سقوط «جمهورية الكبتاغون» التي موَّلت دولة الأسد (صور)

مقاتل من المعارضة السورية يعرض حبوب الكبتاغون -وهي منشط صناعي من نوع الأمفيتامين- مخبأة في فاكهة مزيفة داخل مصنع في مدينة دوما شرق العاصمة دمشق (إ.ب.أ)
مقاتل من المعارضة السورية يعرض حبوب الكبتاغون -وهي منشط صناعي من نوع الأمفيتامين- مخبأة في فاكهة مزيفة داخل مصنع في مدينة دوما شرق العاصمة دمشق (إ.ب.أ)
TT

سقوط «جمهورية الكبتاغون» التي موَّلت دولة الأسد (صور)

مقاتل من المعارضة السورية يعرض حبوب الكبتاغون -وهي منشط صناعي من نوع الأمفيتامين- مخبأة في فاكهة مزيفة داخل مصنع في مدينة دوما شرق العاصمة دمشق (إ.ب.أ)
مقاتل من المعارضة السورية يعرض حبوب الكبتاغون -وهي منشط صناعي من نوع الأمفيتامين- مخبأة في فاكهة مزيفة داخل مصنع في مدينة دوما شرق العاصمة دمشق (إ.ب.أ)

منذ الانهيار السريع لحكم الأسد، عُثر في مناطق مختلفة من سوريا على كميات كبيرة من أقراص الكبتاغون المكدَّسة في مستودعات أو قواعد عسكرية، لتؤكد التقارير حول دور النظام السوري في صناعة هذه المادة المخدرة المحظورة، وتهريبها إلى دول العالم.

وأفادت شبكة «سكاي نيوز» البريطانية بأن هناك موقعين رئيسيين: أحدهما فيلا خاصة بالقرب من الحدود اللبنانية، والآخر مصنع للكبتاغون في ضاحية خارج دمشق. وأفادت مراسلة الشبكة بأن «ما يلفت انتباهك هو الرائحة. إنها لاذعة ومعدنية وتلتصق بأنفك».

ويقول الحراس في الفيلا بالقرب من الحدود اللبنانية، إن رائحة الكبتاغون تسبب لهم الصداع. وأحرقوا مخزون حبوب الكبتاغون الذي اكتشفوه؛ لكنهم احتفظوا بالمواد الخام، من براميل الكافيين، والأكياس المكدسة مما يشبه الطحين قليلاً، والكحول؛ وقالوا إنهم تلقوا نصيحة بأنها قد تكون مفيدة للأدوية.

حبوب الأمفيتامين -المعروفة باسم كبتاغون- التي كانت معدة للإخفاء داخل مكونات كهربائية شوهدت في المستودع حيث تم تصنيع المخدرات قبل سقوط حكومة بشار الأسد في منشأة بمدينة دوما (أ.ب)

واستولى مقاتلو الفصائل على قواعد عسكرية ومراكز توزيع منشطات يدخل في تركيبها الأمفيتامين. وفي هذا الصدد، يقول «أبو بكر»، وهو جندي من «هيئة تحرير الشام» للشبكة البريطانية: «في إدلب، أي شخص يشارك في مثل هذه الأنشطة يتم طرده من المدينة». وتقول المعارضة السورية بقيادة «هيئة تحرير الشام» إنهم عثروا على كمية هائلة من المخدرات وتعهدوا بإتلافها. ويقول «أبو بكر»: «لكننا كنا نعلم بطبيعة الحال ما كان يحدث في بقية أنحاء سوريا ومع النظام. كان النظام مفلساً والاقتصاد ميتاً. لذا فقد موَّلوا أنفسهم بأموال المخدرات».

فيلَّا «الرجل الكبير»

وأفادت الشبكة البريطانية اليوم (الثلاثاء) بأن هذه الفيلا كانت مملوكة لضباط من الفرقة المدرعة الرابعة في سوريا، والتي كان يديرها شقيق الأسد، ماهر. ويقول حراس «هيئة تحرير الشام» إن الفيلا كان يديرها «العقيد باسم». يقول «أبو بلال» وهو مزارع يعيش في الجوار: «كان (باسم) الرجل الكبير هنا في هذه المنطقة، وكان يزرع الخوف في كل من يعيش هنا، وكان كل شيء محظوراً».

حبوب الكبتاغون مخبأة في فاكهة مزيفة داخل مصنع بمدينة دوما شرق العاصمة دمشق (إ.ب.أ)

كما سقط مستودع في مقلع على مشارف دمشق؛ حيث تم إخفاء حبوب الكبتاغون داخل مكونات كهربائية للتصدير. وقال «أبو مالك الشامي» وهو من «هيئة تحرير الشام» وقد ارتدى قناعاً أسود، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنه «بعد أن دخلنا وأجرينا عملية تمشيط، وجدنا أن المصنع لماهر الأسد وشريكه عامر خيتي».

وكان ماهر الأسد قائداً عسكرياً، وشقيق رئيس النظام المخلوع، ويُفترض الآن أنه هارب. ويُتهم على نطاق واسع بأنه المسؤول عن تجارة الكبتاغون المربحة. أما عضو مجلس الشعب سابقاً عامر خيتي، ففرضت عليه الحكومة البريطانية عقوبات، وقالت إنه «يسيطر على كثير من الشركات في سوريا التي تسهل إنتاج وتهريب المخدرات»، كما فرضت الولايات المتحدة عليه عقوبات عام 2020 بسبب علاقته بنظام الأسد، وفق صحيفة «الغارديان».

في أجهزة منزلية... وعبوات شوكولاتة

وفي مرأب أسفل المستودع ومناطق التحميل، تم تعبئة آلاف حبوب الكبتاغون ذات اللون البيج، وتخبئتها في ملفات نحاسية لمحولات كهربائية منزلية جديدة. وقال الشامي: «وجدنا كمية كبيرة من الأدوات (الكهربائية) التي وضعت بداخلها أكياس من حبوب الكبتاغون المعدة للتهريب إلى خارج البلد». وأضاف لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن هناك «كمية كبيرة منها لا يمكن عدها».

وفي المستودع في الأعلى، كانت صناديق من الورق المقوى جاهزة لإخفاء الحبوب المخدرة على أنها حمولة من بضائع اعتيادية، إلى جانب كمية كبيرة من «الصودا الكاوية» المعبأة في أكياس بيضاء.

أحد أفراد المعارضة السورية يحرس منطقة داخل مصنع لتصنيع حبوب الكبتاغون في مدينة دوما شرق العاصمة دمشق (إ.ب.أ)

وكان أحد المصانع ينتج الشوكولاتة ورقائق البطاطس فوق الأرض، والمخدرات تحتها، وكانت الحبوب مخبأة داخل أنظمة التبديل الكهربائية، وحتى الفاكهة البلاستيكية، وكانت تغطي الأرضيات أكوام ضخمة من حبوب الكبتاغون، بقيمة تتراوح بين دولارين و20 دولاراً لكل منها، حسب المكان الذي تباع فيه، وفق «سكاي نيوز» البريطانية.

وفي سياق متصل، أشار المحامي السوري حسن أنور لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أن حبوب الكبتاغون كانت تُصدَّر من اللاذقية ضمن ملصقات الملابس الصينية الصنع.

حرق وتدمير

وتمت عملية حرق لحبوب الكبتاغون هذا الأسبوع في قاعدة المزة الجوية، التي أصبحت الآن في أيدي مقاتلي «هيئة تحرير الشام». وخلف الكومة المشتعلة، في مبنى للقوات الجوية تعرض للنهب، كانت هناك كميات أخرى من الكبتاغون، إلى جانب صادرات أخرى غير مشروعة.

حبوب الكبتاغون مخبأة في فاكهة مزيفة داخل مصنع بمدينة دوما شرق العاصمة دمشق (إ.ب.أ)

وقال أحد أعضاء «هيئة تحرير الشام» الذي يستخدم الاسم الحركي «خطاب» في مطار المزة العسكري: «عندما دخلنا إلى هنا وجدنا كمية كبيرة من الكبتاغون. لذا قمنا بإتلافها وحرقها. إنها كمية ضخمة يا أخي». وأضاف لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قمنا بإتلافها لأنها ضارة بالناس. تضر الصحة، وتضر الطبيعة والبشر».

وأكد خطاب أن «هيئة تحرير الشام» التي شكَّلت حكومة انتقالية لا تريد إلحاق الأذى بجيرانها من خلال تصدير المخدرات التي يمكن أن تدر مليارات الدولارات.

ما هو الكبتاغون؟

الكبتاغون هو أحد الأسماء التجارية العديدة لفينيثيلين الهيدروكلوريد، وهو مركب كيميائي ينتمي إلى عائلة الأمفيتامينات التي تنشط الجهاز العصبي المركزي. والصودا الكاوية -أو هيدروكسيد الصوديوم- هي عنصر أساسي في إنتاج الميثامفيتامين، وهي مادة أقوى من الأمفيتامين وأخطر.

في الأصل، كان هذا العقار المضاد للخَدَر يُنتَج في أوروبا الوسطى، وسرعان ما اكتسب سمعة سيئة في الشرق الأوسط؛ حيث بدأ النظام السوري والميليشيات المدعومة من إيران في إنتاجه بكميات كبيرة أثناء الحرب الأهلية السورية، وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية.

أحد أفراد المعارضة السورية خلال عرض مادة سائلة لتصنيع حبوب الأمفيتامين المعروفة باسم الكبتاغون في مدينة دوما على مشارف دمشق (أ.ب)

ويتكون الدواء من مادة «أمفيتامين» التي تُحدث تأثيرات نفسية أقوى وأسرع بكثير من الأمفيتامين وحده، وهي تعطي شعوراً بالحيوية والنشاط والسعادة، ومادة «الثيوفيلين» وهي تشبه في تأثيرها تأثير الكافيين في تنشيط المخ.

وبحلول الثمانينات، قررت منظمة الصحة العالمية حظر إنتاج الكبتاغون وتداوله، بعدما ثبت أنه يؤدي للإدمان؛ حيث أشارت إلى أن مضار إدمان هذا الدواء تفوق فوائده الإكلينيكية، وفق تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

ويقول خبراء الصحة إن إدمان الكبتاغون يتسبب في زيادة ضغط الدم ومعدل نبضات القلب، وإنه على المدى الطويل قد يصيب الأشخاص بأمراض القلب واختلال الدورة الدموية.

عائد اقتصادي ضخم

دعمت عائدات بيع الكبتاغون طوال سنوات الحرب المستمرة منذ 13 عاماً حكومة الأسد التي سقطت في هجوم خاطف من فصائل مسلحة، بقيادة «هيئة تحرير الشام». وحوَّل الكبتاغون سوريا إلى أكبر دولة في العالم تعتمد على عائدات المخدرات، وأصبح أكبر صادرات سوريا متجاوزاً جميع صادراتها القانونية مجتمعة، وفقاً لتقديرات مستمدة من بيانات رسمية، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووفقاً للبنك الدولي، كان الكبتاغون القطاع الأكثر قيمة في الاقتصاد السوري المدمَّر بسبب الحرب؛ حيث تبلغ قيمته ما بين 1.9 مليار دولار أميركي (1.5 مليار جنيه إسترليني) و5.6 مليار دولار أميركي (4.4 مليار جنيه إسترليني)، مع تقدير الناتج المحلي الإجمالي السوري بما لا يزيد عن ذلك بكثير؛ 6.2 مليار دولار أميركي (4.9 مليار جنيه إسترليني) في عام 2023، وفقاً لشبكة «سكاي نيوز» البريطانية.

وقدر المحللون أن نظام الأسد حقق ربحاً صافياً قدره 5 مليارات دولار سنوياً من التجارة، وهي قيمة أكبر بعدة مرات من الميزانية الرسمية، وشريان حياة حيوي للدولة المفلسة.

وكثيراً ما عُرضت مبالغ كبيرة من المال على الشباب الفقراء من الجنوب للعمل في تهريب المخدرات، ونقل الكبتاغون عبر الحدود الأردنية، وهو ما قد يؤدي إلى حكم الإعدام إذا تم القبض عليهم من قبل حرس الحدود الأردنيين، وفق «الغارديان».

وقال «أبو حمزة»، أحد زعماء الفصائل المعارضة في درعا، جنوب سوريا، للصحيفة البريطانية: «كانت الميليشيات تستغل الفقراء للتهريب، وقد جلبت كثيراً من المخدرات إلى مجتمعنا. والآن نحتاج إلى وضع خطة لإصلاح هذه الأمور».


مقالات ذات صلة

التراجع بمنح «الحماية» في ألمانيا يشمل جميع طالبي اللجوء السوريين

العالم العربي لاجئون سوريون في ألمانيا (دويتشه فيله)

التراجع بمنح «الحماية» في ألمانيا يشمل جميع طالبي اللجوء السوريين

وفقاً لوزارة الداخلية الألمانية، حصل 5.3 % من السوريين الذين بتّ «المكتب الاتحادي لشؤون الهجرة واللاجئين» في طلبات لجوئهم خلال العام الماضي على وضع حماية.

«الشرق الأوسط» (برلين)
المشرق العربي لقاء محافظ الحسكة المهندس نور الدين أحمد مع عدد من عوائل الأسرى والمحتجزين في السجون 11 مارس الماضي (مكتب الحسكة الإعلامي)

إطلاق الحكومة السورية سراح دفعة ثالثة من عناصر «قسد» السبت

قال الفريق الرئاسي لمديرية إعلام الحسكة، إنه يجري التحضير للإفراج عن دفعة جديدة من المعتقلين في محافظة الحسكة، السبت المقبل.

المشرق العربي الشيخ حكمت الهجري (أ.ف.ب)

قرار الهجري بتشكيل «مجلس إدارة جبل باشان»... استنساخ لـ«الإدارة الذاتية»؟

أعلن الهجري الثلاثاء حل «اللجنة القانونية»، وتكليف القاضي شادي فايز مرشد بتشكيل ما سماه «مجلس الإدارة في جبل باشان».

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي قوات الدفاع الوطني الرديفة لنظام الأسد (أرشيفية)

محاكمة سوري في هولندا متهم بالتعذيب خلال الحرب السورية

وصف المتهم الضحايا التسعة في القضية والشهود والشرطة الهولندية، بالكذب. وقال، متحدثاً عبر مترجم: «جميعهم يتآمرون ضدي».

«الشرق الأوسط» (لاهاي (هولندا))
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يصافح وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها قبل لقائه الثنائي مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي... 5 أبريل (الرئاسة الأوكرانية - د.ب.أ)

خبير عسكري لـ«الشرق الأوسط»: زيلينسكي عرض شراء الفوسفات السوري

قرأ محللون في الزيارة رسائل عدة، منها ما هو موجه لروسيا بعد تغيّر موازين القوى في المنطقة.

سعاد جرَوس (دمشق)

بيروت تفقد أمانها... وسكانها يغادرونها تحت وطأة الخوف من الآتي

المبنى الذي استهدف بقصف إسرائيلي في منطقة تلة الخياط في بيروت يوم الأربعاء (رويترز)
المبنى الذي استهدف بقصف إسرائيلي في منطقة تلة الخياط في بيروت يوم الأربعاء (رويترز)
TT

بيروت تفقد أمانها... وسكانها يغادرونها تحت وطأة الخوف من الآتي

المبنى الذي استهدف بقصف إسرائيلي في منطقة تلة الخياط في بيروت يوم الأربعاء (رويترز)
المبنى الذي استهدف بقصف إسرائيلي في منطقة تلة الخياط في بيروت يوم الأربعاء (رويترز)

لم تعد بيروت تلك العاصمة التي يلجأ إليها سكانها طلباً للأمان، بل تحوّلت في لحظة إلى مدينة يُخيّم عليها الخوف والقلق. فالهجوم الإسرائيلي، يوم الأربعاء، الذي استهدف مناطق عدة وأسقط مئات القتلى والجرحى، وضع أهلها أمام واقع جديد قاسٍ؛ حيث لم يعد البقاء خياراً بديهياً، بل مغامرة محفوفة بالمخاطر. وبين مَن يملك القدرة على المغادرة ومَن لا خيار لديه سوى البقاء، تنكشف صورة مدينة بدأت تفتقد الأمان تدريجياً، ويغادرها ناسها بحثاً عن ملاذ أكثر استقراراً.

نزوح تحت وقع الخوف

بعد القصف الذي استهدف بيروت، قرر عدد كبير من سكانها مغادرتها، لا سيما أن المناطق التي استُهدفت تعدّ إلى حد كبير مناطق يسكنها ميسورون، وهؤلاء تمكنوا من الانتقال إلى منازل الاصطياف أو شاليهات في مناطق خارج بيروت. لكن ليس للجميع القدرة على المغادرة، إذ تبقى الأزمة أكثر قسوة على من لا يملكون خيارات بديلة، «ولا سيما منهم النازحون الذين لجأوا إلى بيروت، واستأجروا منازل فيها أو يعيشون في مراكز نزوح، بحيث لم يعد لديهم أي خيار إلا التسليم للقدر».

«سلامة العائلة أولاً»

هذا الواقع فرض نفسه على قرارات كثير من العائلات؛ حيث يقول محمد السيد، أحد سكان بيروت: «منذ بدء الحرب كنت حريصاً على البقاء في بيتي في بيروت لأسباب عدة، أهمها الخوف من أن يدخل غرباء إلى المنزل في غيابنا... أما اليوم ومع التصعيد الذي حصل، لم تعد بيروت آمنة بالنسبة إلينا، وباتت سلامة عائلتي هي الأولوية». ويُضيف: «من هنا اتخذت قراري بالانتقال إلى الشمال؛ حيث أملك بيتاً بانتظار ما ستؤول إليه الأمور».

ويتابع: «لا نريد أن نعيش لحظات الرعب والخوف التي عشناها يوم الأربعاء... الأمور باتت خارج السيطرة، ولم يعد بيدنا حيلة إلا المغادرة علّنا ننجو»، مشدداً على أن «الوضع الأمني في بيروت يختلف عن كل المراحل، حتى خلال الاحتلال الإسرائيلي عام 1982 لم تعمد إسرائيل إلى قصف العاصمة على غرار ما تفعل اليوم».

عناصر الدفاع المدني في أحد المواقع التي استهدفت في منطقة عين المريسة في بيروت الأربعاء (رويترز)

وفي السياق نفسه، يروي ماهر (م)، وهو من أبناء بيروت الذين لا يملكون منزلاً خارجها، تجربته قائلاً: «منزلنا في منطقة فردان، القريبة من تلة الخياط التي قُصف مبنى فيها يوم الأربعاء. عشنا لحظات رعب لا تُنسى أنا وزوجتي وأطفالي الثلاثة، فانتقلتُ إلى قريب لي كان قد استأجر أحد الشاليهات في منطقة جونية شرق بيروت»، متابعاً: «علّها تكون آمنة أكثر، علماً بأننا بتنا على يقين أنه لم تعد هناك أي منطقة آمنة».

وأضاف: «السبب فيما آلت إليه الأمور هو اختباء عناصر (حزب الله) بين المدنيين، غير آبهين بتداعيات ذلك»، لافتاً إلى أن «الشخص لم يعد يشعر بالأمان في بيته ومدينته؛ لأنه لا يعرف مَن قد يكون في المبنى الذي يسكنه»، خصوصاً أنه «رغم كل محاولات المراقبة هم يستخدمون هويات مزورة، ما يخرج الأمور عن القدرة على السيطرة».

سقوط الخطوط الحمراء

وانطلاقاً من الوقائع الميدانية، يرى الخبير العسكري، رياض قهوجي، أن «الخطوط الحمراء سقطت، ولم يعد هناك أي منطقة آمنة لا في بيروت ولا غيرها بالنسبة إلى الإسرائيلي»، لافتاً إلى أنه «سبق أن نقل عبر عدة جهات إلى المسؤولين اللبنانيين أن الجيش الإسرائيلي سيطارد عناصر (حزب الله) وقيادييه، وسيستهدفهم في كل مكان، وفي كل المناطق اللبنانية التي يوجدون فيها»، محذراً من أن «يوم الأربعاء الدموي قد يتكرر في أي لحظة». ويضيف أن «الخطوط الحمر الوحيدة هي التي وضعها الأميركي، وهي رفض استهداف البنى التحتية للدولة اللبنانية».

عمليات بحث عن الضحايا تحت أنقاض أحد المباني التي استهدفت في بيروت الأربعاء (أ.ب)

وفي تهديد ومؤشر واضح لهذا الواقع، كان قد قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي صراحة إثر الهجوم الإسرائيلي بمائة غارة في وقت واحد، يوم الأربعاء: «(حزب الله) غادر معاقل الإرهاب في الضاحية، وتموضع نحو شمال بيروت، وإلى المناطق المختلطة في المدينة»، وتوجه لهم بالقول: «لا يوجد مكان آمن بالنسبة لكم. سيواصل جيش الدفاع ملاحقتكم والعمل بقوة كبيرة ضدكم أينما كنتم».

«الكتائب» للتأكد من عدم وجود «حزب الله» بين المدنيين

في المقابل، ترتفع الأصوات في لبنان الرافضة لاستخدام المناطق السكنية؛ حيث عبّر المكتب السياسي في حزب «الكتائب اللبنانية»: «عن استيائه الشديد لتراخي الإجراءات الأمنية التي تسمح باستعمال بعض المناطق ملاذاً لتسلل مسلحين خارجين عن الشرعية»، مطالباً في بيان إثر الاجتماع الأسبوعي بـ«ضرورة انتشار الجيش والقوى الأمنية في مختلف المناطق، وتشديد المراقبة والتدقيق، للتأكد من عدم وجود عناصر من تنظيم ميليشيات (حزب الله) المحظورة بين المدنيين».

كما جدد المطالبة بـ«ضرورة مكاشفة اللبنانيين ومصارحتهم بنتائج التحقيقات في سلسلة الأحداث الأمنية المرتبطة بالحرب... داعياً الدولة إلى وضع الرأي العام أمام الحقائق كاملة، ومن دون أي مداراة، بما يُعزّز الثقة ويمنع تكرار هذه المآسي».

عناصر الدفاع المدني يقومون بعمليات بحث عن الضاحية تحت أنقاض المبنى الذي استهدف يوم الأربعاء (أ.ف.ب)


«الوزراء اللبناني» يقرر حصر السلاح بيد القوى الشرعية في بيروت

أفراد من الجيش اللبناني يؤمّنون موقع غارة إسرائيلية نُفّذت يوم الأربعاء في منطقة الخياط ببيروت (رويترز)
أفراد من الجيش اللبناني يؤمّنون موقع غارة إسرائيلية نُفّذت يوم الأربعاء في منطقة الخياط ببيروت (رويترز)
TT

«الوزراء اللبناني» يقرر حصر السلاح بيد القوى الشرعية في بيروت

أفراد من الجيش اللبناني يؤمّنون موقع غارة إسرائيلية نُفّذت يوم الأربعاء في منطقة الخياط ببيروت (رويترز)
أفراد من الجيش اللبناني يؤمّنون موقع غارة إسرائيلية نُفّذت يوم الأربعاء في منطقة الخياط ببيروت (رويترز)

طلب مجلس الوزراء اللبناني الخميس من الجيش والأجهزة الأمنية المباشرة بتعزيز بسط سيطرة الدولة في محافظة بيروت وحصر السلاح فيها بيد القوى الشرعية، وذلك غداة الغارات الإسرائيلية الدامية على العاصمة ومناطق أخرى.

وقال رئيس الحكومة نواف سلام في ختام اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون: «حفاظاً على سلامة المواطنين وأمنهم وممتلكاتهم، يُطلب إلى الجيش والقوى الأمنية المباشرة فوراً بتعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية وحدها».

وارتفع عدد ضحايا الغارات الإسرائيلية الواسعة على لبنان أمس الأربعاء إلى 203 قتلى وأكثر من ألف جريح، وفق إعلان وزير الصحة اللبناني ركان ناصر الدين اليوم.

وقال وزير الصحة اللبناني، في تصريح اليوم قبل جلسة الحكومة في قصر بعبدا: «هناك 203 شهداء وأكثر من ألف جريح جراء الغارات الإسرائيلية أمس».

وبدأت جلسة مجلس الوزراء المنعقدة في قصر بعبدا بدقيقة صمت على أرواح الشهداء».

وفي وقت سابق اليوم (الخميس)، قُتِل أكثر من 10 أشخاص بينهم نساء وأطفال في قصف إسرائيلي استهدف مبني سكنياً في جنوب لبنان، وفق إعلام محلي.

ووفق «الوكالة الوطنية للإعلام»: «ارتكب العدوان الإسرائيلي مجزرة جديدة في بلدة الزرارية بقضاء صيدا، حيث استهدف أحد المباني السكنية، مما أدَّى إلى استشهاد أكثر من 10 بينهم نساء وأطفال».


آلاف يؤدون الصلاة في المسجد الأقصى مع إعادة فتحه بعد 40 يوماً

فلسطينيات يلتقطن «سيلفي» بالقرب من المسجد الأقصى بالقدس اليوم (أ.ب)
فلسطينيات يلتقطن «سيلفي» بالقرب من المسجد الأقصى بالقدس اليوم (أ.ب)
TT

آلاف يؤدون الصلاة في المسجد الأقصى مع إعادة فتحه بعد 40 يوماً

فلسطينيات يلتقطن «سيلفي» بالقرب من المسجد الأقصى بالقدس اليوم (أ.ب)
فلسطينيات يلتقطن «سيلفي» بالقرب من المسجد الأقصى بالقدس اليوم (أ.ب)

أدى آلاف الفلسطينيين صلاة الفجر، اليوم الخميس، في المسجد الأقصى بعد أربعين يوماً على إغلاقه بسبب الحرب على إيران، حسبما أعلنت محافظة القدس.

وأغلقت السلطات الإسرائيلية المواقع الدينية بدءاً من 28 فبراير (شباط) بعد بدء الهجوم المشترك مع الولايات المتحدة على إيران. وصادف ذلك حلول شهر رمضان، ما حال دون أداء المسلمين صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في المسجد، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

المصلون قرب قبة الصخرة في باحة المسجد الأقصى يؤدون صلاة الفجر بالقدس (أ.ف.ب)

وأعلنت الشرطة الإسرائيلية، مساء الأربعاء، أن الأماكن المقدسة للمسلمين والمسيحيين واليهود، سيعاد فتحها «أمام الزوار ولأداء الصلوات»، وذلك بعد سريان وقف إطلاق النار في الحرب مع إيران بدءاً من فجر الأربعاء.

وقالت محافظة القدس إن «حوالي 3000 مصلّ أدوا صلاة الفجر» الخميس.

فلسطينيون يلتقطون «سيلفي» قرب قبة الصخرة في باحة المسجد الأقصى بعد أداء صلاة الفجر بالقدس اليوم (أ.ف.ب)

وانتشر أفراد من الشرطة الإسرائيلية بكثافة على مداخل الحرم القدسي، حسبما شاهد مصور لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، وقاموا بشكل عشوائي بتدقيق هويات المصلين الذين تدفقوا إلى باحات المسجد من باب حِطة في المدينة القديمة.

وبدا التأثر واضحاً على المصلين في الباحات، ولم يتمكن بعضهم من حبس دموعه. وقام رجل يقف عند باب المصلى القِبلي، بتوزيع المناديل الورقية.

عامل ينظف منطقة في باحة المسجد الأقصى عقب التوصل إلى وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة بالبلدة القديمة بالقدس (أ.ب)

وقالت سوزان علّام التي أتت مع زوجها وابنتهما من منطقة كفر عقب شمال القدس، إن زيارة الأقصى بعد هذا الغياب أشبه بـ«عيد».

وأضافت السيدة التي وضعت نقاباً أبيض اللون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قلوبنا كانت حزينة... صحونا من الساعة الرابعة فجراً، اليوم عيدنا، الحمد لله».

المسجد أغلق لمدة 40 يوماً منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران (أ.ف.ب)

أما الشاب حمزة الأفغاني الذي قال إنه «جار الأقصى»، فقال إن المسجد هو «بيته الأول» وهو ترعرع في ساحاته. وأكد أن فرحته «لا توصف».

ورأت سيدة أخرى تسكن عند باب المجلس داخل المدينة القديمة وطلبت عدم ذكر اسمها، أن إغلاق المسجد الأقصى كان «صعباً... كأننا في سجن».وتمنت السيدة التي كانت برفقة ابنتها ألا يتم إغلاق المسجد مجدداً، عادّة أن هذا الحرم يمثّل «روح القدس».