أنقرة تستعد للسيطرة على عين العرب بعد فشل وساطة مع «قسد»

اتفاق تركي أوروبي على دعم إدارة سوريا

سوري يتسلم أوراق مغادرته إلى بلاده من جندي تركي بقوات الدرك على الحدود مع سوريا (أ.ب)
سوري يتسلم أوراق مغادرته إلى بلاده من جندي تركي بقوات الدرك على الحدود مع سوريا (أ.ب)
TT

أنقرة تستعد للسيطرة على عين العرب بعد فشل وساطة مع «قسد»

سوري يتسلم أوراق مغادرته إلى بلاده من جندي تركي بقوات الدرك على الحدود مع سوريا (أ.ب)
سوري يتسلم أوراق مغادرته إلى بلاده من جندي تركي بقوات الدرك على الحدود مع سوريا (أ.ب)

أكد الاتحاد الأوروبي وتركيا ضرورة عدم السماح للتنظيمات الإرهابية أن تجد لها مكاناً في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وأنه يجب العمل على ضمان الوحدة الوطنية وحماية الأقليات واحترام حقوقها وضمان العودة الطوعية والآمنة للاجئين السوريين. وبالموازاة تجمعت بوادر على تحضير تركيا وفصائل «الجيش الوطني السوري»، الموالي لها، لعملية للسيطرة على مدينة عين العرب (كوباني) في شرق الفرات.

وقال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، إن بلاده باعتبارها دولة في حلف شمال الأطلسي (ناتو) لا يمكن أن تقبل ببقاء المنظمات الإرهابية في سوريا سواء «داعش» أو «العمال الكردستاني» وذراعه السورية (وحدات حماية الشعب الكردية)، وإنه من الضروري أن نخرج سوريا من وحل الإرهابيين لتصل إلى مرحلة الاستقرار.

وأضاف إردوغان، في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيسة المفوضية الأوروبية، إرسولا فون دير لاين، عقب مباحثاتهما في أنقرة الثلاثاء: «تباحثنا حول معظم المواضيع المتعلقة بسيادة سوريا ووحدة أراضيها، واتفقنا على ضرورة نقل سوريا إلى (مرحلة النور بعد مرحلة الظلام) التي استمرت 61 عاماً ونحن قمنا بالمرحلة الأولى لتطوير الاستقرار في سوريا وأعدنا فتح سفارتنا في دمشق، وستواصل تركيا الوقوف إلى جانب أشقائها السوريين».

جانب من مباحثات إردوغان ودير لاين في أنقرة الثلاثاء (الرئاسة التركية)

وأكد الرئيس التركي أنه لا يمكن للشعب السوري أن يتحمل وحده هذا العبء الثقيل، مضيفا: «للأسف، لم يقدم المجتمع الدولي الدعم الكافي للشعب السوري منذ 13 عاماً والتعويض يجب أن يكون دعم بناء وتطوير سوريا».

دعم دولي لبلد مفلس

وتابع: «نحن أمام مشهد مروع في سوريا، بعد إفلاس وسقوط نظام البعث، الذي قتل مئات الآلاف من أبناء الشعب السوري، ولا يمكن أن تنهض سوريا من هذا الوضع إلا بدعم كامل من المجتمع الدولي والمنظمات الدولية».

وتابع: «ناقشنا إمكانيات التعاون بين الاتحاد الأوروبي وتركيا لدعم (سوريا الجديدة) في المرحلة المقبلة»، لافتاً إلى أن تركيا عملت، بشكل دؤوب، في شمال سوريا إلى جانب الشعب السوري، ومستعدة لتوسيع دعمها له.

إردوغان وفون دير لاين خلال لقائهما في أنقرة اليوم (إ.ب.أ)

بدورها، أكدت فون دير لاين أن انهيار نظام الأسد يعطي أملاً للشعب السوري، لكن لا تزال هناك مخاطر ولا يزال الوضع الأمني متقلباً، مشددة على أن «الوحدة الوطنية في سوريا يجب أن تحترم ويجب أن يتم ضمان حماية الأقليات، كما يجب أن نقوم بدورنا في دعم سوريا في هذا المفترق الحرج».

وقالت إن «الدبلوماسيين الأوروبيين سوف يعودون إلى دمشق، وسبق أن حافظنا على حضورنا في سوريا لدعم من كان بحاجة لدعمنا هناك، ولكن دون تواصل أو تنسيق مع نظام الأسد، والآن يجب أن ندعم البنية التحتية السورية. وقد أطلقنا جسراً جوياً للمساعدات، ونتوقع أن تصل أولى الشحنات إلى سوريا هذا الأسبوع».

إعادة الإعمار واللاجئين

ولفتت دير لاين إلى أن «أوروبا من أكثر الداعمين لسوريا، وسنركز على إعادة الإعمار، وسنبدأ حواراً حول تخفيف العقوبات، ولكن هذا لن يتم إلا عندما نرى انتقالاً سلمياً في الميدان». وأكدت أن عودة اللاجئين السوريين يجب أن تكون بشكل طوعي وآمن، لافتة إلى أن المفوضية الأوروبية تنسق مع مفوضية شؤون اللاجئين بالأمم المتحدة في هذا الأمر.

وذكرت أن تركيا استقبلت أعداداً كبيرة من اللاجئين من سوريا، وأن الاتحاد الأوروبي دعم تركيا في هذا الملف، ومنذ عام 2011 قدم لتركيا أكثر من 11 مليار يورو لدعم اللاجئين.

وأضافت أن «الرئيس إردوغان ساهم بالاستقرار في سوريا، وأن المخاوف الأمنية التركية يجب أن تؤخذ بالاعتبار، ولا يجب أن تسيطر المنظمات الإرهابية على مناطق في سوريا». وزادت: «نتابع انتشار عناصر (داعش) في شرق سوريا، ولن نسمح بوجود الإرهاب».

تحرك في عين العرب

في الأثناء، تجمعت بوادر على تحضير تركيا وفصائل «الجيش الوطني السوري»، الموالي لها، لعملية للسيطرة على مدينة عين العرب (كوباني) في شرق الفرات.

ودفعت تركيا تعزيزات عسكرية كبيرة إلى المنطقة الحدودية المحاذية للمدينة الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية غالبية قوامها، تضمنت أسلحة ثقيلة وعربات مصفحة، وتم رفع حالة التأهب في الوحدات العسكرية المتمركزة بالمنطقة.

فصائل الجيش الوطني السوري الموالي لتركيا تدخل منبج شمال شرقي سوريا (إعلام تركي)

وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بانتهاء الهدنة المؤقتة بين «الجيش الوطني»، الموالي لتركيا، و«قسد» التي كانت قد أقرت بوساطة أميركية، دون التوصل لاتفاق تسوية شامل في شرق حلب، إذ رفض «الجيش الوطني» نقل الأسرى ومقاتلي «مجلس منبج العسكري»، التابع لـ«قسد»، والمدنيين في مدينة منبج الرافضين للبقاء، إلى مناطق آمنة. وكذلك حل مسألة نقل ضريح «سليمان شاه» (جد مؤسس الدولة العثمانية السلطان عثمان الأول بن أرطغرول) ورفاته إلى مكانه السابق، الذي نقل منه عام 2016 إلى بلدة آشمه في غرب عين العرب.

مراسم عسكرية أثناء نقل الجيش التركي ضريح سليمان شاه إلى آشمه في 2015 (الدفاع التركية- أرشيفية)

وأكد قائد «قسد»، مظلوم عبدي، الاثنين، الالتزام بإعادة الضريح إلى موقعه القديم، قرب جسر قوره قوزاق جنوب عين العرب، وإبقاء الطريق إلى موقعه مفتوحاً وتقديم جميع التسهيلات لعبور الجسر، استناداً إلى الاتفاقيات الدولية.

ولفت عبدي من قبل إلى أنه «خلال التهديد الذي شكله تنظيم «داعش» عام 2015، ساهمنا في حماية رفات سليمان شاه عبر تسهيل نقله إلى منطقة آشمه، من منطلق الالتزام بالحفاظ على المواقع التاريخية مع الاستعداد للتنسيق مع جميع الأطراف المعنية لتيسير إعادة رفاته إلى موقع المزار الأصلي، بما يتماشى مع الاتفاقيات الدولية السابقة وباحترام كامل للتراث الثقافي».

هذا وتنقل ضريح سليمان شاه بين 3 مواقع مختلفة، إذ كان بالأصل قرب قلعة جعبر في الرقة حتى عام 1973 عندما تم نقله إلى ضفاف نهر الفرات في محافظة حلب، على بعد 27 كيلومتراً من الحدود التركية، لتجنب الفيضانات. ثم قامت الحكومة التركية بنقل الضريح إلى آشمه غرب مدينة عين العرب على الحدود السورية التركية في عام 2015.

فشل الوساطة الأميركية

في شأن آخر، ذكر المرصد السوري أن الفصائل الموالية لتركيا رفضت دخول قوافل تابعة للهلال الأحمر الكردي و«الإدارة الذاتية»، لإجلاء الرافضين بالبقاء في منبج والأسرى وجثامين القتلى، وفق اتفاق وقف إطلاق النار بين القوات التركية والفصائل الموالية لتركيا من جهة، و«قسد» من جهة أخرى، بوساطة أميركية حيث اجتمعت مع وفد من الفصائل الموالية لتركيا، الاثنين، دون التوصل لحل، وبخاصة مع إلحاح تركيا على إنشاء قاعدة تركية في سد قره قوزاق الواقع بين مدينتي عين العرب (كوباني) ومنبج شرق حلب، التي سيطرت عليها الفصائل الموالية لتركيا مؤخراً ضمن عملية «فجر الحرية».

عناصر من فصائل الجيش الوطني السوري في منبج (إعلام تركي)

ومن ضمن بنود الهدنة، انسحاب من تبقى من عناصر قوات سوريا الديمقراطية من مدينة منبج وريفها برفقة عائلاتهم، وتسليم منطقة ضريح سليمان شاه للقوات التركية، بالإضافة إلى استمرار خدمات توزيع الكهرباء بشكل منتظم من سد تشرين وانسحاب القوات من الطرفين، والالتزام ببنود الاتفاق من قبل الجانبين.

وقامت القوات الأميركية، الأحد، برفع علم الولايات المتحدة في مدينة عين العرب (كوباني)، لضمان عدم السماح للفصائل الموالية لتركيا بشن أي عملية عسكرية.

وإلى جانب الخلافات حول القاعدة التركية، فشلت المفاوضات بشأن نقل ضريح «سليمان شاه» بوساطة أميركية.

وحمل مدير المركز الإعلامي لـ«قسد»، فرهاد شامي، فشل جهود الوساطة الأميركية في التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار مع فصائل الجيش الوطني المعارضة في مدينتي منبج وعين العرب إلى النهج التركي والمراوغة في قبول نقاط الاتفاق الأساسية.

في السياق ذاته، نفت مصادر محلية لوسائل إعلام كردية ما نشرته حسابات وصفحات إخبارية عبر منصات التواصل الاجتماعي عن قيام القوات التركية بإزالة جزء من الجدار الأسمنتي الحدودي عند عين العرب، تمهيداً للتوغل البري فيها.

قواعد روسية

وكانت روسيا أعلنت، في أغسطس (آب) الماضي، إنشاء قاعدة لها في منطقة عين العرب شمال شرقي حلب، قرب الحدود التركية بالاشتراك مع جيش نظام بشار الأسد قبل سقوطه، بهدف «الرقابة على نظام وقف العمليات القتالية بين الأطراف المتنازعة».

إحدى القواعد الروسية في عين العرب (كوباني)

وأضيفت هذه القاعدة إلى قاعدتين أقامتهما القوات الروسية في قريتي بير حسو وجبل الإذاعة غرب عين العرب، في يونيو (حزيران) الماضي، وأقيمت ضمن مناطق سيطرة «قسد» التي أبرمت مع الجانب الروسي أواخر عام 2019 اتفاقاً عسكرياً يسمح للجانب الروسي بإقامة قواعد في شرق نهر الفرات، وذلك في خضم عملية «نبع السلام» التي نفذتها تركيا في أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام، وسيطرت خلالها على منطقتي تل أبيض في ريف الرقة الشمالي ورأس العين في شمال غربي الحسكة.

واضطرت «قسد» في حينه لتقديم تنازلات ميدانية للروس وقوات النظام السوري لإيقاف العملية العسكرية التركية عند حدود معينة، خصوصاً أن الجانب الأميركي وهو الداعم الرئيس لـ«قسد» أعطى أنقرة الضوء الأخضر للتوغل على حسابها ولكن بعيداً عن منابع النفط والغاز.

موقف واشنطن

في الإطار ذاته، أفاد مستشار اتصالات الأمن القومي بالبيت الأبيض جون كيربي، في إحاطة صحافية ليل الاثنين – الثلاثاء، بأن «لدى تركيا مخاوف مشروعة بشأن الإرهابيين، هناك تهديد إرهابي على الحدود السورية، والمواطنون الأتراك ضحايا للأنشطة الإرهابية هذه، ولا يمكن لوم أنقرة على قلقها من هذا التهديد».

وشدد كيربي، في الوقت ذاته، على أن أولوية أميركا في سوريا هي منع عودة تنظيم «داعش» الإرهابي، وأنها تحتفظ بعلاقات مع «قسد» لتحقيق هذا الهدف، لافتاً إلى أن تركيز واشنطن و«قسد» يجب أن يبقى منصباً على «داعش»، مع استمرار الحوار مع تركيا بشأن النقاط الخلافية في هذا الخصوص.

أميركا تتمسك بدعم قسد حليفاً في الحرب على «داعش» (إعلام تركي)

بالتوازي، أعلن القيادي في حزب «العمال الكردستاني» في شمال العراق، مراد كارايلان، أن الحزب، (المصنف منظمة إرهابية لدى تركيا وحلفائها الغربيين)، لا علافة له بالمناطق التي تسيطر عليها «وحدات حماية الشعب الكردية» في سوريا.

وقال كارايلان لوسائل إعلام ناطقة باسم الحزب: «لا وجود لنا في منطقة روج آفا (وتعني منطقة غرب كردستان) التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية، وليست لدينا روابط عضوية أو صلة مع أي قوة أو منظمة في المنطقة».

ونقلت وسائل إعلام تركية ما ورد في حديث كارايلان الذي قال: «من المعروف متى دخل حزب (العمال الكردستاني) روج آفا، ومتى خرج منها».


مقالات ذات صلة

أسعار الغاز في أوروبا تتحرك بشكل عرضي وسط مخاوف بشأن التخزين وتوترات غرينلاند

الاقتصاد من المتوقع حدوث موجة برد الأسبوع المقبل مع انخفاض إنتاج طاقة الرياح في أوروبا (رويترز)

أسعار الغاز في أوروبا تتحرك بشكل عرضي وسط مخاوف بشأن التخزين وتوترات غرينلاند

لم تشهد أسعار الغاز في أوروبا تغيراً يذكر في جلسة الأربعاء، إلا أنه من المرجح أن تبقى السوق متقلبة وسط التوترات الجيوسياسية بسبب جزيرة غرينلاند وانخفاض التخزين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

اتفاق تجاري وشيك بين الهند والاتحاد الأوروبي

قال وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، في ​زيارة إلى نيودلهي، الأربعاء، إنه من المرجح إبرام اتفاق تجاري بين الهند والاتحاد الأوروبي في الأيام المقبلة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد يجلس أشخاص داخل مقهى في نوك بغرينلاند بينما تُظهر شاشة تلفزيونية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم 20 يناير 2026 (أ.ف.ب)

دراسة نمساوية: رسوم ترمب بسبب غرينلاند قد تقلص نمو الاتحاد الأوروبي 0.5 %

كشف «البنك الوطني النمساوي» عن أن رسوم الرئيس الأميركي؛ دونالد ترمب، الجمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند قد تقلّص نمو الاتحاد الأوروبي بنسبة 0.5 في المائة.

«الشرق الأوسط» (فيينا )
الولايات المتحدة​ وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)

وزير الخزانة الأميركي واثق بإمكان التوصل لحل مع أوروبا بشأن غرينلاند

عبَّر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، ‌عن ‌ثقته ⁠ب​أن الحكومات ‌الأوروبية لن «تصعد» التوتر مع واشنطن على خلفية ⁠رغبة الأخيرة في ‌شراء غرينلاند.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
الاقتصاد وقَّع الاتحاد الأوروبي وتكتل ميركوسور التجاري في أميركا اللاتينية اتفاقية التجارة الحرة السبت 17 يناير2025 (أ.ف.ب)

مسؤول التجارة في الاتحاد الأوروبي يدافع عن اتفاقية ميركوسور

دافع مفوّض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش عن اتفاقية ميركوسور أمام البرلمان الأوروبي، واصفاً إياها بأنها «صفقة جيدة لأوروبا».

«الشرق الأوسط» (ستراسبورغ)

محمد مصطفى لـ«الشرق الأوسط»: تأخير إعمار غزة يخدم مخططات الترحيل

رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى (الشرق الأوسط)
رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى (الشرق الأوسط)
TT

محمد مصطفى لـ«الشرق الأوسط»: تأخير إعمار غزة يخدم مخططات الترحيل

رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى (الشرق الأوسط)
رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى (الشرق الأوسط)

في ظل وقف إطلاق نار هشّ في قطاع غزة، وما يرافقه من خروقات إسرائيلية وضغوط سياسية وأمنية متشابكة، يضع رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى خريطة طريق للمرحلة المقبلة، تبدأ من الأساسيات الإنسانية العاجلة، ولا تنتهي عند إعادة الإعمار وبناء المؤسسات وتوحيد غزة والضفة الغربية.

وفي حديث مع «الشرق الأوسط» على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، يربط مصطفى بين توفير سكن لائق «وإن كان مؤقتاً»، وبدء الإعمار وفتح المعابر، واستتباب الأمن، وإفشال مخططات الترحيل، مؤكداً أن تأخير هذه الخطوات يهدد فرص التعافي، ويخدم ما تريده إسرائيل من تهجير سكان القطاع.

أساسيات العيش الكريم «أولوية قصوى»

يقول مصطفى إن التقدم الذي أُحرز حتى الآن فيما يتعلق باتفاق وقف إطلاق النار في غزة «يستحق الشكر لكل الأطراف الدولية والعربية» التي أسهمت في تحقيقه، وبدء المسار نحو خطوات لاحقة. لكنه يؤكد أن المرحلة المقبلة ما زالت تتطلب الكثير من العمل، وأن «كل شيء يجب أن يبدأ من الأساسيات».

رجل يسير وسط الدمار في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقال رئيس الوزراء إن «الناس لا يزالون يموتون ويعانون من هذا الوضع. صحيح أنه لا توجد مجاعة اليوم، لكنَّ السكن اللائق غير متوفر، ولو بشكل مؤقت على الأقل». ويؤكد أن إسرائيل «لا تزال تفرض قيوداً على ذلك»، معتبراً أن هذه المسألة تمثل «أولوية قصوى».

ويضيف: «لا نريد الحديث عن أشياء كبيرة، فلنُبسّط الأمور. أبسط الاحتياجات بعد الأكل والشرب أن يعيش الناس في مكان محترم. لا نطلب عمارات ولا فيلات، بل سكناً مؤقتاً، مكاناً جاهزاً، غرفة بمساحة 70 أو 100 متر للعائلة، ليعيشوا بكرامة».

شرطا التعافي الاقتصادي

يرى رئيس الوزراء الفلسطيني أن الخطوة الثانية بعد توفير السكن المؤقت هي «التفكير الجدي في بدء التعافي الاقتصادي والإعمار، ولو في مراحله الأولى». ويقرّ بأن الترتيبات معقدة، لكنها تتطلب أمرين أساسيين: فتح المعابر، واستتباب الأمن. ويوضح أنه «من دون فتح المعابر لن تدخل مواد البناء، ومن دون أمن لن يكون هناك إعمار ولا اقتصاد ولا أي شيء آخر».

معدات ثقيلة على الجانب المصري من معبر رفح تنتظر الدخول إلى قطاع غزة في فبراير 2025 (أ.ف.ب)

ويؤكد أن الخطوة التالية يجب أن تكون «السماح بفتح المعابر لإدخال مواد البناء، والبدء في إصلاح البنية التحتية، بهدف توفير الخدمات الأساسية للمواطنين»، مشدداً على أن ذلك يتطلب بالضرورة «تحسين الوضع الأمني».

الوضع الأمني وبناء المؤسسات

يشدد مصطفى على أن تحسين الوضع الأمني يجب أن ينطلق من «إدراك أن ما يجري هو وضع مؤقت، وأنه في نهاية المطاف، وبعد نحو عامين، يجب أن تعود الأمور كاملة إلى السلطة الفلسطينية». ويتابع: «نريد أن نبني كل المؤسسات، بما فيها المؤسسة الأمنية، ونحن نأخذ هذا بعين الاعتبار».

في هذا السياق، يؤكد المسؤول الفلسطيني الرفيع «السعي للتسريع في العمل مع الأطراف الشريكة، خصوصاً مصر والأوروبيين والأردن من أجل إعادة إنشاء أو تعزيز القوة الأمنية الفلسطينية، وعلى رأسها الشرطة الفلسطينية، لتتمكن من حفظ الأمن في غزة».

ويضيف أن «القوة الدولية العسكرية للسلام، في حال وصولها، يمكن أن تقدم دعماً إضافياً، وتسهم في الحفاظ على السلام مع الجانب الإسرائيلي».

وحدة المؤسسات بين غزة والضفة

شدد رئيس الوزراء على أن الحكومة تسعى إلى «تطوير عمل المؤسسات في غزة كي تقوم بواجباتها في تقديم الخدمات للمواطنين، لكن ضمن أطر مؤسسية وقانونية موحدة بين غزة والضفة الغربية».

وأكّد أن «الهدف النهائي هو وحدة غزة والضفة، تمهيداً لقيام الدولة الفلسطينية، كما جرى الاتفاق عليه في مؤتمر نيويورك، الذي تم بقيادة المملكة العربية السعودية وفرنسا، وكما ورد في خطة ترمب وقرار مجلس الأمن رقم 2803، الذي ينص على أن البداية تكون بوقف إطلاق النار، والنهاية هي حق تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية».

وحول ما إذا كان مخطط الترحيل لا يزال يشكل تهديداً حقيقياً، يقول مصطفى: «نأمل ألا يكون الترحيل حقيقياً، وألا ينجح. لكن لضمان فشله، يجب أن نُنجز ما تحدثنا عنه: إعمار، إغاثة، سكن، وأمن». ويتساءل: «كيف يمكن للناس أن يعيشوا؟». محذراً من أن غياب هذه المقومات سيدفع الناس للبحث عن أي فرصة للرحيل، وهو ما تريده إسرائيل.


مقتل 11 فلسطينياً بينهم صحافيون بنيران إسرائيلية في غزة

فلسطينية تبكي أمام جثمان أحد قتلى الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (رويترز)
فلسطينية تبكي أمام جثمان أحد قتلى الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (رويترز)
TT

مقتل 11 فلسطينياً بينهم صحافيون بنيران إسرائيلية في غزة

فلسطينية تبكي أمام جثمان أحد قتلى الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (رويترز)
فلسطينية تبكي أمام جثمان أحد قتلى الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (رويترز)

قُتل 11 فلسطينياً، اليوم (الأربعاء)، بنيران الجيش الإسرائيلي في مناطق متفرقة من قطاع غزة، في ظل تصاعد التوتر الميداني اليومي، رغم مرور نحو 100 يوم على اتفاق وقف إطلاق النار، حسب مصادر فلسطينية.

وأفادت مصادر طبية وأمنية فلسطينية بأن القتلى سقطوا جراء غارات جوية وإطلاق نار استهدف مناطق متفرقة من القطاع، مشيرةً إلى أن ثلاثة فلسطينيين قُتلوا شرق مخيم البريج بوسط قطاع غزة، فيما قُتل ثلاثة آخرون بشرق مدينة دير البلح، إضافةً إلى ثلاثة في منطقة الزهراء بجنوب مدينة غزة، واثنين في مدينة خان يونس بجنوب القطاع.

وأفادت وكالة الصحافة الفلسطينية (صفا) بـ«استشهاد ثلاثة مواطنين وإصابة آخرين في استهداف سيارة يستقلها صحافيون، قرب المستشفى التركي في المحافظة الوسطى للقطاع». وأكدت الوكالة أن «الشهداء كانوا يصورون مخيماً تشرف عليه اللجنة المصرية في المحافظة الوسطى».

وقال الناطق باسم الدفاع المدني، محمود بصل، لـ«وكالة الأنباء الألمانية» إن الصحافيين كانوا يرتدون ملابس مميزة للصحافة في أثناء وجودهم في موقع الاستهداف.

من جهتها، قالت إذاعة الجيش الإسرائيلي إن سلاح الجو نفَّذ غارة استهدفت سيارة في وسط قطاع غزة، بزعم أن من كانوا بداخلها استخدموا طائرة مسيَّرة لجمع معلومات استخباراتية عن قوات الجيش الإسرائيلي المنتشرة في المنطقة.

وقالت سلطات الصحة في غزة، في وقت سابق اليوم، إن النيران الإسرائيلية قتلت خمسة ​فلسطينيين، بينهم طفلان، في وسط وجنوب القطاع غزة، فيما قال الجيش الإسرائيلي إنه «قضى» على مسلح فلسطيني شكل تهديداً للجنود.

وتتبادل إسرائيل وحركة «حماس» الفلسطينية الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه ‌في أكتوبر (تشرين ‌الأول) بعد حرب ‌استمرت ⁠عامين ​دمَّرت ‌غزة وتسببت في كارثة إنسانية.

وتوجد فجوات واسعة بين الطرفين بشأن الخطوات التالية لتنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول غزة والمؤلفة من 20 نقطة.

وقال مسعفون فلسطينيون إن ثلاثة، من بينهم طفل ⁠عمره 10 سنوات، قُتلوا نتيجة قصف الدبابات الإسرائيلية شرقي ‌دير البلح وسط غزة.

وأضافوا أن شخصين آخرين، وهما صبي عمره 13 عاماً وامرأة، لقيا حتفهما بنيران إسرائيلية في واقعتين منفصلتين في شرق خان يونس بجنوب القطاع. وقال السكان إن الواقعتين حدثتا في مناطق يسيطر ​عليها الفلسطينيون.

وأدى وقف إطلاق النار إلى انسحاب جزئي للقوات الإسرائيلية لتسيطر على نحو ⁠53 في المائة من القطاع. لكنَّ سكاناً قالوا لوكالة «رويترز» إن القوات وسَّعت وجودها تدريجياً في الأسابيع الماضية مما أجبر عائلات فلسطينية على النزوح.

وقال الجيش الإسرائيلي، في بيان، إن قواته قتلت «إرهابياً» عبر إلى منطقة خاضعة لسيطرتها ‌مما شكَّل تهديداً وشيكاً للجنود المنتشرين هناك.


السوداني يقلل المخاوف من تدهور أمن الحدود مع سوريا

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني داخل طائرة عسكرية (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني داخل طائرة عسكرية (إعلام حكومي)
TT

السوداني يقلل المخاوف من تدهور أمن الحدود مع سوريا

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني داخل طائرة عسكرية (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني داخل طائرة عسكرية (إعلام حكومي)

سعى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى تبديد المخاوف من تدهور أمني محتمل على الحدود مع سوريا، في ظل التطورات الأخيرة هناك، مؤكداً جاهزية القوات العراقية واستقرار الأوضاع، وذلك خلال زيارة أجراها إلى قاعدة «عين الأسد» الجوية في محافظة الأنبار غرب البلاد.

وتأتي الزيارة في وقت أثيرت فيه، على المستويين الرسمي والشعبي، تساؤلات حول احتمال تكرار سيناريو عام 2014، حين اجتاح تنظيم «داعش» مساحات واسعة من العراق انطلاقاً من الأراضي السورية، مستفيداً من هشاشة الوضع الأمني آنذاك.

وأفاد بيان، صادر عن مكتب رئيس الوزراء، بأن السوداني اطلع، خلال زيارته لقاعدة عين الأسد وقضاء القائم الحدودي، على «مستويات التأهب والتحركات الميدانية للتشكيلات العسكرية المنتشرة»، كما تابع تمريناً جوياً شمل إقلاع أربع طائرات مقاتلة من طراز F-16 ضمن مهام استطلاع ومراقبة.

جندي من سلاح الجو العراقي خلال استطلاع فوق قاعدة «عين الأسد» غرب البلاد (إعلام حكومي)

وترأس السوداني اجتماعاً أمنياً في مقر قيادة الفرقة السابعة المسؤولة عن الشريط الحدودي مع سوريا، بحضور كبار القادة العسكريين والأمنيين، شدد خلاله على «أهمية مواصلة الجهود للحفاظ على أمن الحدود»، مؤكداً الثقة في قدرات القوات المسلحة التي أسهمت في ترسيخ الاستقرار.

وجاءت الزيارة أيضاً بعد تداول أنباء عن انسحاب القوات الأميركية من قاعدة عين الأسد، وهي من أكبر القواعد التي استخدمها التحالف الدولي في العراق. ويرى مراقبون أن ظهور رئيس الوزراء في القاعدة يحمل رسالة تأكيد على أن الملف بات «شأناً عراقياً خالصاً»، وأن البلاد تجاوزت مرحلة الاعتماد الأمني الخارجي، على حد تعبيرهم.

في هذا السياق، قال الخبير الأمني سرمد البياتي، لـ«الشرق الأوسط» إن زيارة السوداني «تمثل رسالة واضحة بأن العراق لم يعد مهيأً لتكرار سيناريو 2014»، مضيفاً أن «الحدود العراقية – السورية مؤمنة بالكامل عبر تحصينات متعددة، ولا توجد مؤشرات على تهديد فعلي».

وأشار مسؤول عراقي، طلب عدم الكشف عن اسمه، إلى أن الحديث عن هروب أعداد كبيرة من عناصر تنظيم «داعش» من سجون في سوريا «مبالغ فيه»، موضحاً أن «الأرقام المتداولة لا ترقى إلى مستوى التهديد، فضلاً عن اختلاف الظروف الأمنية جذرياً عما كانت عليه قبل أكثر من عقد».

وأضاف المسؤول لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك «تنسيقاً أمنياً قائماً بين بغداد ودمشق»، نظراً لأن الجانبين يواجهان مخاطر مشتركة من بقايا التنظيم المتشدد.

لقطة من الجو لقاعدة «عين الأسد» بعد إعلان تسليمها من القوات الأميركية (إعلام حكومي)

من جهته، دعا وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، الولايات المتحدة، إلى اتخاذ إجراءات لمنع فرار عناصر تنظيم «داعش» من السجون في سوريا، مشدداً على ضرورة وقف القتال هناك وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

وجاء ذلك خلال لقائه القائم بأعمال السفارة الأميركية في بغداد، جوشوا هاريس، حيث ناقش الجانبان العلاقات الثنائية والتطورات الأمنية في المنطقة. وأكد حسين، بحسب بيان للخارجية العراقية، أهمية «العمل المشترك للحفاظ على الاستقرار، واعتماد الحوار والدبلوماسية لمعالجة الأزمات الإقليمية».

من جانبه، كشف مكتب رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، عن فحوى اتصال جرى مع الرئيس السوري أحمد الشرع، «تمحور حول آخر المستجدات والأوضاع في سوريا».

وحسب البيان، أشار الشرع إلى آخر المستجدات في سوريا، وأوضح أنه «توصل إلى اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)».

وفي الوقت ذاته، ذكر مكتب بارزاني أنه «خلال الاتصال، أكد الرئيس بارزاني أننا مع السلام، مشدداً على ضرورة حماية حقوق وكرامة الشعب الكردي».

كان رئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني، قد تلقى اتصالاً من الرئيس السوري أحمد الشرع، جرى خلاله بحث تطورات الأوضاع الجارية في سوريا، والتحديات الأمنية التي تواجهها.

وأكد الاتصال، وفق بيان لمكتب رئيس الوزراء العراقي، أهمية اعتماد الحوار في حل الأزمات، وضمان حقوق جميع مكونات الشعب السوري، والحفاظ على وحدة الأراضي السورية وسيادة الدولة السورية عليها.

وأضاف البيان أن الرئيس السوري أكد حرص بلاده على أمن الحدود المشتركة بين البلدين، مشيداً بجهود الحكومة العراقية وإجراءاتها في هذا الشأن.