القوات الإسرائيلية تتوغل بعمق 9 كيلومترات داخل ريف درعا

دخلت قرية كويا وسد الوحدة التاريخي قرب الحدود السورية - الأردنية

دبابات مهجورة على طريق سريع في منكت الحطب بالقرب من درعا (أ.ف.ب)
دبابات مهجورة على طريق سريع في منكت الحطب بالقرب من درعا (أ.ف.ب)
TT

القوات الإسرائيلية تتوغل بعمق 9 كيلومترات داخل ريف درعا

دبابات مهجورة على طريق سريع في منكت الحطب بالقرب من درعا (أ.ف.ب)
دبابات مهجورة على طريق سريع في منكت الحطب بالقرب من درعا (أ.ف.ب)

توغلّت القوات الإسرائيلية بعمق 9 كيلومترات داخل ريف درعا في جنوب سوريا، وفق «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، الأربعاء.

وقال «المرصد»، الذي يوثّق الأحداث في سوريا: «إن القوات الإسرائيلية دخلت قرية كويا وسد الوحدة التاريخي القريب من الحدود السورية - الأردنية، وتمركزت في مواقع استراتيجية، بعد تحذيرات للسكان بتسليم السلاح في المنطقة».

وأشار «المرصد»، ومقره لندن، في بيان صحافي اليوم، إلى أن «القوات الإسرائيلية دخلت (الكتيبة 74) في محيط قرية صيدا، على الحدود الإدارية بين محافظتي القنيطرة ودرعا، في خطوة تُمثل اختراقاً جديداً ضمن منطقة جنوب سوريا».

ووفق «المرصد»: «يأتي هذا التحرك العسكري في ظل توتر متزايد على الحدود السورية مع الجولان المحتل».

وفتشت القوات الإسرائيلية ثكنة عسكرية لقوات النظام السابق في محيط قرية المقرز، القريبة من قرية صيدا الجولان، بحثاً عن أسلحة وذخائر، بعد أن أطلقوا النار في الهواء لمنع اقتراب أي شخص من مواقع التفتيش.

ويقود الشرع، المعروف باسم أبو محمد الجولاني، «هيئة تحرير الشام» الإسلامية، التي قادت فصائل مسلحة أطاحت بالأسد من السلطة في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) الحالي، منهيةً حكم العائلة الذي استمرّ 5 عقود من الزمن.

ومنذ ذلك الحين، توغّلت إسرائيل داخل منطقة منزوعة السلاح في سوريا أُقيمت بعد حرب عام 1973، بما في ذلك الجانب السوري من جبل الشيخ الاستراتيجي المطل على دمشق، حيث سيطرت قواتها على موقع عسكري سوري مهجور.

كما نفَّذت إسرائيل -التي قالت إنها لا تنوي البقاء هناك، وتصف التوغل في الأراضي السورية بأنه «إجراء محدود ومؤقت لضمان أمن الحدود»- مئات الضربات على مخزونات الأسلحة الاستراتيجية في سوريا.

وقالت إنها تدمر الأسلحة الاستراتيجية والبنية التحتية العسكرية؛ لمنع استخدامها من قِبَل جماعات المعارضة المسلحة التي أطاحت بالأسد من السلطة، وبعضها نشأ من رحم جماعات متشددة مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش».

وندَّدت دول عربية عدة، بينها مصر والسعودية والإمارات والأردن، بما وصفته باستيلاء إسرائيل على المنطقة العازلة في هضبة الجولان.

وقال الشرع، في مقابلة نُشرت على موقع «تلفزيون سوريا»، وهي قناة مؤيدة للمعارضة، إن الوضع السوري المنهك بعد سنوات من الحرب والصراعات لا يسمح بالدخول في أي صراعات جديدة. وأضاف أن الأولوية في هذه المرحلة هي إعادة البناء والاستقرار، وليس الانجرار إلى صراعات قد تؤدي إلى مزيد من الدمار.

وذكر أن الحلول الدبلوماسية هي السبيل الوحيد لضمان الأمن والاستقرار، «بعيداً عن أي مغامرات عسكرية غير محسوبة».


مقالات ذات صلة

«قسد» تسحب مقاتليها من الأشرفية والشيخ مقصود في حلب

المشرق العربي حافلة تقلّ عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» تغادر حي الشيخ مقصود في حلب (إ.ب.أ)

«قسد» تسحب مقاتليها من الأشرفية والشيخ مقصود في حلب

ذكر التلفزيون السوري، مساء أمس (السبت)، أن حافلات دخلت حي الشيخ مقصود بمدينة حلب؛ لإخراج مَن تبقَّى من عناصر «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
خاص صورة ضخمة لبشار الأسد ملقاة على الأرض بعد هروبه على أرضية القصر الرئاسي في دمشق 8 ديسمبر 2024 (أ.ب) p-circle 03:31

خاص «فخ الأسد»... ليلة هزت حلفاء طهران في بغداد

كشفت شهادات خاصة جمعتها «الشرق الأوسط» من شخصيات عراقية ضالعة في الملف السوري قبل هروب الأسد كيف انسحبت ميليشيات من سوريا دون تنسيق، أو ترتيبات مسبقة.

علي السراي (لندن)
تحقيقات وقضايا مدرعات إسرائيلية خلال مناورة قرب الخط الفاصل بين مرتفعات الجولان المحتلة وسوريا في ديسمبر 2024 (أ.ب)

الجنوب السوري... حرب صامتة بين دمشق وتل أبيب

لم تمر سوى بضع ساعات على إسقاط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، حتى أعلنت إسرائيل احتلال المنطقة العازلة في الأراضي السورية.

موفق محمد (دمشق)
خاص امرأة تمرّ بجانب عرضٍ لجوارب تحمل رسومات ساخرة من بشار الأسد وحافظ الأسد في إحدى أسواق دمشق (د.ب.أ)

خاص السوريون يحتفلون بـ«حق العودة»... والمغيبون قسراً أبرز الحاضرين

أكثر من أي شيء، هو احتفاء بـ«حق العودة» الذي حرم منه السوريون لعقود مضت وسبقت أحياناً ثورة 2011. يقول رجل أربعيني عاد إلى دمشق بعد 13 عاماً قضاها في إسطنبول.

بيسان الشيخ (دمشق)
المشرق العربي الأسد يقود سيارته في الفيديوهات التي بثتها قناة «العربية/ الحدث» (الشرق الأوسط)

«تسريبات الأسد»: شتائم للغوطة وسخرية من جنوده

بثت قناة «العربية/ الحدث» السبت، تسجيلات مصوَّرة حصرية، تجمع بشار الأسد بمستشارته السابقة لونا الشبل، ويشتم فيها الرئيس المخلوع الغوطة ويسخر من جنوده.

سعاد جروس (دمشق)

عباس يطالب واشنطن بموقف «حازم» من الإجراءات الإسرائيلية في الضفة

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
TT

عباس يطالب واشنطن بموقف «حازم» من الإجراءات الإسرائيلية في الضفة

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)

دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الأربعاء، الولايات المتحدة والمجتمع الدولي إلى «موقف حازم» بعد أن وافق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي على إجراءات تهدف إلى تعزيز سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية المحتلة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في قمة شرم الشيخ لإنهاء حرب غزة بمصر 13 أكتوبر 2025 (رويترز)

وقال عباس خلال زيارة لأوسلو إنه بحث مع رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستور في هذا القرار، وفي عنف المستوطنين الإسرائيليين وحجب إسرائيل أربعة مليارات دولار من المساعدات المخصصة للشعب الفلسطيني.

وقال في مؤتمر صحافي إن «هذه الانتهاكات الجسيمة تستدعي رداً حازماً من الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي؛ لأنها تعرقل جهود الرئيس ترمب وتشكل انتهاكاً للقانون الدولي».


تداخل عسكري وتوازن هش يحكمان سنجار شمال العراق

دورية عسكرية عراقية على الحدود مع سوريا في منطقة سنجار (أ.ف.ب)
دورية عسكرية عراقية على الحدود مع سوريا في منطقة سنجار (أ.ف.ب)
TT

تداخل عسكري وتوازن هش يحكمان سنجار شمال العراق

دورية عسكرية عراقية على الحدود مع سوريا في منطقة سنجار (أ.ف.ب)
دورية عسكرية عراقية على الحدود مع سوريا في منطقة سنجار (أ.ف.ب)

كشفت مصادر أمنية عراقية لـ«الشرق الأوسط» خريطة القوى العسكرية والأمنية التي تمسك فعلياً الأرض في قضاء سنجار شمال العراق، في وقت تصاعدت فيه التهديدات التركية بتنفيذ عملية عسكرية محدودة تستهدف ما تبقى من وجود لحزب «العمال الكردستاني» في المنطقة.

ووفقاً للمصادر، تتوزع السيطرة داخل مركز القضاء بين الشرطة المحلية التي تتولى إدارة الملف الأمني اليومي، مدعومة بانتشار للجيش الاتحادي في محيط المدينة، وعلى الطرق الرابطة مع باقي مناطق محافظة نينوى.

كما توجد تشكيلات من «الحشد الشعبي» في بعض النقاط، إلى جانب قوات تابعة لـ«الحزب الديمقراطي الكردستاني» في أطراف القضاء.

وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد أشار إلى احتمال تنفيذ عملية وصفها بـ«البسيطة» تتضمن تقدماً برياً لقوات «الحشد الشعبي»، وإسناداً جوياً تركياً خلال يومين، أو ثلاثة.

حرس الحدود العراقي يقوم بدورية على طول الحدود مع سوريا في سنجار شمال البلاد (أ.ب)

بقايا «العمال»

وتتحدث المصادر العراقية عن وجود لـ«وحدات مقاومة سنجار» المعروفة اختصاراً بـ(اليبشه)، التي تضم نحو 2600 مقاتل من أبناء المكون الإيزيدي، وتتمركز في جبال وكهوف سنجار، وتحظى بنفوذ ملحوظ لارتباطها بحزب «العمال الكردستاني»، رغم إعلان الأخير حل نفسه في مايو (أيار) 2025.

وبشأن ما يتردد عن إمكانية وصول بعض عناصر قوات «قسد» بعد خسارتهم لمناطق نفوذهم في سوريا، تشير المصادر إلى «عدم إمكانية عبور تلك العناصر إلى قضاء سنجار، بالنظر للوجود الأمني، والعسكري العراقي المكثف على الحدود، والسياج المحكم، والعازل بين العراق وسوريا في تلك المناطق».

لكن المصادر أوضحت أن «التداخل بين القوى المختلفة يخلق حالة توازن هش، وصراع نفوذ غير معلن، ينعكس شعوراً بعدم الاستقرار لدى السكان».

وبحسب المصادر، فإن اتفاق سنجار الموقع بين بغداد وأربيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، برعاية الأمم المتحدة، والهادف إلى تطبيع الأوضاع الإدارية، والعسكرية، وإخراج الجماعات المسلحة، لم يُنفذ بالكامل.

ورغم تخصيص 50 مليار دينار لإعادة الإعمار في 2024، ما زال نحو نصف السكان في مخيمات النزوح بإقليم كردستان، فيما تبقى الخدمات دون المستوى المطلوب.

وكيل الخارجية العراقية محمد بحر العلوم مستقبلاً السفير التركي في بغداد (إعلام الخارجية)

«شأن عراقي»

وكان وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، لوح بإمكانية تنفيذ عملية عسكرية محدودة في سنجار. وردت بغداد برفض التصريحات، واستدعت السفير التركي، مؤكدة أن ملف سنجار شأن وطني خالص يُدار وفق الآليات العراقية.

وأعرب وكيل وزارة الخارجية العراقية، محمد حسين بحر العلوم، عن «استياء العراق من التصريحات المتداولة في وسائل الإعلام، وأنها تمثل إساءة إلى العلاقات الودية بين العراق وتركيا، وتُعد تدخلاً في الشأن الداخلي العراقي، وتجاوزاً للأعراف الدبلوماسية».

وأكد أن «العراق دولة مؤسسات ذات نظام سياسي ديمقراطي دستوري، ولا يمكن مقارنته بدول أخرى لها أنظمة سياسية مختلفة».

وشدد بحر العلوم على أن «ملف سنجار وسائر المناطق العراقية هو شأن وطني خالص، ويجري التعامل معه وفق الأولويات، والآليات الوطنية، ونرفض أي تدخل خارجي لفرض حلول، أو لاستخدام هذا الملف للتأثير سياسياً، أو عسكرياً».

ونقل بيان الخارجية العراقية عن السفير التركي أنيل بورا إينان قوله إن «تصريحات وزير الخارجية فُهمت على نحو غير دقيق نتيجة ترجمة غير صحيحة».

وأشار إلى أن «حديث الوزير كان يتعلق بعناصر حزب (العمال الكردستاني) الموجودين في العراق، ولا علاقة له بالشأن العراقي الداخلي، أو بالمواطنين العراقيين».


أب في غزة يبحث عن رفات عائلته بين أنقاض منزلهم

تظهر شظايا العظام أمام الكاميرا خلال عملية بحث عن رفات نعمة حماد التي لا تزال مدفونة تحت أنقاض منزلها الذي دمرته غارة جوية إسرائيلية في ديسمبر 2023 في مدينة غزة (أ.ب)
تظهر شظايا العظام أمام الكاميرا خلال عملية بحث عن رفات نعمة حماد التي لا تزال مدفونة تحت أنقاض منزلها الذي دمرته غارة جوية إسرائيلية في ديسمبر 2023 في مدينة غزة (أ.ب)
TT

أب في غزة يبحث عن رفات عائلته بين أنقاض منزلهم

تظهر شظايا العظام أمام الكاميرا خلال عملية بحث عن رفات نعمة حماد التي لا تزال مدفونة تحت أنقاض منزلها الذي دمرته غارة جوية إسرائيلية في ديسمبر 2023 في مدينة غزة (أ.ب)
تظهر شظايا العظام أمام الكاميرا خلال عملية بحث عن رفات نعمة حماد التي لا تزال مدفونة تحت أنقاض منزلها الذي دمرته غارة جوية إسرائيلية في ديسمبر 2023 في مدينة غزة (أ.ب)

يجلس محمود حماد وسط كومة الأنقاض التي كانت يوماً منزله في غزة، يغرف التراب بمنخل كبير ويهزّه قبل أن يفحص ما تبقّى فيه بعناية ثم يفرغه. في الأيام الأخيرة، ابتسم له الحظ قليلاً، إذ ظهرت عظام صغيرة يعتقد أنها تعود لأفراد من أسرته التي لا يزال يبحث عنها.

ويعتقد حماد أن هذه العظام تعود للجنين الذي كانت زوجته الحامل تحمله عندما استهدفت غارة جوية إسرائيلية مبنى العائلة قبل أكثر من عامين، ما أسفر عن مقتل زوجته وأطفاله الخمسة. وأضاف حماد الشظايا إلى صندوق العظام الذي جمع محتوياته على مدار أشهر من الحفر المتواصل في الأنقاض بمفرده، مستخدماً المعاول والمجارف ويديه. وقال لوكالة «أسوشييتد برس»: «لن أجدها كلها».

ولا يزال نحو 8 آلاف شخص مدفونين تحت أنقاض منازلهم التي دمرها القصف الإسرائيلي على غزة، وفقاً لوزارة الصحة في غزة. وفي ظل استمرار الغارات الجوية والاعتداءات البرية، كان انتشال معظمهم أمراً مستحيلاً. لكن منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول)، تزايدت الجهود المبذولة لانتشالهم، رغم ما يعوقها من نقص في المعدات الثقيلة.

«لقد استشهدوا، ونجوت أنا»

نحو الساعة 11:30 صباحاً من يوم 6 ديسمبر (كانون الأول) 2023، استهدفت غارة إسرائيلية مبنى مكوناً من 6 طوابق؛ حيث كانت تعيش عائلات حماد وشقيقه في حي صبرا بمدينة غزة.

محمود حماد يبحث عن رفات أقاربه الذين ما زالوا مدفونين تحت أنقاض منزلهم الذي دمره قصف جوي إسرائيلي في ديسمبر 2023 بمدينة غزة (أ.ب)

وخرج حماد (39 عاماً) من شقته ليصعد إلى الطابق العلوي، فيما كانت زوجته نعمة حماد، الحامل في شهرها التاسع، وأطفالهما الخمسة الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و16 عاماً، ينهون تناول طعام إفطارهم.

وفي الأيام التي سبقت الغارة، أسقط الجيش الإسرائيلي منشورات فوق المنطقة تطالب السكان بالمغادرة والتوجه إلى النصف الجنوبي من القطاع، لكن محمود حماد رفض الرحيل.

ولفترة من الوقت، ذهبت نعمة حماد والأطفال إلى منزل والديها في حي جباليا المجاور، في حين بقي زوجها في المنطقة، لكن نعمة أرادت العودة، فحاول زوجها ثنيها عن ذلك، وسط القصف الإسرائيلي المستمر. لكن في 5 ديسمبر، وجد زوجته وأطفاله على بابه، وقال إن زوجته قالت له: «إما أن نعيش معاً وإما نستشهد معاً»، وتابع: «لقد استشهدوا، ونجوت». كما قُتل شقيقه وزوجة شقيقه وأبناؤهما الأربعة.

نُقل محمود حماد إلى عيادة قريبة مصاباً بجروح متعددة، بما في ذلك كسور في الصدر والحوض والركبة ونزيف داخلي في الصدر. وبعد الغارة، تمكَّن الجيران من انتشال جثة ابنه الأكبر إسماعيل، وجثة اثنين من أبناء أخيه، وظل الباقون تحت الأنقاض.

وبعد تعافيه من جراحه، عاد حماد إلى أنقاض منزله وأقام مأوى مؤقتاً بالقرب منها. وقال: «بقيت معهم، زوجتي وأولادي، بين الأنقاض. كنت أتحدث إليهم كل يوم، وكانت رائحتهم عالقة، وشعرت برابطة عميقة معهم».

بحث مضنٍ عن الجثامين

وبدأ البحث عن جثثهم. طلب ​​في البداية المساعدة من الدفاع المدني في غزة، لكن فرق الإنقاذ لم تصل، إما بسبب خطورة الوضع وسط القصف الإسرائيلي المكثف، وإما لعدم امتلاكهم المعدات والآليات اللازمة لإزالة الأنقاض. لذا بدأ الحفر بنفسه. بدأ بالأسقف والجدران المنهارة، يكسرها إلى حجارة صغيرة ويضعها في أكياس. أكوام من عشرات الأكياس تُحيط بالموقع الآن كالجدار.

يساعد أحد أقارب محمود حماد في البحث عن رفات زوجته نعمة حماد التي لا تزال مدفونة تحت أنقاض منزلهما الذي دمره قصف جوي إسرائيلي في ديسمبر 2023 بمدينة غزة (أ.ب)

وفي مارس (آذار) 2024، عثر على رفات اعتقد أنها تعود لأفراد عائلته. وقال: «كانت هناك عظام بسيطة مغطاة باللحم... بعضها أكلته الحيوانات».

في أواخر عام 2024، حفر حتى وصل إلى شقة أخيه، التي كانت في الطابق الثالث؛ حيث عثر على جثتي أخيه وزوجة أخيه. دفنهما في مقبرة مؤقتة أنشأها سكان المنطقة خلال الحرب لحفظ موتاهم ريثما يتم نقلهم إلى مقبرة لائقة.

«الوجبة الأخيرة»

ومنذ أكتوبر، استأنف حماد الحفر إلى عمق 9 أمتار (30 قدماً). وأخيراً، وصل إلى شقته التي كانت في الطابق الأرضي. يركز الآن على إزالة الأنقاض من الجهة الشرقية، لأنه يعلم أن زوجته كانت هناك في لحظاتها الأخيرة. وقال: «كانا يتناولان مهلبية الأرز في غرفة المعيشة».

وبينما كان ينخل التراب بمنخله، عثر على شظايا عظام صغيرة. وشارك صور العظام عبر تطبيق «واتساب» مع طبيب قال إن الشظايا، التي تضمنت عظم فك، تبدو أنها لطفلة رضيعة. ويعتقد حماد أنها رفات الطفلة التي كانوا ينتظرونها. كانوا يخططون لتسميتها حيفا، تيمناً بإحدى شقيقات زوجته التي قُتلت في غارة إسرائيلية قبل أسابيع قليلة من قصف منزلهم. وقال: «كانت جميع ملابس الطفلة وسريرها وغرفتها جاهزة، وكان الجميع في المنزل ينتظرون قدومها». وأعاد اكتشاف شظايا العظام إلى حماد الأمل. وقال إنه بمجرد جمع ما يكفي من الرفات، سيدفنها دفناً لائقاً.

700 جثة منذ وقف إطلاق النار

وصرح زاهر الوحيدي، رئيس قسم السجلات بوزارة الصحة، لوكالة «أسوشييتد برس»، بأنه تم انتشال أكثر من 700 جثة من تحت المباني منذ بدء وقف إطلاق النار، وذلك بعد انتشال 61 مليون طن من الأنقاض.

وتجاوز ضحايا الحرب حتى الآن 72 ألف قتيل، وفقاً لمصادر رسمية في غزة. وأدّى القصف الإسرائيلي إلى تدمير أو إلحاق أضرار بـ81 في المائة من مباني القطاع البالغ عددها 250 ألف مبنى، بما في ذلك مدارس ومستشفيات ومنازل خاصة، وفقاً لوحدة تحليل صور الأقمار الاصطناعية التابعة للأمم المتحدة.

أنقاض مهولة

وخلّفت هذه الكارثة غزة واحدة من أكثر المناطق تضرراً على وجه الأرض؛ حيث بلغ حجم الأنقاض 61 مليون طن، أي ما يعادل حجم 15 هرماً من أهرامات الجيزة، أو 25 برجاً من أبراج إيفل، وفقاً للأمم المتحدة. وقد زاد من صعوبة عمليات إزالة الأنقاض نقص الجرافات والمعدات الثقيلة التي غالباً ما تمنعها إسرائيل من دخول غزة.

ولا تزال عمليات الإنقاذ مستحيلة في أكثر من 50 في المائة من قطاع غزة الخاضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية؛ حيث يواصل الجيش الإسرائيلي تفجير المباني وهدمها بشكل ممنهج، ما يقلل من فرص العثور على جثث مفقودة داخلها.