السينما المصرية في 2024... إيرادات قياسية وولادة مخرجات جديدات

بعض أفلامها سجلت حضوراً مميزاً في مهرجانات دولية

أبطال الفيلم مع المخرج طارق العريان (حساب كريم قاسم على «فيسبوك»)
أبطال الفيلم مع المخرج طارق العريان (حساب كريم قاسم على «فيسبوك»)
TT

السينما المصرية في 2024... إيرادات قياسية وولادة مخرجات جديدات

أبطال الفيلم مع المخرج طارق العريان (حساب كريم قاسم على «فيسبوك»)
أبطال الفيلم مع المخرج طارق العريان (حساب كريم قاسم على «فيسبوك»)

شهدت السينما المصرية أحداثاً وظواهر عدة خلال عام 2024، لكن 3 منها كانت لافتة وجديرة بتسليط الضوء عليها، وهي الإيرادات القياسية التي حققتها، وتسجيل أفلامها حضوراً مميزاً بالمهرجانات الدولية الكبرى، بالإضافة إلى ظهور 7 مخرجات جديدات للمرة الأولى قدمن أعمالاً حققت نجاحاً نقدياً.

قفزات بالإيرادات

تصدَّر قائمة الإيرادات لعام 2024 فيلم «ولاد رزق 3: القاضية»، الذي دعمت إنتاجه «هيئه الترفيه» السعودية، وتم تصوير بعض مشاهده بـ«موسم الرياض»، وأدى بطولته أحمد عز وعمرو يوسف وآسر ياسين، وهو من إخراج طارق العريان، وحاز المركز الأول محققاً إيرادات بلغت 260 مليوناً و226 ألف جنيه مصري (الدولار يساوي 50.87 جنيه مصري)، فيما احتل فيلم «X مراتي» المركز الثاني بإيرادات قدرها 92 مليوناً و797 جنيهاً، وهو من بطولة هشام ماجد وأمينة خليل ومحمد ممدوح وإخراج معتز التوني، وجاء في المركز الثالث فيلم «شقو» لعمرو يوسف ويسرا ودينا الشربيني وإخراج كريم السبكي، محققاً 78 مليوناً و815 جنيهاً.

السينما المصرية التي شهدت عرض 45 فيلماً روائياً طويلاً في عام 2024، انتعشت بفضل الدماء الجديدة التي انضمت إليها، عبر مخرجين جدد عرضت مهرجانات دولية كبرى أعمالهم، وأحرز بعضهم جوائز مهمة، على غرار ندى رياض وأيمن الأمير مُخرجيْ فيلم «رفعت عيني للسما» المتوَّج بجائزة «العين الذهبية» بمهرجان «كان»، وهي المرة الأولى التي يفوز فيها فيلم مصري بهذه الجائزة، وفيلم «معطر بالنعناع» للمخرج محمد حمدي الذي شارك بـ«أسبوع النقاد» بـ«مهرجان فينسيا»، وفيلم «شرق 12» للمخرجة هالة القوصي الذي عُرِض ضمن تظاهرة «نصف شهر المخرجين» بمهرجان «كان» السينمائي.

فيلم «رفعت عيني للسما» الذي حاز على جائزة «العين الذهبية» بمهرجان «كان» (الشركة المنتجة)

كما شارك فيلم «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» للمخرج خالد منصور بمهرجان «فينيسيا»، وحاز على جائزة «لجنة التحكيم» بمسابقة «مهرجان البحر الأحمر السينمائي» الذي ساهم بدورته الرابعة في الكشف عن أفلام مهمة، من بينها فيلم «سنو وايت» لمخرجته تغريد أبو الحسن، وفيلم «ضي» للمخرج كريم الشناوي الذي افتتح دورته الماضية، وهو إنتاج مصري سعودي، وتم اختياره للعرض بـ«مهرجان برلين»، في دورته المقبلة (2025).

مخرجات جديدات

وشهد عام 2024 ميلاد 7 مخرجات جديدات قدمن أفلامهن الطويلة الأولى التي شهدت تنوعاً كبيراً بين الرومانسية والاجتماعية والكوميدية، وهن كوثر يونس بفيلم «مقسوم»، وهبة يسري بفيلم «الهوى سلطان»، ونهى عادل بفيلم «دخل الربيع يضحك»، وزينة أشرف عبد الباقي بفيلم «مين يصدق»، وجيلان عوف بفيلمها «الفستان الأبيض»، وتغريد أبو الحسن بفيلم «سنووايت»، كما أقدمت الفنانة دُرة على تقديم أولى تجاربها مخرجةً في الفيلم الوثائقي الطويل: «وين صرنا»، الذي شارك بمهرجانَي «القاهرة» و«قرطاج».

المخرجة زينة عبد الباقي وفريق فيلمها الأول «مين يصدق» (الشركة المنتجة)

وتضع الناقدة ماجدة خير الله فارقاً بين السينما المستقلة التي أفرزت أفلاماً قليلة الميزانية استطاعت تمثيل مصر في مهرجانات مهمة، دون اعتماد على نجوم في بطولتها، وانطوت على جرأة وإصرار على تقديم أفكار مغايرة، فيما لم تحرز السينما التجارية أي تقدُّم، حيث تدور في نفس فلك الكوميديا و«الأكشن»، وفق تعبيرها، مضيفة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «فيلم (الهوى سلطان) حقَّق مفاجأة، لأنه جمع بين الرومانسية المغلفة بكوميديا بسيطة، وهو يمثل رجوعاً لدور المرأة في السينما تماماً، مثل فيلم منى زكي (رحلة 404) الذي ترشح لـ(الأوسكار)»، كما ترى خير الله أن ظاهرة المخرجات الجديدات «أمر مبشِّر لم يحدث منذ زمن».

مخاوف مشروعة

ومن الظواهر الإيجابية التي شهدتها السينما المصرية خلال عام 2024، وفق الناقد رامي عبد الرازق، مشاركة أفلام مصرية بشكل مميز في مهرجانات دولية، في ظل إنتاج سينمائي اتسم بالتنوع، واعتمد أفكاراً جديدة، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الوقوف عند نوعيات الأكشن أو الكوميديا فقط يجعل السينما تخسر جمهوراً لا تستهويه هذه الأفلام».

وبينما تتوقف خير الله عند منع عرض فيلم «الملحد»، والفيلم القصير «آخر المعجزات»، متمنية أن يكون هناك تاريخ جديد للرقابة تتوقف فيه عن قرارات المنع، يرى عبد الرازق أن تغيير مسؤول جهاز الرقابة على الأفلام خطوة إيجابية، لأن المهام الثقافية تعتمد على التفاعل الدائم، وأن ثبات الشخص في مكانه لا يحقق هذا التفاعل، متمنياً أن يمتد الأمر لتحقيق رؤية رقابية جديدة تتواكب مع الزمن الحالي بكل متغيراته.

ويلفت الناقد المصري إلى ارتفاع أسعار تذاكر السينما قائلاً إن الجمهور المصري يتردد على السينما منذ أكثر من 100 عام، ومثَّلت رافداً مهماً من ثقافته واهتماماته، مؤكداً أن رفع سعر التذكرة يمثل خسارة للجميع.

ولا يعتقد المخرج أمير رمسيس أن الصورة كانت إيجابية في السينما المصرية عام 2024. وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن الإنتاج السنوي هو المقياس الحقيقي لازدهار الصناعة التي لا تنمو بعدة أفلام شاركت في مهرجانات ولا بعدد أفلام ثابت حقق قفزة بالإيرادات». ويرى رمسيس أن «التقييم الأعم يُقاس بالأفلام متوسطة الميزانية التي بات من المستحيل إنتاجها، بسبب ارتفاع أسعار الخامات والأزمة الاقتصادية والرسوم المفروضة على صناعة الفيلم».

لقطة من فيلم «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» (الشركة المنتجة)

وفي الختام، طالَبَ المخرج المصري بإقرار تسهيلات في رسوم التصوير بالشوارع ومختلف الأماكن، وحلّ معوقات كثيرة تعطِّل الصناعة، مشيراً إلى أن «أزمة منع فيلم (الملحد) تدعو للخوف، حين يكون لدى أي سينمائي فيلم أُجيز رقابياً ثم يتم منع عرضه»؛ ما عَدَّه «شيئاً مخيفاً على مستوى استمرارية الصناعة التي قد تواجه خطراً ما لم يحدث تغير بوجود نظام واضح للإنتاج بشكل مستقر» على حد تعبيره.


مقالات ذات صلة

«المحطة» لافتتاح «الدوحة السينمائي» بعد حصده جوائز في «كان» و«البندقية»

يوميات الشرق لقطة من فيلم «المحطة» (مؤسسة الدوحة للأفلام)

«المحطة» لافتتاح «الدوحة السينمائي» بعد حصده جوائز في «كان» و«البندقية»

يعد عرض «المحطة» الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرجة اليمنية الاسكوتلندية سارة إسحاق في «الدوحة السينمائي» الأول من نوعه في منطقة الشرق الأوسط.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق نجيب وسميح ساويرس في الدورة الماضية من المهرجان (إدارة المهرجان)

«الجونة السينمائي» للرهان على العمل المؤسسي بعيداً عن «آل ساويرس»

يشهد المهرجان الذي يحتضن عرض أكثر من 70 فيلماً حضوراً لافتاً للسينما الفلسطينية ضمن الفعاليات المختلفة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق صالة سينما «إليزيه لينكولن» في باريس تستضيف المهرجان (الجهة المنظّمة)

«مهرجان الفيلم اللبناني» في فرنسا... حكايات الوطن تعبُر إلى باريس

في نسخته السادسة، استُحدثت جائزة الجمهور التي تتيح له التصويت على الأفلام يومَي 17 و18 أكتوبر (تشرين الأول)...

فيفيان حداد (بيروت)
خاص الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)

خاص من أقصى الشراسة إلى أقصى الإنسانيّة... محمد نزار يذهب في «غرَق» إلى أعماق التمثيل

الأردن يختار فيلم «غرَق» لتمثيله رسمياً في دورة الأوسكار المقبلة، والممثل محمد نزار يتحدّث عن رحلة سينمائية وإنسانية استثنائية خرج منها شخصاً آخر.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق فيلم «عكس سير» يواصل منافسته في شباك التذاكر السعودي (الشرق الأوسط)

في عام سينمائي مزدحم... إيرادات الأفلام السعودية تتجاوز 26 مليون دولار

يشتعل سباق الأرقام في صالات السينما، بعد أن تجاوزت إيرادات الأفلام السعودية 100 مليون ريال (26 مليون دولار) منذ بداية العام الحالي.


«حلم»... شاب كفيف يولد من الذكاء الاصطناعي ليمنح أصحاب الهمم صوتاً

«حلم» ضيف شرف دائم في حفلات مهرجان «إضافة» لأصحاب الهمم (سام سعد)
«حلم» ضيف شرف دائم في حفلات مهرجان «إضافة» لأصحاب الهمم (سام سعد)
TT

«حلم»... شاب كفيف يولد من الذكاء الاصطناعي ليمنح أصحاب الهمم صوتاً

«حلم» ضيف شرف دائم في حفلات مهرجان «إضافة» لأصحاب الهمم (سام سعد)
«حلم» ضيف شرف دائم في حفلات مهرجان «إضافة» لأصحاب الهمم (سام سعد)

منذ إطلاق مهرجان «إضافة» لأصحاب الهمم، أخذ صاحب الفكرة ومؤسِّس المهرجان، المخرج سام سعد، على عاتقه مؤازرة هذه الفئة الاجتماعية من خلال نشاطات مختلفة. فابتكر نادياً خاصاً بهم، وخصّص لهم جوائز تقديراً لمواهبهم الفنية والرياضية والاجتماعية وغيرها. وشكّل مهرجان «إضافة» مساحة لتكريم ذوي الإرادة الصلبة والناجحين الذين تحدّوا الإعاقة، وحقّقوا إنجازات وأظهروا مواهب استثنائية.

اليوم، يتّجه سعد إلى تقديم لفتة تكريمية جديدة لهم من خلال شخصية «حلم»، التي تمثّل شاباً كفيفاً في الـ19 من عمره، وُلِّدت بواسطة الذكاء الاصطناعي. و«حلم» مشروع مستقبلي يتيح للشخصية الانخراط في المجتمع وإجراء مقابلات ضمن إطلالات إعلامية. كما ستكون ضيف شرف دائماً على مسرح «مهرجان إضافة»، فتطلّ على الخشبة أمام الحضور شخصياً لتقدّم فقرات مخصّصة من المهرجان.

الشاب «حلم» يحمل رسالة إنسانية إلى زملائه المكفوفين (سام سعد)

ولكن كيف وُلدت فكرة الشاب الكفيف «حلم»؟ وما الدور الذي سيلعبه في المستقبل القريب؟ يُجيب سام سعد «الشرق الأوسط»: «عالم أصحاب الهمم يحتل مساحة كبيرة من مشاريعي. وأبحث دائماً عن أفكار تبلور هذا الاهتمام وتعكس طاقة إيجابية على أصحاب الهمم. والفكرة فريدة من نوعها، ولم يسبق أن رأينا مثيلاً لها في لبنان والعالم».

ويتابع: «فكرة الشاب (حلم) تأتي ضمن مهرجان (إضافة) الذي يكرّم هذه الفئة من المجتمع منذ 3 سنوات حتى اليوم. ونقدّمه بهذه السنّ ليستطيع مواكبة فئة شبابية تعاني إعاقات مختلفة، فيبثّ في قلوبهم التشجيع والسعادة من خلال إنجازات ومقابلات يقوم بها».

ويرى أنه من الطبيعي أن يفكّر المهرجان في كيفية مواكبة الذكاء الاصطناعي بشكل أو بآخر. ومع هذه الفكرة، سيشقّ «حلم» طريقه بثقة، حاملاً مهمّات ذات رؤية مستقبلية يمكن أن يستفيد منها أصحاب الهمم، من بينها ما سيكون ذا طابع علاجي، موضحاً: «قد نعمل من خلال هذه الشخصية على تعليم النطق للأشخاص ذوي الحاجات الخاصة الذين يجدون صعوبة في ذلك. كما نفكّر في علاجات أخرى أصبح الذكاء الاصطناعي ملمّاً بها، فيساعد على تخطّي هذا النوع من المشكلات وغيرها. ونحن بصدد تطوير قدرات الشاب الكفيف (حلم)، لتوسيع مهماته على نحو يستفيد منه زملاؤه على أرض الواقع».

رسم سام سعد هذه الشخصية وولّدها بالتعاون مع اللبناني بلال كساسير، صاحب شركة في السعودية تُعنى بتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسيلةً للتعبير. ومن خلالها، سيتعزّز الدمج، وتصل أصوات أصحاب الهمم إلى مساحة أوسع في الإعلام والمشهد الرقمي.

ويعلّق: «رغبنا في التأكيد على أنّ الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يحمل رسائل إنسانية تتجاوز التكنولوجيا نفسها، فتفتح أبواباً جديدة في كيفية التواصل والدمج بين شعوبنا في العالم العربي».

واستوحى سعد ملامح الشاب «حلم» من وجه ابنه إيلاي، البالغ 19 عاماً: «ملامح تشبه ابني إلى حدّ كبير، لجهة العينين والشامة على خدّه الأيسر، وكذلك شكل ذقنه. استوحيتها جميعها منه ليكون أقرب إلى الحقيقة والواقع كلّما نظرت إليه».

سام سعد مع المطوّر التكنولوجي لشخصية «حلم» بلال كساسير (سام سعد)

ويشير إلى أن «حلم» سيتولّى مهمّات عدّة في المستقبل. ولا يمكن إدراجه ضمن فئة الروبوتات المتحرّكة، بل يندرج ضمن فئة «الشبيهة بالبشر»، المعروفة في العالم الافتراضي، والتي تعني محاكاة المظهر الجسدي أو السلوك أو السمات المعرفية للكائن البشري. ويضيف: «وسيقدّم برنامجاً حوارياً، وربما مدوّنة صوتية، ويستضيف أشخاصاً من أصحاب الهمم يحاورهم على طريقته».

سام سعد و«حلم» يستعدّان لمشاريع مستقبلية (سام سعد)

أما المشروع الفنّي الذي يحضّر له سام سعد مع الشاب «حلم»، فهو ثنائي غنائي. وبعدما كان يفكّر في أن يغنّي معه شخصياً، فضّل ترك المهمة لفنان محترف سيُكشف عن اسمه قريباً. ويقول: «الأغنية بعنوان (100 حلم)، من كتابة زياد جمال وألحانه؛ وهو الذي سبق أن قدّم أغنيات شهيرة لأهم الفنانين في لبنان، كان آخرهم راغب علامة. وبناءً على التركيبة الغنائية للشاب (حلم)، نختار الصوت الذي يشاركه هذا الثنائي الغنائي».

وجاءت أولى إطلالات «حلم» على وسائل التواصل الاجتماعي من خلال تحية قدّمها في فيديو مصوّر لزميلته «فرح» من الأردن، وهي الناطقة الرقمية التي أطلقتها الحكومة الأردنية لتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في التواصل مع المواطنين، وفق ما أعلنته «وكالة الأنباء الأردنية».


استقالوا وتركوا «ثقافة العمل الشاق»... لماذا يختار جيلا «زد» والألفية «التقاعد المصغر»؟

ما هو «التقاعد المصغر» ولماذا يختاره الجيل «زد» وجيل الألفية؟
ما هو «التقاعد المصغر» ولماذا يختاره الجيل «زد» وجيل الألفية؟
TT

استقالوا وتركوا «ثقافة العمل الشاق»... لماذا يختار جيلا «زد» والألفية «التقاعد المصغر»؟

ما هو «التقاعد المصغر» ولماذا يختاره الجيل «زد» وجيل الألفية؟
ما هو «التقاعد المصغر» ولماذا يختاره الجيل «زد» وجيل الألفية؟

بدأ بعض أفراد جيل «زد» وجيل الألفية في إعادة تعريف مفهوم «سنة الفجوة» التي كانت تُخصص تقليدياً لخريجي الجامعات الراغبين في أخذ استراحة قبل بدء حياتهم المهنية. ومع تصاعد الاحتراق الوظيفي، بات شباب عاملون يلجأون إلى ما يُعرف بـ«سنوات الفجوة للبالغين» أو «التقاعد المصغر»، في محاولة للابتعاد مؤقتاً عن ضغوط العمل وإعادة ترتيب حياتهم.

وبفضل التخطيط المالي والادخار، اختارت عالمة البيانات جوليا فاي، البالغة 29 عاماً، ترك وظيفتها ذات الأجر الجيد من دون خطة بديلة، بعد سبع سنوات من العمل في قطاع التكنولوجيا.

الذكاء الاصطناعي دفعها إلى إعادة التفكير في مستقبلها

وقالت فاي، التي كانت تقيم في مانهاتن، لصحيفة «نيويورك بوست»: «هناك كثير من التغييرات في العمل بسبب الذكاء الاصطناعي والتحولات التكنولوجية، ورأيت لنفسي رؤية وفرصة لفعل شيء وبناء شيء خاص بي».

وأضافت: «لقد أحببت عملي بالفعل، لكن بدا أن الوقت مناسب»، مشيرة إلى اعتقادها بأن «ما تبقى لنا هو 5 إلى 10 سنوات من وظائف التكنولوجيا بالشكل الذي نعرفه اليوم».

وقررت فاي أيضاً قضاء فترة التوقف بالقرب من والديها المتقاعدين في غوانغتشو بالصين، حيث قالت إن تكلفة المعيشة أقل بكثير. وتستخدم مدخراتها عند الحاجة، في حين تساعدها الإقامة مع والديها وتأجير شقتها في نيويورك على خفض النفقات.

وخلال فترة التوقف، تخطط فاي لتطوير فكرة منتج تقني خاص بها، إلى جانب تنمية عملها في صناعة المحتوى، الذي أصبح مصدر دخلها الرئيسي.

«سنة الفجوة» ليست خالية من التحديات

رغم أن الابتعاد عن العمل قد يبدو رفاهية، فإن فاي تواجه صعوبة في التعامل مع غياب الروتين الذي كانت تكرهه سابقاً.

ويرى إيه جاي شنايدر، المخطط المالي ومؤسس شركة «Beyond The Green Coaching»، أن التخطيط المالي يجعل خوض تجربة مماثلة أكثر قابلية للتنفيذ.

وقالت شنايدر: «ترتيب أمورك المالية مهم حتى تتمكن من القيام بقفزات كبيرة في حياتك»، موضحة أن الادخار لا يتعلق فقط بالتقاعد أو شراء منزل، بل أيضاً بامتلاك القدرة على مغادرة وظيفة لا يشعر الشخص بالسعادة فيها من دون تعريض نفسه للخطر المالي.

وتنصح الراغبين في أخذ سنة فجوة بخفض نفقاتهم اليومية وزيادة مدخراتهم، مع تحديد تكاليف السفر والإقامة والطعام والأنشطة مسبقاً وتقسيم المبلغ المطلوب على عدد الأشهر المتاحة للادخار.

الاحتراق الوظيفي يدفع الشباب إلى البحث عن بداية جديدة

فاي ليست الوحيدة التي تبحث عن إعادة ترتيب حياتها. ووفقاً للتحالف الوطني للأمراض النفسية، أقرّ 74 في المائة من أفراد جيل «زد» وجيل الألفية بأنهم يعانون مستويات متوسطة إلى مرتفعة من الاحتراق النفسي.

وعلى «تيك توك»، يضم وسم #adultgapyear آلاف المقاطع التي ينتقد فيها الشباب «ثقافة العمل الشاق» والانشغال الدائم. وقال أحد صناع المحتوى في مقطع واسع الانتشار: «ثقافة العمل الشاق ستؤدي إلى سقوط هذا الجيل».

«كنت أعيش اليوم نفسه مراراً»

اختارت تامي أرمسترونغ، البالغة 31 عاماً، المسار نفسه بعد 10 سنوات من العمل سكرتيرة طبية في اسكوتلندا.

وقالت لصحيفة «نيويورك بوست»: «كانت وظيفتي تصبح أكثر رتابة بشكل متزايد. شعرت بأنني أعيش اليوم نفسه مراراً وتكراراً».

وأضافت: «أردت أن أشعر بالحرية مجدداً... وأردت أن أخرج من منطقة الراحة الخاصة بي، وآمل أن أصل إلى نوع من الإدراك لما أريد فعله في حياتي. وأردت أيضاً أن أهدئ جهازي العصبي وأن أعيش بوتيرة أبطأ».

ولبدء سنة الفجوة في يناير (كانون الثاني) 2025، عملت أرمسترونغ لساعات إضافية والتزمت بميزانية صارمة، وضحت بحياتها الاجتماعية وبعض النفقات الشخصية. وخلال رحلاتها، تعتمد على وظائف بدوام جزئي، وبيوت شباب وفنادق ومواقع تخييم منخفضة التكلفة، وأماكن إقامة محلية عندما تسافر مع مجموعات تطوعية.

«كان من الصعب ألا أشعر بالذنب»

قالت أرمسترونغ إن التخلي عن روتين العمل والتكيف مع إنفاق أموال أقل لم يكن سهلاً.

وأضافت: «كانت هناك بالتأكيد لحظات شعرت فيها بالقلق من أن يؤدي ذلك إلى تأخري عن الآخرين في الحياة، وكنت أشعر بالقلق بشأن المال».

وتابعت: «كنت أتحمل كثيراً من الأمور التي لم تكن تتوافق معي لسنوات، لمجرد أنها كانت دائماً كذلك. واضطررت فعلاً إلى التخلص من فكرة أن التراجع ليس فشلاً».

«الحياة ليست مضمونة»

وبعد مرور عام على تبنيها هذا النمط الجديد من الحياة، تعدّ أرمسترونغ اسكوتلندا موطنها حالياً، ولا تملك خططاً للسفر في المستقبل القريب، حتى تتمكن من أخذ الوقت الكافي لتحديد ما تريد فعله بعد ذلك.

وأضافت: «هناك خيارات أخرى للحياة غير المسار التقليدي، والناس يستقرون في حياتهم في سن متأخرة».

وتابعت: «الحياة ليست مضمونة، كما أن العمل الجاد طوال حياتك بهدف الاستمتاع بها في نهاية المطاف بعد التقاعد ليس مضموناً أيضاً».


تفاؤل حكومي في مصر بنجاح خطة «تقليل الإنجاب»

مصر أطلقت حملة «100 مليون صحة» للتوعية والوقاية من الأمراض (وزارة الصحة والإسكان)
مصر أطلقت حملة «100 مليون صحة» للتوعية والوقاية من الأمراض (وزارة الصحة والإسكان)
TT

تفاؤل حكومي في مصر بنجاح خطة «تقليل الإنجاب»

مصر أطلقت حملة «100 مليون صحة» للتوعية والوقاية من الأمراض (وزارة الصحة والإسكان)
مصر أطلقت حملة «100 مليون صحة» للتوعية والوقاية من الأمراض (وزارة الصحة والإسكان)

جاء إعلان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر عن انخفاض معدلات المواليد بنسبة 18.2 في المائة، مصحوباً بحالة من التفاؤل لدى المؤسسات الحكومية المعنية بقضية الزيادة السكانية، بما يُعطي انطباعاً بنجاح خطة «تقليل الإنجاب» وبرامج «تنظيم الأسرة» التي تبنتها مصر، وواصلت تنفيذها على مدى نحو 40 عاماً.

وأعلن رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أكرم الجوهري، عن انخفاض مستويات الإنجاب في مصر بنسبة 18.2 في المائة، إذ بلغ متوسط عدد الأطفال لكل سيدة 2.33 طفل، وفقاً للنتائج الأولية للمسح الصحي للأسرة المصرية لعام 2025، مقارنةً بـ2.85 طفل في عام 2021.

وقال، خلال مؤتمر «إعلان نتائج المسح الصحي للأسرة المصرية 2025»، إن المسح نُفذ بالتعاون مع وزارتي الصحة والتخطيط، مشيراً إلى أنه يأتي امتداداً لسلسلة المسوح السكانية الصحية التي أُجريت في مصر خلال الفترة من 1988 إلى 2014.

جانب من مؤتمر نتائج المسح الصحي للأسرة المصرية (وزارة التخطيط)

وقال وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية في مصر، أحمد رستم، إن المسح الصحي للأسرة المصرية يكتسب أهمية خاصة، لما يوفره من مؤشرات دقيقة حول الأوضاع الصحية والسكانية، وصحة الأم والطفل، والصحة الإنجابية، والتغذية، وغيرها من المؤشرات التي تمثل مرجعاً أساسياً في صياغة السياسات السكانية والصحية والاجتماعية.

وأكد الوزير في كلمته بالمؤتمر أن «نتائج هذا المسح تُمثل قاعدة معرفية تدعم تقييم فعالية البرامج الحكومية والسياسات الصحية والسكانية، وتُسهم في توجيه التدخلات التنموية إلى الفئات والمناطق الأكثر احتياجاً، فضلاً عن دعم تصميم السياسات المستقبلية القائمة على الأدلة، بما يتوافق مع أولويات الدولة المصرية ورؤية مصر 2030».

ويرى الدكتور صلاح سلام، نقيب الأطباء سابقاً بشمال سيناء، أن «هذه المعدلات لا أعتقد أنها تُشير إلى نجاح خطة تنظيم الأسرة بقدر كونها ترتبط بانخفاض معدلات الدخل».

وأضاف سلام لـ«الشرق الأوسط» أن «خفض معدلات الإنجاب بوصفه هدفاً للدولة ربما لا يرتبط ببرامج مدروسة لتنظيم الأسرة، كما حدث في عامي 1996 و2002، والتي أسهمت في خفض معدلات الإنجاب إلى نحو 2.8، فيما كان المستهدف 2.2. لكن ربما يكون السبب هو انخفاض مستويات الدخل، ما يدفع الأسر إلى التفكير كثيراً قبل الإنجاب، في ظل ارتفاع تكاليف العلاج والتعليم، وارتفاع تكلفة الحياة عموماً. وهذا، في رأيي، أحد الأسباب الرئيسية لانخفاض معدلات الإنجاب».

مصر أطلقت حملات عدة لتنظيم الأسرة (وزارة الصحة والسكان)

وكان وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية قد شدد على أن نتائج المسح وما توفره من بيانات تأتي في إطار توجه الدولة المصرية إلى إيلاء قطاع الصحة أولوية قصوى؛ ولذلك تحرص الدولة على توجيه الاستثمارات العامة إلى هذا القطاع، إذ بلغ حجم الاستثمارات العامة المخصصة له في خطة 2026-2027 نحو 108 مليارات جنيه (الدولار يساوي نحو 52 جنيهاً مصرياً)، بزيادة تُقدّر بنحو 27 في المائة عن العام السابق.

وكانت مصر قد أطلقت عدداً من الحملات التوعوية لتنظيم الأسرة عبر تقليل الإنجاب، حفاظاً على المعدلات السكانية الملائمة للموارد، ومن بينها حملات دعائية أطلقت في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، بعد طفرات في الزيادة السكانية التي شهدتها مصر من 26 مليون نسمة عام 1960 إلى 58 مليون نسمة عام 1990، في حين سجل عدد سكان مصر 109 ملايين نسمة في مايو (أيار) الماضي.