السودان... دولة واحدة بعملتين

خبراء يحذرون من تكريس الانقسام... واستدعاء لذكرى انفصال الجنوب

TT

السودان... دولة واحدة بعملتين

عَلم السودان ملصق بمدفع رشاش يتبع «قوات الدعم السريع» شمال الخرطوم (رويترز)
عَلم السودان ملصق بمدفع رشاش يتبع «قوات الدعم السريع» شمال الخرطوم (رويترز)

منذ أعلنت السلطات الحكومية السودانية بدء التبديل الجزئي لعملات وطنية في العاشر من الشهر الحالي، أصبح السودان عملياً «بلداً واحداً بعملتين»؛ إذ لم تعد الورقتان من فئتي «ألف جنيه» و«500 جنيه» بطبعتهما القديمة «مبرئتان للذمة» في 7 ولايات يسيطر عليها الجيش، في حين أن 11 ولاية تقع كلياً أو جزئياً تحت سيطرة «قوات الدعم السريع» لن تستطيع استبدال عملاتها القديمة بالطبعات الجديدة.

ويواجه سكان الولايات، التي تسيطر عليها قوات «الدعم السريع» كلياً أو جزئياً، تعقيدات سياسية وأمنية تمنع استبدال عملاتهم القديمة، لأنها بلا بنوك أو مصارف عاملة، بينما أعلنت «الدعم السريع» أن حيازة العملات الجديدة في مناطقها «محرمة».

ووفقاً للإجراءات الحكومية، فإن المهلة لاستبدال العملة تنتهي في 23 ديسمبر (كانون الأول).

ويخشى المواطنون في ولايات «العملة القديمة» أو بالأحرى الولايات الخاضعة لـ«الدعم السريع» من فقدان مدخراتهم، في ظل توقف البنوك وانقطاع أو ضعف شبكات الاتصالات، كما أن التنقل بالعملات بين الولايات مغامرة محفوفة بالمخاطر.

وتمتد صفوف طويلة من مواطني الولايات السبع حول البنوك والمصارف، لإيداع عملاتهم القديمة من فئتي «ألف جنيه» و«500 جنيه» أكبر فئات الجنيه السوداني، وقال بنك السودان المركزي وقتها، إن المواطنين لن يحصلوا على «نقد» بل سيودعون مدخراتهم في البنوك، وحدّد سقفاً للسحب 200 ألف جنيه يومياً «نحو 100 دولار».

ويُعيد التبديل الجزئي للعملات إلى الأذهان انفصال جنوب السودان عام 2011، حيث راج مصطلح «دولة واحدة بنظامين»، وكانت محصلته «دولتين» غير مستقرتين، والآن ربما يصبح السودان «دولة بعملتين»، ما يعزز مخاوف محللين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» من أن الخطوة قد «تمهد لتقسيم البلاد».

عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري (أرشيفية - أ.ف.ب)

ولا تعترف «الدعم السريع» بالعملة الجديدة، بل تعدّها «غير مبرئة للذمة» وفقاً لبيان رسمي، وتقول إنها «مؤامرة خبيثة» لتقسيم البلاد، ومخطط تنفذه «الحركة الإسلامية» (الحليفة للجيش) لتفكيك السودان، بحسب اتهامات «الدعم».

سياسات انفصال الجنوب

ويعدّ المحلل محمد لطيف تبديل العملة «قفزة فوق المراحل، وتكريساً مبكراً لانقسام البلاد»، ويقول إنها «فكرة ساذجة ستخرج مناطق سيطرة (الدعم السريع) من المنظومة الاقتصادية للبلاد، لأن الكتلة النقدية الكبرى موجودة في مناطق الإنتاج الممثلة في حزام الصمغ العربي، ودارفور والوسط، وهذا عملياً إخراج للكتلة النقدية المؤثرة عن دورة الاقتصاد السوداني».

ويلفت لطيف إلى «صعوبة الانتقال بين الولايات» كأزمة إضافية في مسألة تبديل العملات، ويقول إن «من يحاول التنقل، وهو يحمل نقوداً قد يتحول إلى مجرم، فالمواطن الذي يتحرك من مناطق (الدعم السريع) متهم بالتعاون معها، فكيف إذا كان يحمل نقوداً؛ فهو حتماً سيُتهم بنقلها لصالح (الدعم)».

ويحمّل لطيف «الحركة الإسلامية» المسؤولية عن «التأثيرات السلبية لطباعة العملة الجديدة»، ويعدّ الخطوة «امتداداً لسياساتها التي أدّت من قبل لانفصال جنوب السودان». ويقول: «راهنت (الحركة الإسلامية) على إخضاع الجنوب أو التخلص منه، ونجحت في ذلك، وتبديل العملة الحالي ليس بعيداً عن تفكيرها ونظرتها للمناطق المهمشة، التي تعدّها غير مرغوب فيها».

لطيف اتهم كذلك «الحركة الإسلامية» بأنها تسعى عبر إجراءات تبديل العملة إلى «تحويل الانقسام إلى واقع، بما يشبه تفكيرها بإلغاء السودان القديم والبحث عن سودان جديد، يتم التخلص فيه من العنصر الأفريقي أو العربي القادم من (عُمق) أفريقيا، باعتبار ذلك إنجازاً مهماً»، بحسب قوله.

عملة موازية

أما المحلل الاقتصادي أحمد خليل، فقال لـ«الشرق الأوسط»، فيحذر من أن «التبديل الجزئي للعملة، يعد دفعاً لـ(الدعم السريع) نحو طباعة عملة في مناطق سيطرتها، أو التعامل بالعملات القديمة، حتى استخدام عملات دول جوار السودان».

ويرى خليل أن «تبديل العملة سيعزز حالة الانقسام الحالية ويوسع نطاقها»، وينبه إلى أنه «قد يدفع مباحثات تكوين حكومة موازية في مناطق سيطرة (الدعم السريع)، باعتبارها خطوة واسعة في طريق تقسيم البلاد».

جنود من «قوات الدعم السريع» خلال دورية بمنطقة شرق النيل (أرشيفية - أ.ب)

يقول خليل: «إذا لجأت (الدعم السريع) لطباعة عملة، فهذا سيقسم البلاد إلى منطقتين، واحدة يسيطر عليها الجيش، والأخرى خاضعة للدعم».

ويشير خليل إلى أن مباحثات لتشكيل «حكومة موازية» جارية، بقوله: «الآن تدور نقاشات حول التحديات التي تواجه هذه الحكومة، وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وموضوع طباعة عملة واحدة من القضايا التي ينظر إليها بجدية في تلك المباحثات».

ليس أولوية

أما الخبير الاقتصادي ورئيس محفظة السلع الاستراتيجية الحكومية سابقاً، عبد اللطيف عثمان، فلا يعدّ تغيير العملة «أولوية» في ظروف الحرب، ويقول: «الدول تتخذ سياسات اقتصادية تسمى اقتصاديات الحرب، وتحشد مواردها لصالح المجهود الحربي في الحروب الوطنية. أما في الحروب الأهلية فإن مفهوم الاقتصاد يتشوه لصالح الاستقطاب الداخلي والحرب الأهلية».

ويتابع: «مثلما هناك قتال عسكري واسع واستقطاب سياسي وعرقي وقبلي وجهوي واسع جداً، فهناك صراع اقتصادي عنيف، لذلك من الأفضل ترتيب الأولويات لصالح وحدة البلاد، وعدم الدفع بها نحو الانقسام القبلي العرقي والجغرافي والاقتصادي».

ويعدّ عثمان تغيير العملة «صباً للزيت على نيران الحرب»، ويرى فيه تزكية لحالة الانقسام، ويضيف: «عملياً هذا تمهيد للانفصال، أو تقسيم البلاد اقتصادياً كما هي مقسمة عسكرياً».

مخيم في مدينة القضارف بشرق السودان لنازحين فروا من ولاية الجزيرة وسط البلاد (أ.ف.ب)

ويقارن عثمان تكلفة الطباعة، التي يصفّها عثمان بأنها مرتفعة جداً، حسب تقديرات 138 مليون دولار. ويرى أن مردودها ضعيف جداً. ويقول: «لا يوجد مردود أو نفع ظاهر من تبديل العملة، بل إن محاولة السيطرة النسبية على السيولة داخل النظام المصرفي ستنتهي بالتسرب خارجياً».

ويقطع عثمان بانتفاء الشمول الجغرافي المصرفي بالسودان، ويضيف إلى ذلك معضلة «تعطل النظم الإلكترونية وسوء الاتصالات». ويخلص الخبير السوداني إلى أن «قرار تبديل العملة صحيح من حيث المبدأ، لكنه جاء في الوقت غير المناسب؛ فهناك دول خاضت حروباً أطول مثل سوريا، ولم يتم فيها تبديل العملة».

ويرى عثمان أن المواطنين هم ضحايا تبديل العملة، بقوله: «تحول المواطن لنقطة تقاطع إطلاق النار ومنصة تصويب للطرفين، فضاعت مدخراته بانهيار النظام المصرفي، وبانهيار سعر الصرف، وسيفقد ما تبقى بسبب تبديل العملة».

يقول عثمان: «العملة باعتبارها الخلية الحية للاقتصاد، والسلعة المجردة التي يتم تبادلها مع جميع السلع الأخرى، لا يجب أن تتحول إلى سلاح وأداة حرب بين أطراف الصراع».


مقالات ذات صلة

تحالف «صمود» السوداني: لم نتلقَّ اتصالاً للمشاركة في الحوار السياسي

شمال افريقيا حمدوك رئيس تحالف «صمود» خلال أحد الاجتماعات في لندن (متداولة)

تحالف «صمود» السوداني: لم نتلقَّ اتصالاً للمشاركة في الحوار السياسي

أكد التحالف المدني الديمقراطي السوداني «صمود» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك أنه لم يتلقَّ أي اتصال بشأن ما يتداول عن مبادرة لحوار سياسي وطني.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
تحليل إخباري أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين وفي لقاءات أديس أبابا (إكس)

تحليل إخباري «الآلية الخماسية» لتسهيل العملية السياسية في السودان... إلى أين؟

تواجه «الآلية الخماسية» لتسهيل العملية السياسية في السودان اختبارات صعبة نتجت عن تعثر اجتماعاتها الأخيرة في أديس أبابا، والتي قاطعتها قوى سياسية أبرزها «صمود».

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا آثار الدمار والحريق داخل دار الأطفال فاقدي الرعاية (الشرق الأوسط)

السودان: الأسر البديلة... حلّ فرضته الحرب لأزمة الأطفال فاقدي السند

أدت الحرب لعجز في مؤسسات إيواء الأطفال فاقدي السند، ونتج عن ذلك ارتفاع معدلات الوفيات بين الصغار، واضطرت السلطات للجوء إلى الأسر البديلة.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية) p-circle

البرهان: نخوض معركة بقاء من دون تدخل خارجي

قال قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرها إن قواته تخوض معركة بقاء «بشرف وعزة»، من دون تدخل من أي جهة خارجية

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يلتقي الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي في إنجامينا (الخارجية المصرية)

مصر تراهن على شراكة أعمق مع تشاد لاحتواء أزمات الجوار

تراهن الحكومة المصرية على تعميق شراكتها مع تشاد في مختلف المجالات، بالتوازي مع تكثيف التنسيق السياسي بين البلدين لاحتواء أزمات دول الجوار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إحالة شركات المحمول للنيابة المصرية بسبب مخالفات «خطوط الجوال»

«الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز الرسمية على «فيسبوك»)
«الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز الرسمية على «فيسبوك»)
TT

إحالة شركات المحمول للنيابة المصرية بسبب مخالفات «خطوط الجوال»

«الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز الرسمية على «فيسبوك»)
«الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز الرسمية على «فيسبوك»)

أحال «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر شركات الهواتف المحمولة الأربع إلى النيابة العامة، للتحقيق فيما ورد من شكاوى من مستخدمين اكتشفوا تسجيل خطوط جوالة بأسمائهم دون حيازتهم لها.

وحسب إفادة صادرة عن «الجهاز»، الاثنين، جاء قرار إحالة شركات المحمول إلى جهات التحقيق «في ضوء ما قام به الجهاز من إجراءات الفحص والتفتيش للشكاوى الواردة إليه خلال اليومين الماضيين، وما استتبعه من استكمال الأدلة والقرائن والمستندات المرتبطة بها».

وكانت قضية وجود خطوط جوالة مجهولة بأسماء مشتركين لدى شركات الهواتف المحمولة بمصر قد أثارت جدلاً الفترة الأخيرة، في أعقاب واقعة طالب جامعي فوجئ بصدور حكم غيابي ضده بالسجن 25 عاماً في قضية اتجار بالمواد المخدرة، بعدما ورد رقم هاتف جوال مسجل باسمه ضمن تحقيقات القضية، قبل أن تنتقل حيازته إلى شخص آخر من دون علمه، وفق ما أكدته أسرته.

وتصاعدت مخاوف مستخدمي الهواتف الجوالة إزاء ما يمكن أن يواجهه صاحب البيانات حال استخدام خط مسجل باسمه من جانب شخص آخر، وهو ما استدعى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» لإتاحة خدمة الاستعلام عن خطوط الجوال المسجلة بأسماء المستخدمين، بما يساعد المواطنين على مراجعة الأرقام المرتبطة ببياناتهم.

وأشار الجهاز، الاثنين، إلى أن إجراء الإحالة إلى النيابة العامة «يأتي حرصاً على حماية حقوق مستخدمي خدمات الاتصالات وصون بياناتهم الشخصية، والتصدي لأي ممارسات تخالف القواعد والإجراءات التنظيمية المعتمدة لتسجيل تفعيل خطوط المحمول».

وكان مستخدمون قد اشتكوا مؤخراً من توقف خدمة «أرقامي» عبر تطبيق «My NTRA»، التي أتاحها جهاز تنظيم الاتصالات للاستعلام عن أرقام الجوالات المسجلة بأسمائهم، قبل أن يعلن الجهاز عودتها للعمل، بعد إدخال تحديثات تنظيمية وفنية.

في نفس الوقت، أعلن «جهاز تنظيم الاتصالات» عن حزمة من الإجراءات التنظيمية العاجلة لإحكام منظومة تسجيل خطوط الجوال، والتحقق من هوية حائزيها الفعليين، ومنع تكرار مثل هذه الوقائع مستقبلاً». وتضمنت الإجراءات «وقف بيع أو تفعيل أي خطوط جديدة من خلال أنظمة الشركات للجهات والمؤسسات، الحكومية أو الخاصة».

كما ألزم الجهاز شركات المحمول بإرسال رسائل نصية إلى كل الخطوط القديمة المسجلة على أنظمتها، لإخطار حائزيها بضرورة التوجه إلى فروعها لإبرام عقود جديدة باسم الحائز الفعلي للخط، على أن يتم إلغاء الخط نهائياً في حالة عدم استكمال إجراءات التعاقد خلال المهلة المحددة.

وجاءت الإجراءات التنظيمية بعد اجتماعات عقدت مع شركات المحمول الأربع في البلاد.

ويرى سكرتير شعبة الاتصالات بـ«الاتحاد العام للغرف التجارية»، تامر محمد، أن الإجراءات القانونية والتنظيمية المعلنة من «جهاز تنظيم الاتصالات» خطوة مهمة وضرورية لطمأنه مستخدمي الهواتف الجوالة، وقال إن بيان الجهاز «عَكَس وجود تلاعب من شركات المحمول في عملية تسجيل بيانات المستخدمين».

وتابع قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «ستعيد الإجراءات التنظيمية المعلنة من الجهاز ضبط وحوكمة بيانات مستخدمي خطوط الجوال»، مضيفاً: «هناك مخاوف لدى شرائح كثيرة من المستخدمين بعد واقعة الحكم على الطالب الجامعي الذي أدين في قضية استناداً إلى رقم هاتف جوال مسجل باسمه، وكان لا بد من اتخاذ تدابير لضبط تسجيل بيانات مستخدمي خطوط الجوال دون أي تلاعب».

وحذر «جهاز تنظيم الاتصالات»، في بيانه الاثنين، من مخالفة القواعد والضوابط التنظيمية لعمليات بيع وتسجيل وتفعيل خطوط الجوال في البلاد، وشدد على أنه في حال عدم التزام أي شركة بتلك القواعد «سيتم اتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية المقررة، والتي قد تصل إلى وقف بيع وتفعيل خطوط جديدة للشركة المخالفة، مع الإحالة للنيابة العامة لمباشرة التحقيق».


إعلان «الطوارئ القصوى» بعد اندلاع حريق جراء استهداف مصفاة الزاوية في ليبيا

جانب من مصفاة الزاوية في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)
جانب من مصفاة الزاوية في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)
TT

إعلان «الطوارئ القصوى» بعد اندلاع حريق جراء استهداف مصفاة الزاوية في ليبيا

جانب من مصفاة الزاوية في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)
جانب من مصفاة الزاوية في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)

قالت شركة البريقة لتسويق النفط، في بيان، إن حريقاً اندلع اليوم الاثنين مصحوباً ​بسحب كثيفة من الدخان في خزان وقود بمصفاة الزاوية في ليبيا بعد التعرض لهجوم في ظروف لا يزال سببها غير معروف.

وشركة البريقة لتسويق النفط تابعة للمؤسسة الوطنية للنفط المملوكة للدولة، وتتولى مسؤولية إمدادات الوقود. وتبلغ الطاقة التكريرية لمصفاة الزاوية، الواقعة على بعد ‌نحو 40 كيلومتراً غرب ‌طرابلس، 120 ألف ​برميل ‌يومياً، ⁠وهي أكبر ​مصفاة ⁠في البلاد في ظل توقف مصفاة رأس لانوف عن العمل.

وترتبط المصفاة بحقل الشرارة النفطي الذي يبلغ إنتاجه نحو 300 ألف برميل يومياً. وقالت الشركة إن فرق الإطفاء تعمل على احتواء الحريق، مضيفة أنها تقيم حجم الأضرار ⁠وستقدم تحديثات فور توافر معلومات مؤكدة.

وقالت ‌المؤسسة الوطنية للنفط ‌في بيان إن الخزان ​الذي يحتوي على حمولة ‌تقدر بنحو 4.5 مليون لتر من بنزين ‌السيارات تعرض «لاستهداف مباشر» أدى إلى اندلاع حريق شديد، قبل أن ينهار الخزان بالكامل، معلنة حالة الطوارئ القصوى في المنطقة. وطالبت المؤسسة الجهات المختصة بالتدخل العاجل ‌والفوري وفتح تحقيق شامل في ملابسات وخلفيات الواقعة.

وأظهرت لقطات مصورة جرى تداولها ⁠على ⁠الإنترنت، ولم يتسن التحقق منها، ألسنة لهب ضخمة وأعمدة كثيفة من الدخان الأسود تتصاعد في سماء مدينة الزاوية. وقال مهندسان يعملان في المصفاة إنها لا تزال تعمل دون أي توقف. جاء ذلك بعد يومين من ارتطام طائرة مسيرة بصهريج يحتوي على النفتا غير المعالجة في مصفاة الزاوية في وقت مبكر من صباح يوم السبت مما أسفر عن ​تسرب لكن العاملين ​هناك تمكنوا من السيطرة عليه.


سجال الدبيبة وحفتر بشأن دور الجيش الليبي يلقي بظلاله على مبادرة بولس

الدبيبة خلال حفل تخريج دفعات جديدة في الكليات العسكرية في الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال حفل تخريج دفعات جديدة في الكليات العسكرية في الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (حكومة الوحدة)
TT

سجال الدبيبة وحفتر بشأن دور الجيش الليبي يلقي بظلاله على مبادرة بولس

الدبيبة خلال حفل تخريج دفعات جديدة في الكليات العسكرية في الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال حفل تخريج دفعات جديدة في الكليات العسكرية في الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (حكومة الوحدة)

كشف السجال العلني بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» عبد الحميد الدبيبة، والقائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر، بشأن حدود دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، جانباً من التباينات المحيطة بالترتيبات المرتقبة للمرحلة الانتقالية في ليبيا.

لكن هذا السجال ألقى بظلال تساؤلات جديدة حول انعكاساته على مبادرة أميركية يقودها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، تستهدف توحيد السلطة التنفيذية في ليبيا، والدفع نحو الانتخابات.

وكان الاحتفال بالذكرى السادسة والثمانين لتأسيس الجيش الليبي، الأحد، مسرحاً لهذا السجال بين معسكري الانقسام في الشرق والغرب الليبي، بعدما أكد الدبيبة أن توحيد المؤسسة العسكرية «أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل»، لكنه شدد على أن يتم ذلك «دون تدخل العسكريين في السياسة أو صناعة الحكومات»، حفاظاً على إرادة الليبيين.

في المقابل، سارع حفتر إلى تأكيد أن الجيش الوطني «لن يسمح للسياسة بأن تعبث بمصير المواطن»، وأنه «لن يخلي موقعه من الساحة حتى تستقر الأمور»، في رسالة بدت أكثر وضوحاً بشأن الدور الذي يريده الجيش خلال المرحلة القادمة، بل ذهب حفتر إلى الحديث عن التمسك بموقع الجيش في «مركز دائرة صنع القرار»، حفاظاً على «مكتسبات القوات المسلحة».

وعلى وقع هذه التصريحات بدا لمراقبين أن التباين بين الرجلين يتجاوز الخلاف حول وظيفة المؤسسة العسكرية، بل قد يكشف عن منغصات تعترض مسار مبادرة بولس، ضمن صراع أوسع على قواعد تقاسم النفوذ وشكل الدولة المقبلة.

غير أن المحلل السياسي الليبي أيوب الأوجلي يدرج ما حدث بين السلطتين في شرق ليبيا وغربها ضمن «مناوشات تفاوضية لا تعكس الأفعال على الأرض»، متوقعاً أن تتضح ملامحها أكثر مع بدء وضع المبادرة الأميركية موضع التنفيذ.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الدبيبة يسعى من خلال تحركاته إلى «رفع سقف التفاوض والحصول على مميزات أكثر»، خصوصاً أن تفاصيل المبادرة لم تظهر بعد إلى العلن، لافتاً إلى أن رئيس حكومة الوحدة يتجنب الحديث عنها بشكل مباشر.

ويرى الأوجلي أن رسائل حفتر «دائماً ما تحمل مضامين ضمنية للداخل والخارج»، مفادها أن «الجيش الوطني» لن يقف مكتوف الأيدي أمام تصريحات الدبيبة وتحركاته، لكنه مستعد للحوار مع الأطراف التي ترى أن التوافق مصلحة وطنية.

وتستهدف مبادرة بولس، وفق ما يتداول في أوساط سياسية ليبية، توحيد السلطة التنفيذية تمهيداً لإجراء الانتخابات، بينما تشير التسريبات إلى مقترح يقضي بوجود الدبيبة على رأس حكومة موحدة، مقابل تولي صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش الوطني، رئاسة المجلس الرئاسي.

ويكتسب الحديث عن موقع الجيش في هذه المبادرة أهمية إضافية في ضوء تصريحات بولس نهاية الشهر الماضي، عندما تحدث عن «مؤشرات مهمة» على طريق توحيد المؤسسة العسكرية، بعد زيارة وفد من الكونغرس إلى ليبيا، وما واكبها من إعلان ليبي عن إنشاء غرفة عمليات مشتركة في سرت، ومركز تدريب موحد للقوات الجوية في مصراتة.

كما سبق وتحدث بولس عن قيادة جوية مندمجة، وأشاد بالتعاون العسكري بين الشرق والغرب، معيداً التذكير بنجاح ليبيا في أبريل (نيسان) الماضي في استضافة أحد محاور تدريب «فلينتلوك 2026» الذي ضم قوات من شرق البلاد وغربها.

خليفة حفتر في احتفالية الذكرى السادسة والثمانين لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (الجيش الوطني الليبي)

ومن المنظور العسكري، لم يستبعد مدير «المركز الليبي للدراسات العسكرية والأمنية» أشرف بوفرده أن يكون هذا التصعيد الكلامي في سياق «التسريبات المتداولة بشأن مبادرة بولس التي تتضمن مقترحاً لإعادة هيكلة القيادة العامة للجيش الوطني، وصولاً إلى حلها ضمن صيغة تقود إلى تشكيل مؤسسة عسكرية ليبية موحدة».

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الطرح يواجه، بحسب المتداول، رفضاً من خليفة حفتر، الذي يدعو العسكريين في المنطقة الغربية إلى الالتحاق بقواته، إلا أن بوفرده يعتقد أن هذا الموقف لن يؤثر في مسار المبادرة أو فرص استمرارها.

ومع هذا السجال بين معسكري الانقسام في ليبيا، فإن مبادرة بولس لا تزال مرشحة للتبلور خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وفق تقديرات الباحث في الشؤون الليبية جلال حرشاوي، الذي أشار إلى «ضرورة عدم أخذ تصريحات الدبيبة وحفتر على ظاهرها، وربطها فقط بالمواقف المعلنة أمام الليبيين».

ويذكّر حرشاوي بأن حفتر سبق أن قال خلال استقباله مشايخ وأعيان مدينة ترهونة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي إن «القيادة العامة للجيش ليست هي من يتخذ القرار الحاسم بشأن الأزمة السياسية، بل الشعب»، وهي لغة تكررت منذ عام 2014 وما قبله.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الدبيبة ينتهج بدوره السلوك نفسه، عبر الإعلان عن رفض الحكم العسكري والتشديد على أولوية السلطة المدنية، معتبراً أن الخطاب المعلن قد لا يعكس بالضرورة كامل ما يدور في الكواليس، أو طبيعة التفاوض الجاري بين الأطراف.

وفي هذا السياق، تبدو تصريحات الرجلين، من منظور مراقبين، أقرب إلى تثبيت مواقع تفاوضية منها إلى إعلان مواقف نهائية، خصوصاً أن شكل التسوية المرتقبة لم يحسم بعد، وأن تفاصيل المبادرة الأميركية لا تزال غير معلنة بصورة رسمية، فيما تستمر الاتصالات بشأنها بعيداً عن الأضواء.