«سامي» شريك «قيصر» لـ«الشرق الأوسط»: «الائتلاف» أمدَّ بعمر بشار الأسد

روى واقعتين اقترب فيهما النظام من كشفه ورفيقه... وحذَّر من إفلات الجلادين (2 من 3)

TT

«سامي» شريك «قيصر» لـ«الشرق الأوسط»: «الائتلاف» أمدَّ بعمر بشار الأسد

يتهم أسامة عثمان «الائتلاف الوطني السوري» المعارضة بأنه «أمد في عمر بشار الأسد» (غيتي)
يتهم أسامة عثمان «الائتلاف الوطني السوري» المعارضة بأنه «أمد في عمر بشار الأسد» (غيتي)

في الحلقة الثانية من مقابلته الموسَّعة مع «الشرق الأوسط»، يحكي أسامة عثمان، «مهرّب» ملفات التعذيب السورية المعروفة باسم شريكه «قيصر»، كيف صدمهما رئيس حكومة «الائتلاف الوطني السوري» المعارض بعد خروجهما بـ«استخفافه» بأدلة التعذيب. ويتهم الائتلاف بأنه «أمدَّ بعمر بشار الأسد... وتعامل بطريقة لا مسؤولة كلفتنا عشرات آلاف الضحايا».

وروى عثمان الذي عرفه العالم لسنوات باسم كودي هو «سامي»، كيف اقترب النظام من كشفه ورفيقه مرتين، واحدة حين دهم الأمن السياسي منزل عائلته بحثاً عن شقيقه وصادر أجهزة الكمبيوتر، وأخرى حين حوصر بين قناص ودبابة مع أشقائه الثلاثة لأيام، واضطر إلى إخفاء الكاميرا والأجهزة تحت كومة قمامة.

وكشف عن أنه يعمل عبر منظمة «ملفات قيصر للعدالة» على جمع أدلة على «التغيير الديمغرافي وتجنيس أشخاص لصنع ما اعتبره بشار الأسد (سوريا المفيدة)». وشدد على أهمية العدالة الانتقالية، مستنكراً «المجزرة» التي تعرَّضت لها الأدلة والوثائق بعد سقوط الأسد. وفيما يلي الحلقة الثانية من المقابلة:

* توقفنا في نهاية الحلقة الأولى عند قصة صدور «قانون قيصر». ماذا حدث بعد ذلك؟

- بعد هذه الفترة كان الاهتمام بالثورة السورية وبالشأن السوري في أدنى مراحله تماماً. لذلك أنشأنا منظمة في الولايات المتحدة ثم أنشأنا منظمة أخرى في باريس التي هي الآن منظمة «ملفات قيصر للعدالة» لكي نتابع العمل الحقوقي، ليس فقط على «ملف قيصر»، فبعد خروجنا من سوريا أصبحت لدينا ملفات أخرى.

* مثل ماذا؟

- بعض هذه الملفات لا أستطيع أن أبوح بها حتى الآن. طبعاً جميعها تدور حول انتهاكات النظام السوري لحقوق الإنسان في سوريا، وأيضاً التأثير الاقتصادي الذي أحدثه النظام السوري عبر عملية التدمير الممنهج والتغيير الديمغرافي الذي كان يريد أن يفرضه على السوريين. أصبح لدينا عدد كبير من الملفات التي نقوم على تنميتها، وحتى «ملف قيصر» والاهتمام بالأشخاص الذين يتم قتلهم تحت التعذيب لا يقتصر على من قتلهم بشار الأسد في السجون. هذا الأمر ممتد؛ لذلك كان فريقنا يعمل على استدامة الحصول على ملفات أخرى؛ لأننا مقتنعون أن كل من ارتكب انتهاكات في سوريا يجب أن يحاسب.

* أي نوع من الملفات؟

- انتهاكات حقوق الإنسان والتغيير الديمغرافي الذي يشمل تجنيس أشخاص من دون وجه حق بطرق غير قانونية بزجهم في المجتمع السوري؛ لكي يصنع بشار الأسد ما قال عنه يوماً «سوريا المفيدة» و«المجتمع المتجانس» و«سوريا لمن يدافع عنها». هذه العبارات وراءها مشاريع على الأرض ولم تكن عبارات أُطلقت في الهواء. هذه عبارات تتكلم عن مشاريع حقيقية تنفذ على الأرض في سوريا؛ لذلك لا أستطيع أن أعطي تفاصيل حول ملفات يعمل عليها أشخاص حتى الآن لا يريدون ولا نريد لهم أن تُكشف أسماؤهم.

* حُكي في الإعلام عن عمليات تجنيس لإيرانيين، وبكلام أوضح لشيعة عراقيين. هل هذا جزء من الملف؟

- هذا جزء منه. ملف التغيير الديمغرافي يعمل عليه جميع السوريين الذين لديهم منظمات ومن ليس لديهم منظمات. عندما يكون جارك يتكلم بلغة غريبة ويمارس حياته في سوريا وكأنه وُلد فيها من منذ عقود يحق لك أن تتساءل: من أتى بهؤلاء ومن أين جاء هؤلاء؟ فكل سوري يتساءل مَن هؤلاء، هو سوري يعمل على حماية البلاد من هذا التغير الديمغرافي بشكل منظم أو غير منظم. نحن نسعى دائماً للوصول إلى هؤلاء الأشخاص بالطرق المباشرة أو عبر المؤسسات، وهذا يقودنا إلى ما أسميه المجزرة التي تعرَّضت لها الأدلة والوثائق والأرشيف السوري، ليس في الأفرع الأمنية فقط والسجون، وإنما أيضاً في المؤسسات الأخرى. وشهدنا جميعاً كيف تم قصف مبنى تنظيم جوازات السفر. هذه الأماكن مهمة جداً وتحتوي على الكثير من الثبوتيات. عندما يُقصف مكان بهذه الأهمية، فلإخفاء أدلة ووثائق. وتزايد عمليات القصف بعد هروب بشار الأسد يشير بشكل واضح إلى أن ما يحصل هو جرائم تضاف إلى سجله بحق سوريا.

* هل أستطيع أن أستنتج أنك تلمح إلى تواطؤ بين أجهزة بشار والأجهزة الإسرائيلية؟

- لا. لا أستطيع أن أوجّه اتهاماً. أنا قلت إن هذا الأمر تزايد بعد هروب بشار الأسد، ولك أن تستنتج ما شئت ولا تعليق.

«حزب الله» أنقذ بشار الأسد

* من قَلَبَ مسار الأحداث في سوريا وأبقى بشار الأسد وأطال عمر النظام؟ هل تعتبرون الروس ضالعين في الانتهاكات؟ هل تعتبرون الميليشيات الإيرانية مثلاً؟ وماذا عن «حزب الله»؟

- «حزب الله» اللبناني الذي كدنا أن نعلّق في بيوتنا صور زعيمه حسن نصر الله في عام 2006، وبكينا كثيراً عندما كنا نسمع باستشهاد عناصر له. في 2006 استضفت عائلة لبنانية في منزلي في منطقة وادي بردى (شمال دمشق). كان عندي بيت هناك استضفت عائلة لبنانية فيه، وأنا أقل الناس الذين قدموا مساعدات لإخوتنا اللبنانيين.

هذا الحزب اعترف بأنه لولا تدخله لسقط بشار الأسد خلال أشهر. هذا يكفيك. الحزب يعترف بلسان قائده حسن نصر الله، وأفعاله على الأرض تصدق ما قاله. لذلك؛ بالتأكيد كان تدخل «حزب الله» في المرحلة الأولى الدعامة لهذا النظام.

بعد ذلك توافدت الميليشيات وأصبحنا نرى أشخاصاً ووجوهاً غريبة ونسمع كلمات غريبة ولغات غريبة من أشخاص يحملون السلاح ويجوبون شوارعنا. أمام منزلي كان هناك أشخاص عدة لا يتكلمون العربية، ويراقبون فقط مظاهرة سلمية كانت تشيّع شهيداً قتله بشار الأسد في قصفه المدينة. لم أكن أجرؤ أن أسأل هذا الرجل من أنت وماذا تفعل هنا؟ رجال عدة بأشكال غريبة ونحن في مدينتنا – مدينة التل بريف دمشق - يمكن لنا ببساطة أن نلاحظ الوجه الغريب.

نعم، لذلك هؤلاء جاءوا في فترة مبكرة، يعني بعد «حزب الله» مباشرة ببضعة أشهر. تبع ذلك توافد الميليشيات التي نعرفها جميعاً، والتدخل الروسي الحاسم في 2015 حقيقة هو الذي أدى إلى انكفاءة الثوار إلى مناطق جغرافية معينة وخسارة الأراضي التي كانوا يسيطرون عليها. ولذلك؛ بالتأكيد إيران وروسيا والميليشيا التي كانت معهم شركاء في دماء الشعب السوري وشركاء في تدمير سوريا، وهذا الأمر لا يحتاج إلى كثير عناء لكي نثبته.

حين اقترب النظام من كشف الملفات

* متى كاد «ملف قيصر» أن يقع في أيدي الأجهزة الأمنية السورية؟

- تعرَّض منزل العائلة في مدينة التل للمداهمة. كانوا يبحثون عن أخي الأصغر لأنه كان مشاركاً في الحراك السلمي في المظاهرات أو الأمور العادية التي كنا نقوم بها جميعاً. داهم فرع الأمن السياسي منزلنا. كانت هذه الأمور والثورة في بدايتها وكان الضابط الذي دهم المنزل لا يزال لديه القليل من اللباقة.

دخل إلى المنزل وفتش وأخذ أجهزة الكمبيوتر التي تحتوي على نشاطاتي كمهندس مدني من مخططات وأمور عادية. لكنه وجدها في غرفة أخي فأخذ كل ما وجده من وسائط وجهاز الكمبيوتر، واكتفى الضابط وقتها وأعتقد كان اسمه محمد جمعة، بأن يعطيني محاضرة عندما علم أنني مهندس. أعطاني محاضرة في حب الوطن، وأن الوطن أنفق علينا الكثير لكي نتعلم، ومن هذه الشعارات التي يحفظونها في جلسات التوجيه السياسي التي يحضرونها.

أخذ هويتي المدنية وقال لي: يمكنك أن تنزل إلى دمشق وتحضر لنا أخاك بكل بساطة وتأخذ أجهزة الكمبيوتر. أخذ هويتي وبقيت لفترة من دون هوية مدنية وبالتالي لا أستطيع أن أغادر مدينتي حتى لا أمر على أي حاجز أمن يطلبها فأُعتقل. لو اعتقلت في هذه الفترة لكنت أصبحت صورة من إحدى من صور «ملف قيصر».

في مرحلة أخرى أيضاً، تعرَّضت مدينتي مدينة التل لاجتياح من جيش النظام بعد معركة طويلة جداً مع الثوار في داخل المدينة وتهجير كل سكانها بالكامل. ذهب كل السكان المدنيين - وكنا في نهاية شهر رمضان - إلى المدن المجاورة. حتى أنا أخذت أبي وأمي وإخوتي إلى مدينة صيدنايا ورجعت. أخي الصغير لا يستطيع أن يخرج من المدينة وأنا أريد أن أبقى معه وأريد أيضاً أن أجد طريقة لحماية البيانات التي بين أيدينا، وأخي الثالث قال: لا أترككم. بقيت مدينة التل فارغة لأيام عدة وبقينا نحن الثلاثة وتعرَّضنا لعمليات تفتيش كثيرة.

انسحب مقاتلو «الجيش الحر» ودخل جيش النظام، وارتكب مجازر عدة في مدينة التل. عندها اضطررنا إلى مغادرة البناء الذي كنا فيه، وهو لأحد الأصدقاء واستضافنا فيه لأن منزل العائلة في مدخل البلدة حيث بدأ الاجتياح. عندما اضطررنا إلى الانسحاب من المنزل، وضعت كاميرا كانت معي وبعض الأجهزة تحت كومة من القمامة في أسفل البناء، وقلت: إذا عشت سأجدها مرة أخرى لأنه لا يمكن أن يفكّروا بنبش القمامة للبحث عن هذه الأمور. سيبحثون في أماكن أخرى بالتأكيد.

خرجنا ولم نقطع أكثر من كيلومتر ربما، وحوصرنا في منطقة قريبة من مشفى التل العسكري في قمة المدينة. دخلنا إلى بناء واختبأنا داخل هذا البناء لمدة 5 أيام أو 6 أيام، ثم خرجنا. جاء العيد وخفَّت القبضة الأمنية عن المدينة وعادت التغطية الهاتفية واستطعنا أن نعلم من الآخرين، أن بإمكاننا النزول إلى البلدة. نحن في البناء كنا نرى قريباً منا عند خزان المياه في قمة البلد دبابة وقناصاً وعناصر يجهزون لاقتناص أي شخص يسير على الطريق. خروجنا من هناك كان يعني ولادة جديدة لثلاثتنا.

«الائتلاف أمدَّ بعمر بشار الأسد»

* هل تعرَّض جهدكم للتشويش عدا عن مطاردات النظام؟ هل حاول أحد أن يربك عملكم أو يوظفه لمآربه؟

- بهذا المعنى، نعم. كانت معركتنا بعد الخروج من سوريا هدفها الأساسي أن نحافظ على هذا الملف بعيداً عن تجاذبات سياسية أو مصالح ضيقة لأي فئة. هذا ملف انتهاكات حقوق إنسان وملف سوري بامتياز لكل السوريين، ويجب أن يبقى ملفاً حقوقياً بعيداً عن أي مصالح ضيقة لأي جهة. حاولت في البداية أن يكون الائتلاف والحكومة المؤقتة هي الجهة الراعية لهذا الملف، وهذا أمر طبيعي. ذهبت إليهم برفقة أحد الأصدقاء وجلست مع رئيس الحكومة بعد أن انتظرت 4 ساعات في صالة مليئة بالأشخاص الذين يشربون الشاي والقهوة كأنهم في مقهى. كان الأمر مؤسفاً أن تستمع لأحاديث من أشخاص لا تمت أبداً إلى ما يحصل في سوريا.

بعد 4 ساعات، جلسنا لوقت محدود جداً مع رئيس الحكومة وقلنا له إن هذا ملف للسوريين. هذا ملف خطير ونحن نحتاج إلى مساعدة تتضمن النأي بهذا الملف عن أي صراعات سياسية بين أجنحة المعارضة وغيرها، وحماية أهلنا في الداخل حتى لا نتعرض للابتزاز بكشف أسمائهم والتضحية بهم. كان الجواب صادماً للحقيقة، قال - واسمح لي أن أقولها باللهجة السورية - «يعني انتو مفكرين ان الملف راح يهزّ عرش بشار الأسد؟».

كان الجواب صادماً جداً. ليس محبطاً لأنني أعرف قيمة ما لدي، لكن الإحباط أو الأسف كان أن يكون أمثال هؤلاء هم الذين يتكلمون باسم الثورة السورية التي أزعم أنها أهم ثورة على الإطلاق منذ الثورة الفرنسية عام 1789.

أقارب مفقودين يبحثون عن ذويهم بين جثث ضحايا التعذيب في سجن صيدنايا (أ.ف.ب)

الباستيل هو سجن صيدنايا بالتأكيد وبامتياز. سقوط النظام السوري وقيام دولة قانون وعدل في سوريا سيغير وجه الشرق الأوسط، وعندما يتغير وجه الشرق الأوسط يتغير وجه العالم. وهذا ما فعلته الثورة الفرنسية قبل ثلاثة قرون. تأتي (حكومة الائتلاف) وتقول لي: «انت مفكر هذا الملف راح يفزع بشار الأسد؟». لا أريد أن أقول هذه العبارات كما تقال حقيقة في الشوارع لأنها مهينة جداً. انسحبت بأسف وأنا في هذه اللحظة كنت أبحث عن إخراج العائلات التي بقيت في دمشق ولم يتحقق هذا الأمر. كانت لحظة ألم نفسي شديد. يعني أنت اليوم في منتصف الطريق عرضت نفسك وأهلك للخطر ولا تستطيع أن تقوم بإنقاذهم، ويوجد من يبتزك بهم فأنت تسابق الزمن لإخراج هؤلاء الأشخاص، ومنهم من عمره سنتان ومنهم من عمره ثمانون. فكان هذا الجواب صادماً حقيقة من رئيس الحكومة المؤقتة في ذلك الوقت.

* هل شعرت بالخيبة من المعارضة بعد خروجك؟

- الخيبة هي كلمة قليلة على ما شعرت به. أنا شعرت بالحزن والأسف، وأستطيع أن أزعم أنه في ذلك الوقت الذي كانت دول العالم كلها تدعم الثورة السورية وتأخذ ممثل الائتلاف إلى مقعد سوريا في جامعة الدول العربية وتسخّر إمكاناتها السياسية والاقتصادية لدعم هذه الثورة، لو تم استثمار «ملف قيصر» عندما خرجنا وبطريقة صحيحة، لما رأينا بشار الأسد باقياً على عرشه حتى 2024. هذه اللامسؤولية، وهذه اللامبالاة أنا أعتبر أنها أمدت بعمر النظام السوري وكلفت السوريين عشرات آلاف الضحايا. قلة المسؤولية وعدم الاهتمام من الائتلاف.

مقعد سوريا بعلم الثورة خلال القمة العربية في الدوحة عام 2013 (أ.ف.ب)

يعني أنت عندما تذهب لتفاوض النظام، ما هي الأوراق التي تملكها في مواجهة هذا النظام إذا لم يكن «ملف قيصر» هو الملف الأقوى؟ على ماذا تتفاوض؟ أنتم (المعارضة) تكلمتم مع النظام في المحافل الدولية في كل شيء: في الدستور، لون العلم، عدد النجوم، اللغة، طريقة الحكم، ولم تتكلموا في المعتقلين.

* هل تقصد أن هناك من تنكَّر للدماء السورية؟

- نعم، نعم.

* بما في ذلك الائتلاف؟

- طبعاً، وبمسميات مختلفة. نحن كنا نقول ملف المعتقلين هو ملف فوق تفاوضي، أي أننا لا نتفاوض مع النظام السوري على أي شيء قبل أن نتكلم بملف المعتقلين. فوجئت أن بعض الأسماء البارزة وفي مؤسسات بارزة تتكلم باسم السوريين تفسر هذه العبارة بالطريقة التالية: ملف فوق تفاوضي يعني أن نضعه جانباً ونتفاوض في كل شيء، لكن لا نتفاوض فيه. عندما سمعت هذا التفسير لم أعرف هل أضحك أم أبكي؛ لذلك أستطيع أن أقول إن الائتلاف أمدَّ بعمر بشار الأسد.

سجن صيدنايا والمكبس المعدني

* عقدت مقارنة بين سجن صيدنايا والباستيل، وبين الثورة السورية والثورة الفرنسية. هل يمكن أن تقول لي حين أقول سجن صيدنايا... ما هي الصور التي تتزاحم في ذهنك؟

- بعد أن رأى العالم سجن صيدنايا من الداخل، لا أستطيع أن أتخيل كيف كان الناس يتحولون في الداخل أرقاماً ثم أجساداً جافة ثم أجساداً متعفنة ولا تزال حية، ثم تتحول بعد ذلك تحت المكبس كومةً من العظام والأنسجة. من الذي يستطيع أن يتخيل؟ من يستطيع أن يعيش هذه الحالة من الرعب؟

في الداخل نحن كنا ننظر إلى السجن الواقع في الطرف الآخر من مدينتنا رمزاً للظلم والتسلط والقهر، لكن هذه الكلمات مجردة لا ترقى إلى ما كان يعانيه المعتقلون في الداخل لبضع دقائق، فما بالك بأشخاص أمضوا فيه عشرات السنين. ربما المحظوظ هو الذي دخل من باب السجن وخرج من باب المكبس المعدني في أسرع وقت.

* هل فاجأتك قصة المكبس المعدني؟ هل كنت تتوقع هذا الشيء؟

- لم يخطر لي أن يقوم النظام بكبس الأجساد. سمعنا عن كثير من أساليب التعذيب والمقابر الجماعية، لكن المكبس المعدني؟! أي عقلية إجرام كان يمتلكها هذا النظام.

* وما الغرض من المكبس تحديداً؟

- أنا وأنت بشر عاديون نحب ونشعر بالحنين لأهلنا ولأبنائنا. تفكيرنا منطقي. هذا السؤال لا يمكن أن يجيب عنه شخص يفكر بطريقة منطقية. ما الذي يدفع نظام مجرم يمتلك أرض سوريا وسماءها وما تحت أرضها لكي يضع مكبساً معدنياً ليسحق جثث المعتقلين. لديك آلاف الأمتار من الأراضي التابعة للسجن نفسه. ادفن هؤلاء تحت التراب. لماذا هذه الطريقة؟ لا يمكن أن يكون الشخص الذي يعمل على هذا المكبس إنساناً طبيعياً؟

صغار الجلادين أخطر من كبار الضباط

* لو سألتك أن تعّدد لي لائحة بأسماء كبار الجلادين المسؤولين عن التعذيب. من هم؟

- هذه لائحة طويلة جداً. نحن رفعنا دعوة أمام القضاء الألماني على العديد من الأشخاص، منهم (نائب الرئيس للشؤون الأمنية) علي مملوك، ومنهم (نائب مدير مكتب الأمن الوطني والرئيس السابق لشعبة المخابرات العسكرية) عبد الفتاح قدسية، ومنهم (رئيس شعبة المخابرات الجوية والمسؤول عن سجن المزة) جميل الحسن. كانت أول مذكرة توقيف تصدر عن القضاء الألماني بحق جميل الحسن.

رؤساء الفروع الأمنية هم المسؤولون بشكل مباشر عن عمليات القتل تحت التعذيب؛ لأن هذه المعتقلات تعود لإدارتهم، لكنهم ليسوا الوحيدين. وأنا أقول دائماً أن تعتقل رئيس فرع أمن أو توجه إليه التهمة بأنه ارتكب جرائم حرب ليس مهماً بقدر أن توجه التهمة إلى الشخص الذي يقوم بالقتل الحقيقي والتعذيب في أقبية هذه السجون؛ لأن هؤلاء هم من يقومون بالقتل بتلذذ. هم لا يقومون بالقتل نتيجة تنفيذ أوامر، بل يتلذذون بتعذيب الناس حتى تصل إلى هذه المشاهد التي رأيناها.

لكنهم يظنون أن من فوقهم يحميهم وأنهم معصومون ومحصنون من المساءلة، ولا يمكن أن يصل إليهم القانون، لا في سوريا ولا خارج سوريا. وكل المحاكم التي أقيمت خارج سوريا كانت تتوجه إلى الصف الأول أو الأشخاص الذين ثبتت عليهم تهمة ممارسة عملية القتل. هذا الأمر لا يكفي. يجب أن نحصل على أسماء أشخاص يقومون بالقتل المباشر حتى يعلم هؤلاء أن النظام الذي يعتبرونه ربهم الذي يعبدونه لا يحميهم، وأن الله سبحانه وتعالى فوقهم وفوق ربهم السياسي.

* هل الوثائق التي جُمعت تكفي لإدانة صغار المرتكبين؟ هل هناك أسماء لهم؟

- إذا كنت تقصد «ملفات قيصر» التي هي بحوزتنا والتي خرجنا بها من البلاد في نهاية 2013، فهي لا تتضمن إلا عدداً محدوداً من صور عناصر تابعين للنظام السوري. ربما بعض الأسماء الموجودة على وثائق تسمَّى الضبوط التي يتم تنظيمها حتى تذهب إلى المحكمة العسكرية ويتم بعدها إصدار شهادة وفاة. فهنا، تجد بعض التوقيعات لبعض عناصر النظام، لكن ليس معنى ذلك أن هؤلاء هم مَن عذَّبوا الضحايا وقتلوهم. لذلك لا يتضمن ملفنا أسماءً لجلادين في السجون قاموا بعمليات القتل. من هنا كانت القضية الأولى التي قمنا برفعها أمام القضاء الألماني عن طريق «المركز الأوروبي لحقوق الإنسان والحقوق الدستورية» كمدعٍ شخصي مع آخرين، تتضمن أسماء لرؤساء فروع أمن فقط وليس صغار الجلادين.

لكن حتى تصل سوريا الحرة إلى مجتمع مستقر يجب أن تمر بمرحلة العدالة الانتقالية التي تعني بالضرورة المحاسبة والمساءلة؛ لأنك لا يمكن أن تعيش في حي وإلى جوارك رجل لا تزال رائحة الدم تفوح منه لأنه كان يعمل لسنوات طويلة في سجون بشار الأسد ويقتل المعتقلين أو يعذبهم؛ لذلك لا بد لكل من قام بانتهاكات ضد حقوق الإنسان في سوريا أن يُحاسَب إذا أردنا لهذا المجتمع أن يستقر وأن يكون هذا الاستقرار مستداماً ولا نفتح الباب لأعمال الانتقام الفردي إذا أحس أهالي الضحايا بأنهم لم يحصلوا على حقوقهم ولم يصلوا إلى ما يجعل مشاعرهم تبرد تجاه من قتل أحباءهم.

والانتهاكات ليست فقط عمليات القتل أو القتل تحت التعذيب. الانتهاكات أوسع بكثير من هذا الأمر. كل ما يسيء إلى كرامة الإنسان هذا انتهاك... محاولات التغيير الديمغرافي. لا يكفي اليوم أن أقول لمن عاش 12 سنة في خيمة على الحدود التركية أو في الصحراء الأردنية أو في لبنان: ارجع إلى بيتك سقط الأسد وانتهى الأمر. هذا الرجل تعرَّض إلى ضرر شديد ومعاناة شديدة جداً عبر سنوات... وأضف إلى ذلك كله أن هناك جيلاً لم يتعلم أو يدخل مدارس. هؤلاء لم تُتَح لهم الفرصة لكي يعيشوا الحياة الإنسانية التي تليق بأمثالهم في سنوات حياتهم الأولى؛ لذلك الضرر الذي وقع على هؤلاء وذويهم يجب أن يتم التعويض عنه، وفوق ذلك يجب أن يكون هناك اعتذار حقيقي لكل من تعرَّض للانتهاك في سوريا من الجهات التي قامت بهذا الفعل.

* هل نحن نتحدث عن آلاف الجلادين؟

- بالتأكيد. عندما ننظر للأمر من هذه الزاوية فنحن نتحدث عن الآلاف. بعد ذلك كله أنت في حاجة إلى المصالحة المجتمعية.

إتلاف الوثائق

* هل تخشى أن يكون مصير ضحايا صيدنايا مشابهاً لمصير ضحايا حماة؟

- هذا ينقلنا إلى المشكلة التي حصلت بعد تحرير دمشق من الطاغية المجرم بشار الأسد. حالة الفوضى التي عمَّت في الأيام الأولى أدت إلى فقدان الكثير من الوثائق والأدلة. طبعاً أنا لا أقول إن الأهالي الذين يسعون إلى البحث عن أحبائهم قد ارتكبوا جرماً. أبداً. هذه الحالة العاطفية مبررة وهذا حقهم، وهو فوق كل شيء. لكن أنا أرفض أن يكون حصولك على حقك سبباً في حرمان الآخرين من الوصول إلى حقوقهم. إتلاف الوثائق يعني أن هناك مجرمين لن تكون لدينا أدلة لإدانتهم، وبالتالي أنت سلبت الآخرين من الضحايا حقهم في أن يحاسَب الجلاد الذي قتلهم والذي عذبهم.

إتلاف هذه الوثائق ليس فقط ناتجاً من دخول المواطنين إلى هذه الأماكن. بعض الأماكن تُركت بحالة سيئة، وبعضها تم إحراقها فيما بعد والفاعل مجهول. إذن، هناك جهات تقوم بفعل منظم ومقصود لإتلاف هذه الوثائق. واليوم ربما يكون الأكثر سعادة بإتلاف هذه الوثائق وفتح السجون بطريقة غير مدروسة هو بشار الأسد وبقية المجرمين؛ لأنك بهذه الطريقة تتلف أدلة وتفتح السجون من دون حتى توثيق لهؤلاء المعتقلين الذين كانوا في السجن. وجدنا سجناء وصلوا من سجن صيدنايا إلى مدينة التل يمشون حفاة عراة... أنا أتكلم عن أكثر من 3 كيلومترات مشياً في عتمة الليل والبرد.

هناك أشخاص خرجوا من سجن صيدنايا واستقبلهم الأهالي بحالة مزرية جداً. هذا الأمر مؤلم ومؤسف. نحن نفرح لتحرير هؤلاء، لكن نحزن جداً إذا لم نستطع محاسبة من فعل بهم ما رأيناه.

* حين تلقيت خبر فرار بشار الأسد، هل خطر في بالك إجراء مقارنة بين سقوط صدام وسقوط بشار؟

- هذا الأمر أعتقد أنه بعيد. أولاً بشار الأسد أسقطه السوريون بأيديهم، أسقطه الرعب. بشار الأسد سقط حتى قبل أن تصل قوات الثوار إلى دمشق. كان قد نضجت الشروط كافة التي نتج منها سقوط بشار الأسد. كان في أضعف مرحلة وسقط على أيدي السوريين الأبطال الذين دخلوا دمشق بعد أن دخلوا حماة وحمص، ووصلوا إلى ما شاء الله، وعلى أيدي السوريين الذين عملوا في المنظمات الحقوقية وغيرها لمحاصرة هذا النظام سياسياً واقتصادياً وإعلامياً حتى استطاعوا الحد من كل مصادر القوة التي أمدَّته بالطاقة للبقاء عبر السنوات الماضية، وحانت لحظة القطاف، وسقط بشار الأسد بأيدي السوريين.

هذا الأمر لا يشبه ما حصل في العراق، والمقارنة بين بشار الأسد وأي حالة أخرى سواء في زمننا أو في الأزمنة الماضية هي مقارنة تظلم الطرف الآخر. لا أعتقد أبداً أن نيرون يستحق أن تقارنه ببشار الأسد.

* هل ترى نيرون أفضل؟

- هنا من الخطأ أن نستعمل كلمة أفضل وأسوأ. هنا أقول إن بشار الأسد أشد إجراماً وأشد جنوناً من نيرون. ليس هذا المكان صالحاً لاستخدام كلمة أفضل بالتأكيد.

غداً حلقة ثالثة وأخيرة


مقالات ذات صلة

تركيا: السلام مع الأكراد يواجه موقفاً متشدداً من الحكومة

شؤون إقليمية نفَّذ 25 من مسلحي حزب «العمال» الكردستاني انسحاباً من تركيا إلى شمال العراق في 26 أكتوبر الماضي (رويترز)

تركيا: السلام مع الأكراد يواجه موقفاً متشدداً من الحكومة

تنتهي اللجنة المكلفة بوضع الأساس القانوني لنزع أسلحة «العمال» الكردستاني من تقريرها النهائي خلال الأسبوع المقبل، وسط معلومات عن خلوه من مطالب الأكراد والمعارضة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا عبير موسي رئيسة الحزب الدستوري الحر (إعلام حزبي)

تونس: تثبيت الحكم بسجن المعارِضة عبير موسي سنتين

أقرت محكمة الاستئناف بتونس حكماً بسجن رئيسة الحزب الدستوري الحر، عبير موسي، بالسجن لمدة سنتين، في دعوى قضائية قامت بتحريكها ضدها هيئة الانتخابات.

«الشرق الأوسط» (تونس)
آسيا المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في أفغانستان ريتشارد بينيت (أ.ب)

مقرر أممي يطلب فتح تحقيق في «اغتيال» مسؤولين أفغان سابقين بإيران

طالب المقرر الخاص للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بأفغانستان ريتشارد بينيت بفتح تحقيق مستقل بشأن اغتيالات طالت مؤخراً في إيران عناصر سابقين في قوات الأمن الأفغانية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية متظاهرون يرفعون صورة لرئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو مطالبين بإطلاق سراحه (حزب الشعب الجمهوري - إكس)

تركيا: المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تعطي أولوية لنظر احتجاز إمام أوغلو

قررت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إعطاء الأولوية لمراجعة قضية احتجاز رئيس بلدية إسطنبول المعارض أكرم إمام أوغلو.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الولايات المتحدة​ طائرة تابعة لسلاح مشاة البحرية الأميركية تحلق بعد إقلاعها من قاعدة روزفلت رودز البحرية السابقة في بورتوريكو (رويترز) play-circle

خبراء بالأمم المتحدة: الحصار البحري الأميركي على فنزويلا ينتهك القانون الدولي

ندد خبراء مكلّفون من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اليوم الأربعاء بالحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة على فنزويلا.

«الشرق الأوسط» (جنيف - واشنطن)

قائد «قسد»: قبلنا الاتفاق مع دمشق لوقف حرب «فرضت» علينا

الرئيس أحمد الشرع خلال توقيع اتفاق اندماج «قسد» في الجيش السوري مع قائدها مظلوم عبدي بدمشق يوم 10 مارس الماضي (إ.ب.أ)
الرئيس أحمد الشرع خلال توقيع اتفاق اندماج «قسد» في الجيش السوري مع قائدها مظلوم عبدي بدمشق يوم 10 مارس الماضي (إ.ب.أ)
TT

قائد «قسد»: قبلنا الاتفاق مع دمشق لوقف حرب «فرضت» علينا

الرئيس أحمد الشرع خلال توقيع اتفاق اندماج «قسد» في الجيش السوري مع قائدها مظلوم عبدي بدمشق يوم 10 مارس الماضي (إ.ب.أ)
الرئيس أحمد الشرع خلال توقيع اتفاق اندماج «قسد» في الجيش السوري مع قائدها مظلوم عبدي بدمشق يوم 10 مارس الماضي (إ.ب.أ)

أعلن قائد قوات سوريا الديموقراطية «قسد» مظلوم عبدي، الأحد، أنه قبل بالاتفاق الذي أعلنه الرئيس السوري أحمد الشرع، لوقف حرب «فرضت» على الأكراد، بعد تقدم القوات الحكومية في مناطق يسيطرون عليها في شمال سوريا، فيما قالت وزارة الداخلية السورية إنها تتابع تقارير حول وقوع «مجازر» بمحافظة الحسكة.

وقال عبدي في بيان بثته قناة روناهي الكردية «كان الإصرار واضحاً على فرض هذه الحرب علينا»، مضيفاً «من أجل ألا تتحول هذه الحرب الى حرب أهلية... قبلنا أن ننسحب من مناطق دير الزور والرقة الى الحسكة لنوقف هذه الحرب». وتعهد بأن يشرح بنود الاتفاق للأكراد بعد عودته من دمشق حيث من المتوقع أن يلتقي الشرع الاثنين.

في غضون ذلك، قالت وزارة الداخلية السورية إنها تتابع تقارير ترددت عن وقوع ما وصفتها «مجازر» بمحافظة الحسكة وتحاول التأكد من صحتها.

عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)

وأضافت في بيان «تتابع وزارة الداخلية ببالغ الاهتمام والجدية التقارير الواردة حول وقوع مجازر في محافظة الحسكة، وتؤكد أن أجهزتها المختصة باشرت فوراً إجراءات التحقيقات اللازمة للتثبت من المعلومات الواردة».

لكن الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية الكردية إلهام أحمد، نفت ذلك وقالت «كل الأخبار عن مجازر في الحسكة مفبركة تماماً وتستهدف من قبل مصادر مرتبطة بجهات مخربة عدم الالتزام بوقف إطلاق النار وتأجيج التوترات القبلية واستئناف الهجمات على الحسكة وكوباني».

وأضافت لموقع «رووداو» الإخباري الكردي «ملتزمون باتفاق وقف إطلاق النار مع دمشق والاندماج الكامل».


برّاك: الاتفاق بين الشرع وعبدي «نقطة تحول مفصلية»

الشرع مستقبلاً برّاك في دمشق الأحد (أ.ف.ب)
الشرع مستقبلاً برّاك في دمشق الأحد (أ.ف.ب)
TT

برّاك: الاتفاق بين الشرع وعبدي «نقطة تحول مفصلية»

الشرع مستقبلاً برّاك في دمشق الأحد (أ.ف.ب)
الشرع مستقبلاً برّاك في دمشق الأحد (أ.ف.ب)

عدّ المبعوث الأميركي إلى دمشق، توم برّاك، الأحد، أن الاتفاق الذي أعلن الرئيس السوري، أحمد الشرع، توقيعه مع قائد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، مظلوم عبدي، يشكل «نقطة تحول مفصلية»، بعد التصعيد العسكري الأخير بين الطرفين.

وقال برّاك في منشور على منصة «إكس»: «يمثّل هذا الاتفاق ووقف إطلاق النار نقطة تحوّل مفصلية؛ إذ يختار الخصوم السابقون الشراكة بدلاً من الانقسام»، مشيداً بجهود الطرفين «البنّاءة» لإبرام اتفاق «يمهّد الطريق أمام تجديد الحوار والتعاون نحو سوريا موحّدة».

وأضاف: «أكّد الرئيس الشرع أن الأكراد جزء لا يتجزأ من سوريا، وتتطلع الولايات المتحدة إلى اندماج سلس لشريكنا التاريخي في محاربة تنظيم (داعش) مع أحدث أعضاء (التحالف الدولي)، فيما نمضي قدماً في المعركة المستمرة ضد الإرهاب».

وتابع: «يبدأ الآن العمل الصعب المتمثّل في وضع اللمسات النهائية على تفاصيل اتفاق شامل للاندماج، والولايات المتحدة تقف بحزم إلى جانب هذه العملية في كل مراحلها، بينما نواصل حماية مصالحنا القومية الحيوية في هزيمة بقايا تنظيم (داعش)، وندفع قدماً بخطة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الجريئة للسلام في الشرق الأوسط».

وقال: «تعبّر الولايات المتحدة عن تشجيعها الشديد هذا الزخم المستمر في مواجهة تهديدات (داعش)، والذي سيسهّل اندماج شركائنا الأكراد على المدى الطويل بشكل كامل في سوريا موحّدة وشاملة، تحفظ مصالح وحقوق جميع مواطنيها، وفي الوقت نفسه تدفع قدماً بالأهداف المشتركة للمصالحة والوحدة الوطنية؛ عبر توحيد مسارات المصالح المختلفة في مسار واحد متكامل نحو المستقبل».

وقّع الرئيس الشرع، في وقت سابق الأحد، بنود اتفاق جديد مع «قسد» يقضي بوقف إطلاق النار والاندماج الكامل بين الحكومة و«قسد».

ونشرت وكالة «سانا» السورية الرسمية بنوداً من الاتفاق الجديد تنص على «وقف إطلاق نار شامل وفوري على كل الجبهات ونقاط التماس بين القوات الحكومية السورية و(قوات سوريا الديمقراطية)، بالتوازي مع انسحاب كل التشكيلات العسكرية التابعة لـ(قسد) إلى منطقة شرق الفرات، بوصفها خطوة تمهيدية لإعادة الانتشار».

أتى ذلك بُعيد لقاء برّاك الشرع في دمشق، الأحد، غداة لقائه عبدي في أربيل بإقليم كردستان العراق.


الشرع يستقبل المبعوث الأميركي ويؤكد على «وحدة سوريا»

الرئيس السوري أحمد الشرع لدى استقباله المبعوث الأميركي توم برّاك في دمشق (الرئاسة السورية)
الرئيس السوري أحمد الشرع لدى استقباله المبعوث الأميركي توم برّاك في دمشق (الرئاسة السورية)
TT

الشرع يستقبل المبعوث الأميركي ويؤكد على «وحدة سوريا»

الرئيس السوري أحمد الشرع لدى استقباله المبعوث الأميركي توم برّاك في دمشق (الرئاسة السورية)
الرئيس السوري أحمد الشرع لدى استقباله المبعوث الأميركي توم برّاك في دمشق (الرئاسة السورية)

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع، الأحد، على وحدة سوريا وسيادتها على كامل أراضيها، وأهمية الحوار في المرحلة الراهنة.

وأشار الشرع، خلال استقباله المبعوث الأميركي لسوريا توم برّاك في دمشق، إلى أهمية بناء سوريا بمشاركة جميع السوريين، إلى جانب مواصلة تنسيق الجهود في مكافحة الإرهاب.

وبحث الشرع وبرّاك، وفقاً لبيان الرئاسة السورية، آخر التطورات الإقليمية، وسبل تعزيز التعاون الاقتصادي بين سوريا والولايات المتحدة.

الرئيس السوري أحمد الشرع يبحث التطورات الإقليمية مع المبعوث الأميركي توم براك في دمشق (الرئاسة السورية)

واجتمع المبعوث الأميركي مع مظلوم عبدي قائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في أربيل، السبت، بحضور زعيم الحزب «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني، لبحث حل المشكلة الكردية في سوريا.

وواصل الجيش السوري تقدمه في محافظة الرقة شرق سوريا؛ إذ أعلن السيطرة على مدينة الطبقة الاستراتيجية وسد الفرات من المقاتلين الأكراد، بينما أفادت «وكالة الأنباء السورية» بأن قوات «قسد» قد فجرت جسرين على نهر الفرات.

الزعيم الكردي مسعود بارزاني وإلى جانبه مظلوم عبدي خلال المحادثات مع سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس براك في مدينة بيرمام بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

كما سيطر الجيش السوري على حقل العمر النفطي، وهو الأكبر في سوريا وحقل كونيكو للغاز في شرق البلاد.

وأفادت وسائل إعلام كردية بأن قائد «قسد» مظلوم عبدي قد تحدث هاتفياً مع الرئيس السوري أحمد الشرع، بعد تقارير عن زيارة عبدي إلى دمشق.

وأعلنت إدارة العمليات العسكرية السورية في وقت لاحق أنها أخرجت «قسد» من غرب الفرات، بينما انقطعت المياه عن مدينة الرقة بشكل كامل بعد تفجير «قسد» الأنابيب الرئيسية للمياه المغذية للمدينة.