هل مساحيق البروتينات عملية احتيال؟

تناولها قد يمنع الاستفادة من العناصر الغذائية الطبيعية

هل مساحيق البروتينات عملية احتيال؟
TT

هل مساحيق البروتينات عملية احتيال؟

هل مساحيق البروتينات عملية احتيال؟

يُروّج المؤثرون على «تيك توك»، لمساحيق البروتينات بوصفها مفتاحاً لبناء العضلات وتغذية أجسامهم؛ كل ذلك بوضع ملعقة سريعة تضاف إلى القهوة أو العصير.

لا شك في أن البروتين ضروري لبناء العضلات، وتقوية العظام، والحفاظ على جهاز المناعة والهضم ومستويات الهرمونات، لكن معظم مساحيق البروتينات تُعدُّ مكملات غذائية، ما يُثير السؤال: هل أنت تحتاج حقّاً إلى مكمل للحصول على ما يكفي من البروتين؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما النوع الأفضل؟

لقد طلبنا من الخبراء النصيحة.

هل مساحيق البروتين ضرورية؟

قالت كولين تيوكسبري، الأستاذة المساعدة في علوم التغذية بجامعة بنسلفانيا، إن «الغالبية العظمى» من الناس في الولايات المتحدة يحصلون بالفعل على ما يكفي من البروتين من الأطعمة التي يتناولونها، ولا يحتاجون إلى تناوله في شكل مكملات.

إرشادات أميركية

توصي الإرشادات الفيدرالية بأن يستهلك البالغون الذين تبلغ أعمارهم 19 عاماً أو أكثر، 0.36 غرام من البروتين لكل رطل (الرطل 453 غراماً تقريباً) من وزن الجسم يومياً. وهذا يُعادل 54 غراماً للبالغين الذين يزنون 150 رطلاً (68 كيلوغراماً)، أو 72 غراماً لشخص يزن 200 رطل (91 كيلوغراماً). ومع ذلك، تشير الأبحاث إلى أن كبار السن قد يستفيدون من إضافة نحو 50 في المائة من البروتينات، وقد ترغب الحوامل أو المرضعات أو الذين يمارسون تدريبات القوة أو التحمل بانتظام، في مضاعفة الكمية الموصى بها أو أكثر.

الأطعمة أفضل من المساحيق

وقال الخبراء إن الأطعمة الكاملة -مثل الدجاج والأسماك واللحوم الخالية من الدهون والزبادي والجبن القريش والبيض والمكسرات والفاصوليا والعدس- هي أفضل مصادر البروتين. ويشير واين كامبل، أستاذ علوم التغذية بجامعة بيردو، إلى أنها توفر مجموعة متنوعة من العناصر الغذائية القيمة الأخرى، مثل الفيتامينات والمعادن والألياف والدهون الصحية والمركبات النباتية. ويضيف أنه إذا كنت «تتناول مكملات غذائية» بدلاً من تناول الطعام الحقيقي، «فإنك تحصل على البروتينات، لكنك تفقد كثيراً من العناصر المغذية الأخرى».

مقارنات «بروتينية»

تحتوي معظم مساحيق البروتين على نحو 20 غراماً من البروتين لكل وجبة، وهذا يعادل تقريباً الكمية الموجودة في نصف كوب من صدور الدجاج المقطعة إلى مكعبات؛ وكوبين من الأرز البني والفاصوليا؛ وثلاثة أرباع كوب من الزبادي اليوناني الخالي من الدسم مع أونصة واحدة (28 غراماً تقريباً) من الجوز؛ و3 ملاعق كبيرة من زبدة الفول السوداني على شريحتين متوسطتين من خبز القمح الكامل.

وقالت كولين تيوكسبري، إنه بمجرد تلبية احتياجات جسمك من البروتين، فإن المزيد ليس بالضرورة أفضل، لأنك لا تستطيع تخزين البروتين الزائد، وبدلاً من ذلك، سيقوم الكبد بتكسيره لاستخدامه سعرات حرارية أو تخزينه على شكل دهون.

وأضافت، أنه نظراً لأن الكلى يجب أن تتخلص من النفايات الناتجة عن هذه العملية، فينبغي للأشخاص المصابين بأمراض الكلى عدم تناول كثير من البروتين.

مَن قد يستفيد من مسحوق البروتين؟

قالت كولين تيوكسبري إن مسحوق البروتين يمكن أن يكون مفيداً لبعض الأشخاص.

- مرضى السرطان. وتشمل هذه الفئة أولئك الذين يحتاجون إلى الحصول على ما يكفي من البروتين بكميات أقل من الطعام -مثل مرضى السرطان الذين يعانون من شهية محدودة، أو أولئك الذين يتعافون من جراحات الجهاز الهضمي الكبرى، والذين لا يستطيعون تناول سوى السوائل أو أجزاء صغيرة من الطعام.

- كبار السن. وبالمثل، قد يجد كبار السن الذين يحتاجون إلى سعرات حرارية أقل -غالباً ما تكون لديهم شهية منخفضة- أن تحريك مسحوق البروتين في دقيق الشوفان أو الزبادي يمكن أن يساعدهم في الحصول على ما يكفي، كما قالت نانسي رودريغيز، أستاذة فخرية في علوم التغذية بجامعة كونيتيكت.

ولا يستوفي نحو نصف النساء وثلث الرجال الذين تبلغ أعمارهم 71 عاماً أو أكثر في الولايات المتحدة التوصيات الفيدرالية للبروتين. وقد يزيد ذلك من خطر فقدان العضلات، ما قد يؤدي إلى السقوط وكسور العظام والاستشفاء.

- الرياضيون. إذا كنت تحاول بناء حجم العضلات والقوة، فتشير الأبحاث إلى أن استخدام مسحوق البروتين يمكن أن يساعدك في تحقيق أهدافك، كما قالت نانسي رودريغيز. وأضافت أن تناول البروتين من الأطعمة العادية يمكن أن يعمل بالقدر نفسه من الجودة، لكن الرياضيين المشغولين غالباً ما يختارون استخدام مساحيق البروتين لراحتهم.

وقالت نانسي رودريغيز: «فقط ضع في اعتبارك أن تناول البروتين لا يعني أنك ستحول البروتين إلى عضلات». وأضافت أنك بحاجة إلى برنامج تدريب قوة مصمم جيداً وسعرات حرارية إضافية لبناء العضلات.

ولا يستطيع جسمك استخدام أكثر من 20 إلى 40 جراماً من البروتين في الوجبة الواحدة لتكوين العضلات، كما قال كولين تيوكسبري. وهذا لا يزيد على وجبة أو وجبتين من مسحوق البروتين.

هل هناك سلبيات لمساحيق البروتين؟

قالت نانسي رودريغيز إنه نظراً لأن معظم مساحيق البروتين مصنفة بصفتها مكملات غذائية، فهي لا تخضع لتنظيم صارم من قبل الحكومة الفيدرالية، وقد لا تحتوي على كمية البروتين التي تدعي أنها توجد بها.

معادن ثقيلة ومنشطات في المساحيق

وقد اكتشف الباحثون كميات صغيرة من المعادن الثقيلة، وفي حالات نادرة المنشطات الابتنائية في بعض مكملات البروتين.

قال ستيفان باسيكوس، مدير مكتب المكملات الغذائية في المعاهد الوطنية للصحة، إن معظم مساحيق البروتين آمنة على الأرجح. ولكن من الأفضل اختيار مساحيق تحمل ختماً من مختبر تابع لجهة خارجية، مثل «NSF» أو «U.S. Pharmacopeia»، التي تختبر المكملات بشكل مستقل للتأكد من أنها تحتوي على ما هو موجود على الملصق، وليس أكثر، كما قال.

مكونات إضافية غير محبّذة

وتُعدّ مساحيق البروتين أيضاً أطعمة فائقة المعالجة، وترتبط المخاوف الصحية ببعض المكونات المستخدمة فيها. ويمكن أن تحتوي على سكريات مضافة، مثل شراب الذرة عالي الفركتوز؛ أو قد تتم تحليتها بمحليات صناعية أو بدائل سكر أخرى، مثل «ستيفيا» أو «إريثريتول»، التي ربطتها دراسات محدودة بمشكلات القلب والأوعية الدموية ومرض السكري من النوع 2، وتغيرات الميكروبيوم.

وقد تحتوي أيضاً على مستحلبات، مثل «الليسيثين» أو «صمغ الزانثان»، والتي تشير بعض الأبحاث إلى أنها يمكن أن تزيد من التهاب الأمعاء.

و قالت كولين تيوكسبري إنه إذا كان لديك سبب طبي لاستخدام مكمل بروتيني، فمن المرجح أن تفوق الفوائد المخاطر المحتملة. وأضافت أنه بالنسبة للجميع، لا نعرف ما يكفي عن آثارها الصحية طويلة المدى، لنقول ما إذا كانت قد تزيد من خطر الإصابة بأمراض مزمنة.

ما الذي يجب أن تبحث عنه في مساحيق البروتينات؟

قال باسيكوس إن بروتين مصل اللبن «whey protein» من بين عدد من أنواع مساحيق البروتين المتاحة، مدعوم بأكبر قدر من الأبحاث.

إن مصل اللبن المصنوع من الحليب يتم هضمه بسرعة، وهو بروتين «كامل»، ما يعني أنه يحتوي على ما يكفي من الأحماض الأمينية الأساسية التسعة، أو اللبنات الأساسية لإنشاء بروتينات جديدة في جسمك.

وأضاف باسيكوس إن معظم النباتات تحتوي على نسبة منخفضة من حمض أميني أساسي واحد على الأقل؛ لذلك تحتوي بعض المساحيق على مزيج من عدد من المصادر النباتية لتوفير التوازن بين الأحماض الأمينية.

وتابع: «في المخطط العام للأشياء، من غير المرجح أن يكون نوع البروتين الذي تختاره مهماً كثيراً من حيث قدرتك على بناء العضلات أو تلبية احتياجاتك من البروتين». فقد ثبت أن مساحيق بروتين البازلاء وفول الصويا والأرز، على سبيل المثال، تدعم بناء العضلات، على غرار بروتين مصل اللبن في التجارب الصغيرة.

من جهتها، قالت نانسي رودريغيز إن الأهم هو اختيار بروتين لا يحتوي على كثير من المكونات الإضافية، مثل السكريات المضافة أو المواد المضافة أو الفيتامينات والمعادن التي تزيد على القيمة اليومية الموصى بها.

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

أدوات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي تُقدّم نصائح طبية سيئة

تكنولوجيا دراسة تحذر من استخدام الذكاء الاصطناعي لتشخيص حالات صحية (رويترز)

أدوات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي تُقدّم نصائح طبية سيئة

أظهرت دراسة نُشرت الاثنين أن النصائح الطبية التي تسديها برامج الدردشة الآلية القائمة على الذكاء الاصطناعي للمستخدمين ليست جيدة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
صحتك يتميز الفطر بخصائص تغذية فريدة (بيكسباي)

هل تناول الفطر مفيد لصحتك؟

يحتوي الفطر أنواعاً من الألياف لا توجد في معظم النباتات الأخرى، بالإضافة إلى مستويات عالية من مضادات الأكسدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك سيدة مصابة بالخرف (رويترز)

تمارين الدماغ تسهم في الحدّ من خطر الإصابة بالخرف

أعلن علماء الاثنين أن تجربة عشوائية مضبوطة بالشواهد توصلت إلى أن ثمة علاجاً يسهم في الحدّ على نحو ملحوظ من خطر الإصابة بالخرف.

«الشرق الأوسط» (باريس)
صحتك الأقماع المصنعة قد تكون شديدة المعالجة بحد ذاتها وقد تمنح جرعة مضاعفة من السكر والدهون والمكونات الصناعية (بيكساباي)

أطعمة فائقة المعالجة قد تضر بصحتك أكثر مما تظن

قد تبدو بعض الأطعمة فائقة المعالجة عادية في النظام الغذائي اليومي، لكنها قد تحمل آثاراً سلبية على الصحة الأيضية على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك تدفئة القدمين قبل النوم قد تكون خطوة فعّالة لتحسين جودة النوم (بيكسباي)

لماذا عليك تدفئة قدميك قبل النوم؟

قد يكون الشعور ببرودة القدمين مزعجاً في أي وقت، لكنه يصبح أكثر إزعاجاً عندما تحاول الخلود إلى النوم.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.