المجتمع المدني يسابق التغيير بورشات تثبّت دوره في سوريا الجديدة

بعد عقود طويلة من التغييب يناقشون حكماً جديداً لا يعرفهم ولا يعرفونه

TT

المجتمع المدني يسابق التغيير بورشات تثبّت دوره في سوريا الجديدة

اجتماع لنشطاء المجتمع المدني في حي القصور بدمشق  السبت (الشرق الأوسط)
اجتماع لنشطاء المجتمع المدني في حي القصور بدمشق السبت (الشرق الأوسط)

مع انتهاء الأسبوع الأول لسقوط نظام الأسد في سوريا، بدأت موجة الاحتفالات تتراجع في الشارع لتتحول إلى عقد اجتماعات للتفكير بصوت مرتفع في المنازل والمقاهي والأماكن العامة، بعد 50 عاماً من منع التجمع والتعبير عن الرأي، وحتى المشاركة بالشأن العام دون موافقة أمنية مسبقة تحت طائلة الاعتقال والتغييب.

وفي حالة غير مسبوقة، يعود المشهد السوري إلى عام 1918 الذي شهد الاستقلال عن الدولة العثمانية. في حينها انخرط المجتمع السوري بكامل أطيافه في ولادة الدولة الجديدة التي سرعان ما أحبطها الانتداب الفرنسي عام 1920، ليبدأ عهد نضال السوريين، ويمتد على مدى قرن.

المجتمع المدني يناقش موقعه الجديد في سوريا بدمشق (الشرق الأوسط)

ولا شك أن سقوط النظام المفاجئ والإعلان عن تشكيل حكومة إنقاذ فرضا على السوريين المبادرة للحفاظ على هذا «النصر»، والتعاون مع حكومة الإنقاذ التي لم تختبرهم ولم يختبروها، في إجماع شبه عام، على أن يمارس الجميع أدوارهم في مستقبل جديد ما داموا حلموا به، ودفعوا ثمنه باهظاً.

ومن دمشق إلى حمص وطرطوس واللاذقية والقرى والبلدات، تُعْقد الاجتماعات المصغرة والموسعة وسط اتصالات لا تهدأ، لتتحول البلاد بين ليلة وضحاها إلى خلية نحل، وسط توافد لوسائل الإعلام العالمية، وازدياد حركة العائدين السوريين من الشتات، التي بدأ أول انعكاساتها الإيجابية في تحسُّن قيمة العملة المحلية، حيث هبط سعر الدولار الأميركي من 30 ألف ليرة في دمشق ليلة سقوط النظام، إلى 11 ألف ليرة سورية، الأحد.

سلمى صياد الناشطة النسوية ومديرة «ملتقى نيسان الثقافي» في جرمانة، قالت لـ(الشرق الأوسط): «كل يوم هناك مبادرة أو اثنتان»، ما يذكِّر بالنشاط الذي جرى عام 2011 عندما خرجت الاحتجاجات الشعبية ضد النظام. «كانت هناك مبادرات تشمل كل شيء بدءاً من الدعم النفسي للضحايا، وإغلاق ملف المعتقلين والمفقودين، وطرح المخاوف النسوية ومكونات المجتمع». وعن المبادرات في مدينة جرمانة جنوب دمشق، قالت دَعَوْنَا إلى تغيير اسم الساحة من ساحة «الرئيس» إلى ساحة «الكرامة»، ورفعنا شعار «سوريا لكل السوريين... جرمانة ترحب بكم»، باحتفالية شعبية. وقبلها بساعتين تطوع الشباب لتنظيف الشارع العام، وكل يوم هناك مبادرات من هذا القبيل.

ولفتت صياد إلى أن حجم التجاوب الشعبي مع المبادرات منذ الأيام الأولى كان مفاجئاً باتساعه، «عندما دعونا إلى جنازة الشهيد تحت التعذيب (مازن حمادة)، كنا نحو 200 شخص في نقطة الانطلاق من أمام (مشفى المجتهد)، وعندما وصلنا ساحة الحجاز كان العدد بالآلاف، من كان في الشارع انضم للتشييع، فالجميع لديه تعطُّش للمشاركة والإدلاء برأيه».

وفي مواجهة حملات التخويف من «هيئة تحرير الشام» واحتمالات فرضها «نموذج الحكم الإسلامي»، مع ازدياد الالتفاف الشعبي حول القائد أحمد الشرع، بدأ السوريون، لا سيما نشطاء المجتمع المدني والنسويات، بالدعوة لعقد لقاءات لبحث دورهم في المرحلة المقبلة وطرق التعاون مع الحكومة التي لا تعرفهم ولا يعرفونها، لصياغة هُوية وطنية بوصفها معبّراً عن وجودها وثقلها في الواقع السوري، فالقادمون من الشمال حملوا معهم تطمينات للأقليات الدينية، إلا أنهم لم يلتقوا حتى اليوم بالمجتمع المدني بتوجهاته الفكرية المتنوعة

مصلية في كنيسة قربة معلولا شمال دمشق الأحد (إ.ف.ب)

في دمشق، التقت مجموعة نشطاء مدنيين في أحد مقاهي حي القصور، يوم السبت، لبحث كيفية حضورهم في الشأن العام، بالتعاون مع السلطة الجديدة، في الوقت الذي كانت فيه مجموعة من الناشطات في معتقل صيدنايا يبادرن إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من وثائق في المعتقل كيلا تتعرض للضياع نتيجة الفوضى، وبالتوازي دعت سيدات من النخبة الاجتماعية والثقافية إلى لقاء نسوي، الأحد، بحي الروضة، وآخر مماثل في جرمانة جنوب دمشق يُعْقَد، الاثنين، بينما دعت مبادرة الحوار المدني في طرطوس، إلى «عقد مؤتمر تأسيسي» في مقهى «نخلة التنين»، الأحد، لصياغة «هوية للتجمع وتصوراته للعمل المدني في محافظة طرطوس». كما شهدت مدينة اللاذقية خلال الأيام القليلة الماضية، اجتماعات عدة بين نشطاء المدينة وذلك إلى جانب اجتماعات أهلية في الأحياء، وتشكيل مجموعات لتنظيم العمل التطوعي في المجال الخدمي.

المحامي جبر الهندي أحد الداعين للاجتماع في حي القصور في دمشق، قال: «الآن بدأنا نُفيق من صدمة سقوط النظام، وباتت الضرورة مُلحة للاجتماع والتفكير بصوت عالٍ، وتبادل الأفكار، وبدء العمل فوراً: «لأن كل الاحتمالات واردة... الآمال كبيرة، لكن التخوفات أكبر».

من جهته، قال المحامي عز الدين الذي شارك في اجتماع حي القصور: «اجتمعنا بوصفنا مجموعة نشطاء مهتمين بالشأن العام، كي نأخذ دورنا في التغييرات الحاصلة على الأرض، ولنكون في الشارع مع الناس لتلبية احتياجاتهم، سواء كانت معرفية أم إغاثية وغيرها، والمساهمة في نشر الوعي حول دور المواطن وتفعليه كي يكون «مؤثراً في القرار واختيار من يمثله في المرحلة المقبلة».

بولس حلاق ناشط في المجتمع المدني ومهتم بالشأن العام، أشار إلى أنه في اليوم التالي لـ«التحرير» بدأت اجتماعات النشطاء والمشاركة بالتفكير بطريقة عملية من منطلق «نحن أشخاص متعددو الاختصاصات جَمَعَنا هَمٌّ واحد وهو هَمّ البلد، ونحن موجودون في دمشق ونعمل منذ عام 2011 سواء بالسر أم بالعلن وغالباً بالسر. وبعد مجيء سلطة تمكنت من تحرير البلد ضمن ظروف دولية لن نناقشها، لأنها جيدة وإيجابية، حان الوقت لرفع صوتنا، وتحديد دورنا في سوريا الجديدة، والتعبير عما نراه مناسباً لخير البلد، بعيداً عن الافتراضات المسبقة بأنها ستفرض علينا أمراً واقعاً، وما قد يُبنى على تلك الافتراضات من تشكيل كيانات في مواجهة هذه السلطة.

وأكد حلاق: «نحن لنا دورنا، ونحن حاضرون ونعمل، ودفعنا أثماناً مثل أي سوري آخر، وحان الوقت كي نبادر إلى العمل، وألا ننتظر ما سيقدمه الآخرون».

الباحثة والخبيرة الاقتصادية رشا سيروب، قالت إن حالة التغييب السياسي والثقافي والفكري لعقود طويلة تفرض على المجتمع المحلي أن ينشط الآن بشكل كبير لتعويض غياب الدور التقليدي للأحزاب، علماً أنها كانت كثيرة في عهد النظام السابق لكنها كانت «من دون دور»؛ لذلك على المجتمع المدني العمل على «نشر الوعي والثقافة بالمفاهيم المدنية، كمفهوم الدولة والحفاظ على الدولة، والانتماء والولاء، والتركيز على أن الانتماء الولاء هو للدولة وليس لمن يحكم هذه الدولة». ولفتت سيروب إلى أن التغيير المفاجئ الذي حصل أثار مخاوف المجتمع المدني، «ليس اعتراضاً، وإنما خشية من تجارب سابقة في دول أخرى».

غازي محمد المحمد سجين سابق في أحد سجون دمشق مع والدته في منزلهما في سرمدا بمحافظة إدلب خلال خمسة أشهر ونصف الشهر في السجن فقد غازي 40 كيلوغرامًا (أ.ف.ب)

حبيب برّازي ناشط سياسي ومعتقل سابق، رأى أن تغييب المجتمع المدني في الفترة السابقة، جعل السلطة تنفرد بكل شيء، وأن تفعيل المجتمع المدني في سوريا، اليوم، بكل أشكاله سواء كان تجمعات اجتماعية أم ثقافية أم سياسية أم جمعيات أهلية أو نقابات، وغيرها هو «ما يشكل قوة رأي عام أساسية معادلة لأي قوة ثانية ستفرض نفسها. وشدد على أنه إذا لم يوجد النشطاء على الأرض ليأخذوا مواقعهم، لا يمكن لوم الآخر إذا استأثر بكل المواقع. كما لفت إلى ضرورة عدم الاستسلام للتوقعات والمخاوف المسبقة، مثل أنه «إذا جرت انتخابات فسوف يفوزون، علينا، رفع أصواتنا، وتعليم الناس رفع صوتها، وتشكيل رأي عام».


مقالات ذات صلة

السعودية توقع اتفاقات استراتيجية مع سوريا لتطوير قطاعات حيوية

الاقتصاد وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح خلال إعلانه عن توقيع اتفاقات استراتيجية مع سوريا في دمشق (إكس)

السعودية توقع اتفاقات استراتيجية مع سوريا لتطوير قطاعات حيوية

​قال وزير الاستثمار السعودي ‌خالد الفالح، ‌السبت، ⁠إن ​المملكة ‌ستستثمر 7.5 مليار ريال (⁠ملياري دولار) لتطوير ‌مطارين في مدينة حلب السورية على مراحل عدة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ونائب رئيس الحكومة طارق متري ووزيرا العدل اللبناني عادل نصار والسوري مظهر اللويس إثر توقيع اتفاقية نقل السجناء من لبنان إلى سوريا (رئاسة الحكومة)

لبنان وسوريا يوقّعان اتفاقية لنقل أكثر من 300 سجين إلى دمشق

وقّع لبنان وسوريا، الجمعة، اتفاقية لنقل المحكومين من بلد صدور الحكم إلى بلد جنسية المحكوم، في خطوة قضائية تفتح الباب أمام تسليم أكثر من 300 سجين سوري.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مقاتلون من «قسد» يرحبون بقافلة تابعة لوزارة الداخلية السورية إلى القامشلي في شمال شرقي سوريا (أ.ب)

دمشق تتحرك لتنفيذ اتفاقها مع «قسد» وسط دعم إقليمي ودولي

تواصل دمشق خطواتها لتنفيذ اتفاق مع «قسد»، تشمل دمجاً تدريجياً لعناصرها وانتشاراً في شمال شرقي سوريا واستعادة منشآت حيوية، وسط دعم إقليمي ودولي.

«الشرق الأوسط» (لندن - باريس)
المشرق العربي قائد «قسد» مظلوم عبدي في مقابلة مع وكالة «رويترز» بالحسكة 19 ديسمبر 2024 (رويترز)

قائد «قسد»: بحثت مع وزير خارجية فرنسا اتفاق 29 يناير ومكافحة «داعش»

قال قائد قوات سوريا الديمقراطية «قسد» مظلوم عبدي، إنه بحث مع وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو، سبل تنفيذ الاتفاق الموقع مع الحكومة السورية ومكافحة تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

«سنهرب ونقتلكم»... حراس عراقيون يتلقون تهديدات من سجناء «داعش»

حافلة ضمن قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
حافلة ضمن قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

«سنهرب ونقتلكم»... حراس عراقيون يتلقون تهديدات من سجناء «داعش»

حافلة ضمن قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
حافلة ضمن قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

يواصل العراق عمليات نقل السجناء الذين يعتقد أن غالبيتهم ينتمون إلى تنظيم «داعش» الإرهابي إلى السجون العراقية، في إطار صفقة سابقة بين بغداد وواشنطن والتحالف الدولي الذي يقوده الأميركيون لمحاربة التنظيم، وذلك للحيلولة دون هروبهم من السجون بعد حالة الاضطراب التي شهدتها مناطق في شمال شرقي سوريا «التي تضم مخيمات وسجوناً تضم آلافاً من عناصر التنظيم وعائلاتهم» خلال الشهر الماضي.

وتشير مصادر أمنية عراقية إلى أن بعض السجناء أقدموا على تهديد الجنود والحراس الأمنيين العراقيين في أثناء عمليات نقلهم، قائلين: «سنقتلكم عند هروبنا من السجن»، في مؤشر على استمرار النزعة العنيفة لدى عناصر التنظيم حتى وهم قيد الاحتجاز.

وكان العراق قد وافق رسمياً خلال الشهر الماضي على تسلّم آلاف السجناء من عناصر التنظيم المعتقلين في شمال شرقي سوريا «الخاضعة لسيطرة (قوات سوريا الديمقراطية)»، في خطوة وصفتها الحكومة بأنها «استباقية» لحماية الأمن القومي العراقي ومنع هروب هؤلاء، خصوصاً في ظل هشاشة الوضع الأمني في تلك المناطق.

وأقر المجلس الوزاري للأمن الوطني العراقي نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي تشكيل لجنة أمنية عليا للإشراف الكامل على عملية نقل السجناء والتعامل معهم، بما يشمل الجوانب الأمنية والقضائية واللوجيستية.

قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

محاكمة المتورطين

وأعلنت خلية الإعلام الأمني، السبت، عن تسلم 2250 إرهابياً من الجانب السوري، وبدء إجراءات تصنيفهم قضائياً «وفق القوانين العراقية النافذة الخاصة بمكافحة الإرهاب».

وقال رئيس خلية الإعلام الأمني الفريق سعد معن، في تصريح لوكالة الأنباء الرسمية: «العراق تسلّم 2250 إرهابياً من الجانب السوري براً وجواً، بالتنسيق مع التحالف الدولي، وبجهود كبيرة من القوات الأمنية، واحتجازهم في مراكز نظامية مشددة».

وأكد معن أن «الحكومة والقوات الأمنية على استعداد كامل للتعامل مع هذه الأعداد، لدرء الخطر ليس فقط عن العراق، وإنما على مستوى العالم»، مشيراً إلى أن «الفرق المختصة باشرت عمليات التحقيق الأولي وتصنيف هؤلاء العناصر وفقاً لدرجة خطورتهم، فضلاً عن تدوين اعترافاتهم تحت إشراف قضائي مباشر».

وأضاف أن «المبدأ الثابت هو محاكمة جميع المتورطين بارتكاب جرائم بحق العراقيين، والمنتمين إلى تنظيم (داعش) الإرهابي، أمام المحاكم العراقية المختصة»، لافتاً إلى أن «وزارة الخارجية تجري اتصالات مستمرة مع دول عدة بخصوص بقية الجنسيات».

وأوضح أن «عملية تسليم الإرهابيين إلى بلدانهم ستبدأ حال استكمال المتطلبات القانونية»، مع استمرار الأجهزة الأمنية في أداء واجباتها الميدانية والتحقيقية بهذا الملف.

وفي السياق ذاته، أعلن مجلس القضاء الأعلى الأسبوع الماضي فتح إجراءات التحقيق مع 1387 عنصراً من كيان «داعش» الإرهابي الذين جرى تسلّمهم مؤخراً من الأراضي السورية.

وسبق أن قال القاضي رحيم العكيلي لـ«الشرق الأوسط» إن من الممكن «تقديم المعتقلين الذين تسلمهم العراق من سوريا للمحاكمة أمام المحاكم الجزائية العراقية إذا وُجهت إليهم تهمة ارتكاب جريمة في خارج العراق من الجرائم الماسة بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي»، إلى جانب تهم أخرى، لكنه «شكّك» في إمكانية الحصول على أدلة إدانة قاطعة في بعض القضايا.

السلطة القضائية العراقية بدأت التحقيق مع أكثر من 1300 محتجز من تنظيم «داعش» نُقلوا من سوريا (أ.ف.ب)

إجراءات نقل مشددة

وقالت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط» إن «معظم السجناء الذين يُنقلون من سوريا يودعون في سجون ومراكز احتجاز في بغداد والحلة»، وهما منطقتان تضمان منشآت احتجاز عالية التحصين.

وأضافت أن «جهاز مكافحة الإرهاب يتولى الإشراف على عمليات النقل والتوزيع»، موضحة أن «أرجل وأيدي السجناء تُقيّد مع وضع أغطية لحجب وجوههم»، وأن «بعضهم يوجه شتائم وتهديدات مباشرة إلى الحراس الأمنيين بالقتل في حال تمكنهم من الهروب، في حين يلوذ آخرون بالصمت».

وأشارت المصادر إلى أن «الأوامر مشددة للعناصر الأمنية بعدم الحديث مع السجناء أو الاحتكاك بهم»، وأن «غالبية الحراس لا يعرفون الجنسيات المختلفة التي ينحدر منها السجناء»، في إطار إجراءات تهدف إلى «تقليل المخاطر ومنع أي محاولات تواصل أو اختراق أمني».

Your Premium trial has ended


واشنطن توافق على مبيعات عسكرية للعراق بـ90 مليون دولار

عناصر من قوات الأمن العراقية (أ.ف.ب- أرشيفية)
عناصر من قوات الأمن العراقية (أ.ف.ب- أرشيفية)
TT

واشنطن توافق على مبيعات عسكرية للعراق بـ90 مليون دولار

عناصر من قوات الأمن العراقية (أ.ف.ب- أرشيفية)
عناصر من قوات الأمن العراقية (أ.ف.ب- أرشيفية)

أكد حسين علاوي، مستشار رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد السوداني، تقارير عن موافقة الولايات المتحدة الأميركية على صفقة بقيمة 90 مليون دولار من برنامج المبيعات العسكرية الخارجية، لدعم البنية التحتية الأمنية للعراق.

واعتبر علاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن مسار التعاون «دلالة على عمق العلاقات العراقية- الأميركية، ونجاح الحكومة والوزارات العراقية في نقل العلاقة المشتركة من الأمن إلى الخدمات والتجهيزات والمتطلبات ذات الارتباط بالشأن الاقتصادي العراقي، وأوليات الدعم الأمني واللوجستي للاستقرار».

وتأتي تقارير الصفقة العسكرية المحتملة في ظل تحديات إقليمية، وكذلك حالة التوتر السياسي بين بغداد وواشنطن، بعد الرفض الذي أعلنته الأخيرة لترشيح زعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي لمنصب رئاسة الوزراء في الحكومة الجديدة.

وذكر المستشار الحكومي أن الصفقة المحتملة تشير إلى أن بلاده «مهتمة ببناء قدراتها التقنية والفنية الأمنية، لفحص المواد الداخلة إلى البلاد، عبر العمل مع الشركات ذات الخبرة والتكنولوجيا الأمنية، لحماية البلاد، وتعزيز قدراتها في إدارة الأمن الداخلي في فحص المواد المستوردة».

وتحدث علاوي عن «الاستثمار الذي تقوم به الحكومة العراقية لتقدم العلاقات في ضوء اتفاقية الإطار الاستراتيجي مع واشنطن، والذي عملت عليه خلال السنوات الثلاث الماضية، عبر تطوير اللجنة العليا المشتركة، ومساحات العمل ما بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والحكومة الأميركية والشركات الأميركية، بهدف تعزيز العلاقات، ونقلها من صورة الأمن إلى التنمية». وعن أن الحكومة «تهدف من هذه التعاقدات إلى تعزيز قدرة العراق العاملة على معالجة التهديدات الأمنية الحالية والناشئة، لتعزيز التنمية والاستقرار».

وطبقاً للتقارير، يسعى العراق إلى تمديد الخدمات اللوجستية المتعاقد عليها لمدة عامين إضافيين، ويقال إن برنامج المبيعات العسكرية الخارجية المقترح يتماشى مع السياسة الخارجية الأميركية ومصالحها الأمنية.

القوات الأمنية العراقية خففت إجراءات الحماية بمحيط السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)

خدمات لوجستية

وذكر موقع «army technology» أن الصفقة تركز على صيانة ودعم معدات المسح الضوئي «VACIS XPL» المنتشرة على حدود العراق. وأشار إلى أن الحكومة العراقية طلبت في وقت سابق تمديداً لمدة عامين للخدمات اللوجستية المتعاقد عليها لأنظمة «VACIS XPL»، المصممة لفحص المركبات، بحثاً عن الأسلحة والمواد الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية والمخدرات، وغيرها من الممنوعات.

وحسب وكالة التعاون الأمني ​​الدفاعي، فإن عملية البيع المقترحة تهدف إلى تعزيز قدرة العراق على مواجهة التهديدات الأمنية الحالية والناشئة، من خلال ضمان استمرار تشغيل أنظمة المسح الخاصة به عند نقاط التفتيش الحدودية.

كما أن هذه الموافقة تتوافق مع أهداف السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة، من خلال تعزيز قدرة دولة شريكة يُنظر إليها على أنها تساهم في الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط.

وأشار التقرير إلى أن «وكالة التعاون الأمني ​​الدفاعي» أكدت أن الصفقة لن تغير التوازن العسكري في المنطقة، ولن تتطلب وجود أفراد إضافيين من الحكومة الأميركية أو المتعاقدين معها في العراق.


حزب المالكي يؤكد التمسك بترشيحه لرئاسة الحكومة العراقية

إحدى جلسات البرلمان العراقي (إ.ب.أ)
إحدى جلسات البرلمان العراقي (إ.ب.أ)
TT

حزب المالكي يؤكد التمسك بترشيحه لرئاسة الحكومة العراقية

إحدى جلسات البرلمان العراقي (إ.ب.أ)
إحدى جلسات البرلمان العراقي (إ.ب.أ)

بعد أكثر من شهرين على إجراء الانتخابات التشريعية في العراق، لا يزال المشهد السياسي يراوح مكانه، في ظل تعطّل البرلمان عن أداء مهامه الدستورية، وعجز القوى السياسية عن التوصل إلى تسويات تفتح الطريق أمام تشكيل حكومة جديدة، وسط تمسك زعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي بالترشح لمنصب رئيس الوزراء، واستمرار الخلاف الكردي حول منصب رئاسة الجمهورية.

ونفى ائتلاف «دولة القانون» أنباءً تحدثت عن احتمال انسحاب المالكي من سباق الترشح، مقابل الاتفاق على مرشح بديل من داخل الائتلاف، في وقت لا تزال فيه العقدة الكردية قائمة بين الحزبين الرئيسيين، «الديمقراطي الكردستاني» و«الاتحاد الوطني الكردستاني»، بشأن هوية مرشح رئاسة الجمهورية، وهو المنصب المخصص عرفاً للكرد منذ عام 2005.

كان البرلمان العراقي قد دعا، أكثر من مرة، إلى عقد جلسة مخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية، غير أن أياً من هذه الجلسات لم ينجح بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني، المحدد بحضور ثلثي أعضاء المجلس البالغ عددهم 329 نائباً. ففي الجلسة الأولى حضر 85 نائباً فقط، فيما لم يتجاوز عدد الحضور في الجلسة الثانية 75 نائباً، رغم إدراج انتخاب الرئيس مرة كبند وحيد على جدول الأعمال، ومرة أخرى كبند ثانٍ بعد مناقشة ملف المياه والجفاف.

ويعد انتخاب رئيس الجمهورية خطوة مفصلية في العملية السياسية، إذ يكلف الرئيس المنتخب لاحقاً مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة خلال مدة زمنية محددة، ما يجعل استمرار التعطيل سبباً مباشراً في إطالة أمد الفراغ التنفيذي.

من اللقاء الموسع بين وفد «الإطار التنسيقي» والقيادة الكردية في أربيل برئاسة مسعود بارزاني (وكالة الأنباء العراقية)

انسداد سياسي

في محاولة لكسر حالة الانسداد، كان وفد من «الإطار التنسيقي» زار مدينتي أربيل والسليمانية، ضم رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بصفته زعيم تحالف «الإعمار والتنمية»، إلى جانب هادي العامري، زعيم منظمة «بدر»، ومحسن المندلاوي، النائب الأول السابق لرئيس البرلمان.

غير أن الزيارة، حسب مصادر سياسية، لم تحقق اختراقاً يذكر، بل أسهمت في تعميق الخلافات، سواء داخل «البيت الكردي» أو بين قوى «الإطار التنسيقي» و«الحزب الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني.

وتشير المعطيات إلى أن موقف «الحزب الديمقراطي الكردستاني» من ترشيح المالكي شهد تحولاً لافتاً، لا سيما بعد تغريدة للرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب حذر فيها من عواقب تعيين المالكي رئيساً الحكومة.

وكان بارزاني قد بادر، في وقت سابق، إلى تهنئة المالكي، قبل أن يتغير المشهد مع تصاعد الضغوط السياسية الإقليمية والدولية.

في المقابل، قررت قوى «الإطار التنسيقي» منح نوابها حرية التصويت لأي من المرشحين الكرد لمنصب رئاسة الجمهورية، وهو ما فسرته أوساط «الحزب الديمقراطي الكردستاني» على أنه خطوة تصب عملياً في مصلحة مرشح «الاتحاد الوطني الكردستاني»، في ظل توقعات بأن يؤدي «التصويت الحر» إلى ترجيح كفة الأخير، خصوصاً في الجولة الثانية من التصويت التي تتطلب أغلبية بسيطة، بعد فشل الجولة الأولى التي تحتاج إلى أغلبية الثلثين.

ويرى مراقبون أن تباين المواقف داخل التحالفات الكبرى، وعدم قدرة أي طرف على ضمان أغلبية حاسمة، يعكسان اختلالاً واضحاً في موازين القوى، ويُنذران بإطالة أمد الأزمة السياسية.

تحالف الإطار التنسيقي في العراق رشح نوري المالكي لرئاسة الحكومة رغم التحفظات (أ.ب)

«المالكي باقٍ»

في هذا السياق، أكد قيادي في ائتلاف «دولة القانون» عدم وجود أي نية لدى المالكي للتراجع أو الانسحاب من الترشح لمنصب رئيس الوزراء.

وقال ضياء الناصري، القيادي في الائتلاف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «لا نية لتراجع المالكي أو انسحابه من الترشيح، فضلاً عن تقديم مرشح بديل، لأن الأمر منتفٍ بانتفاء الموضوع».

وكان مصدر سياسي قد أبلغ «الشرق الأوسط»، الجمعة، بوجود «نية لدى المالكي للانسحاب من سباق الترشح، شريطة أن يكون البديل من داخل ائتلافه (دولة القانون)»، وهو ما من شأنه، حسب المصدر، أن يضع زعيم تحالف «الإعمار والتنمية» محمد شياع السوداني، الحاصل على أعلى الأصوات في الانتخابات الأخيرة، أمام إعادة النظر في موقفه الداعم للمالكي.

غير أن الناصري شدد على أن المالكي «متمسك بقرار (الإطار التنسيقي)، باعتباره يمثل الكتلة النيابية الأكثر عدداً»، مؤكداً أن «(الإطار) وحده هو من يقرر المضي في الترشيح من عدمه»، وأضاف أن «الحوارات مستمرة مع مختلف الأطراف السياسية لتفكيك نقاط الخلاف، وأن بعض هذه الحوارات تحقق تقدماً ملموساً».

وبشأن رئاسة الجمهورية، دعا الناصري الحزبين الكرديين الرئيسيين إلى «التوصل إلى اتفاق وحسم اسم المرشح»، مشيراً إلى أنه «في حال استمرار الخلاف، فقد وجه النواب إلى اختيار المرشح الذي يرونه مناسباً، وفقاً للمصلحة الوطنية العليا، وبما ينسجم مع تطلعات العراقيين والتحديات الراهنة».

مقاطعة

على صعيد آخر، وفي خضم الخلافات داخل «الإطار التنسيقي»، قرر ائتلاف «دولة القانون» مقاطعة قناة «العهد» الفضائية، التابعة لحركة «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي.

وقال مصدر مسؤول في الائتلاف إن «قراراً رسمياً صدر بمقاطعة القناة، بسبب تناغمها وترويجها لمواقف رئيس حزب (تقدم) محمد الحلبوسي، وشخصيات جدلية أخرى، ضد ترشيح نوري المالكي».

وكان الحلبوسي قد أعلن، في مقابلة تلفزيونية، معارضته الصريحة لترشيح المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة. كما يتردد أن زعيم «عصائب أهل الحق» قيس الخزعلي أحد المتحفظين على منح المالكي ولاية ثالثة، إلى جانب كل من عمار الحكيم وشبل الزيدي، في قائمة المعترضين داخل «الإطار التنسيقي» على ترشيح المالكي.