخطر والأشد تأثيراً على حياة المدنيين.

أما على صعيد حماية المزارعين، مع اقتراب موسم الحراثة، فقد أكد مدير المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلّفات الحرب أن الإجراءات تتركز على تكثيف حملات التوعية في المناطق المتضررة، بالتوازي مع إرسال فرق المسح غير التقني لتحديد مواقع التلوث بدقة، تمهيداً للتعامل معها وفق الأولويات المعتمدة، بما يضمن تقليل المخاطر المرتبطة باستخدام الأراضي الزراعية.

جولة ميدانية للوزير السوري رائد الصالح في مركز Sinzig بمدينة بون للإطلاع على أبرز التقنيات في الاستجابة للطوارئ (سانا)

وضمن هذه الظروف الشديدة الحساسية في الكوارث الجوية التي تضرب سوريا هذه الأيام, بحث وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري رائد الصالح والوفد المرافق له، في بون بألمانيا، سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال إدارة الطوارئ والكوارث، مع الوكالة الفيدرالية الألمانية للإغاثة التقنية «THW».

واستعرض الجانبان خلال اللقاء، أمس الأربعاء، الإمكانيات والخبرات الألمانية في مجالات الاستجابة للطوارئ، وآليات التنسيق والعمل الميداني، إضافة إلى فرص تطوير التعاون الفني، وتبادل الخبرات بين الجانبين، ما يسهم في دعم قدرات الاستجابة في مواجهة الكوارث.

الصالح قال في تصريح لمراسل (سانا)، أن الزيارة شكّلت فرصة مهمة للاطلاع على التجربة الألمانية المتقدمة في إدارة الطوارئ والكوارث: «ناقشنا مع الجانب الألماني إمكانياتهم الفنية والتقنية، وسبل الاستفادة منها في تطوير عملنا، كما قمنا بزيارة ميدانية إلى مركز Sinzig التابع للوكالة الألمانية، واطلعنا على التجهيزات وآليات العمل المعتمدة لديهم».

وأشار الصالح إلى أن هذه الزيارة تمهد لمرحلة من التعاون المشترك وتبادل الخبرات بين الجانبين خلال الفترة المقبلة. واطلع الوفد المرافق لوزير الطوارئ وإدارة الكوارث خلال جولة ميدانية في مركز Sinzig بمدينة بون، على أبرز التقنيات المستخدمة في الاستجابة للطوارئ، وآليات العمل داخل المركز.


عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
TT

عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

فوق أنقاض مستوصف عسكري بغرب العراق صار ركاماً بعد غارة جوية، يقف أحمد مع اثنين من زملائه العاملين في الوحدة الطبية، غير مصدّقين أنهم نجوا من غارة خلّفت، الأربعاء، سبعة قتلى.

في قاعدة الحبّانية في محافظة الأنبار، يقول أحمد بصوت مثقل بالحزن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس: «نحن فقط من بقينا سالمين من وحدة الطبابة. الآخرون إمّا قُتلوا وإما أُصيبوا».

وأعلنت وزارة الدفاع العراقية، صباح الأربعاء، أن سبعة من عناصر الجيش قضوا في غارة على مستوصف الحبّانية العسكري وشعبة خدمات هندسية تابعة لآمرية الموقع، وذلك غداة ضربة على موقع لقوات «الحشد الشعبي» يبعد كيلومترين فقط قضى فيها 15 عنصراً من الحشد الذي اتهم واشنطن باستهدافه.

ويشير العسكري الثلاثيني إلى ما كان قبل 24 ساعة موقع عمله، قائلاً: «في ضربة أولى أُصيب عدد من زملائنا. حين هرعت الفرق لإنقاذهم من تحت الركام، استهدفهم الطيران مجدداً بشكل مباشر، ما أسفر عن مقتل المسعفين».

وأدّت الضربة إلى إصابة 23 عنصراً في الجيش بينهم ضباط، وفق ما قال مسؤول طبي في الموقع لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، تتعرّض مقار لـ«الحشد الشعبي» ولفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران لغارات تنسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما تستهدف هجمات تتبناها فصائل عراقية المصالح الأميركية. وتنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية إيرانية معارضة موجودة في شمال العراق.

عراقيون يرفعون نعش جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

واعتبرت الحكومة العراقية غارة، الأربعاء، «جريمة مكتملة الأركان تنتهك القانون الدولي»، وتسيء للعلاقة التي تجمع شعبي العراق والولايات المتحدة.

وأقرّ «البنتاغون»، الأسبوع الماضي، بأن مروحيات قتالية نفّذت غارات ضد فصائل موالية لطهران في العراق. لكن متحدثاً باسم وزارة الخارجية الأميركية نفى، ردّاً على سؤال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، أن تكون القوات الأميركية استهدفت قوات الأمن العراقية.

وخلال جولة إعلامية نظمتها وزارة الدفاع العراقية، الخميس، قال مدير مديرية الإعلام والتوجيه المعنوي في الوزارة اللواء تحسين الخفاجي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن مستوصف الحبّانية «معروف بأنه تابع لوزارة الدفاع (...) لذلك فوجئنا باستهدافه بضربة جوية».

ويروي الضابط العشريني محمّد مصطفى الذي كان على مقربة من المستوصف حين استُهدف، أنه تمكّن من إنقاذ صديقه الذي «علق بين الجدار والسقف»، قبل «الضربة الثانية التي قضت على ما تبقى».

ويقول زميله علي: «الأجساد تحوّلت إلى أشلاء خلال لحظات»، مضيفاً: «عثرنا كذلك صباح اليوم على ذراع أحد الجنود (...) ومسدّسات تحوّلت إلى كتل حديد مذاب».

«تاريخ طويل من التضحية»

في اليوم نفسه الذي قضى فيه 15 عنصراً من «الحشد الشعبي» في الأنبار، قضى ستة عناصر من قوات «البشمركة» المسلحة التابعة لحكومة كردستان العراق في هجومَين بصواريخ باليستية إيرانية على مقرّهم في مدينة سوران، في أول استهداف يخلّف قتلى في صفوف هذه القوات منذ اندلاع الحرب التي بدأت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

وأعلن رئيس الإقليم نيجرفان بارزاني، الأربعاء، أن إيران «أقرّت» بأن الهجومَين كانا «عن طريق الخطأ».

في مجلس عزاء، نُظّم الأربعاء في سوران، وعُلّقت فيه صور القتلى على أكاليل زهور ناصعة البياض، توافد عشرات الرجال، وقد ارتدى بعضهم الزي الكردي التقليدي مع الكوفية، فيما كان آخرون ببزّات عسكرية. وخيّم الحزن على المكان. في قاعة أخرى، كانت نساء بالأسود يبكين الغائبين.

بينهم فاطمة مظفّر (24 عاماً) التي قُتل شقيقها كيوان عن عمر (21 عاماً)، وقد خدم في صفوف «البشمركة» مدة ثلاثة أعوام.

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

وفيما أمسكت بها سيّدة لمؤاساتها، قالت الشابة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قبل رحيله، ودّع أخي والدتي وشقيقتَيّ اللواتي كنّ هنا لتمضية أعياد الفطر والنوروز».

التقتها «وكالة الصحافة الفرنسية» في وقت سابق في منزل العائلة حيث كانت ترتّب بزّة شقيقها العسكرية وتضمّ أحذيته إلى صدرها وتعرض صور زفافه.

في الطابق الأرضي للمنزل، يلزم والدها مظفّر قادر (55 عاماً) الفراش، إذ يعاني شللاً جرّاء إصابة لحقت به في عام 2014 خلال محاربته تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من شمال وغرب العراق حتى دحره في عام 2017.

ويقول المقاتل السابق مع «البشمركة» إنه تحدث مع ابنه عبر الهاتف فور سقوط الصاروخ الأول قرابة الثانية من فجر الثلاثاء. ويضيف: «لكن بعد بضع ثوانٍ فقط، سقط الصاروخ الثاني، فحاولت الاتصال به مجدداً، لكن هاتفه كان قد خرج من الخدمة».

ويرى الرجل الذي حارب نظام صدام حسين قبل أن يطيح به الغزو الأميركي في 2003، أن «الأكراد اعتادوا المآسي». ويتابع: «لعائلتنا تاريخ طويل من التضحية من أجل هذه الأرض».